مدخل
من رحم المنفى، وبعيداً عن سطوة الرواية الرسمية التي صاغها بورقيبة لنفسه ولدولته، يطل علينا كتاب "سقوط البورقيبية" لإبراهيم طوبال (1924 - 1990)، الذراع الأيمن لصالح بن يوسف، بوصفه وثيقة مضادة تفكك أسطورة "المجاهد الأكبر" وتعيد قراءة تجربة الاستقلال التونسي من زاوية الخط اليوسفي المهزوم سياسياً والمنتصر - كما يرى المؤلف - تاريخياً. هذا العمل ليس سرداً أكاديمياً محايداً، بل هو مرافعة معارض عاش الانشقاق بجسده قبل أن يكتبه بقلمه، وهو ما يمنحه صدقية الشاهد وتحيّز صاحب القضية في آن واحد.
أولاً: جذور الانشقاق وصراع الزعامة
يعيد طوبال في القسم الأول من كتابه تفكيك مسار الحركة الوطنية التونسية منذ نشأتها، كاشفاً عن الصراعات الداخلية التي رافقتها منذ البداية، قبل أن يتوقف مطولاً عند اللحظة الفاصلة: الانقسام بين الخط البورقيبي والخط اليوسفي في منتصف الخمسينيات. وهنا يضع المؤلف يده على الجرح العميق في الذاكرة الوطنية التونسية: كيف تحول خلاف حول جدوى استقلال منقوص وصفقة مع باريس، إلى صراع دموي انتهى بتصفية صالح بن يوسف واستفراد بورقيبة بالسلطة وتهميش كل قيادة منافسة. في قراءة طوبال، لم يكن ذلك خلافاً تكتيكياً بل معركة مصير بين مشروعين: مشروع وطني تحرري ذي أفق عربي، ومشروع تسووي ذي أفق غربي.
ثانياً: الاقتصاد والمجتمع - إخفاقات ما بعد الاستقلال
في الجزء الثاني، يفكك الكتاب السياسات الاقتصادية والاجتماعية لدولة الاستقلال، بما في ذلك تقلبات التوجهات الاقتصادية من التجربة التعاضدية التي قادها أحمد بن صالح إلى الانقلاب عليها لاحقاً. يرصد طوبال في هذا التذبذب دليلاً على غياب مشروع مجتمعي متماسك، وعلى أن الدولة البورقيبية كانت تدار بمنطق التجريب على حساب المواطن، لا بمنطق الرؤية الاستراتيجية.
ثالثاً: التحديث الفوقي وسؤال الهوية
يخصص المؤلف مساحة نقدية لاذعة لما يسميه "التحديث الفوقي" الذي فرضه النظام البورقيبي على المجتمع التونسي، معتبراً إياه تغريباً منقطع الصلة بالهوية العربية الإسلامية العميقة لهذا المجتمع٤. هذا الطرح يضع طوبال في مواجهة مباشرة مع الرواية البورقيبية التي قدمت نفسها دوماً بوصفها مشروع "تحديث" و"تنوير"، بينما يراها المؤلف استلاباً حضارياً فرض من الأعلى دون سند شعبي حقيقي.
رابعاً: السياسة الخارجية - الارتهان للمحور الغربي
يحلل الكتاب في محوره الأخير علاقات تونس الخارجية وتحالفاتها مع فرنسا والولايات المتحدة، ويقارن موقف النظام من قضايا التحرر العربي بالرؤية القومية التحررية التي كانت تتبناها المعارضة في المنفى. هنا يبرز طوبال ما يعتبره الخطيئة الكبرى للتجربة البورقيبية: الانحياز الاستراتيجي لمحور غربي على حساب العمق العربي والقومي، في لحظة كانت فيها الأمة تخوض معارك التحرر والوحدة.
خاتمة: سقوط أم استمرار؟
يقدم إبراهيم طوبال في "سقوط البورقيبية" أكثر من مجرد سيرة نقدية لحقبة سياسية؛ إنه يقدم قراءة بنيوية تذهب إلى أن الاستبداد والتناقضات الداخلية التي حملها المشروع البورقيبي منذ لحظة تأسيسه كانت تحمل بذور انهياره٦. وسواء اتفقنا مع طوبال في كل تفاصيل مرافعته اليوسفية أو اختلفنا، يبقى الكتاب شهادة ضرورية لفهم أن "الإجماع الوطني" الذي روّجت له الدولة البورقيبية لعقود لم يكن سوى واجهة أخفت خلفها صراعاً مؤجلاً على معنى الاستقلال ذاته، وعلى الهوية التي ينبغي أن تُبنى عليها الدولة التونسية الحديثة.

تعليقات
إرسال تعليق