مقدمة
يُعدّ كتاب "معالم في الطريق" لسيد قطب، الصادر عام 1964، أحد أخطر النصوص التي أعادت تشكيل الخطاب الإسلامي السياسي في النصف الثاني من القرن العشرين، ووضعت الأساس النظري لتيارات التكفير التي عصفت لاحقاً بالمجتمعات العربية والإسلامية. والكتاب، الذي كُتب في غياهب سجون عبد الناصر، ليس مجرد نص فكري عابر، بل وثيقة تأسيسية لقطيعة جذرية مع الواقع، ودعوة صريحة إلى تكفير المجتمعات القائمة وتصنيفها ضمن "الجاهلية المعاصرة". وإذ نتناول هذا الكتاب بالنقد من منظور قومي تقدمي، فإننا لا نفعل ذلك من موقع العداء المسبق، بل من موقع المساءلة التاريخية والفكرية لمنهج أثبتت التجربة أنه أفضى إلى العنف والتفكك والانغلاق، بدل أن يفضي إلى النهضة التي زعم أنه يسعى إليها.
أولاً: الجيل القرآني الفريد – نموذج مثالي منقطع عن التاريخ
ينطلق قطب من فرضية مركزية مفادها أن جيل الصحابة الأول كان "جيلاً قرآنياً فريداً" لا يتكرر، تشكّل من معين واحد هو القرآن الكريم، بمعزل عن أي رافد ثقافي أو حضاري آخر. وهذه الفرضية، على جاذبيتها الوجدانية، تنطوي على قفزة فوق التاريخ؛ إذ تتجاهل أن ذلك الجيل نفسه تفاعل مع بيئته العربية وموروثها القبلي والتجاري والثقافي، وأن الإسلام ذاته جاء متفاعلاً مع واقع مكة والمدينة لا منبتّاً عنهوقد تغافل عن بشرية الصحابة التي ادت الى صراع دموي فيما بينهم حول السلطة وارتكاب مجازر رهيبة فيما بينهم وعلى سبيل المثال مقتل ثلاثة من الخلفاء الراشدين وموقعة الجمل وصفين والنهراوند واستباحة المدينة والمسجد النبوي وقذفالحرم المكي بالمنجنيق واغتيال ال البيت بدم بارد . والأخطر من ذلك أن هذا التصور يحوّل تجربة تاريخية محددة الزمان والمكان إلى نموذج مفارق للتاريخ، يُراد استنساخه حرفياً في كل عصر، متجاهلاً سنة التطور والتراكم الحضاري التي هي جوهر أي مشروع نهضوي حقيقي.
ثانياً: القرآن ككتاب حركة – نزع الطابع المعرفي عن النص
يرفض قطب اعتبار القرآن "كتاب ثقافة ونظريات"، ويصرّ على أنه كتاب "تربية وحركة وجهاد" فحسب. وهذا التقسيم الحاد بين المعرفة والحركة تقسيم مصطنع يفرغ النص الديني من بعده المعرفي والحضاري، ويحوّله إلى مجرد دليل عمل تعبوي. والحال أن التراث الإسلامي نفسه، من الفقه إلى الكلام إلى الفلسفة، هو خير شاهد على أن النص الديني أنتج حضارة معرفية متعددة الروافد، لا حركة تعبوية أحادية الغاية. إن اختزال الدين في وظيفة حركية تعبوية هو بالضبط ما مهّد لاحقاً لتوظيفه في مشاريع تنظيمية مغلقة، تُقصي العقل والاجتهاد لصالح الطاعة والتعبئة.
ثالثاً: "لا حاكمية إلا لله" – الخلط المتعمّد بين القضاء والسلطة
هنا يكمن جوهر الإشكال المنهجي في فكر قطب. فقد استند إلى الآيات القرآنية التي تقرر أن "الحكم لله"، ووسّع دلالتها من نطاقها الأصلي – وهو الفصل في الخصومات والقضاء بين الناس، كما في سياق الآيات نفسها (سورة يوسف: 40 و67، وسورة الأنعام: 57) – إلى نطاق شامل يعني رفض كل تشريع بشري وكل سلطة سياسية وضعية. وهذا توسيع لا يستند إلى دليل نصي أو تاريخي، بل هو إسقاط أيديولوجي حديث على نص قديم. فالحاكمية بمعناها الفقهي التقليدي عند المفسرين الأوائل كانت تتعلق بالقضاء والفصل في المنازعات، لا بشكل الدولة أو طبيعة السلطة السياسية، التي تركها الإسلام – كما تركها الرسول نفسه عملياً – لاجتهاد الناس وظروفهم.
والدليل الأقوى على هذا الخلط هو الممارسة النبوية ذاتها. فحين هاجر الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، لم يؤسس دولة "حاكمية" بالمعنى الذي يطرحه قطب، بل أسس كياناً سياسياً مدنياً تعاقدياً، دستوره "الصحيفة" (أو ما يُعرف بـ"وثيقة المدينة")، التي نظّمت العلاقة بين المسلمين واليهود والقبائل الأخرى على أساس المواطنة المشتركة والدفاع المشترك، لا على أساس الحاكمية الدينية الحصرية. لقد كانت الصحيفة عقداً سياسياً واقعياً بين مكونات مجتمعية متعددة الأديان والانتماءات، تحكمه اعتبارات المصلحة العامة والتعايش، وهو ما يناقض جوهرياً الطرح القطبي القائم على إقصاء كل ما هو غير "حاكمية إلهية" حصرية. إن قطب، إذ يتغافل عن هذه السابقة التأسيسية، إنما يقيم بناءه الفكري على انتقائية قرائية تُسقط من الاعتبار أوضح نموذج عملي تركه الرسول نفسه للحكم.
رابعاً: العقيدة بديلاً عن الأمة – تفكيك الرابطة القومية
يذهب قطب إلى اعتبار العقيدة وحدها أساساً للولاء والانتماء، متجاوزاً الروابط القومية والوطنية بوصفها "جاهلية". وهذا الطرح، من منظور قومي تقدمي، يمثل انقلاباً على منطق التاريخ الحديث ذاته؛ فالأمم لم تتشكل حصرياً على أساس ديني، والتجربة العربية المعاصرة – من ثورة 1919 إلى المشروع الناصري – أثبتت أن الجامعة القومية قادرة على استيعاب التعدد الديني والمذهبي في مشروع تحرري ونهضوي واحد. إن نزع الشرعية عن الرابطة الوطنية والقومية لصالح رابطة عقدية مجردة لا يفضي إلى وحدة أوسع كما يزعم أصحابه، بل يفضي عملياً – كما أثبتت التجربة اللاحقة لتنظيمات التكفير – إلى تفتيت الداخل الواحد نفسه، بتصنيف المسلمين أنفسهً إلى "مؤمنين" و"جاهليين".
خامساً: الجهاد أداة تغيير بالعنف – من التحرر إلى التكفير
يصوغ قطب مفهوم الجهاد بوصفه "حركة" لتحرير الإنسان من "عبودية العباد" إلى "عبودية رب العباد"، لكنه في التطبيق العملي لهذا المفهوم يكفّر المجتمعات القائمة برمّتها، ويصفها بأنها تعيش "جاهلية" تستوجب "إزالة العقبات المادية" في وجه الدعوة – وهي عبارة لم تلبث أن تُرجمت في الفكر الحركي اللاحق إلى مشروعية العنف ضد الدولة والمجتمع معاً. وهنا يكمن الانزلاق الخطير في هذا الفكر: فمن مفهوم ديني عام للجهاد كوسيلة دفاع أو تحرر، إلى تكفير جماعي شامل للمجتمعات الإسلامية القائمة، ثم إلى تبرير العنف الداخلي بوصفه واجباً شرعياً. وهذا بالضبط ما شكّل الأرضية النظرية لاحقاً لتنظيمات مثل الجهاد المصري وتفريعاتها، وصولاً إلى تنظيمات التكفير المعاصرة.
خاتمة: بين إصلاح الواقع وتكفيره
إن المفارقة الكبرى في "معالم في الطريق" أنه كُتب باسم التحرر من الاستبداد، بينما أسّس فعلياً لمنطق إقصائي أشد استبداداً: استبداد باسم العقيدة يصادر التاريخ والتعدد والاجتهاد السياسي. والمقارنة بين مشروع قطب ومشروع الصحيفة النبوية في المدينة تكشف المسافة الفاصلة بين نص ديني تعامل مع الواقع السياسي بمرونة تعاقدية مدنية، وبين قراءة أيديولوجية حديثة أرادت أن تُلبس ذلك النص لبوس المطلق والحصرية. والدرس المستفاد، من موقع قومي تقدمي، هو أن مشروع النهضة العربية لا يُبنى على تكفير الواقع والانقطاع عنه، بل على إصلاحه من داخله، بأدوات العقل والاجتهاد والوحدة القومية الجامعة، لا بأدوات الإقصاء والعنف والتكفير.
قائمة المراجع:
سيد قطب، "معالم في الطريق"، دار الشروق، القاهرة، 1964.
وثيقة المدينة (الصحيفة)، كما وردت في السيرة النبوية لابن هشام.
القرآن الكريم، سورة يوسف: الآيات 40 و67؛ سورة الأنعام: الآية 57.
محمد عمارة، "الإسلام والحاكمية"، دار الشروق.
حسن حنفي، دراسات في الفكر الإسلامي الحديث

تعليقات
إرسال تعليق