في خضم التجاذبات الكبرى التي تعصف بالهوية والسيادة الوطنية، وحين نعود لنبش جذور أزمتنا الراهنة، يبرز كتاب «البديل الثوري في تونس» للمناضل القومي الصلب إبراهيم طوبال (الصادر سنة 1979 ببيروت) كوثيقة إدانة تاريخية ومشروع تحرري متكامل. إن قراءة هذا السفر للمقاوم اليوسفي والرفيق العروبي لا تقتصر على تدوين وقائع الصراع السياسي، بل تمثل محاكمة جذرية لمسار دولة الاستقلال الشكلي التي أسس لها الحبيب بورقيبة، والتي قطعت مع نبض الأمة وتماهت مع مشاريع التغريب والتبعية.
1. في نقد التوجه التغريبي: قطيعة مع الهوية والعمق القومي
يكشف إبراهيم طوبال في تحليله العميق كيف عمد النظام البورقيبي، منذ استلامه مقاليد السلطة، إلى سلخ تونس عن محيطها العربي الإسلامي وحركتها التحررية المشرقية والمغاربية. لقد تجسدت هذه العقيدة التغريبية في أشد تجلياتها خطورة في النظرة الدونية للعمق القومي العربي، والتي كانت تترجم سياسياً وثقافياً في محاولات تبني النموذج الغربي بشكل مسخ ومشوّه. وفي هذا السياق، جاءت التصريحات والتوجهات السياسية لبورقيبة لتؤكد هذا التموضع الكولونيالي الجديد؛ فبدل أن تكون تونس امتداداً طبيعياً لقضايا أمتها ونبض كفاحها التحرري، حوّلها الخطاب الرسمي إلى جزيرة معزولة تدور في الفلك الأوروبي الفرنسي، متغافلاً عن الروابط المصيرية والتاريخية. إن منطق التغريب الذي طالما روّج له النظام -والذي يختزل العقلية الاستيلابية التي تفضل الارتباط بالمركز الإمبريالي على التضامن مع قضايا العرب- كان تعبيراً صارخاً عن قطيعة إيديولوجية مع روح الأمة ومقاومتها للاستعمار.
2. تصفية المشروع الوطني العربي واغتيال القيادات التحررية
باعتباره الذراع الأيمن للزعيم الشهيد صالح بن يوسف والشاهد الأمين على معارك الحركة الوطنية، يمزق طوبال أستار الرواية الرسمية الأحادية لـ"الزعيم الأوحد". يوثق الكتاب كيف تم إجهاض المشروع الوطني التحرري الجامع الذي كان يربط استقلال تونس باستقلال وعزّة الوطن العربي الكبير من المحيط إلى الخليج. وقد استخدم النظام البورقيبي شتى أساليب البطش، والقمع، والاغتيال السياسي، وتصفية القوى القومية والتقدمية، لضمان خلو الساحة لخياراته التنازلية التي توّجت باتفاقيات ومواقف ناصبت العداء لحركات التحرر العربية (وعلى رأسها القضية الفلسطينية والمد الناصري التحرري).
3. مأسسة الاستبداد وربط الاقتصاد بـ"عجلة التبعية"
لا ينفصل الخيار الثقافي التغريبي عند طوبال عن البنية الاقتصادية والاجتماعية للنظام؛ فالتبعية للغرب أنتجت طبقة طفيلية بيروقراطية داخل تونس، جعلت من الدولة أداة لنهب الثروات وتعميق الفوارق الطبقية والجهوية. إن "البورقيبية" -من منظور طوبال- لم تكن بناءً لدولة حديثة كما يروّج أتباعها، بل كانت تكريساً لدولة الاستبداد الأمني والطبقي، حيث يُقمع الشعب وتُهدر كرامته في الداخل، بينما يُربط مصير البلاد الاقتصادي بأسواق ودوائر القرار الاستعماري القديم.
4. حتمية "البديل الثوري": نحو استعادة الوحدة والسيادة
لا يتوقف كتاب إبراهيم طوبال عند حدود التشخيص والجلد، بل يطرح مشروعه لـ"البديل الثوري" كضرورة حتمية لكل مقاوم عربي وتونسي. يقوم هذا البديل على إسقاط منظومة التبعية والاستبداد، وإعادة بناء الدولة الوطنية على أسس الديمقراطية الشعبية الحقيقية والعدالة الاجتماعية، والاندماج الواعي في حركة التحرر العربية الشاملة، إيماناً بأن حرية تونس لا تكتمل إلا بتحرر أمتها وبناء فضاء تضامني عربي حر ومنيع.
خاتمة القراءة:
إن استحضار «البديل الثوري» لإبراهيم طوبال اليوم ليس ترفاً فكرياً، بل هو طوق نجاة فكري لفك طلاسم الواقع المأزوم، وتذكير بأن الخلاص الوطني لا يمكن أن يُبنى على أنقاض الهوية القومية، وأن أي تنمية أو استقلال منقوص يتنكر لجذوره العربية ومحيطه التحرري مصيره الحتمي التهاوي والتبعية.
إن استحضار «البديل الثوري» لإبراهيم طوبال اليوم ليس ترفاً فكرياً، بل هو طوق نجاة فكري لفك طلاسم الواقع المأزوم، وتذكير بأن الخلاص الوطني لا يمكن أن يُبنى على أنقاض الهوية القومية، وأن أي تنمية أو استقلال منقوص يتنكر لجذوره العربية ومحيطه التحرري مصيره الحتمي التهاوي والتبعية.

تعليقات
إرسال تعليق