التخطي إلى المحتوى الرئيسي

الرؤية الشعبية القومية للحركة الوطنية التونسية: قراءة تفكيكية في مسار التحرير من التبعية إلى الاستقلال (1830-1956) ​بقلم: الناصر خشيني



​تندرج قراءتنا لكتاب الباحث والسياسي التونسي الراحل الطاهر عبد الله، "الحركة الوطنية التونسية: رؤية شعبية قومية جديدة 1830-1956"، ضمن مشروعنا الفكري النابع من الرؤية القومية التقدمية التي تسعى جاهدة لنقد التزييف التاريخي وتفكيك السرديات الاستعمارية وبقايا الاستعمار الجديد.

​لقد دأب التاريخ الرسمي للبورجوازية التونسية الصاعدة عقب استقلال 1956 على اختزال معركة التحرر التونسي في أشخاص ونخب صالونية أرستقراطية، متجاهلاً الدور الحاسم للكفاح الجماهيري وللعمق العربي والإسلامي القومي. يأتي مؤلف الطاهر عبد الله كشاهد فكري ومحطة إعادة اعتبار لتاريخ الشعب والعمال والفلاحين والفرسان المقاومين.

​أولاً: تفكيك اختراق رأس المال ومقدمات الاحتلال

​يبدأ الكاتب بتحليل المسببات العميقة للاحتلال الفرنسي، معيداً جذور الأزمة إلى لحظة سقوط الجزائر [1]. لم يأتِ الاحتلال نتيجة "حادثة الحدود" أو صدفة تاريخية، بل كان نتيجة حتمية لـ:

  • ​التغلغل الرأسمالي الإمبريالي: الذي استغل ديون البايليّات والطبقة الحاكمة التونسية عبر القروض الأجنبية، مما أدى إلى كف يد الدولة التونسية وتكبيل سيادتها المالية الوطنية من خلال "الكومسيون المالي".
  • ​عجز السلطة المركزية: وانفصال السلطة الحاكمة عن تطلعات الشعب، مما جعل من المعاهدات الرسمية مجرد صكوك تسليم رسمي لدولة وهبها الحكام للمستعمر الفرنسي [2].

​ثانياً: الجماهير كصانع حقيقي للتاريخ والمقاومة التلقائية

​يرفض الكتاب المقولة الانهزامية التي تزعم أن المقاومة الوطنية بدأت فقط مع التشكيلات الحزبية في ثلاثينيات القرن العشرين. يؤكد الطاهر عبد الله من منظور شعبوي تقدمي أن:

  • ​الشعب التونسي بفرسانه وعشائره في الجنوب، الوسط، والجريد، خاض معارك طاحنة ومقاومة مسلحة تلقائية ضد الجيوش الفرنسية منذ لحظة الغزو الأولى.
  • ​النضال النقابي والعمالي [3] كان المحرك الأساسي للمطالب الوطنية ذات البعد الاجتماعي، حاملاً مضامين الطبقات الشعبية الكادحة لا مصالح البورجوازية المهادنة.

​ثالثاً: البُعد العروبي والعمق القومي لثورة التحرير

​يُبرهن المؤَلَّف على أن الحركة الوطنية التونسية لم تكن حركة قطريّة ضيّقة منغلقة، بل كانت جزأً أصيلاً من حركة التحرر العربي الشاملة:

  • ​التلاحم المباشر مع الثورة الجزائرية ومعارك المغاربة ضد الاستعمار.
  • ​الحضور التونسي الفاعل في نصرة القضية الفلسطينية وقضايا التحرر العربي في المشرق.
  • ​الإيمان الراسخ لدى جماهير المقاومة بأن المعركة ضد الاستعمار الإمبريالي هي معركة أمة واحدة تخوض نضالها ضد عدو استعماري واحد.

​رابعاً: نقد المنهج المهادن والصراع بين الخيار القومي والبورجوازي

​يقدّم الطاهر عبد الله قراءة نقدية صارمة للمسار الحزبي، مفرقاً بين تيارين أساسيين:

  1. ​التيار المهادن: اعتمد سياسة "خطوة خطوة" والتفاوض الجزئي، واستند إلى طبقة بورجوازية صاعدة قبلت باستقلال مكبل بالتبعية السياسية والاقتصادية والفرنكوفونية ولعبت دور الالتفاف على مطالب الحركة الوطنية الشعبية.
  2. ​التيار القومي المقاوم: الذي تمسّك بالخيار المسلح والتحرر الكامل والارتباط بالعمق العربي (القاهرة/الجزائر)، معتبراً معركة التحرير وحدة لا تتجزأ [4].

​ويلفت الكتاب إلى التصفية السياسية والميدانية التي تعرض لها الخط القومي المقاوم مع إعلان الاستقلال الداخلي ثم الاستقلال السياسي [5]، وهو ما فتح الباب أمام بناء دولة التبعية القطرية المشلولة عن تحقيق الأمن القومي والاشتراكية والتنمية الشاملة.

​خاتمة وقراءة في أفق المرحلة

​إن كتاب الطاهر عبد الله ليس مجرد تدوين تاريخي لماضٍ انقضى، بل هو وثيقة فكرية ونضالية تدعونا اليوم -كقوميين تقدميين- إلى استعادة الوعي القومي والطبقي التاريخي. إن دروس الحركة الوطنية التونسية تؤكد أن التحرر لا يكتمل بإسقاط الراية الأجنبية واستبدالها بنخبة مرتهنة للمشاريع الغربية، بل بتحقيق السيادة الشعبية الوطنية، والتكامل القومي الشامل، والتصدي لكافة أشكال الاستعمار الجديد وتبعيته الفرنكوفونية والهيكلية.

​الهوامش:

  • ​[1] الفترة الممتدة بين (1830 - 1881): تشير إلى المرحلة التاريخية بين احتلال فرنسا للجزائر وفرض حمايتها على تونس.
  • ​[2] معاهدة باردو (1881) واتفاقية المرسى (1883): الاتفاقيتان اللتان فرضت بموجبهما فرنسا الحماية الرسمية وسلبت بموجبهما التبعية والسيادة الوطنية التونسية.
  • ​[3] انتفاضات الفلاحين وعمال المناجم وتأسيس جامعة العموم التونسية للشغل: حركة نضالية عمالية قادها الشهيد محمد علي الحامي لربط النضال الاجتماعي بالنضال الوطني.
  • ​[4] الصراع بين الخط البورقيبي والامتداد اليوسفي وجيش التحرير: الانقسام الحاد داخل الحركة الوطنية حول طبيعة الاستقلال والارتباط بالعمق العربي المسلح مقابل الحلول التفاوضية الجزئية.
  • ​[5] الاستقلال الداخلي (1955) والاستقلال السياسي (1956): المحطتان اللتان أدت نتائج التفاوض فيهما إلى تسلم النخبة البورجوازية لمقاليد السلطة وتهميش التيار القومي المقاوم.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قطاع الفوسفات في تونس بعد 2011: من ريادة الإنتاج إلى متاهات الأزمة الهيكلية ​بقلم: الناصر خشيني

  ​يعتبر قطاع الفوسفات في تونس أكثر من مجرد نشاط منجمي؛ إنه الشريان الحيوي للاقتصاد الوطني والعمود الفقري للتنمية في مناطق الحوض المنجمي. إلا أن هذا القطاع دخل منذ عام 2011 في نفق مظلم من الأزمات المتراكمة التي مست مفاصل الإنتاج والتسويق والإدارة، مما حوله من قاطرة للنمو إلى عبء تقني ومالي يتطلب وقفة تحليلية جادة لفهم مكامن الخلل وسبل الاستشراف المستقبلي. ​أولاً: أزمة الإنتاج.. بين المطلب الاجتماعي والتعطل التقني ​لقد تراجع حجم الإنتاج الوطني من الفوسفات الخام بشكل حاد، حيث انحدر من سقف 8 مليون طن في سنة 2010 إلى مستويات لا تتجاوز 4 مليون طن في أفضل الحالات خلال العقد الأخير. هذا التقهقر يعود بالأساس إلى: ​الاحتقان الاجتماعي: تحول الحوض المنجمي إلى ساحة للاحتجاجات المستمرة والاعتصامات المطالبة بالتنمية والتشغيل، وهو ما أدى إلى توقف متكرر لمحركات الإنتاج في المغاسل والمناجم. ​معضلة اللوجستيك والنقل: تعاني منظومة نقل الفوسفات عبر السكك الحديدية من تهالك شديد، مما دفع نحو الاعتماد على الشاحنات الخاصة، وهو حل مكلف أدى إلى تضخم تكاليف الإنتاج وضرب نجاعة العملية اللوجستية. ​تقادم المعدات...

​طبيعة الصراع العربي الصهيوني والطريق إلى تحرير فلسطين ​بقلم: الناصر خشيني

مداخلة أُلقيت في مخيم الشباب القومي العربي – نابل، تونس ​مقدمة ​يعود الأصل النظرى لهذا البحث إلى ثمانينيات القرن الماضي، وتحديداً خلال صيف عام 1982 المحموم، إبان الاجتياح الصهيوني للبنان بقيادة السفاح "أرييل شارون". وقد قُدِّم البحث حينها على مسرح الهواء الطلق بمدينة طبرقة التونسية. ومنذ ذلك الوقت، ورغم تسارع الأحداث الإقليمية وتطورها بشكل دراماتيكي، لم يتغير شيء من طبيعة الصراع العربي الصهيوني الجوهرية. وبناءً على مقتضيات التطورات الراهنة التي تعيشها المنطقة، أُعيدت صياغة هذه الرؤية وتعديلها لتواكب الواقع المعاصر. ​لا يزال الصراع في فلسطين بين الأمة العربية والصهاينة على أشده وبلا هوادة، وتسيل الدماء يومياً غزيرة من أبناء شعبنا في فلسطين الكسيرة، ولكن دون تفريط في الحق السليب بشكل نهائي. ورغم الاعتراف المتبادل بين بعض النظم العربية والصهاينة، ورغماً عن اتفاقيات السلام الموقعة، فإن ملايين المشردين الذين أُخرجوا من ديارهم بقوة السلاح لا يزالون يحلمون بالعودة إلى أرض الوطن، يراودهم الأمل يوماً ما طال الزمان أو قصر [1]. ​إن الصهاينة الذين اعتمدوا في احتلالهم للأرض على القوة الغا...

مهمة الرسول: الهداية والتبليغ لا الغزو والقتال بقلم: الناصر خشيني

     مقدمة أطنبت كتب الحديث والسيرة والتاريخ الإسلامي في الحديث عن "غزوات" مزعومة للرسول صلى الله عليه وسلم، في مخالفة صريحة لمنهج القرآن الكريم الذي لم يصف الرسول في أي موضع بأنه كان غازياً أو محارباً ابتداءً. فالقرآن اقتصر على ذكر بعض الوقائع المفصلية من سيرة الرسول، بعضها بالتفصيل وبعضها بالإجمال، دون أن يصطنع لها صفة "الغزو" التي ألصقتها بها كتب التراث. وتسعى هذه المقالة إلى استعراض هذه الوقائع كما وردت في النص القرآني نفسه، ثم بيان أن كل قتال خاضه الرسول لم يكن إلا رد فعل على عداء محورين بعينهما: قريش التي صادرت أموال المهاجرين وأخرجتهم من ديارهم، ويهود المدينة الذين خانوا عهد صحيفة المدينة، وأن مهمته الأصلية والمركزية كانت الدعوة بالرسالة والتبليغ بالحجة، كما يشهد على ذلك منهجه في مراسلة ملوك عصره. أولاً: منهج القرآن في تناول وقائع السيرة خلّد القرآن الكريم جملة من وقائع السيرة بالذكر، إما إجمالاً أو تفصيلاً، موزعة على عدد من السور: بدر: في سورتي آل عمران والأنفال (¹) أُحد: في سورة آل عمران، دون ذكر اسمها (²) صلح الحديبية: في سورة الفتح (³) الخندق: في سورة ال...