مدخل
بالكاد جفّ حبر التوقيع على اتفاق مكة الدفاعي الذي جمع الرياض وأنقرة وإسلام آباد في السابع من آب الجاري، حتى كانت طائرة حوثية مسيّرة تخترق سماء جازان لتصيب مصفاة أرامكو في قلب المنشآت النفطية السعودية. لم تمرّ سوى ساعات معدودة بين احتفالية "التحالف الدفاعي الجماعي" وبين رسالة عسكرية واضحة من صنعاء مفادها: هذا الاتفاق، مهما كانت ضخامة الأسماء الموقعة عليه، لا يردعنا ولا يخيفنا.
والمفارقة هنا ليست شكلية، بل هي جوهر الأزمة التي يرفض الخطاب الرسمي العربي مواجهتها: ثالوث سنّي موصوف بالولاء لواشنطن، لا يمانع طرفاه التركي والسعودي، كل بحساباته الخاصة، في مدّ جسور التطبيع مع الكيان الصهيوني أو التعايش معه إقليميًا، يخرج من قاعة التوقيع ليجد نفسه عاجزًا عن حماية مصفاة نفط واحدة من طائرة صغيرة انطلقت من أفقر بلد عربي.
السؤال الذي يتهرب منه الجميع
من أين يستمد الحوثيون كل هذه الجرأة؟ هذا هو السؤال الذي يتفادى الإعلام الرسمي الخليجي طرحه بصراحة، لأن الإجابة عنه تفكك سردية "التحالفات الرادعة" من أساسها. فحركة نشأت في جبال صعدة، محاصرة دوليًا، مصنّفة إرهابية من عواصم عدة، تنجح اليوم في اختراق منظومات دفاع جوي كلفت مليارات الدولارات، وتضرب أهدافًا استراتيجية داخل العمق السعودي بشكل شبه دوري منذ أسابيع، من ينبع إلى جازان، ومن ناقلات النفط في البحر الأحمر إلى مطار نجران.
ضوء أخضر إقليمي أم قوة ذاتية؟
الإجابات المطروحة تتوزع بين فرضيتين لا تتناقضان بالضرورة:
الفرضية الأولى تتحدث عن غطاء إقليمي غير معلن. فطهران، التي تتعرض لضربات أمريكية متصاعدة، تجد في استنزاف الرياض عبر الحوثي وسيلة ضغط منخفضة الكلفة وعالية الفعالية، خصوصًا أن تقارير عن نقل قيادات ومعدات صاروخية إيرانية إلى الحوثيين لم تعد سرًا. أما موسكو وبكين، فمصلحتهما لا تكمن بالضرورة في دعم عسكري مباشر، بل في إبقاء الجزيرة العربية غير مستقرة، بما يُضعف الهيمنة الأمريكية على أسواق الطاقة ويمنح الطرفين أوراق مساومة في ملفات أوسع، من أوكرانيا إلى تايوان.
والفرضية الثانية، وهي الأكثر إزعاجًا للخطاب الرسمي، تقول إن الحوثيين ببساطة طوّروا قدرة تصنيعية وجغرافية ذاتية لم تعد بحاجة إلى "ضوء أخضر" من أحد. جغرافيا اليمن المطلة على باب المندب والبحر الأحمر تمنحهم عمقًا استراتيجيًا يصعب إغلاقه بالكامل، بينما التصنيع المحلي للمسيّرات والصواريخ الباليستية والمجنّحة، وإن استند إلى خبرات إيرانية أولية، بات اليوم يمتلك خطوط إنتاج شبه مستقلة داخل الأراضي اليمنية نفسها.
الانسحاب الأمريكي شبه المهزوم
وثمة عامل ثالث لا يقل أهمية: تراجع الهيبة الردعية الأمريكية في المنطقة. فواشنطن التي خاضت حروبًا وضربات متكررة ضد الحوثي منذ سنوات، لم تنجح في وقف قدرته على الاستهداف، بل خرجت في كل جولة تصعيد أضعف مما دخلت إليها. وحين تعجز القوة الأعظم عالميًا عن حسم معركة مع حركة مسلحة غير نظامية، يصبح من الطبيعي أن تتراجع قدرة "الحلفاء" الإقليميين، مهما تعددت توقيعاتهم الدفاعية، على فرض معادلة ردع حقيقية.
خلاصة
اتفاق مكة، في صورته الحالية، أشبه بترميم واجهة أمنية متصدعة أكثر من كونه بنية دفاعية فعلية. فالثالوث السني الذي يراهن على التحالف مع واشنطن، وبعضه على التطبيع مع تل أبيب، يجد نفسه أعزل أمام خصم لا يملك طائرات "إف-35" ولا منظومات "باتريوت"، لكنه يملك شيئًا أخطر: قناعة أيديولوجية، وجغرافيا لا تُقهر بسهولة، وتحالفات دولية تتقاطع مصالحها، ولو موضوعيًا، مع استمرار نزيف الخصم. وهذه معادلة لن يحلّها توقيع جديد في مكة أو غيرها، ما لم تُعاد قراءة الأزمة من جذورها بعيدًا عن منطق التحالفات الاستعراضية.

تعليقات
إرسال تعليق