التخطي إلى المحتوى الرئيسي

قرات لكم الجزء الثاني من الاسس للدكتور عصمت سيف الدولة بقلم الناصر خشيني




سلسلة "قرأت لكم"  يسرني أن أقدم قراءة  في كتاب "الأسس (2): البعد الرابع... الطليعة العربية" للدكتور عصمت سيف الدولة، والذي يعد ركيزة أساسية في بناء "نظرية الثورة العربية".

المنطلق الفلسفي: من جدل الإنسان إلى جدل المجتمع يفتتح الدكتور عصمت سيف الدولة هذا الجزء بتذكيرنا بما أرساه في الكتاب الأول، حيث أكد أن باب الاجتهاد الاشتراكي لا يزال مشرعاً ولم يغلقه الجمود الفكري. وينطلق من مبدأ جوهري مفاده أن "الإنسان الفرد" ليس له وجود واقعي بمفرده، إذ لم يوجد الإنسان قط إلا ضمن مجتمع. ومن هنا، يعيد المؤلف رد الإنسان إلى سياقه المجتمعي ليحدد القوانين الكلية التي تحكم تطوره في إطار الوجود الأشمل.

الأبعاد الثلاثة لهيكل المجتمع يسعى المؤلف إلى رسم هندسة فلسفية للمجتمع من خلال ثلاثة أبعاد رئيسية، وهي أبعاد ممتدة ومفتوحة النهايات:

  • الامتداد الأفقي: يمثل انتشار البشر من الفرد إلى الجماعة، حيث يحمل كل فرد احتياجاته الخاصة، لتنشأ حركة جدلية تتجه من "الجزء" (الفرد) إلى "الكل" (المجتمع)، مما يؤدي إلى تعدد المشكلات والحلول المقترحة.

  • الامتداد الرأسي: وهو البعد الذي يتصاعد من "الحاجة الخاصة" لكل فرد ليصل إلى "الحاجة العامة" التي يتشارك فيها الجميع، وفي هذا البعد تتحرك الحلول والمشكلات جدلياً من "الخاص" إلى "العام".

  • الامتداد الزمني (المستقبل): وهو بعد التطور المستمر الذي يسير في حركة جدلية تنطلق من حالة "الحاجة" وتطمح للوصول إلى حالة "الغنى" والرفاه. وقد تعمد المؤلف ترك نهايات هذه الأبعاد دون تحديد مسبق، تعبيراً عن صيرورة المجتمع وعدم توقفه عند نقطة نهائية.

حتمية الجدل وحرية الوجود يرى سيف الدولة أن حركة المجتمع هي حركة جدلية بالضرورة، تقتضي أولاً "الوجود" الفعلي للمجتمع، ثم تفعيل "الجدل" من خلال تبادل المعرفة، فتبادل الرأي، وصولاً إلى تبادل الجهود. هذا الجدل ليس اختيارياً بل هو "قانون حتمي"، ومن هذه الحتمية بالذات يستمد الفرد حرياته الجديدة؛ فحرية الفرد الحقيقية تكمن في ضمان وجود واستمرار المجتمع الذي ينتمي إليه، لأن في بقاء المجتمع بقاءً للفرد وتفعيلاً لدوره.

البعد الرابع والطليعة العربية إن عنوان الكتاب "البعد الرابع... الطليعة العربية" يشير إلى العنصر النوعي الذي ينقل المجتمع من مجرد الوجود الساكن إلى الوجود الواعي والمتحرك. فإذا كانت الأبعاد الثلاثة تمثل هيكل المجتمع وامتداده، فإن "البعد الرابع" يتمثل في "الطليعة العربية" الواعية التي تستوعب هذه القوانين الجدلية وتعمل على قيادة المجتمع العربي نحو تحقيق أهدافه في الوحدة والاشتراكية. إن الوحدة في فكر سيف الدولة ليست مجرد غاية عاطفية، بل هي ضرورة موضوعية يفرضها جدل المجتمع العربي في أبعاده الأفقية والرأسية والزمنية، وهي السبيل الوحيد للانتقال من التجزئة (الحاجة) إلى الوحدة (الغنى).

ختاماً، يقدم سيف الدولة في هذا العمل تأسيساً نظرياً متيناً يتجاوز القوالب الجاهزة، ليضع الإنسان العربي أمام مسؤوليته التاريخية في فهم قوانين مجتمعه والانخراط في حركة التغيير الثوري التي تنشد حرية الإنسان، ذلك الكائن العظيم الذي يهديه المؤلف ثمرة فكره.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قطاع الفوسفات في تونس بعد 2011: من ريادة الإنتاج إلى متاهات الأزمة الهيكلية ​بقلم: الناصر خشيني

  ​يعتبر قطاع الفوسفات في تونس أكثر من مجرد نشاط منجمي؛ إنه الشريان الحيوي للاقتصاد الوطني والعمود الفقري للتنمية في مناطق الحوض المنجمي. إلا أن هذا القطاع دخل منذ عام 2011 في نفق مظلم من الأزمات المتراكمة التي مست مفاصل الإنتاج والتسويق والإدارة، مما حوله من قاطرة للنمو إلى عبء تقني ومالي يتطلب وقفة تحليلية جادة لفهم مكامن الخلل وسبل الاستشراف المستقبلي. ​أولاً: أزمة الإنتاج.. بين المطلب الاجتماعي والتعطل التقني ​لقد تراجع حجم الإنتاج الوطني من الفوسفات الخام بشكل حاد، حيث انحدر من سقف 8 مليون طن في سنة 2010 إلى مستويات لا تتجاوز 4 مليون طن في أفضل الحالات خلال العقد الأخير. هذا التقهقر يعود بالأساس إلى: ​الاحتقان الاجتماعي: تحول الحوض المنجمي إلى ساحة للاحتجاجات المستمرة والاعتصامات المطالبة بالتنمية والتشغيل، وهو ما أدى إلى توقف متكرر لمحركات الإنتاج في المغاسل والمناجم. ​معضلة اللوجستيك والنقل: تعاني منظومة نقل الفوسفات عبر السكك الحديدية من تهالك شديد، مما دفع نحو الاعتماد على الشاحنات الخاصة، وهو حل مكلف أدى إلى تضخم تكاليف الإنتاج وضرب نجاعة العملية اللوجستية. ​تقادم المعدات...

​طبيعة الصراع العربي الصهيوني والطريق إلى تحرير فلسطين ​بقلم: الناصر خشيني

مداخلة أُلقيت في مخيم الشباب القومي العربي – نابل، تونس ​مقدمة ​يعود الأصل النظرى لهذا البحث إلى ثمانينيات القرن الماضي، وتحديداً خلال صيف عام 1982 المحموم، إبان الاجتياح الصهيوني للبنان بقيادة السفاح "أرييل شارون". وقد قُدِّم البحث حينها على مسرح الهواء الطلق بمدينة طبرقة التونسية. ومنذ ذلك الوقت، ورغم تسارع الأحداث الإقليمية وتطورها بشكل دراماتيكي، لم يتغير شيء من طبيعة الصراع العربي الصهيوني الجوهرية. وبناءً على مقتضيات التطورات الراهنة التي تعيشها المنطقة، أُعيدت صياغة هذه الرؤية وتعديلها لتواكب الواقع المعاصر. ​لا يزال الصراع في فلسطين بين الأمة العربية والصهاينة على أشده وبلا هوادة، وتسيل الدماء يومياً غزيرة من أبناء شعبنا في فلسطين الكسيرة، ولكن دون تفريط في الحق السليب بشكل نهائي. ورغم الاعتراف المتبادل بين بعض النظم العربية والصهاينة، ورغماً عن اتفاقيات السلام الموقعة، فإن ملايين المشردين الذين أُخرجوا من ديارهم بقوة السلاح لا يزالون يحلمون بالعودة إلى أرض الوطن، يراودهم الأمل يوماً ما طال الزمان أو قصر [1]. ​إن الصهاينة الذين اعتمدوا في احتلالهم للأرض على القوة الغا...

مهمة الرسول: الهداية والتبليغ لا الغزو والقتال بقلم: الناصر خشيني

     مقدمة أطنبت كتب الحديث والسيرة والتاريخ الإسلامي في الحديث عن "غزوات" مزعومة للرسول صلى الله عليه وسلم، في مخالفة صريحة لمنهج القرآن الكريم الذي لم يصف الرسول في أي موضع بأنه كان غازياً أو محارباً ابتداءً. فالقرآن اقتصر على ذكر بعض الوقائع المفصلية من سيرة الرسول، بعضها بالتفصيل وبعضها بالإجمال، دون أن يصطنع لها صفة "الغزو" التي ألصقتها بها كتب التراث. وتسعى هذه المقالة إلى استعراض هذه الوقائع كما وردت في النص القرآني نفسه، ثم بيان أن كل قتال خاضه الرسول لم يكن إلا رد فعل على عداء محورين بعينهما: قريش التي صادرت أموال المهاجرين وأخرجتهم من ديارهم، ويهود المدينة الذين خانوا عهد صحيفة المدينة، وأن مهمته الأصلية والمركزية كانت الدعوة بالرسالة والتبليغ بالحجة، كما يشهد على ذلك منهجه في مراسلة ملوك عصره. أولاً: منهج القرآن في تناول وقائع السيرة خلّد القرآن الكريم جملة من وقائع السيرة بالذكر، إما إجمالاً أو تفصيلاً، موزعة على عدد من السور: بدر: في سورتي آل عمران والأنفال (¹) أُحد: في سورة آل عمران، دون ذكر اسمها (²) صلح الحديبية: في سورة الفتح (³) الخندق: في سورة ال...