العروبة كفطرة لا كعصبية
العروبة، في جوهرها القرآني، ليست هوية دموية مغلقة، بل هي أقرب إلى تعبير عن الفطرة السليمة التي لم تُفسدها بعدُ طبقات التعقيد الحضاري والانحرافات العقدية التي أصابت أممًا أخرى قبل الإسلام. من هنا فهم مفكرون قوميون وإسلاميون معًا³ أن اختيار العربية لم يكن اعتباطيًا، بل لأنها كانت، في لحظة البعثة، اللغة الأقدر على استيعاب معنى التوحيد الخالص بلا حشو ولا وساطات كهنوتية. وهذا ما يفسر كيف تحولت "العروبة" من مجرد قبائل متناحرة إلى أمة حاملة لرسالة، بمجرد أن استوعبت مضمون الوحي وتجاوزت عصبياتها الجاهلية⁴.
عالمية تتجاوز القبيلة والإقليم
لكن هذه العروبة الفطرية لم تكن غاية في ذاتها، بل كانت المدخل نحو عالمية شاملة. فالخطاب القرآني ينتقل بسرعة لافتة من "يا أيها الذين آمنوا" إلى "يا أيها الناس"⁵، في إشارة بيّنة إلى أن الرسالة لا تعترف بحدود القبيلة أو الإقليم أو حتى العرق. الآية "وما أرسلناك إلا كافة للناس"⁶ تضع حدًا فاصلًا مع أي قراءة عرقية أو إقليمية ضيقة للإسلام، وتؤكد أن الإطار القبلي والعصبية الجاهلية، اللذين كانا سائدين قبل البعثة، جرى تفكيكهما لصالح رابطة أوسع: رابطة العقيدة والقيم الإنسانية المشتركة. وهنا تكمن عبقرية المشروع القرآني: أن يستخدم أضيق الأوعية اللغوية (لغة قبيلة عربية) ليصوغ أوسع الرسائل الإنسانية (نظام صالح لكل زمان ومكان)⁷.
الشمولية: العبادة في كل ميادين الحياة
من الخصائص المركزية الأخرى للإسلام أنه لا يحصر "الدين" في زاوية العبادات الشعائرية، بل يبسطه على كل ميادين الحياة: الاقتصاد والسياسة والاجتماع والأخلاق وحتى العلاقة بالكون المادي⁸. فالعبادة في التصور القرآني ليست الصلاة والصيام فحسب، بل هي، وفق التعريف الجامع، "استسلام القلب لله محبةً وتعظيمًا، مقترنًا بكمال الطاعة"⁹ في كل تفصيلة من تفاصيل الحياة. هذه الشمولية هي ما يمنح المشروع الإسلامي قدرته على التحرر من "الطواغيث"، سواء كانت طواغيت بشرية تدّعي الحاكمية المطلقة، أو طواغيت مادية كالمال والسلطة حين تتحول إلى غايات معبودة بدل أن تكون وسائل مسخّرة¹⁰.
التحرر من الطواغيت وأداء الرسالة الاستخلافية
حين يتحرر الإنسان من عبادة هذه الطواغيت المتعددة، فإنه لا ينسحب من الحياة، بل ينطلق فيها بقوة مضاعفة، لأداء رسالته الاستخلافية: "إني جاعل في الأرض خليفة"¹¹. فالاستخلاف هنا ليس شعارًا تعبديًا مجردًا، بل تكليف حضاري بعمارة الأرض، وفق قوله تعالى "هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها"¹². وهذا هو المعنى العميق للتوحيد حين يُفهم بوصفه محركًا للفعل الحضاري لا مجرد عقيدة قلبية ساكنة: تحرير الإنسان من كل سلطان زائف، ليتفرغ لعبادة الله وحده في معمل عمله، وفي حقله، وفي إدارته لشؤون مجتمعه ودولته.
خلاصة
بين عروبة اللسان وعالمية الرسالة لا تناقض، بل تكامل عضوي: العروبة أداة التعبير عن فطرة صافية، والعالمية غاية هذه الفطرة حين تتجاوز أطرها القبلية والإقليمية لتصوغ نظامًا إنسانيًا جامعًا. وهذا النظام لا يكتمل إلا بشموليته: عبادة لله وحده في كل شأن من شؤون الحياة، وتحررٌ من كل طاغوت بشري أو مادي، وانطلاقٌ نحو عمارة الأرض أداءً لأمانة الاستخلاف. وهذه، في نهاية المطاف، هي الرسالة التي لا تشيخ ولا تنحصر في زمان أو مكان.
المراجع:
¹ ابن خلدون، المقدمة، فصل في العرب واللسان العربي.
² القرآن الكريم، سورة الشعراء، الآيتان 195-193.
³ مالك بن نبي، شروط النهضة.
⁴ محمد عابد الجابري، العصبية والدولة.
⁵ القرآن الكريم، أمثلة الخطاب الجامع في مواضع متعددة.
⁶ القرآن الكريم، سورة سبأ، الآية 28.
⁷ سيد قطب، في ظلال القرآن، تصدير عام.
⁸ يوسف القرضاوي، الخصائص العامة للإسلام.
⁹ ابن تيمية، العبودية.
¹⁰ سيد قطب، معالم في الطريق.
¹¹ القرآن الكريم، سورة البقرة، الآية 30.
¹² القرآن الكريم، سورة هود، الآية 61.
تعليقات
إرسال تعليق