التخطي إلى المحتوى الرئيسي

فلسفة الطهارة بين التحرر القرآني والجمود التراثي بقلم: الناصر خشيني

 


  تقديم

تُشكل المسألة الدينية في وعينا القومي والتقدمي ركيزة أساسية من ركائز التحرر والتنوير، شريطة أن نعود بها إلى نبعها الأصيل الصافي: القرآن الكريم. فالنص القرآني في جوهره ثورة على الأشكال والطقوس الجامدة، ودعوة مستمرة لتزكية الإنسان والارتقاء بوعيه. ومِن أكثر المفاهيم التي تعرضت لـ "الاختطاف الشكلي" وتحولت من غاية إنسانية كبرى إلى هوس طقسي فرعي، هو مفهوم "الطهارة".
حين نتدبر القرآن الكريم بعقل تقدمي يرفض الإغراق في المظاهر، نكتشف مفارقة صارخة بين "إيجاز القرآن وتحرره" وبين "إطناب التراث وجموده".
أولاً: الطهارة في الاستعمال القرآني.. انتصار للمعنى على المبنى
إذا تتبعنا مادة "طهر" ومشتقاتها في القرآن الكريم، سنجد أنها وردت 31 مرة في مواضع وسياقات متنوعة . والملمح الحاسم هنا هو أن الغالبية الساحقة من هذه الآيات جاءت لترسيخ "الطهارة المعنوية والأخلاقية"، لا الطهارة المادية الجسدية .
القرآن الكريم جعل الطهارة غاية كبرى ترتبط بسلامة المجتمعات ونقاء القلوب والتحرر من الأثرة:
  1. التنزّه الأخلاقي والفطري: كقوله تعالى عن خط التميز الأخلاقي: ﴿إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [الأعراف: 82] 
  2. سلامة الباطن والتحرر من النفاق: كقوله: ﴿ذَٰلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: 53] .
  3. التطهير الاجتماعي بالبذل (العدالة الاجتماعية): كقوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: 103]، فالطهارة هنا هي عتق النفس من الشح وتطهير المجتمع من الفوارق الطبقية .
إن هذا التركيز القرآني المكثف على طهارة الروح والمجتمع يؤكد أن الدين جاء لبناء إنسان فاعل، نقي السريرة، منتمٍ لأمته، وليس لإغراقه في وسواس الشكليات البدنيه.
ثانياً: التحرر القرآني من قيد الاصطلاح (غياب "الوضوء" وحضور الفعل)
من أعمق الأدلة على مرونة النص القرآني وعدم رغبته في تكبيل الإنسان بآصار التسميات والتعقيدات، هو الغياب التام للفظ "الوضوء" ومشتقاته في القرآن الكريم.
القرآن لم يتحدث عن "الوضوء" كطقس كهنوتي معزول، بل تحدث عن فعل حركي مباشر، ميسر، يرتبط بالاستعداد النفسي والبدني قبل الصلاة:
﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: 6].
لقد لخص القرآن كل ما يتعلق بطهارة البدن (من غسل للأعضاء، أو اغتسال من الجنابة ﴿فاطَّهَّرُوا﴾، أو التيمم بالصعيد الطيب عند فقدان الماء أو المرض) في آية واحدة جامعة ميسرة . وجاءت خاتمة الآية لتقطع الطريق على أي تشدد مستقبلي: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَٰكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [المائدة: 6]. فالهدف هو التطهير بأقل حرج ممكن.
ثالثاً: الموروث التراثي الإطنابي.. صناعة بشرية وتكبيل للوعي
في مقابل هذا الإيجاز واليسر القرآني، نجد أن التراثيين والفقهاء قد أطنبوا إطناباً هائلاً، فأفردوا في موسوعاتهم ما يُسمى بـ "كتب الطهارة" التي تمتد لمئات الصفحات والمجلدات. وتوسعوا في افتراض الشكوك، وتفريع النواقص، وتصنيف المياه، حتى تحولت "الوسيلة" (وهي نظافة البدن للصلاة) إلى "غاية" تستهلك وقت المسلم وجهده النفسي والذهني.
وهنا يجب أن نقف وقفة تقدمية حازمة لنقرر حقيقتين:
  • الأولى: إن هذا النتاج الفقهي الضخم هو عمل بشري تاريخي خاضع لظروف عصره، وبيئته، وعقليات واضعيه. إنه يعبر عن "فهم" تاريخي متأثر ببيئات معينة، وليس ديناً إلهياً ملزماً لنا في عصرنا الراهن.
  • الثانية: إن الانشغال المفرط بالطهارة المادية رغم اهميتها وضرورتها في حياة الانسان على حساب الطهارة المعنوية والاجتماعية قد ساهم تاريخياً في تزييف وعي الأمة؛ حيث أُشغل الإنسان العربي والمسلم بـ "وساوس الطهارة والوضوء"، بينما تخلّف عن معارك الطهارة الحقيقية: طهارة الأوطان من الاستعمار، وطهارة المجتمعات من الاستبداد والجهل والفقر، وطهارة المؤسسات من الفساد.
خاتمة: نحو وعي قرآني تقدمي
إن المنهج القرآني التقدمي يحتم علينا إعادة ترتيب الأولويات. الطهارة في الإسلام القرآني هي عنوان للجمال، واليسر، ونظافة البدن والعقل والقلب. وحين حصرها الفكر التقليدي في حدود الأحكام الفقهية الضيقة، أفقدها بعدها الرسالي والحضاري.
إننا مدعوون اليوم إلى نفض غبار هذه التفريعات البشرية الجامدة، والعودة إلى رحابة الآية القرآنية الكلية؛ لنبني مجتمعاً طاهراً من الظلم، نقياً من الاستغلال، متوضئاً بالفعل والعمل من أجل رفعة أمتنا وتقدمها الإنساني.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قطاع الفوسفات في تونس بعد 2011: من ريادة الإنتاج إلى متاهات الأزمة الهيكلية ​بقلم: الناصر خشيني

  ​يعتبر قطاع الفوسفات في تونس أكثر من مجرد نشاط منجمي؛ إنه الشريان الحيوي للاقتصاد الوطني والعمود الفقري للتنمية في مناطق الحوض المنجمي. إلا أن هذا القطاع دخل منذ عام 2011 في نفق مظلم من الأزمات المتراكمة التي مست مفاصل الإنتاج والتسويق والإدارة، مما حوله من قاطرة للنمو إلى عبء تقني ومالي يتطلب وقفة تحليلية جادة لفهم مكامن الخلل وسبل الاستشراف المستقبلي. ​أولاً: أزمة الإنتاج.. بين المطلب الاجتماعي والتعطل التقني ​لقد تراجع حجم الإنتاج الوطني من الفوسفات الخام بشكل حاد، حيث انحدر من سقف 8 مليون طن في سنة 2010 إلى مستويات لا تتجاوز 4 مليون طن في أفضل الحالات خلال العقد الأخير. هذا التقهقر يعود بالأساس إلى: ​الاحتقان الاجتماعي: تحول الحوض المنجمي إلى ساحة للاحتجاجات المستمرة والاعتصامات المطالبة بالتنمية والتشغيل، وهو ما أدى إلى توقف متكرر لمحركات الإنتاج في المغاسل والمناجم. ​معضلة اللوجستيك والنقل: تعاني منظومة نقل الفوسفات عبر السكك الحديدية من تهالك شديد، مما دفع نحو الاعتماد على الشاحنات الخاصة، وهو حل مكلف أدى إلى تضخم تكاليف الإنتاج وضرب نجاعة العملية اللوجستية. ​تقادم المعدات...

​طبيعة الصراع العربي الصهيوني والطريق إلى تحرير فلسطين ​بقلم: الناصر خشيني

مداخلة أُلقيت في مخيم الشباب القومي العربي – نابل، تونس ​مقدمة ​يعود الأصل النظرى لهذا البحث إلى ثمانينيات القرن الماضي، وتحديداً خلال صيف عام 1982 المحموم، إبان الاجتياح الصهيوني للبنان بقيادة السفاح "أرييل شارون". وقد قُدِّم البحث حينها على مسرح الهواء الطلق بمدينة طبرقة التونسية. ومنذ ذلك الوقت، ورغم تسارع الأحداث الإقليمية وتطورها بشكل دراماتيكي، لم يتغير شيء من طبيعة الصراع العربي الصهيوني الجوهرية. وبناءً على مقتضيات التطورات الراهنة التي تعيشها المنطقة، أُعيدت صياغة هذه الرؤية وتعديلها لتواكب الواقع المعاصر. ​لا يزال الصراع في فلسطين بين الأمة العربية والصهاينة على أشده وبلا هوادة، وتسيل الدماء يومياً غزيرة من أبناء شعبنا في فلسطين الكسيرة، ولكن دون تفريط في الحق السليب بشكل نهائي. ورغم الاعتراف المتبادل بين بعض النظم العربية والصهاينة، ورغماً عن اتفاقيات السلام الموقعة، فإن ملايين المشردين الذين أُخرجوا من ديارهم بقوة السلاح لا يزالون يحلمون بالعودة إلى أرض الوطن، يراودهم الأمل يوماً ما طال الزمان أو قصر [1]. ​إن الصهاينة الذين اعتمدوا في احتلالهم للأرض على القوة الغا...

سقوط الأقنعة وخراب الهيكل: قراءة قومية تقدمية في شهادة ثروت الخرباوي على مطبخ الإخوان بقلم: الناصر خشيني

    مقدمة في التوقيت الإقليمي والدولي الراهن، ومواجهةً لمشاريع تفتيت الجغرافيا العربية وسلب إرادتها الوطنية، تبرز الحاجة المعرفية الملحة لتفكيك البنى السرية لجماعات الإسلام السياسي التي شكلت دائماً كابحاً أمام النهوض التاريخي للأمة. من هنا، يأتي هذا المقال المرسل بالتزامن الى "الحوار المتمدن" بمنبريته التقدمية التنويرية، و"رأي اليوم" بمنبرها القومي التحرري ولمواقع اخرى ليقدم قراءة سياسية وفكرية في عمق "المطبخ الداخلي" لحركة الإخوان المسلمين، مستنداً إلى شهادة القيادي السابق ثروت الخرباوي ، كأداة تعرية لأقنعة الزيف وبوابة لإعادة الاعتبار لمشروع الدولة الوطنية التقدمية. لم تكن معركة الفكر القومي التقدمي يوماً مجرد خصومة سياسية عابرة مع جماعات الإسلام السياسي، بل هي معركة وجودية بين مشروعين لا يلتقيان: مشروع الدولة الوطنية الساعي نحو التحرر، والسيادة، والتقدم، ومشروع أممي ظلامي يستهدف تفتيت الجغرافيا وتمزيق الهوية العربية لصالح ولاءات مشبوهة عابرة للحدود. وفي هذا السياق، تكتسب الشهادات القادمة من داخل "المطبخ الداخلي" لهذه الجماعات قيمة استثنائية، ل...