التخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاتفاق الإيراني - الأمريكي: ملامح نظام إقليمي جديد وانكسار الهيمنة الأحادية ​بقلم: الناصر خشيني



​شهدت الساحة الدولية تحولاً استراتيجياً بارزاً بالإعلان عن ملامح الاتفاق (مذكرة التفاهم) بين إيران والولايات المتحدة لإيقاف جولة الصراع الأخيرة وإعادة ترتيب الأوراق في الشرق الأوسط. هذا الاتفاق لا يمثل مجرد تهدئة مؤقتة، بل يؤسس لواقع جيوسياسي جديد يُكرس صمود محور المقاومة ويضع حداً لقرن من الهيمنة الأحادية المطلقة في المنطقة.

​1. محور المقاومة وقبر حلم "إسرائيل الكبرى"

​أثبتت التطورات الأخيرة الميدانية والسياسية أن "محور المقاومة" نجح في فرض معادلة ردع غير مسبوقة. من أبرز نتائج هذا الصمود:

  • ​تراجع التمدد الصهيوني: تبددت الأوهام الإسرائيلية حول فرض خارطة جديدة للمنطقة أو التمدد جغرافياً، وتلقى مشروع "إسرائيل الكبرى" ضربة قاصمة وقُبر الحلم رسمياً تحت وطأة تماسك الجبهات.
  • ​بداية الانحسار: يعيش المشروع الصهيوني اليوم أزمة وجودية داخلية وخارجية، حيث كشفت الحرب حدود القوة العسكرية الإسرائيلية وعجزها عن حسم الصراع بدون غطاء أمريكي كامل.

​2. الزلزال السياسي والاجتماعي داخل الكيان الصهيوني

​النزول عند شروط الاتفاق وتراجع الغطاء الأمريكي المطلق فجّر الأوضاع داخل إسرائيل بشكل غير مسبوق، ويمكن رصد ملامح هذا الاندثار الداخلي في النقاط التالية:

  • ​تآكل العقيدة الأمنية: سقطت نظرية "الردع الحاسم" والحروب السريعة الخاطفة. وجد المجتمع الصهيوني نفسه لأول مرة تحت رحمة استنزاف طويل الأمد عجز الجيش عن إنهائه، مما أدى إلى فقدان الثقة بالمنظومتين العسكرية والسياسية.
  • ​الانقسام العمودي الحاد: تعيش إسرائيل هزة سياسية عنيفة بين تيار اليمين المتطرف الذي يرى في الاتفاق "استسلاماً ومذلة"، والتيارات الأخرى التي تطالب بإنقاذ ما يمكن إنقاذه. هذا الصراع يتعدى كونه سياسياً ليصبح انقساماً مجتمعياً واجتماعياً يهدد بتفكك النسيج الداخلي للكيان.
  • ​الهجرة العكسية والانهيار الاقتصادي: أدى استمرار التهديد إلى هجرة مئات الآلاف من المستوطنين (خاصة أصحاب الكفاءات ورؤوس الأموال) إلى الخارج دون رغبة في العودة، بالتوازي مع انهيار قطاعات التكنولوجيا الحيوية والاستثمارات الأجنبية، مما جعل الكيان عبئاً اقتصادياً وأمنياً حتى على حلفائه.

​3. صعود التعددية القطبية: الصين وروسيا كلاعبيْن أساسييْن

​لم يكن لهذا الاتفاق أن يرى النور بصيغته الحالية لولا الغطاء الدولي الذي وفرته القوى الصاعدة، وتحديداً روسيا والصين، اللتان استغلتا انكشاف العورات التكنولوجية والعسكرية لأمريكا لفرض نظام متعدد الأقطاب:

  • ​الدور الروسي الميداني والاستراتيجي: شكل التعاون العسكري والتكنولوجي بين موسكو وطهران جداراً مانعاً أمام الضغوط الغربية. نجاح روسيا في استنزاف الناتو في جبهات أخرى أعاق قدرة واشنطن على فتح حرب شاملة في الشرق الأوسط، ووفر لإيران عمقاً استراتيجياً في مجالات التسليح وتبادل الخبرات الدفاعية.
  • ​الدبلوماسية والاقتصاد الصيني: لعبت بكين دور المهندس المالي والسياسي عبر تأمين شريان الحياة الاقتصادي لإيران خلال فترة العقوبات، والآن يبرز التنين الصيني كضامن وشريك أساسي في "الصندوق الاستثماري الـ 300 مليار"، حيث تهدف الصين إلى ربط المنطقة بمشروع "الحزام والطريق" وتحويل الشرق الأوسط من بحيرة نفوذ أمريكية إلى منطقة تبادل حر ومتعددة الأقطاب.

​4. تراجع النفوذ الأمريكي وانكشاف العورة التكنولوجية

​على الجانب الآخر، تلوح في الأفق ملامح انحسار تاريخي للنفوذ الأمريكي في المنطقة:

  • ​تضرر القواعد العسكرية: تعرضت القواعد الأمريكية لضربات مستمرة هزت هيبتها الردعية، وفتحت الباب للتفكير الجدي في تقليص الوجود العسكري الأمريكي أو الخروج التدريجي تحت ضربات المقاومة.
  • ​انكشاف التكنولوجيا الدفاعية: عجزت المنظومات الدفاعية الغربية المتطورة عن تأمين حماية مطلقة أمام كثافة وتكتيكات المسيرات والصواريخ، مما أثبت عملياً أن التفوق التكنولوجي الغربي لم يعد مطلقاً.

​5. إيران المستفيد الأكبر: الصواريخ والاستثمار

​تخرج الجمهورية الإسلامية كأكبر الرابحين من هذه المواجهة بفضل أوراق القوة التي فرضتها على طاولة المفاوضات:

  • ​حصانة الترسانة العسكرية: بقيت القوة الصاروخية وسلاح المسيرات الإيراني خارج أي شروط للحد منهما، كأمر واقع لا يمكن تجاوزه.
  • ​السيطرة على مضيق هرمز: أكدت الأحداث أن الممر المائي الحيوي يخضع للإرادة الإيرانية، مما دفع واشنطن لطلب إعادة فتحه كأولوية لضمان تدفق الطاقة العالمي.
  • ​العوائد الاقتصادية والصندوق الاستثماري: يشمل الإطار الاقتصادي للاتفاق رفع التجميد عن مليارات الدولارات من الأصول الإيرانية (بدءاً بـ 25 مليار دولار كخطوة أولى بالتزامن مع توقيع الاتفاق في سويسرا)، بالإضافة إلى الحوافز المرتبطة بـ صندوق استثماري ضخم تصل قيمته إلى 300 مليار دولار.
  • ​ملاحظة تحليلية: وفقاً لأحدث المعطيات، فإن هذا الصندوق (300 مليار) لن يُدار أو يُمول مباشرة من الخزانة الأمريكية، بل يمثل ضوءاً أخضر دولياً للشركات العملاقة (الروسية، الصينية، الأوروبية، والآسيوية) للاستثمار في البنية التحتية وقطاع الطاقة الإيراني فور رفع العقوبات تدريجياً، مما يعني دمج اقتصاد إيران بالنظام العالمي كقوة إقليمية معترف بها.


    ​6. الملف النووي: ترحيل المؤجل

    ​في خطوة تعكس ذكاء الدبلوماسية الإيرانية، تم الفصل بين وقف الحرب والملف النووي:

    • ​تثبيت الوضع الحالي: وافقت إيران على تجميد مستويات التخصيب الحالية دون التنازل عن بنيتها التحتية أو نقل يورانيوم للخارج خلال فترة الهدنة (60 يوماً).
    • ​التفاوض اللاحق: تُرِكت التفاصيل المعقدة للملف النووي لتبحث في جولات تفاوضية مستقبلية، مما يعطي طهران فرصة المناورة السياسية والاستفادة من المزايا الاقتصادية الفورية مع الحفاظ على قدراتها التكنولوجية النووية ككارت ضغط مستمر.

    ​خاتمة

    ​إن الاتفاق الإيراني الأمريكي يمثل اعترافاً أمريكياً صريحاً بفشل سياسة "الضغط الأقصى" وبعجز الآلة العسكرية الصهيونية التي بدأت مسار الانكماش والعد التنازلي بفعل أزماتها الداخلية. في المقابل، يتشكل عالم جديد متعدد الأقطاب تلعب فيه بكين وموسكو أدواراً قيادية، وتثبّت فيه طهران ومحورها مكانتهم كرقام صعب وقوة أساسية لا يمكن تجاوزها في صياغة مستقبل الشرق الأوسط.

 


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قطاع الفوسفات في تونس بعد 2011: من ريادة الإنتاج إلى متاهات الأزمة الهيكلية ​بقلم: الناصر خشيني

  ​يعتبر قطاع الفوسفات في تونس أكثر من مجرد نشاط منجمي؛ إنه الشريان الحيوي للاقتصاد الوطني والعمود الفقري للتنمية في مناطق الحوض المنجمي. إلا أن هذا القطاع دخل منذ عام 2011 في نفق مظلم من الأزمات المتراكمة التي مست مفاصل الإنتاج والتسويق والإدارة، مما حوله من قاطرة للنمو إلى عبء تقني ومالي يتطلب وقفة تحليلية جادة لفهم مكامن الخلل وسبل الاستشراف المستقبلي. ​أولاً: أزمة الإنتاج.. بين المطلب الاجتماعي والتعطل التقني ​لقد تراجع حجم الإنتاج الوطني من الفوسفات الخام بشكل حاد، حيث انحدر من سقف 8 مليون طن في سنة 2010 إلى مستويات لا تتجاوز 4 مليون طن في أفضل الحالات خلال العقد الأخير. هذا التقهقر يعود بالأساس إلى: ​الاحتقان الاجتماعي: تحول الحوض المنجمي إلى ساحة للاحتجاجات المستمرة والاعتصامات المطالبة بالتنمية والتشغيل، وهو ما أدى إلى توقف متكرر لمحركات الإنتاج في المغاسل والمناجم. ​معضلة اللوجستيك والنقل: تعاني منظومة نقل الفوسفات عبر السكك الحديدية من تهالك شديد، مما دفع نحو الاعتماد على الشاحنات الخاصة، وهو حل مكلف أدى إلى تضخم تكاليف الإنتاج وضرب نجاعة العملية اللوجستية. ​تقادم المعدات...

​طبيعة الصراع العربي الصهيوني والطريق إلى تحرير فلسطين ​بقلم: الناصر خشيني

مداخلة أُلقيت في مخيم الشباب القومي العربي – نابل، تونس ​مقدمة ​يعود الأصل النظرى لهذا البحث إلى ثمانينيات القرن الماضي، وتحديداً خلال صيف عام 1982 المحموم، إبان الاجتياح الصهيوني للبنان بقيادة السفاح "أرييل شارون". وقد قُدِّم البحث حينها على مسرح الهواء الطلق بمدينة طبرقة التونسية. ومنذ ذلك الوقت، ورغم تسارع الأحداث الإقليمية وتطورها بشكل دراماتيكي، لم يتغير شيء من طبيعة الصراع العربي الصهيوني الجوهرية. وبناءً على مقتضيات التطورات الراهنة التي تعيشها المنطقة، أُعيدت صياغة هذه الرؤية وتعديلها لتواكب الواقع المعاصر. ​لا يزال الصراع في فلسطين بين الأمة العربية والصهاينة على أشده وبلا هوادة، وتسيل الدماء يومياً غزيرة من أبناء شعبنا في فلسطين الكسيرة، ولكن دون تفريط في الحق السليب بشكل نهائي. ورغم الاعتراف المتبادل بين بعض النظم العربية والصهاينة، ورغماً عن اتفاقيات السلام الموقعة، فإن ملايين المشردين الذين أُخرجوا من ديارهم بقوة السلاح لا يزالون يحلمون بالعودة إلى أرض الوطن، يراودهم الأمل يوماً ما طال الزمان أو قصر [1]. ​إن الصهاينة الذين اعتمدوا في احتلالهم للأرض على القوة الغا...

مهمة الرسول: الهداية والتبليغ لا الغزو والقتال بقلم: الناصر خشيني

     مقدمة أطنبت كتب الحديث والسيرة والتاريخ الإسلامي في الحديث عن "غزوات" مزعومة للرسول صلى الله عليه وسلم، في مخالفة صريحة لمنهج القرآن الكريم الذي لم يصف الرسول في أي موضع بأنه كان غازياً أو محارباً ابتداءً. فالقرآن اقتصر على ذكر بعض الوقائع المفصلية من سيرة الرسول، بعضها بالتفصيل وبعضها بالإجمال، دون أن يصطنع لها صفة "الغزو" التي ألصقتها بها كتب التراث. وتسعى هذه المقالة إلى استعراض هذه الوقائع كما وردت في النص القرآني نفسه، ثم بيان أن كل قتال خاضه الرسول لم يكن إلا رد فعل على عداء محورين بعينهما: قريش التي صادرت أموال المهاجرين وأخرجتهم من ديارهم، ويهود المدينة الذين خانوا عهد صحيفة المدينة، وأن مهمته الأصلية والمركزية كانت الدعوة بالرسالة والتبليغ بالحجة، كما يشهد على ذلك منهجه في مراسلة ملوك عصره. أولاً: منهج القرآن في تناول وقائع السيرة خلّد القرآن الكريم جملة من وقائع السيرة بالذكر، إما إجمالاً أو تفصيلاً، موزعة على عدد من السور: بدر: في سورتي آل عمران والأنفال (¹) أُحد: في سورة آل عمران، دون ذكر اسمها (²) صلح الحديبية: في سورة الفتح (³) الخندق: في سورة ال...