مدخل
من المفارقات التي لا يمكن أن يبتلعها عقل، أن يستفيق التونسي على أزمة في زجاجة ماء معدني، في بلد امتلأت سدوده بعد موسم مطري وُصف بالاستثنائي، وارتفعت فيه نسب الامتلاء إلى مستويات لم تُسجَّل منذ سنوات. المفارقة الأعمق أن هذه المياه المعدنية أصلاً لا علاقة مباشرة لها بالسدود ولا بالأمطار السطحية، فهي منابع باطنية جوفية، محمية بطبقات جيولوجية، لا يُفترض أن تتأثر بموسم جفاف أو موسم خصب. ومع ذلك، ها هي القارورة تغيب عن الرفوف تارة، وتُباع بأثمان مضاعفة تارة أخرى، فيما تتقاذف الأطراف الرسمية والمهنية الاتهامات بينها: تارة "أزمة كهرباء في المصانع"، وتارة "وسطاء غير نظاميين"، وتارة "موجة حر استثنائية". روايات متعددة، والنتيجة واحدة: مواطن يدفع أكثر مقابل أقل، وثقة تتآكل يوماً بعد يوم في كل خطاب رسمي يحاول تبرير ما لا يحتاج إلا إلى تفسير واحد بسيط: من يتحكم في الصنبور يتحكم في الرقاب.
الماء الذي لم يعد صالحاً للشرب
لفهم عمق الأزمة، لا بد من العودة إلى نقطة الأصل: تراجع الثقة في مياه الشبكة العمومية التي توزعها الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه. في أذهان شريحة واسعة من التونسيين، تحوّلت مياه الحنفية من مورد للشرب إلى مادة للتنظيف فحسب، بفعل مؤشرات الملوحة والتلوث المتكررة في عدد من الجهات، وتراكم الشكاوى دون معالجة جذرية تُطمئن المواطن. هذا التحوّل النفسي والاجتماعي حوّل المياه المعدنية المعلبة من "كماليات" إلى "ضرورة حياتية" بالنسبة لملايين الأسر، فأصبح السوق سوقاً أَسيراً بامتياز: طلب لا يمكن الاستغناء عنه، على سلعة محدودة الفاعلين المُصنِّعين. وهذه هي البيئة المثالية لأي احتكار: حين يتحوّل الخيار إلى ضرورة، يسقط منطق العرض والطلب التقليدي، ويحل محله منطق آخر: من يملك المُنتَج يملك القرار.
رواية اللوبيات: احتكار في لبوس أزمة ظرفية
الخطاب الرسمي والمهني يقدّم للتونسيين تفسيرات "فنية" متتالية: انقطاعات كهربائية في وحدات التعبئة أثّرت على وتيرة الإنتاج، موجة حر استثنائية ضاعفت الطلب، غرفة منتجي المشروبات غير الكحولية تنفي أي زيادة رسمية في الأسعار وتُحمّل "مسالك التوزيع والجملة والتفصيل" مسؤولية الترفيع، ومنظمات حماية المستهلك تتحدث عن "تعدد الوسطاء غير النظاميين" كسبب للتلاعب بالأثمان. كل هذه الروايات قد تحمل جزءاً من الحقيقة، لكنها مجتمعة تُخفي حقيقة أعمق: سوق بهذا الحجم وبهذه الحساسية الاجتماعية لا يُترك لتُقرّر فيه "الأزمات الظرفية" مصير جيب المواطن، إلا في بلد تتقاسم فيه حفنة من الفاعلين حصة الأسد من الإنتاج والتوزيع، فتتحول أي هزة ظرفية - عطل كهربائي، ارتفاع حرارة، كلفة مواد أولية - إلى فرصة ذهبية لإعادة تسعير السوق بأكمله، دون أن يجرؤ أحد على مساءلة من رفع السعر فعلياً على الرفوف، بينما يتحصّن "المنتجون" خلف نفي رسمي مريح: "نحن لم نرفع شيئاً".
هنا بالضبط يكمن جوهر ما يمكن تسميته منطق اللوبيات: ليس بالضرورة اتفاقاً معلناً أو تكتلاً موثقاً، بل نظام مصالح متشابك بين حلقات الإنتاج والتوزيع والرقابة، يجعل من كل أزمة "طبيعية" غطاءً لأزمة "مُدارة"، تُنهك بها القدرة الشرائية لمواطن أُنهك أصلاً من غلاء متواصل، وتُعاد فيه صياغة أسعار السلع الأساسية بمنطق "الأمر الواقع" لا بمنطق التعديل التشاركي.
سياسة الاستنزاف الصامت
ما يجري في سوق المياه المعدنية ليس معزولاً عن السياق العام لأزمة القدرة الشرائية في تونس؛ فمنظمات إرشاد المستهلك تتحدث عن تلاعب في الأسعار يطال مواد أساسية عديدة، وسط تراجع إحصائي معلن في نسبة التضخم لا يشعر به المواطن في سلته اليومية. وحين تُضاف أزمة الماء - وهي أكثر حساسية لأنها تمس البقاء البيولوجي لا الرفاهية - إلى قائمة الاستنزاف، يصبح المشهد أقرب إلى سياسة ممنهجة لإرهاق جيب المواطن من كل الجهات في آن واحد: خبز، وقود، دواء، وماء. أربع ضرورات لا رفاهية فيها، وأربع جبهات يُستنزف فيها التونسي يومياً دون أن يملك سلطة تفاوضية حقيقية أمام من يتحكم في المعروض.
والأخطر أن هذا الاستنزاف يُقدَّم دائماً بلغة "الأزمة العابرة" و"العوامل الخارجية" و"الظرفية الاستثنائية"، وكأن تونس تعيش استثناء متجدداً كل موسم، بينما الثابت الوحيد في المعادلة هو غياب رقابة فعلية رادعة، وضعف آليات المحاسبة القانونية تجاه من يتلاعب بالتسعيرة في حلقات التوزيع، وهو ما تقر به حتى بعض التقارير المهنية نفسها حين تتحدث عن "خلل في مراقبة الأسعار" و"ضعف آليات الردع" تجاه التجاوزات المتكررة.
الحلول العاجلة: وقف النزيف فوراً
إن أي معالجة جادة لهذا الملف لا يمكن أن تنتظر مواسم الجفاف أو الأزمات الكهربائية القادمة كذريعة جاهزة. من الإجراءات التي لا تحتمل التأجيل:
تسقيف إلزامي وشفاف للأسعار على كامل السلسلة، من باب المصنع إلى نقطة البيع الأخيرة، مع نشر دوري لهوامش الربح المسموح بها في كل حلقة، حتى لا يبقى "الوسيط" كبش فداء دائم يُخفي وراءه من يستفيد فعلياً.
رقابة ميدانية مكثفة وفعلية على نقاط البيع، لا رقابة بيانات ومحاضر تبقى حبراً على ورق، مع عقوبات رادعة فورية - إغلاق، حجز، غرامات مضاعفة - لكل تجاوز مثبت، بدل الاكتفاء بـ"التحذير".
كشف علني دوري لهيكل السوق: من يملك ماذا، وما حصة كل فاعل من الإنتاج والتوزيع، لأن الشفافية وحدها كفيلة بتفكيك منطق الاحتكار الصامت.
تفعيل مسالك بديلة عاجلة، عبر تشجيع نقاط توزيع مياه الشرب النقية العمومية المراقبة في الأحياء والمناطق الأكثر تضرراً من جودة مياه الشبكة، لتخفيف الضغط عن السوق المعلب وكسر احتكار "الضرورة".
الحلول الآجلة: استرجاع السيادة على المورد
لكن الحل الحقيقي لا يكمن في إدارة الأزمة موسماً بعد موسم، بل في معالجة جذورها البنيوية:
استعادة ثقة المواطن في مياه الشبكة العمومية، عبر استثمار حقيقي وشفاف في تحديث محطات المعالجة وشبكات التوزيع، وإعلان دوري لنتائج تحاليل الجودة بمصداقية بعيداً عن الخطاب الطمأني الفارغ، لأن كل نقطة ثقة تُستعاد في ماء الحنفية هي نقطة تُنتزع من احتكار قارورة الماء المعدني.
مراجعة تشريعية لقانون المنافسة ومكافحة الاحتكار، بما يمنح هيئات الرقابة صلاحيات استباقية حقيقية، لا صلاحيات تدخل بعدي حين تكون الأزمة قد استنزفت المواطن فعلاً.
تشجيع فاعلين جدد في السوق، عبر تسهيل حقيقي للاستثمار في قطاع تعبئة المياه، لكسر منطق "القلة المسيطرة" الذي يجعل من أي عطل تقني أو مناخي فرصة لإعادة التفاوض الجماعي على السعر.
ربط أمن الطاقة بأمن الماء، بما أن جزءاً من الأزمة يُعزى إلى انقطاعات كهربائية في وحدات الإنتاج، فإن أي استراتيجية مائية جادة يجب أن تكون جزءاً من استراتيجية طاقية أوسع تضمن استمرارية الإنتاج دون أن تكون "الكهرباء" ذريعة موسمية جاهزة.
خاتمة: من يملك الماء يملك القرار
في النهاية، تبقى مسألة المياه المعدنية في تونس اختباراً حقيقياً لجدية الدولة في مواجهة منطق اللوبيات الذي يتغذى من كل ثغرة رقابية ومن كل صمت رسمي. فحين تمتلئ السدود وتفرغ الجيوب، وحين يتحول ماء الشرب إلى ماء للتنظيف فقط، فإن المعادلة لم تعد معادلة موارد طبيعية شحيحة، بل معادلة إرادة سياسية غائبة، وربما متواطئة. والشعب الذي ظمّأته الحسابات الضيقة لن يقبل إلى الأبد أن يُقال له إن العطش قدر، بينما السدود ممتلئة والمنابع باطنية لا تجف.

تعليقات
إرسال تعليق