التخطي إلى المحتوى الرئيسي

دلالات الاعتراف بالدولة الفلسطينية: بين الأوهام الدبلوماسية وحقائق الميدان بعد "طوفان الأقصى" ​بقلم: الناصر خشيني (نابل - تونس)


   مقدمة: سراب الاعترافات الدبلوماسية مقابل واقع الاحتلال
​تتوالى موجات الاعتراف الدولي والدبلوماسي بالدولة الفلسطينية من قِبل قوى صاعدة في أمريكا اللاتينية وأوروبا، وهو ما يراه البعض مكسباً سياسياً كبيراً وانتصاراً ناجزاً على الكيان الصهيوني. غير أن القراءة الواقعية للميدان تكشف أن هذه الاعترافات -على أهميتها الرمزية- لا تغير من الحقائق المأساوية على الأرض شيئاً؛ ففلسطين التاريخية ما زالت ترزح تحت وطأة احتلال عسكري مباشر، يمارس أبشع سياسات التنكيل، والاعتقال، والتهجير، والتجريف، في ظل تواطؤ دولي وعربي يساهم -من حيث يشعر أو لا يشعر- في إطالة أمد هذا الاحتلال ومنحه شرعية زائفة على حساب الحق العربي التاريخي. إن تضخيم هذه المكاسب الدبلوماسية الهامشية يمثّل حالة من الوهم السياسي الذي يغطي على عمق المعاناة الإنسانية غير المسبوقة في التاريخ البشري [1].
​ثانياً: حدود التعاطف الدولي وجدلية "الحق الكامل"
​إننا إذ نتوجه بالشكر والتقدير لكل الدول الصديقة والشعوب الحرة التي انتصرت لعدالة قضيتنا، فإنه من واجبنا المصارحة وطرح الأسئلة الجوهرية: هل يترجم هذا الاعتراف الدبلوماسي إقراراً بالحقوق المشروعة الكاملة للشعب الفلسطيني فوق كامل ترابه الوطني من النهر إلى البحر؟ وهل يتضمن اعترافاً صريحاً ببطلان الكيان الصهيوني كدولة ونظريات وأيديولوجيا إحلالية يجب أن تزول ليتحقق السلام والأمن المستند إلى العدالة؟ إن أي اعتراف لا يفكك البنية الاستعمارية للكيان يظل قاصراً عن تحقيق جوهر الحرية [2].
​ثالثاً: الأمة العربية بين تشرذم "السياسات الإقليمية" والأطماع الأجنبية
​لا يمكن فصل قضية فلسطين عن سياقها القومي؛ فالأمة العربية المستهدفة تمتد من المحيط إلى الخليج، وما زالت أجزاء واسعة من أراضيها تعاني من الغزو والاحتلال الأجنبي متعدد الأطراف:
​الاحتلال الإسباني لمدينتي سبتة ومليلة في المغرب.
​الاحتلال الأثيوبي لإقليم الأوغادين الصومالي.
​التغلغل التركي في لواء الاسكندرون السوري.
​الاحتلال الإيراني للأحواز والجزر الإماراتية الثلاث، ورفض مبدأ التفاوض حولها.
​الغزو الصهيوني الذي يتمدد إلى أجزاء من سوريا ولبنان، ومساهمته التاريخية مع الولايات المتحدة في تدمير العراق وتفتيته.
​إن العائق الأكبر أمام مشروع التحرير الشامل -إلى جانب الاستبداد- هو "النزعة الإقليمية الضيقة"، حيث تستأثر سلطات محلية بجزء من الشعب والأرض وممارسة سيادة منقوصة، مما يكرس التشرذم ويفتح الباب لمزيد من التفكيك والتقسيم في اليمن، والسودان، وسوريا، وليبيا. وفي الوقت الذي تتكتل فيه أمم مختلفة اللغات والتاريخ في اتحادات كبرى (كالاتحاد الأوروبي) لمواجهة الهيمنة العالمية، تزداد الأمة العربية تفتتاً وانعزالاً [3].
​رابعاً: "طوفان الأقصى" وخيار المقاومة كطريق وحيد للتحرير
​إن معركة طوفان الأقصى وصمود المقاومة الأسطوري أثبتا بالدليل القاطع والدم القاني أن قضية فلسطين لا تُحل في أروقة المحافل الدولية والاعترافات الورقية، بل بتفعيل المقاومة الشاملة ومساندتها مادياً، ومعنوياً، وإعلامياً. لقد سقطت أوهام "الحياد"؛ فهذه قضية وجودية يجب أن تُبنى علاقات الأمة ومصالحها مع دول العالم بناءً على مواقفها منها.
​إن الطريق الوحيد لتحرير فلسطين -كل فلسطين- يمر عبر ضرب العقيدة الأمنية للكيان الصهيوني، واستهداف جنوده وقطعان مستوطنيه، لدفعه إلى إدراك كلفة الاحتلال، وزعزعة استقراره الزائف، وجعله يفكر جلياً في الهجرة العكسية والعودة إلى البلدان الأصلية التي جاء منها [4].
​الهوامش والتعليقات التوثيقية 
​[1] الهامش الأول (حول طبيعة الاعتراف الدولي الحالية):
شهدت الساحة الدولية بعد الـ7 من أكتوبر/تشرين الأول قفزة في الاعترافات الدبلوماسية (مثل اعتراف إسبانيا، وإيرلندا، والنرويج، وسلوفينيا بالدولة الفلسطينية).  فهذه الاعترافات -رغم أهميتها الأخلاقية وعزلها للكيان- جاءت كنتاج مباشر لـ "طوفان الأقصى" وصمود المقاومة، وليست منّة من المسارات التفاوضية. ومع ذلك، يظل التحذير قائماً من "تضخيم" هذه الخطوات وتحويلها إلى انتصار نهائي، بينما غزة تُباد والضفة تُضم فعلياً، مما يؤكد أن الميدان هو المحدد الأساسي للسيادة وليس الأوراق الدبلوماسية.
​[2] الهامش الثاني (حدود حل الدولتين وسقوط الأوهام):
جاءت معركة طوفان الأقصى لتطلق رصاصة الرحمة على ما يُسمى "حل الدولتين" الذي تستند إليه الاعترافات الدولية الحالية. لقد أثبت الصمود الأسطوري للمقاومة وشراسة الهجمة الصهيونية المدعومة أمريكياً أن الصراع هو "صراع وجود لا صراع حدود"، وأن أي اعتراف دولي يلتف على حق العودة والتحرير الكامل لكل شبر من فلسطين التاريخية هو محاولة لشرعنة وجود الكيان وتأمين بقائه.
​[3] الهامش الثالث (واقع التشرذم العربي والإقليمي والتواطؤ):
تتجلى  "الإقليمية والتشرذم العربي" في أبهى وأسوأ صورها اليوم؛ حيث يقف النظام الرسمي العربي عاجزاً -بل ومشاركاً عبر الحصار الإقليمي والاقتصادي وبناء ممرات بديلة لإنقاذ الكيان الصهيوني- أثناء حرب الإبادة الجماعية. هذا التشرذم يؤكد أن عزل القضية الفلسطينية عن عمقها القومي التحرري هو مصلحة استعمارية مشتركة لإبقاء الأمة مستباحة ومقسمة من قِبل القوى الإقليمية والدولية الطامعة.
​[4] الهامش الرابع (معادلة الأمن والهجرة العكسية بعد الطوفان):
هذا المحور يمثل الذروة التحليلية للمقال والتي تطابقت تماماً مع نتائج "طوفان الأقصى". لأول مرة منذ عام 1948، تهاوت العقيدة الأمنية الصهيونية (بأبعادها: الردع، والإنذار المبكر، والحسم الميداني). إن استهداف أمن الكيان وضرب العمق الاستيطاني الصهيوني في غلاف غزة وشمال فلسطين المحتلة أدى فعلياً إلى نزوح مئات الآلاف من المستوطنين داخلياً، وتصاعد أرقام الهجرة العكسية إلى الخارج بلا عودة. لقد أثبتت المقاومة عملياً أن تدمير "الرفاه والأمن" للمستوطن هو السبيل الأقصر لتفكيك البنية البشرية والاقتصادية للكيان الصهيوني الغاصب.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قطاع الفوسفات في تونس بعد 2011: من ريادة الإنتاج إلى متاهات الأزمة الهيكلية ​بقلم: الناصر خشيني

  ​يعتبر قطاع الفوسفات في تونس أكثر من مجرد نشاط منجمي؛ إنه الشريان الحيوي للاقتصاد الوطني والعمود الفقري للتنمية في مناطق الحوض المنجمي. إلا أن هذا القطاع دخل منذ عام 2011 في نفق مظلم من الأزمات المتراكمة التي مست مفاصل الإنتاج والتسويق والإدارة، مما حوله من قاطرة للنمو إلى عبء تقني ومالي يتطلب وقفة تحليلية جادة لفهم مكامن الخلل وسبل الاستشراف المستقبلي. ​أولاً: أزمة الإنتاج.. بين المطلب الاجتماعي والتعطل التقني ​لقد تراجع حجم الإنتاج الوطني من الفوسفات الخام بشكل حاد، حيث انحدر من سقف 8 مليون طن في سنة 2010 إلى مستويات لا تتجاوز 4 مليون طن في أفضل الحالات خلال العقد الأخير. هذا التقهقر يعود بالأساس إلى: ​الاحتقان الاجتماعي: تحول الحوض المنجمي إلى ساحة للاحتجاجات المستمرة والاعتصامات المطالبة بالتنمية والتشغيل، وهو ما أدى إلى توقف متكرر لمحركات الإنتاج في المغاسل والمناجم. ​معضلة اللوجستيك والنقل: تعاني منظومة نقل الفوسفات عبر السكك الحديدية من تهالك شديد، مما دفع نحو الاعتماد على الشاحنات الخاصة، وهو حل مكلف أدى إلى تضخم تكاليف الإنتاج وضرب نجاعة العملية اللوجستية. ​تقادم المعدات...

سقوط الأقنعة وخراب الهيكل: قراءة قومية تقدمية في شهادة ثروت الخرباوي على مطبخ الإخوان بقلم: الناصر خشيني

    مقدمة في التوقيت الإقليمي والدولي الراهن، ومواجهةً لمشاريع تفتيت الجغرافيا العربية وسلب إرادتها الوطنية، تبرز الحاجة المعرفية الملحة لتفكيك البنى السرية لجماعات الإسلام السياسي التي شكلت دائماً كابحاً أمام النهوض التاريخي للأمة. من هنا، يأتي هذا المقال المرسل بالتزامن الى "الحوار المتمدن" بمنبريته التقدمية التنويرية، و"رأي اليوم" بمنبرها القومي التحرري ولمواقع اخرى ليقدم قراءة سياسية وفكرية في عمق "المطبخ الداخلي" لحركة الإخوان المسلمين، مستنداً إلى شهادة القيادي السابق ثروت الخرباوي ، كأداة تعرية لأقنعة الزيف وبوابة لإعادة الاعتبار لمشروع الدولة الوطنية التقدمية. لم تكن معركة الفكر القومي التقدمي يوماً مجرد خصومة سياسية عابرة مع جماعات الإسلام السياسي، بل هي معركة وجودية بين مشروعين لا يلتقيان: مشروع الدولة الوطنية الساعي نحو التحرر، والسيادة، والتقدم، ومشروع أممي ظلامي يستهدف تفتيت الجغرافيا وتمزيق الهوية العربية لصالح ولاءات مشبوهة عابرة للحدود. وفي هذا السياق، تكتسب الشهادات القادمة من داخل "المطبخ الداخلي" لهذه الجماعات قيمة استثنائية، ل...

​طبيعة الصراع العربي الصهيوني والطريق إلى تحرير فلسطين ​بقلم: الناصر خشيني

مداخلة أُلقيت في مخيم الشباب القومي العربي – نابل، تونس ​مقدمة ​يعود الأصل النظرى لهذا البحث إلى ثمانينيات القرن الماضي، وتحديداً خلال صيف عام 1982 المحموم، إبان الاجتياح الصهيوني للبنان بقيادة السفاح "أرييل شارون". وقد قُدِّم البحث حينها على مسرح الهواء الطلق بمدينة طبرقة التونسية. ومنذ ذلك الوقت، ورغم تسارع الأحداث الإقليمية وتطورها بشكل دراماتيكي، لم يتغير شيء من طبيعة الصراع العربي الصهيوني الجوهرية. وبناءً على مقتضيات التطورات الراهنة التي تعيشها المنطقة، أُعيدت صياغة هذه الرؤية وتعديلها لتواكب الواقع المعاصر. ​لا يزال الصراع في فلسطين بين الأمة العربية والصهاينة على أشده وبلا هوادة، وتسيل الدماء يومياً غزيرة من أبناء شعبنا في فلسطين الكسيرة، ولكن دون تفريط في الحق السليب بشكل نهائي. ورغم الاعتراف المتبادل بين بعض النظم العربية والصهاينة، ورغماً عن اتفاقيات السلام الموقعة، فإن ملايين المشردين الذين أُخرجوا من ديارهم بقوة السلاح لا يزالون يحلمون بالعودة إلى أرض الوطن، يراودهم الأمل يوماً ما طال الزمان أو قصر [1]. ​إن الصهاينة الذين اعتمدوا في احتلالهم للأرض على القوة الغا...