التخطي إلى المحتوى الرئيسي

دلالات "الصلاة" في القرآن الكريم: من الصلة الشاملة إلى الشعيرة المخصوصة بقلم الناصر خشيني


 تقديم
يذكر عدد من الباحثين في الدلالة القرآنية أن لفظ "الصلاة" ومشتقاته ورد في القرآن الكريم نحو تسع وتسعين مرة، وهو رقم يستوقف كل قارئ متأمل: فهل يعقل أن يتكرر لفظ واحد بهذا الحجم ليدل حصرا على شعيرة حركية محددة الأركان والهيئة، أم أن اللفظ يحمل حمولة دلالية أوسع تتصل بجوهر العلاقة بين الإنسان وربه، وبينه وبين الكون الذي استخلف فيه، وبينه وبين مجتمعه الذي أُمر أن يقيم فيه العدل ويقطع دابر الفساد؟ هذا هو السؤال المركزي الذي يحاول هذا المقال مقاربته، من غير ادعاء اليقين القاطع، وإنما استئناسا بالسياقات القرآنية ذاتها.
أولا: الصلاة بوصفها صلة لا حركة
يذهب بعض الباحثين المحدثين في الدلالة القرآنية إلى أن جذر "صلى" في أصله اللغوي يحيل إلى معنى الاتصال والارتباط، لا إلى هيئة بدنية بعينها، مستندين إلى أن القرآن يستعمل اللفظ في سياقات لا علاقة لها بالركوع والسجود مطلقا، من ذلك قوله تعالى في وصف صلاة الله وملائكته على النبي:
"إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا" (الأحزاب: 56)
فمن غير المتصور أن يكون المقصود هنا حركة الركوع والسجود، وإنما هو صلة ومدد ورعاية. وكذلك قوله في الأمر بالصلاة على المصدّقين:
"خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ" (التوبة: 103)
فالصلاة هنا اتصال معنوي ودعاء وتزكية، لا هيئة جسدية. من هذه الشواهد ينطلق أصحاب هذه القراءة إلى القول إن الصلاة، في أصلها، هي "الصلة" الجامعة بثلاثة أبعاد متكاملة لا ينفصل بعضها عن بعض.
ثانيا: الأبعاد الثلاثة للصلة القرآنية
1. الصلة بالله
هي البعد الأول والأظهر، ويتمثل في الاستعانة والدعاء والذكر، كما في قوله:
"وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ" (البقرة: 45)
وقوله في وصف أثرها الأخلاقي المباشر:
"إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ" (العنكبوت: 45)
فالآية لا تصف الصلاة بوصفها غاية في ذاتها، بل بوصفها وسيلة إلى أثر أخلاقي في سلوك الإنسان: النهي عن الفحشاء والمنكر. وهذا ما يفتح الباب مباشرة إلى البعدين الآخرين.
2. الصلة بالكون: عمارة لا إفساد
يربط القرآن على نحو متكرر بين موقع الإنسان في الأرض وبين واجب العمارة وتحريم الإفساد:
"وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا" (الأعراف: 56)
"وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ" (البقرة: 205)
فإذا كانت الصلاة صلة حقيقية بالله، فإن مقتضاها الطبيعي هو أن تنعكس على علاقة الإنسان بالأرض التي استُخلف فيها، فيعمّرها ولا يُفسد فيها، بدل أن تكون الصلة معزولة عن سلوك الإنسان في محيطه الطبيعي.
3. الصلة بالمجتمع: العدل والحرية والتضامن
هذا هو البعد الذي يبرزه القرآن بأشد الوضوح حين يفضح انفصال الشعيرة عن مقصدها الاجتماعي، كما في سورة الماعون:
"فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ * وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ" (الماعون: 4-7)
فالويل هنا لم يوجَّه لمن ترك الصلاة الحركية، بل لمن أقامها شكلا وأفرغها من مضمونها الاجتماعي، فمنع العون عن الناس. وفي المقابل يربط القرآن الصلاة المقبولة بالإنفاق والزكاة في آيات متتالية:
"الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ" (البقرة: 3)
كما تربط سورة المؤمنون بين الصلاة والخشوع من جهة، وبين حفظ الأمانات والعهود والابتعاد عن الفواحش من جهة أخرى (المؤمنون: 1-9)، فتُقدَّم الصلاة بوصفها منظومة أخلاقية-اجتماعية متكاملة، أساسها العدل وصون الحقوق وحفظ العهد، لا مجرد أداء بدني منعزل.
ثالثا: الصلاة الحركية في القرآن — تسمية محدودة ومواقيت مرنة
حين ننتقل إلى البعد الحركي التعبدي للصلاة، فإن المتتبع لنص القرآن يلحظ أمرا لافتا: لم يسمِّ القرآن صراحة إلا صلاتين اثنتين بأسمائهما:
"أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ ۖ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا" (الإسراء: 78)
ففي هذه الآية يذكر القرآن "قرآن الفجر" صراحة، ويشير إلى صلاة أخرى عند "غسق الليل" (العشاء). أما تحديد المواقيت العامة، فقد جاء بصيغة "طرفي النهار" لا بتفصيل الفرائض الخمس:
"وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ ۚ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ۚ ذَٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّاكِرِينَ" (هود: 114)
فطرفا النهار هما الغدوّ والعشيّ (الفجر والمغرب/العشاء)، و"زُلَفًا من الليل" تشير إلى ساعات متقدمة منه، ويُفهم من سياقها اقترانها بـ"قرآنا" أي بالقراءة والتلاوة، كما في آية الإسراء نفسها ("وقرآن الفجر"). ويؤكد هذا المعنى قوله في سورة طه:
"وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَىٰ" (طه: 130)
وقوله في سورة الروم:
"فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ" (الروم: 17)
فالنص القرآني، بحسب هذه القراءة، يقدّم إطارا عاما مرنا يتمحور حول طرفي النهار (الفجر والعشيّ) وساعة من الليل، لا تفصيلا فقهيا صارما للعدد والهيئة، وهو ما يفتح الباب أمام سؤال جوهري: هل جاء التفصيل الدقيق للفرائض الخمس وهيئاتها من مصدر تكميلي خارج النص القرآني ذاته، أم أن القرآن أراد أصلا ترك الهيئة مفتوحة، مركّزا على المقصد الأعظم: الصلة بالله الذي يتجلى أثرها في الصلة بالكون والمجتمع؟
خاتمة
إن قراءة لفظ "الصلاة" في القرآن على أنه صلة جامعة، لا شعيرة حركية منعزلة، لا تلغي البعد التعبدي، بل تعيد له معناه الأصلي: أن تكون العبادة طريقا إلى إصلاح الإنسان في علاقته بربه وبأرضه وبمجتمعه معا. فمن أقام "صلاته" شكلا وفرّغها من العدل والتضامن ومنع الماعون عن الناس، فهو ممن قال فيهم القرآن "فويل للمصلين"فهل يعقل ان يكون عربي ومسلم ويؤدي صلاته ويعترف بالكيان الصهيوني الذي اجرم في حق العرب والمسلمين وقتل اطفالهم ونساءهم وشيوخهم وشبابهم بلا رحمة. وهذه، في تقديرنا، هي القراءة الأجدر بأن تُعيد الاعتبار لمقصد النص، بعيدا عن اختزاله في هيئة بلا مضمون

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قطاع الفوسفات في تونس بعد 2011: من ريادة الإنتاج إلى متاهات الأزمة الهيكلية ​بقلم: الناصر خشيني

  ​يعتبر قطاع الفوسفات في تونس أكثر من مجرد نشاط منجمي؛ إنه الشريان الحيوي للاقتصاد الوطني والعمود الفقري للتنمية في مناطق الحوض المنجمي. إلا أن هذا القطاع دخل منذ عام 2011 في نفق مظلم من الأزمات المتراكمة التي مست مفاصل الإنتاج والتسويق والإدارة، مما حوله من قاطرة للنمو إلى عبء تقني ومالي يتطلب وقفة تحليلية جادة لفهم مكامن الخلل وسبل الاستشراف المستقبلي. ​أولاً: أزمة الإنتاج.. بين المطلب الاجتماعي والتعطل التقني ​لقد تراجع حجم الإنتاج الوطني من الفوسفات الخام بشكل حاد، حيث انحدر من سقف 8 مليون طن في سنة 2010 إلى مستويات لا تتجاوز 4 مليون طن في أفضل الحالات خلال العقد الأخير. هذا التقهقر يعود بالأساس إلى: ​الاحتقان الاجتماعي: تحول الحوض المنجمي إلى ساحة للاحتجاجات المستمرة والاعتصامات المطالبة بالتنمية والتشغيل، وهو ما أدى إلى توقف متكرر لمحركات الإنتاج في المغاسل والمناجم. ​معضلة اللوجستيك والنقل: تعاني منظومة نقل الفوسفات عبر السكك الحديدية من تهالك شديد، مما دفع نحو الاعتماد على الشاحنات الخاصة، وهو حل مكلف أدى إلى تضخم تكاليف الإنتاج وضرب نجاعة العملية اللوجستية. ​تقادم المعدات...

​طبيعة الصراع العربي الصهيوني والطريق إلى تحرير فلسطين ​بقلم: الناصر خشيني

مداخلة أُلقيت في مخيم الشباب القومي العربي – نابل، تونس ​مقدمة ​يعود الأصل النظرى لهذا البحث إلى ثمانينيات القرن الماضي، وتحديداً خلال صيف عام 1982 المحموم، إبان الاجتياح الصهيوني للبنان بقيادة السفاح "أرييل شارون". وقد قُدِّم البحث حينها على مسرح الهواء الطلق بمدينة طبرقة التونسية. ومنذ ذلك الوقت، ورغم تسارع الأحداث الإقليمية وتطورها بشكل دراماتيكي، لم يتغير شيء من طبيعة الصراع العربي الصهيوني الجوهرية. وبناءً على مقتضيات التطورات الراهنة التي تعيشها المنطقة، أُعيدت صياغة هذه الرؤية وتعديلها لتواكب الواقع المعاصر. ​لا يزال الصراع في فلسطين بين الأمة العربية والصهاينة على أشده وبلا هوادة، وتسيل الدماء يومياً غزيرة من أبناء شعبنا في فلسطين الكسيرة، ولكن دون تفريط في الحق السليب بشكل نهائي. ورغم الاعتراف المتبادل بين بعض النظم العربية والصهاينة، ورغماً عن اتفاقيات السلام الموقعة، فإن ملايين المشردين الذين أُخرجوا من ديارهم بقوة السلاح لا يزالون يحلمون بالعودة إلى أرض الوطن، يراودهم الأمل يوماً ما طال الزمان أو قصر [1]. ​إن الصهاينة الذين اعتمدوا في احتلالهم للأرض على القوة الغا...

سقوط الأقنعة وخراب الهيكل: قراءة قومية تقدمية في شهادة ثروت الخرباوي على مطبخ الإخوان بقلم: الناصر خشيني

    مقدمة في التوقيت الإقليمي والدولي الراهن، ومواجهةً لمشاريع تفتيت الجغرافيا العربية وسلب إرادتها الوطنية، تبرز الحاجة المعرفية الملحة لتفكيك البنى السرية لجماعات الإسلام السياسي التي شكلت دائماً كابحاً أمام النهوض التاريخي للأمة. من هنا، يأتي هذا المقال المرسل بالتزامن الى "الحوار المتمدن" بمنبريته التقدمية التنويرية، و"رأي اليوم" بمنبرها القومي التحرري ولمواقع اخرى ليقدم قراءة سياسية وفكرية في عمق "المطبخ الداخلي" لحركة الإخوان المسلمين، مستنداً إلى شهادة القيادي السابق ثروت الخرباوي ، كأداة تعرية لأقنعة الزيف وبوابة لإعادة الاعتبار لمشروع الدولة الوطنية التقدمية. لم تكن معركة الفكر القومي التقدمي يوماً مجرد خصومة سياسية عابرة مع جماعات الإسلام السياسي، بل هي معركة وجودية بين مشروعين لا يلتقيان: مشروع الدولة الوطنية الساعي نحو التحرر، والسيادة، والتقدم، ومشروع أممي ظلامي يستهدف تفتيت الجغرافيا وتمزيق الهوية العربية لصالح ولاءات مشبوهة عابرة للحدود. وفي هذا السياق، تكتسب الشهادات القادمة من داخل "المطبخ الداخلي" لهذه الجماعات قيمة استثنائية، ل...