قائمة المدونات الإلكترونية

الأحد، 12 يوليو 2026

مشنقة سيد قطب: كيف تُصنع أسطورة "المظلومية" للتغطية على الإرهاب؟ ​بقلم: الناصر خشيني



​ليست المشنقة في التاريخ السياسي مجرد أداة عقاب، بل كثيراً ما تحاول التنظيمات الأيديولوجية تحويلها إلى آلة رمزية، تعيد تشكيل الوعي الجمعي، وتمنح المهزوم سلطة أخلاقية مزيفة تتجاوز لحظة السقوط نفسها. هكذا جرى التعامل مع إعدام سيد قطب سنة 1966، حيث عُزل الحدث عمداً عن سياقه الجنائي والوطني، ليُفتح على مصراعيه داخل الذاكرة الإخوانية الحركية كـ "مظلومية تأسيسية" تخفي وراءها حقيقة المخطط الدموي.
​في البروباغندا الإخوانية البسيطة، يُقدَّم الإعدام بوصفه ذروة الظلم الناصري واستبداد الدولة. غير أن القراءة التقدمية والقومية الأعمق تكشف أن هذه اللحظة جرى انتزاعها عمداً من سياقها الحقيقي، وإعادة إنتاجها كرمز مقدّس يُراد منه إغلاق ملف إدانة التنظيم، والتغطية على حقيقة صادمة يتناساها الكثيرون: أن هذا الإعدام جاء بعد كشف مخطط إرهابي كامل الأركان كان يستهدف تفجير ركائز الدولة الوطنية والاعتداء على أمنها وسيادتها.
​منذ الأيام الأولى بعد الإعدام، بدأت تتشكّل رواية واحدة، شبه رسمية داخل التنظيمات: رواية الثبات، والابتسامة، والانتصار الأخلاقي. لا تعدد في الزوايا، ولا نقاش في الوقائع. وهذا أول مؤشر على الانتقال من الحدث الجنائي والتاريخي إلى النص الأسطوري، لتعطيل العقول عن السؤال الجوهري: ماذا كان يفعل تنظيم 1965 السري؟ ولماذا كانت مخازن السلاح والمتفجرات تُعد لاستهداف المنشآت الحيوية وقادة الدولة؟
​في هذه النقطة تحديداً، أخرج الفكر الإخواني هذا الإعدام من كونه نهاية قانونية مستحقة لصراع أمني وعنيف أشعله التنظيم، ليدخله مجال “التقديس الرمزي”. لم يعد سيد قطب متهماً بالتنظير لتفجير الدولة والمجتمع، بل أصبح شهيد فكرة، وكل فكرة للشهيد تكتسب -في عرفهم- حصانة تلقائية من النقد أو المساءلة.
​الخطير في هذه العملية ليس مجرد التعاطف، بل إلغاء المسافة بين الفكر التدميري والرمز. فحين يتحوّل صاحب الفكر التكفيري إلى أيقونة، تُجمَّد نصوصه الاستئصالية، وتُرفع فوق التاريخ، وكأنها وحي سياسي عابر للقوانين والدول.
​لقد كُتبت أفكار قطب الأكثر خطورة تحت شعار "المفاصلة وعزلة المجتمع"، ونتج عنها تنظيم سري مسلح لم يكن يرى في الدولة الوطنية إلا "جاهلية" يجب تقويضها بالتفجيرات والاغتيالات. وهنا يبرز التناقض الصارخ: كيف يُطلب من الدولة التقدمية أن تقف عاجزة أمام تنظيم يخطط لنسف كيانها من الداخل، ثم يُتباكى على القانون حين يُطبق العدل؟
​غير أن الأسطورة الإخوانية لا تحب هذه الحقائق. فهي تحتاج إلى يقين صافٍ، وإلى نهاية مأساوية تُغلق باب المراجعة، لكي لا يُساءل أحد مفاهيم مثل “الحاكمية” أو “تكفير المجتمع”، أو يُحاسب التنظيم على توظيفه الفظيع للعنف والقتل.
​هنا بالضبط، بدأت المشنقة تؤدي وظيفتها الأخطر في الأدبيات الحركية: منح الفكر الإرهابي سلطة الدم. وباسم هذا الدم، جرى تعليق العقل، وتأجيل السياسة، وتحويل الاعتداء على أمن الدولة من جريمة إرهابية موصوفة إلى اصطفاف مطلق وانقسام وجودي بين "إيمان وكفر".
​إن الإعدام القانوني المبرر لحماية الوطن لا يحوّل الأفكار التكفيرية إلى حقائق، ولا يمنح التنظيم صك براءة. فالقضاء أدان تنظيماً خطط للتفجير والقتل والاعتداء على السيادة الوطنية، ولم يكن الأمر مجرد خصومة فكرية. الفرق اليوم يكمن في ضرورة كشف هذا التزييف، وإعادة الاعتبار للدولة الوطنية في مواجهة مشروع إخواني وظّف المظلومية لصناعة السرديات، بينما كانت يداه تخطط لتدمير الوطن.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

​خنجر في خاصرة الأمة: المظلومية الوظيفية وانحراف البوصلة عند الإخوان ​بقلم: الناصر خشيني

​إن قراءة المسار التاريخي لحركة الإخوان المسلمين تكشف عن آليّة نسقية مبكرة في تزييف الوعي الجمعي، تقوم على إحلال "السيكولوجية العاطفية...