تقديم
تُشكل المسألة الدينية في وعينا القومي والتقدمي ركيزة أساسية من ركائز التحرر والتنوير، شريطة أن نعود بها إلى نبعها الأصيل الصافي: القرآن الكريم. فالنص القرآني في جوهره ثورة على الأشكال والطقوس الجامدة، ودعوة مستمرة لتزكية الإنسان والارتقاء بوعيه. ومِن أكثر المفاهيم التي تعرضت لـ "الاختطاف الشكلي" وتحولت من غاية إنسانية كبرى إلى هوس طقسي فرعي، هو مفهوم "الطهارة".
حين نتدبر القرآن الكريم بعقل تقدمي يرفض الإغراق في المظاهر، نكتشف مفارقة صارخة بين "إيجاز القرآن وتحرره" وبين "إطناب التراث وجموده".
أولاً: الطهارة في الاستعمال القرآني.. انتصار للمعنى على المبنى
إذا تتبعنا مادة "طهر" ومشتقاتها في القرآن الكريم، سنجد أنها وردت 31 مرة في مواضع وسياقات متنوعة . والملمح الحاسم هنا هو أن الغالبية الساحقة من هذه الآيات جاءت لترسيخ "الطهارة المعنوية والأخلاقية"، لا الطهارة المادية الجسدية .
القرآن الكريم جعل الطهارة غاية كبرى ترتبط بسلامة المجتمعات ونقاء القلوب والتحرر من الأثرة:
- التنزّه الأخلاقي والفطري: كقوله تعالى عن خط التميز الأخلاقي: ﴿إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [الأعراف: 82]
- سلامة الباطن والتحرر من النفاق: كقوله: ﴿ذَٰلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: 53] .
- التطهير الاجتماعي بالبذل (العدالة الاجتماعية): كقوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: 103]، فالطهارة هنا هي عتق النفس من الشح وتطهير المجتمع من الفوارق الطبقية .
إن هذا التركيز القرآني المكثف على طهارة الروح والمجتمع يؤكد أن الدين جاء لبناء إنسان فاعل، نقي السريرة، منتمٍ لأمته، وليس لإغراقه في وسواس الشكليات البدنيه.
ثانياً: التحرر القرآني من قيد الاصطلاح (غياب "الوضوء" وحضور الفعل)
من أعمق الأدلة على مرونة النص القرآني وعدم رغبته في تكبيل الإنسان بآصار التسميات والتعقيدات، هو الغياب التام للفظ "الوضوء" ومشتقاته في القرآن الكريم.
القرآن لم يتحدث عن "الوضوء" كطقس كهنوتي معزول، بل تحدث عن فعل حركي مباشر، ميسر، يرتبط بالاستعداد النفسي والبدني قبل الصلاة:
﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: 6].
﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: 6].
لقد لخص القرآن كل ما يتعلق بطهارة البدن (من غسل للأعضاء، أو اغتسال من الجنابة ﴿فاطَّهَّرُوا﴾، أو التيمم بالصعيد الطيب عند فقدان الماء أو المرض) في آية واحدة جامعة ميسرة . وجاءت خاتمة الآية لتقطع الطريق على أي تشدد مستقبلي: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَٰكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [المائدة: 6]. فالهدف هو التطهير بأقل حرج ممكن.
ثالثاً: الموروث التراثي الإطنابي.. صناعة بشرية وتكبيل للوعي
في مقابل هذا الإيجاز واليسر القرآني، نجد أن التراثيين والفقهاء قد أطنبوا إطناباً هائلاً، فأفردوا في موسوعاتهم ما يُسمى بـ "كتب الطهارة" التي تمتد لمئات الصفحات والمجلدات. وتوسعوا في افتراض الشكوك، وتفريع النواقص، وتصنيف المياه، حتى تحولت "الوسيلة" (وهي نظافة البدن للصلاة) إلى "غاية" تستهلك وقت المسلم وجهده النفسي والذهني.
وهنا يجب أن نقف وقفة تقدمية حازمة لنقرر حقيقتين:
- الأولى: إن هذا النتاج الفقهي الضخم هو عمل بشري تاريخي خاضع لظروف عصره، وبيئته، وعقليات واضعيه. إنه يعبر عن "فهم" تاريخي متأثر ببيئات معينة، وليس ديناً إلهياً ملزماً لنا في عصرنا الراهن.
- الثانية: إن الانشغال المفرط بالطهارة المادية رغم اهميتها وضرورتها في حياة الانسان على حساب الطهارة المعنوية والاجتماعية قد ساهم تاريخياً في تزييف وعي الأمة؛ حيث أُشغل الإنسان العربي والمسلم بـ "وساوس الطهارة والوضوء"، بينما تخلّف عن معارك الطهارة الحقيقية: طهارة الأوطان من الاستعمار، وطهارة المجتمعات من الاستبداد والجهل والفقر، وطهارة المؤسسات من الفساد.
خاتمة: نحو وعي قرآني تقدمي
إن المنهج القرآني التقدمي يحتم علينا إعادة ترتيب الأولويات. الطهارة في الإسلام القرآني هي عنوان للجمال، واليسر، ونظافة البدن والعقل والقلب. وحين حصرها الفكر التقليدي في حدود الأحكام الفقهية الضيقة، أفقدها بعدها الرسالي والحضاري.
إننا مدعوون اليوم إلى نفض غبار هذه التفريعات البشرية الجامدة، والعودة إلى رحابة الآية القرآنية الكلية؛ لنبني مجتمعاً طاهراً من الظلم، نقياً من الاستغلال، متوضئاً بالفعل والعمل من أجل رفعة أمتنا وتقدمها الإنساني.

تعليقات
إرسال تعليق