التخطي إلى المحتوى الرئيسي

مشنقة سيد قطب: كيف تُصنع أسطورة "المظلومية" للتغطية على الإرهاب؟ ​بقلم: الناصر خشيني



​ليست المشنقة في التاريخ السياسي مجرد أداة عقاب، بل كثيراً ما تحاول التنظيمات الأيديولوجية تحويلها إلى آلة رمزية، تعيد تشكيل الوعي الجمعي، وتمنح المهزوم سلطة أخلاقية مزيفة تتجاوز لحظة السقوط نفسها. هكذا جرى التعامل مع إعدام سيد قطب سنة 1966، حيث عُزل الحدث عمداً عن سياقه الجنائي والوطني، ليُفتح على مصراعيه داخل الذاكرة الإخوانية الحركية كـ "مظلومية تأسيسية" تخفي وراءها حقيقة المخطط الدموي.
​في البروباغندا الإخوانية البسيطة، يُقدَّم الإعدام بوصفه ذروة الظلم الناصري واستبداد الدولة. غير أن القراءة التقدمية والقومية الأعمق تكشف أن هذه اللحظة جرى انتزاعها عمداً من سياقها الحقيقي، وإعادة إنتاجها كرمز مقدّس يُراد منه إغلاق ملف إدانة التنظيم، والتغطية على حقيقة صادمة يتناساها الكثيرون: أن هذا الإعدام جاء بعد كشف مخطط إرهابي كامل الأركان كان يستهدف تفجير ركائز الدولة الوطنية والاعتداء على أمنها وسيادتها.
​منذ الأيام الأولى بعد الإعدام، بدأت تتشكّل رواية واحدة، شبه رسمية داخل التنظيمات: رواية الثبات، والابتسامة، والانتصار الأخلاقي. لا تعدد في الزوايا، ولا نقاش في الوقائع. وهذا أول مؤشر على الانتقال من الحدث الجنائي والتاريخي إلى النص الأسطوري، لتعطيل العقول عن السؤال الجوهري: ماذا كان يفعل تنظيم 1965 السري؟ ولماذا كانت مخازن السلاح والمتفجرات تُعد لاستهداف المنشآت الحيوية وقادة الدولة؟
​في هذه النقطة تحديداً، أخرج الفكر الإخواني هذا الإعدام من كونه نهاية قانونية مستحقة لصراع أمني وعنيف أشعله التنظيم، ليدخله مجال “التقديس الرمزي”. لم يعد سيد قطب متهماً بالتنظير لتفجير الدولة والمجتمع، بل أصبح شهيد فكرة، وكل فكرة للشهيد تكتسب -في عرفهم- حصانة تلقائية من النقد أو المساءلة.
​الخطير في هذه العملية ليس مجرد التعاطف، بل إلغاء المسافة بين الفكر التدميري والرمز. فحين يتحوّل صاحب الفكر التكفيري إلى أيقونة، تُجمَّد نصوصه الاستئصالية، وتُرفع فوق التاريخ، وكأنها وحي سياسي عابر للقوانين والدول.
​لقد كُتبت أفكار قطب الأكثر خطورة تحت شعار "المفاصلة وعزلة المجتمع"، ونتج عنها تنظيم سري مسلح لم يكن يرى في الدولة الوطنية إلا "جاهلية" يجب تقويضها بالتفجيرات والاغتيالات. وهنا يبرز التناقض الصارخ: كيف يُطلب من الدولة التقدمية أن تقف عاجزة أمام تنظيم يخطط لنسف كيانها من الداخل، ثم يُتباكى على القانون حين يُطبق العدل؟
​غير أن الأسطورة الإخوانية لا تحب هذه الحقائق. فهي تحتاج إلى يقين صافٍ، وإلى نهاية مأساوية تُغلق باب المراجعة، لكي لا يُساءل أحد مفاهيم مثل “الحاكمية” أو “تكفير المجتمع”، أو يُحاسب التنظيم على توظيفه الفظيع للعنف والقتل.
​هنا بالضبط، بدأت المشنقة تؤدي وظيفتها الأخطر في الأدبيات الحركية: منح الفكر الإرهابي سلطة الدم. وباسم هذا الدم، جرى تعليق العقل، وتأجيل السياسة، وتحويل الاعتداء على أمن الدولة من جريمة إرهابية موصوفة إلى اصطفاف مطلق وانقسام وجودي بين "إيمان وكفر".
​إن الإعدام القانوني المبرر لحماية الوطن لا يحوّل الأفكار التكفيرية إلى حقائق، ولا يمنح التنظيم صك براءة. فالقضاء أدان تنظيماً خطط للتفجير والقتل والاعتداء على السيادة الوطنية، ولم يكن الأمر مجرد خصومة فكرية. الفرق اليوم يكمن في ضرورة كشف هذا التزييف، وإعادة الاعتبار للدولة الوطنية في مواجهة مشروع إخواني وظّف المظلومية لصناعة السرديات، بينما كانت يداه تخطط لتدمير الوطن.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قطاع الفوسفات في تونس بعد 2011: من ريادة الإنتاج إلى متاهات الأزمة الهيكلية ​بقلم: الناصر خشيني

  ​يعتبر قطاع الفوسفات في تونس أكثر من مجرد نشاط منجمي؛ إنه الشريان الحيوي للاقتصاد الوطني والعمود الفقري للتنمية في مناطق الحوض المنجمي. إلا أن هذا القطاع دخل منذ عام 2011 في نفق مظلم من الأزمات المتراكمة التي مست مفاصل الإنتاج والتسويق والإدارة، مما حوله من قاطرة للنمو إلى عبء تقني ومالي يتطلب وقفة تحليلية جادة لفهم مكامن الخلل وسبل الاستشراف المستقبلي. ​أولاً: أزمة الإنتاج.. بين المطلب الاجتماعي والتعطل التقني ​لقد تراجع حجم الإنتاج الوطني من الفوسفات الخام بشكل حاد، حيث انحدر من سقف 8 مليون طن في سنة 2010 إلى مستويات لا تتجاوز 4 مليون طن في أفضل الحالات خلال العقد الأخير. هذا التقهقر يعود بالأساس إلى: ​الاحتقان الاجتماعي: تحول الحوض المنجمي إلى ساحة للاحتجاجات المستمرة والاعتصامات المطالبة بالتنمية والتشغيل، وهو ما أدى إلى توقف متكرر لمحركات الإنتاج في المغاسل والمناجم. ​معضلة اللوجستيك والنقل: تعاني منظومة نقل الفوسفات عبر السكك الحديدية من تهالك شديد، مما دفع نحو الاعتماد على الشاحنات الخاصة، وهو حل مكلف أدى إلى تضخم تكاليف الإنتاج وضرب نجاعة العملية اللوجستية. ​تقادم المعدات...

​طبيعة الصراع العربي الصهيوني والطريق إلى تحرير فلسطين ​بقلم: الناصر خشيني

مداخلة أُلقيت في مخيم الشباب القومي العربي – نابل، تونس ​مقدمة ​يعود الأصل النظرى لهذا البحث إلى ثمانينيات القرن الماضي، وتحديداً خلال صيف عام 1982 المحموم، إبان الاجتياح الصهيوني للبنان بقيادة السفاح "أرييل شارون". وقد قُدِّم البحث حينها على مسرح الهواء الطلق بمدينة طبرقة التونسية. ومنذ ذلك الوقت، ورغم تسارع الأحداث الإقليمية وتطورها بشكل دراماتيكي، لم يتغير شيء من طبيعة الصراع العربي الصهيوني الجوهرية. وبناءً على مقتضيات التطورات الراهنة التي تعيشها المنطقة، أُعيدت صياغة هذه الرؤية وتعديلها لتواكب الواقع المعاصر. ​لا يزال الصراع في فلسطين بين الأمة العربية والصهاينة على أشده وبلا هوادة، وتسيل الدماء يومياً غزيرة من أبناء شعبنا في فلسطين الكسيرة، ولكن دون تفريط في الحق السليب بشكل نهائي. ورغم الاعتراف المتبادل بين بعض النظم العربية والصهاينة، ورغماً عن اتفاقيات السلام الموقعة، فإن ملايين المشردين الذين أُخرجوا من ديارهم بقوة السلاح لا يزالون يحلمون بالعودة إلى أرض الوطن، يراودهم الأمل يوماً ما طال الزمان أو قصر [1]. ​إن الصهاينة الذين اعتمدوا في احتلالهم للأرض على القوة الغا...

مهمة الرسول: الهداية والتبليغ لا الغزو والقتال بقلم: الناصر خشيني

     مقدمة أطنبت كتب الحديث والسيرة والتاريخ الإسلامي في الحديث عن "غزوات" مزعومة للرسول صلى الله عليه وسلم، في مخالفة صريحة لمنهج القرآن الكريم الذي لم يصف الرسول في أي موضع بأنه كان غازياً أو محارباً ابتداءً. فالقرآن اقتصر على ذكر بعض الوقائع المفصلية من سيرة الرسول، بعضها بالتفصيل وبعضها بالإجمال، دون أن يصطنع لها صفة "الغزو" التي ألصقتها بها كتب التراث. وتسعى هذه المقالة إلى استعراض هذه الوقائع كما وردت في النص القرآني نفسه، ثم بيان أن كل قتال خاضه الرسول لم يكن إلا رد فعل على عداء محورين بعينهما: قريش التي صادرت أموال المهاجرين وأخرجتهم من ديارهم، ويهود المدينة الذين خانوا عهد صحيفة المدينة، وأن مهمته الأصلية والمركزية كانت الدعوة بالرسالة والتبليغ بالحجة، كما يشهد على ذلك منهجه في مراسلة ملوك عصره. أولاً: منهج القرآن في تناول وقائع السيرة خلّد القرآن الكريم جملة من وقائع السيرة بالذكر، إما إجمالاً أو تفصيلاً، موزعة على عدد من السور: بدر: في سورتي آل عمران والأنفال (¹) أُحد: في سورة آل عمران، دون ذكر اسمها (²) صلح الحديبية: في سورة الفتح (³) الخندق: في سورة ال...