التخطي إلى المحتوى الرئيسي

عروبة القرآن وعالمية الإسلام: الفطرة السليمة أساسًا لنظام إنساني شامل بقلم الناصر خشيني


 تقديم                                                                                                                                          حين ننظر إلى العلاقة بين عروبة القرآن وعالمية الرسالة المحمدية، لا نقف أمام تناقض بحاجة إلى تسوية، بل أمام معادلة متكاملة: العروبة هنا ليست عصبية جاهلية ولا انتماء عرقيًا ضيقًا، بل هي الوعاء اللغوي والفطري الذي اختاره الوحي ليخاطب به الإنسانية جمعاء¹. فحين ينزل القرآن "بلسان عربي مبين"²، فإن ذلك لا يحصر الرسالة في قوم دون آخرين، بل يجعل من العربية أداة تعبير عن معانٍ فطرية صافية، قابلة لأن تُترجم إلى كل لسان وتخاطب كل إنسان.

العروبة كفطرة لا كعصبية
العروبة، في جوهرها القرآني، ليست هوية دموية مغلقة، بل هي أقرب إلى تعبير عن الفطرة السليمة التي لم تُفسدها بعدُ طبقات التعقيد الحضاري والانحرافات العقدية التي أصابت أممًا أخرى قبل الإسلام. من هنا فهم مفكرون قوميون وإسلاميون معًا³ أن اختيار العربية لم يكن اعتباطيًا، بل لأنها كانت، في لحظة البعثة، اللغة الأقدر على استيعاب معنى التوحيد الخالص بلا حشو ولا وساطات كهنوتية. وهذا ما يفسر كيف تحولت "العروبة" من مجرد قبائل متناحرة إلى أمة حاملة لرسالة، بمجرد أن استوعبت مضمون الوحي وتجاوزت عصبياتها الجاهلية⁴.
عالمية تتجاوز القبيلة والإقليم
لكن هذه العروبة الفطرية لم تكن غاية في ذاتها، بل كانت المدخل نحو عالمية شاملة. فالخطاب القرآني ينتقل بسرعة لافتة من "يا أيها الذين آمنوا" إلى "يا أيها الناس"⁵، في إشارة بيّنة إلى أن الرسالة لا تعترف بحدود القبيلة أو الإقليم أو حتى العرق. الآية "وما أرسلناك إلا كافة للناس"⁶ تضع حدًا فاصلًا مع أي قراءة عرقية أو إقليمية ضيقة للإسلام، وتؤكد أن الإطار القبلي والعصبية الجاهلية، اللذين كانا سائدين قبل البعثة، جرى تفكيكهما لصالح رابطة أوسع: رابطة العقيدة والقيم الإنسانية المشتركة. وهنا تكمن عبقرية المشروع القرآني: أن يستخدم أضيق الأوعية اللغوية (لغة قبيلة عربية) ليصوغ أوسع الرسائل الإنسانية (نظام صالح لكل زمان ومكان)⁷.
الشمولية: العبادة في كل ميادين الحياة
من الخصائص المركزية الأخرى للإسلام أنه لا يحصر "الدين" في زاوية العبادات الشعائرية، بل يبسطه على كل ميادين الحياة: الاقتصاد والسياسة والاجتماع والأخلاق وحتى العلاقة بالكون المادي⁸. فالعبادة في التصور القرآني ليست الصلاة والصيام فحسب، بل هي، وفق التعريف الجامع، "استسلام القلب لله محبةً وتعظيمًا، مقترنًا بكمال الطاعة"⁹ في كل تفصيلة من تفاصيل الحياة. هذه الشمولية هي ما يمنح المشروع الإسلامي قدرته على التحرر من "الطواغيث"، سواء كانت طواغيت بشرية تدّعي الحاكمية المطلقة، أو طواغيت مادية كالمال والسلطة حين تتحول إلى غايات معبودة بدل أن تكون وسائل مسخّرة¹⁰.
التحرر من الطواغيت وأداء الرسالة الاستخلافية
حين يتحرر الإنسان من عبادة هذه الطواغيت المتعددة، فإنه لا ينسحب من الحياة، بل ينطلق فيها بقوة مضاعفة، لأداء رسالته الاستخلافية: "إني جاعل في الأرض خليفة"¹¹. فالاستخلاف هنا ليس شعارًا تعبديًا مجردًا، بل تكليف حضاري بعمارة الأرض، وفق قوله تعالى "هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها"¹². وهذا هو المعنى العميق للتوحيد حين يُفهم بوصفه محركًا للفعل الحضاري لا مجرد عقيدة قلبية ساكنة: تحرير الإنسان من كل سلطان زائف، ليتفرغ لعبادة الله وحده في معمل عمله، وفي حقله، وفي إدارته لشؤون مجتمعه ودولته.
خلاصة
بين عروبة اللسان وعالمية الرسالة لا تناقض، بل تكامل عضوي: العروبة أداة التعبير عن فطرة صافية، والعالمية غاية هذه الفطرة حين تتجاوز أطرها القبلية والإقليمية لتصوغ نظامًا إنسانيًا جامعًا. وهذا النظام لا يكتمل إلا بشموليته: عبادة لله وحده في كل شأن من شؤون الحياة، وتحررٌ من كل طاغوت بشري أو مادي، وانطلاقٌ نحو عمارة الأرض أداءً لأمانة الاستخلاف. وهذه، في نهاية المطاف، هي الرسالة التي لا تشيخ ولا تنحصر في زمان أو مكان.

المراجع:
¹ ابن خلدون، المقدمة، فصل في العرب واللسان العربي.
² القرآن الكريم، سورة الشعراء، الآيتان 195-193.
³ مالك بن نبي، شروط النهضة.
⁴ محمد عابد الجابري، العصبية والدولة.
⁵ القرآن الكريم، أمثلة الخطاب الجامع في مواضع متعددة.
⁶ القرآن الكريم، سورة سبأ، الآية 28.
⁷ سيد قطب، في ظلال القرآن، تصدير عام.
⁸ يوسف القرضاوي، الخصائص العامة للإسلام.
⁹ ابن تيمية، العبودية.
¹⁰ سيد قطب، معالم في الطريق.
¹¹ القرآن الكريم، سورة البقرة، الآية 30.
¹² القرآن الكريم، سورة هود، الآية 61.

 


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قطاع الفوسفات في تونس بعد 2011: من ريادة الإنتاج إلى متاهات الأزمة الهيكلية ​بقلم: الناصر خشيني

  ​يعتبر قطاع الفوسفات في تونس أكثر من مجرد نشاط منجمي؛ إنه الشريان الحيوي للاقتصاد الوطني والعمود الفقري للتنمية في مناطق الحوض المنجمي. إلا أن هذا القطاع دخل منذ عام 2011 في نفق مظلم من الأزمات المتراكمة التي مست مفاصل الإنتاج والتسويق والإدارة، مما حوله من قاطرة للنمو إلى عبء تقني ومالي يتطلب وقفة تحليلية جادة لفهم مكامن الخلل وسبل الاستشراف المستقبلي. ​أولاً: أزمة الإنتاج.. بين المطلب الاجتماعي والتعطل التقني ​لقد تراجع حجم الإنتاج الوطني من الفوسفات الخام بشكل حاد، حيث انحدر من سقف 8 مليون طن في سنة 2010 إلى مستويات لا تتجاوز 4 مليون طن في أفضل الحالات خلال العقد الأخير. هذا التقهقر يعود بالأساس إلى: ​الاحتقان الاجتماعي: تحول الحوض المنجمي إلى ساحة للاحتجاجات المستمرة والاعتصامات المطالبة بالتنمية والتشغيل، وهو ما أدى إلى توقف متكرر لمحركات الإنتاج في المغاسل والمناجم. ​معضلة اللوجستيك والنقل: تعاني منظومة نقل الفوسفات عبر السكك الحديدية من تهالك شديد، مما دفع نحو الاعتماد على الشاحنات الخاصة، وهو حل مكلف أدى إلى تضخم تكاليف الإنتاج وضرب نجاعة العملية اللوجستية. ​تقادم المعدات...

​طبيعة الصراع العربي الصهيوني والطريق إلى تحرير فلسطين ​بقلم: الناصر خشيني

مداخلة أُلقيت في مخيم الشباب القومي العربي – نابل، تونس ​مقدمة ​يعود الأصل النظرى لهذا البحث إلى ثمانينيات القرن الماضي، وتحديداً خلال صيف عام 1982 المحموم، إبان الاجتياح الصهيوني للبنان بقيادة السفاح "أرييل شارون". وقد قُدِّم البحث حينها على مسرح الهواء الطلق بمدينة طبرقة التونسية. ومنذ ذلك الوقت، ورغم تسارع الأحداث الإقليمية وتطورها بشكل دراماتيكي، لم يتغير شيء من طبيعة الصراع العربي الصهيوني الجوهرية. وبناءً على مقتضيات التطورات الراهنة التي تعيشها المنطقة، أُعيدت صياغة هذه الرؤية وتعديلها لتواكب الواقع المعاصر. ​لا يزال الصراع في فلسطين بين الأمة العربية والصهاينة على أشده وبلا هوادة، وتسيل الدماء يومياً غزيرة من أبناء شعبنا في فلسطين الكسيرة، ولكن دون تفريط في الحق السليب بشكل نهائي. ورغم الاعتراف المتبادل بين بعض النظم العربية والصهاينة، ورغماً عن اتفاقيات السلام الموقعة، فإن ملايين المشردين الذين أُخرجوا من ديارهم بقوة السلاح لا يزالون يحلمون بالعودة إلى أرض الوطن، يراودهم الأمل يوماً ما طال الزمان أو قصر [1]. ​إن الصهاينة الذين اعتمدوا في احتلالهم للأرض على القوة الغا...

مهمة الرسول: الهداية والتبليغ لا الغزو والقتال بقلم: الناصر خشيني

     مقدمة أطنبت كتب الحديث والسيرة والتاريخ الإسلامي في الحديث عن "غزوات" مزعومة للرسول صلى الله عليه وسلم، في مخالفة صريحة لمنهج القرآن الكريم الذي لم يصف الرسول في أي موضع بأنه كان غازياً أو محارباً ابتداءً. فالقرآن اقتصر على ذكر بعض الوقائع المفصلية من سيرة الرسول، بعضها بالتفصيل وبعضها بالإجمال، دون أن يصطنع لها صفة "الغزو" التي ألصقتها بها كتب التراث. وتسعى هذه المقالة إلى استعراض هذه الوقائع كما وردت في النص القرآني نفسه، ثم بيان أن كل قتال خاضه الرسول لم يكن إلا رد فعل على عداء محورين بعينهما: قريش التي صادرت أموال المهاجرين وأخرجتهم من ديارهم، ويهود المدينة الذين خانوا عهد صحيفة المدينة، وأن مهمته الأصلية والمركزية كانت الدعوة بالرسالة والتبليغ بالحجة، كما يشهد على ذلك منهجه في مراسلة ملوك عصره. أولاً: منهج القرآن في تناول وقائع السيرة خلّد القرآن الكريم جملة من وقائع السيرة بالذكر، إما إجمالاً أو تفصيلاً، موزعة على عدد من السور: بدر: في سورتي آل عمران والأنفال (¹) أُحد: في سورة آل عمران، دون ذكر اسمها (²) صلح الحديبية: في سورة الفتح (³) الخندق: في سورة ال...