التخطي إلى المحتوى الرئيسي

قرأتُ لكم" كتاب "الأسلوب: الثورة... وأداة الثورة" (الجزء الخامس من نظرية الثورة العربية) للدكتور عصمت سيف الدولة.بقلم الناصر خشيني



مدخل منهجي: مأساة الغاية والوسيلة

ارى أن أزمة العقل العربي المعاصر تكمن في العجز عن تحويل الشعارات إلى واقع، وهو ما يسميه عصمت سيف الدولة بـ "الثغرة القاتلة". فبينما اتفق "التقدميون" العرب على غاية "دولة الوحدة الديموقراطية الاشتراكية"، ظلوا عاجزين عن الإجابة على سؤال: كيف تتحقق؟.

أولاً: مشكلة الأسلوب.. الثغرة القاتلة

الانفصام بين الفكر والممارسة: يوضح الكتاب أن المكتبة العربية متخمة بالدراسات حول "الحرية والقومية والاشتراكية"، لكنها تفتقر تماماً لدراسات توضح "الأسلوب" أو الطريق العملي لقيام الدولة المنشودة.

تعدد الدلالات وصراع الرفاق: غيبة المنهج الواحد أدت إلى أن الكلمات الواحدة (وحدة، حرية، اشتراكية) أصبحت تحمل دلالات مختلفة ومتصارعة بين القوى التي ترفعها، مما حولهم من رفاق درب إلى "فرق موحدة الغايات.. ممزقة الصفوف".

تشويه الغايات: يؤكد سيف الدولة أن سوء الأسلوب يشوه عظمة الغاية؛ فالنضال من أجل التحرر بأسلوب "الاستبداد" جعل الناس يكرهون الحرية، والنضال للوحدة بأسلوب "إقليمي" جعلهم يفرون منها.

ثانياً: المنهج كأداة للتحقق

المنهج عند سيف الدولة ليس ترفاً فكرياً، بل هو "منطق فهم الواقع والتعامل معه".

إذا لم نعرف "كيف" وصلنا إلى غاياتنا ذهنياً وفكرياً، فلن نتمكن أبداً من تحقيقها في الواقع المادي.

تغيير ترتيب الكلمات في الشعارات (حرية، اشتراكية، وحدة) ليس صدفة، بل هو تعبير عما يسميه الكتاب بـ "الاختلاف في الأسلوب" الذي يفضح غياب الرؤية الموحدة.

ثالثاً: العبرة من التضحيات (فلسطين نموذجاً)

يشير الكتاب بمرارة إلى أن الشعب العربي قدم تضحيات هائلة وبطولية منذ ما قبل 1948 وحتى اليوم في مواجهة الصهيونية، لكن الغايات لم تتحقق. والسبب في نظر المؤلف لا يعود لنقص في البطولة أو وضوح الغاية، بل يعود مباشرة إلى "الفشل في الأسلوب".

خاتمة 

إن قراءة "الأسلوب" لعصمت سيف الدولة تضعنا أمام استحقاق تاريخي: لا يكفي أن نكون "وحدويين" أو "اشتراكيين" بالنية والشعار، بل يجب أن نمتلك "أداة الثورة" العلمية والمنهجية التي تمنع تصادم القوى التقدمية وتوحدها في مسار نضالي واحد يحترم كرامة الإنسان العربي وحقه في الديموقراطية .                      

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قطاع الفوسفات في تونس بعد 2011: من ريادة الإنتاج إلى متاهات الأزمة الهيكلية ​بقلم: الناصر خشيني

  ​يعتبر قطاع الفوسفات في تونس أكثر من مجرد نشاط منجمي؛ إنه الشريان الحيوي للاقتصاد الوطني والعمود الفقري للتنمية في مناطق الحوض المنجمي. إلا أن هذا القطاع دخل منذ عام 2011 في نفق مظلم من الأزمات المتراكمة التي مست مفاصل الإنتاج والتسويق والإدارة، مما حوله من قاطرة للنمو إلى عبء تقني ومالي يتطلب وقفة تحليلية جادة لفهم مكامن الخلل وسبل الاستشراف المستقبلي. ​أولاً: أزمة الإنتاج.. بين المطلب الاجتماعي والتعطل التقني ​لقد تراجع حجم الإنتاج الوطني من الفوسفات الخام بشكل حاد، حيث انحدر من سقف 8 مليون طن في سنة 2010 إلى مستويات لا تتجاوز 4 مليون طن في أفضل الحالات خلال العقد الأخير. هذا التقهقر يعود بالأساس إلى: ​الاحتقان الاجتماعي: تحول الحوض المنجمي إلى ساحة للاحتجاجات المستمرة والاعتصامات المطالبة بالتنمية والتشغيل، وهو ما أدى إلى توقف متكرر لمحركات الإنتاج في المغاسل والمناجم. ​معضلة اللوجستيك والنقل: تعاني منظومة نقل الفوسفات عبر السكك الحديدية من تهالك شديد، مما دفع نحو الاعتماد على الشاحنات الخاصة، وهو حل مكلف أدى إلى تضخم تكاليف الإنتاج وضرب نجاعة العملية اللوجستية. ​تقادم المعدات...

​طبيعة الصراع العربي الصهيوني والطريق إلى تحرير فلسطين ​بقلم: الناصر خشيني

مداخلة أُلقيت في مخيم الشباب القومي العربي – نابل، تونس ​مقدمة ​يعود الأصل النظرى لهذا البحث إلى ثمانينيات القرن الماضي، وتحديداً خلال صيف عام 1982 المحموم، إبان الاجتياح الصهيوني للبنان بقيادة السفاح "أرييل شارون". وقد قُدِّم البحث حينها على مسرح الهواء الطلق بمدينة طبرقة التونسية. ومنذ ذلك الوقت، ورغم تسارع الأحداث الإقليمية وتطورها بشكل دراماتيكي، لم يتغير شيء من طبيعة الصراع العربي الصهيوني الجوهرية. وبناءً على مقتضيات التطورات الراهنة التي تعيشها المنطقة، أُعيدت صياغة هذه الرؤية وتعديلها لتواكب الواقع المعاصر. ​لا يزال الصراع في فلسطين بين الأمة العربية والصهاينة على أشده وبلا هوادة، وتسيل الدماء يومياً غزيرة من أبناء شعبنا في فلسطين الكسيرة، ولكن دون تفريط في الحق السليب بشكل نهائي. ورغم الاعتراف المتبادل بين بعض النظم العربية والصهاينة، ورغماً عن اتفاقيات السلام الموقعة، فإن ملايين المشردين الذين أُخرجوا من ديارهم بقوة السلاح لا يزالون يحلمون بالعودة إلى أرض الوطن، يراودهم الأمل يوماً ما طال الزمان أو قصر [1]. ​إن الصهاينة الذين اعتمدوا في احتلالهم للأرض على القوة الغا...

مهمة الرسول: الهداية والتبليغ لا الغزو والقتال بقلم: الناصر خشيني

     مقدمة أطنبت كتب الحديث والسيرة والتاريخ الإسلامي في الحديث عن "غزوات" مزعومة للرسول صلى الله عليه وسلم، في مخالفة صريحة لمنهج القرآن الكريم الذي لم يصف الرسول في أي موضع بأنه كان غازياً أو محارباً ابتداءً. فالقرآن اقتصر على ذكر بعض الوقائع المفصلية من سيرة الرسول، بعضها بالتفصيل وبعضها بالإجمال، دون أن يصطنع لها صفة "الغزو" التي ألصقتها بها كتب التراث. وتسعى هذه المقالة إلى استعراض هذه الوقائع كما وردت في النص القرآني نفسه، ثم بيان أن كل قتال خاضه الرسول لم يكن إلا رد فعل على عداء محورين بعينهما: قريش التي صادرت أموال المهاجرين وأخرجتهم من ديارهم، ويهود المدينة الذين خانوا عهد صحيفة المدينة، وأن مهمته الأصلية والمركزية كانت الدعوة بالرسالة والتبليغ بالحجة، كما يشهد على ذلك منهجه في مراسلة ملوك عصره. أولاً: منهج القرآن في تناول وقائع السيرة خلّد القرآن الكريم جملة من وقائع السيرة بالذكر، إما إجمالاً أو تفصيلاً، موزعة على عدد من السور: بدر: في سورتي آل عمران والأنفال (¹) أُحد: في سورة آل عمران، دون ذكر اسمها (²) صلح الحديبية: في سورة الفتح (³) الخندق: في سورة ال...