التخطي إلى المحتوى الرئيسي

قرأت لكم: كتاب "تونس الشهيدة" للشيخ عبد العزيز الثعالبي بقلم: الناصر خشيني


 تقديم

نلتقي اليوم في هذه القراءة من سلسلة "قرأت لكم" لننبش في واحدة من أهم وثائق التحرر الوطني التونسي والعربي في القرن العشرين: كتاب "تونس الشهيدة" (La Tunisie martyre)، الصادر في باريس مطلع سنة 1920. لم يكن هذا الكتاب مجرد مؤلَّف فكري عابر، بل كان بياناً سياسياً صدامياً، وصيحة فزع وطنية أطلقها الشيخ عبد العزيز الثعالبي ورفاقه من أجل تعرية الوجه البشع للاستعمار الاستيطاني الفرنسي، وإعادة الاعتبار للشخصية العربية الإسلامية لتونس أمام العالم.
أولاً: سياق التأليف وميلاد الوثيقة
صدر الكتاب دون ذكر اسم مؤلفه في طبعته الأولى، تحت عنوان "تونس الشهيدة - مطالبها"، وذلك في ظرف دقيق كانت فيه أوروبا تعيد ترتيب أوراقها السياسية عقب الحرب العالمية الأولى، وسط أجواء مشحونة بشعارات "حق الشعوب في تقرير مصيرها" التي رفعها الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون. استثمر الثعالبي هذه اللحظة الدولية استثماراً ذكياً، فاختار أن يخاطب الرأي العام الفرنسي والعالمي بلغته هو، أي الفرنسية، لا بلغة العاطفة والخطابة العربية التقليدية.
لم يكتب الثعالبي النص بنفسه مباشرة بالفرنسية، إذ لم يكن يتقنها حينها بالقدر الكافي؛ فاستعان بتقارير ومذكرات أمدّه بها رجال الحركة الوطنية، أبرزهم الصادق الزمرلي والشيخ علي كاهية وحمودة المنستيري، ثم تولى المحامي التونسي أحمد السقا ترجمة المادة إلى فرنسية قانونية رصينة تصلح لمخاطبة البرلمانيين والصحفيين في باريس نفسها١.
ثانياً: تفكيك الآلة الاستعمارية
ينطلق الكتاب من أطروحة مركزية يصعب دحضها قانونياً: تونس لم تكن أرضاً بلا سيد. كانت دولة ذات سيادة، عرفت أول دستور مكتوب في العالم العربي الإسلامي الحديث (عهد الأمان 1857، ثم دستور 1861)، فجاءت "معاهدة الحماية" لسنة 1881 لتدمّر هذا الكيان السياسي المستقل بقوة السلاح أولاً، ثم بالمغالطة القانونية ثانياً.
يشرّح الثعالبي بنية هذا التغلغل الاستعماري من ثلاث زوايا:
النهب الاقتصادي والسلب العقاري — يوثّق الكتاب كيف حُرم الفلاح التونسي من أرضه عبر ترسانة من القوانين الجائرة، وعلى رأسها قانون التسجيل العقاري، الذي أُريد به تمكين المعمرين الأجانب من الاستيلاء على أخصب الأراضي، وتحويل البلاد شيئاً فشيئاً إلى ضيعة زراعية خلفية تُغذّي رأس المال الفرنسي.
التفقير الممنهج والتجهيل — يكشف الكتاب فجوة صارخة في توزيع الميزانية العمومية؛ إذ تُستنزف أموال دافعي الضرائب التونسيين لتمويل رفاهية الجالية الأوروبية ومرافقها، بينما يُحرم عموم التونسيين من التعليم الحديث ومن أبسط مقومات الصحة العامة.
استبداد "المقيم العام" — يصف الكتاب كيف تحوّل هذا المنصب إلى سلطة مطلقة بأتم معنى الكلمة، يملك صاحبها حق الإعدام السياسي والنفي التعسفي ومصادرة الحريات، مما ألغى عملياً أي دور فعلي للتونسيين في تدبير شؤون بلدهم.
ثالثاً: التحصين الهوياتي في وجه مشروع التذويب
لا فكاك للتحرر السياسي، من منظور تقدمي، دون وعي راسخ بالهوية. والثعالبي في هذا الكتاب لا ينطلق من عاطفة دينية منغلقة على ذاتها، بل من وعي حضاري وقومي عميق. يؤكد الكتاب على أصالة الانتماء العربي الإسلامي لتونس، ويفنّد بالحجة التاريخية الدعاية الاستعمارية التي حاولت تصوير التونسيين كشعب بدائي في حاجة إلى وصاية "الرجل الأبيض"، مبرزاً أن البلاد تمتلك عمقاً حضارياً ومؤسساتياً وثقافياً يؤهلها لأن تكون في مصاف الدول الحديثة المستقلة، لا في ذيل قائمة "الشعوب المتخلفة" التي بررت بها فرنسا احتلالها.
رابعاً: "المطالب التسعة" — برنامج التحرر الدستوري
لم يكتفِ الكتاب بالبكاء على الأطلال أو الاقتصار على النقد السلبي، بل صاغ برنامجاً سياسياً تقدمياً بمقاييس عصره، عُرف لاحقاً بـ"المطالب التسعة"، والتي أرست لاحقاً أدبيات الحزب الحر الدستوري التونسي المؤسَّس سنة 1920. من أبرز هذه المطالب:
تأسيس مجلس تشريعي (برلمان) منتخب يمثّل التونسيين، تنبثق منه حكومة مسؤولة أمامه.
الفصل التام بين السلطات الثلاث — التشريعية والتنفيذية والقضائية — لإنهاء نظام الحكم المطلق.
إقرار المساواة الكاملة أمام القانون بين التونسيين والأجانب في الحقوق والواجبات والضرائب على حد سواء.
إجبارية التعليم وعصرنته، وضمان الحريات العامة: حرية الصحافة، وحرية التجمع، وحرية التنظم النقابي والسياسي.
خامساً: قراءة نقدية تقدمية للكتاب اليوم
حين نُعيد قراءة "تونس الشهيدة" اليوم بعين قومية تقدمية، نراه خطوة جبارة في مسار التحرر، لكن قراءة نقدية بناءة تفرض بعض الملاحظات:
نقطة القوة الكبرى: مثّل الكتاب الانتقال التاريخي من "المقاومة المسلحة العفوية" — التي أنهكها الرصاص الفرنسي في المراحل الأولى من الاحتلال — إلى "المقاومة السياسية المنظمة"، القائمة على البرامج المكتوبة والبيانات الموجهة والمحاججة القانونية أمام الرأي العام الدولي.
حدود الأطروحة الثعالبية آنذاك: تحرك الكتاب في سقف "المطالبة بالإصلاح في ظل معاهدة الحماية"، دون المطالبة الفورية بالجلاء التام وإقامة الجمهورية المستقلة. وهذا السقف لم يكن قصوراً في الوعي بقدر ما كان محكوماً بموازين القوى الدولية الفعلية بُعيد الحرب العالمية الأولى، وبالرهان السياسي الواقعي على مبادئ ويلسون لتقرير المصير، والتي سرعان ما تبخّرت أمام مصالح الدول الاستعمارية الكبرى في مؤتمر فرساي. ومع ذلك، ظل هذا النص الأرضية الصلبة التي انطلقت منها الأجيال اللاحقة نحو المطالبة الصريحة بالاستقلال التام والسيادة الوطنية المطلقة.
سادساً: ردود الفعل الفرنسية على الكتاب
لم تكتفِ السلطات الفرنسية بتجاهل الكتاب أو الرد عليه بالحجة، بل تعاملت معه بمنطق القمع الأمني المباشر، وهو ما يكشف حجم الإرباك الذي أحدثه هذا النص الصغير في حجمه، الكبير في وقعه.
تجريم القراءة قبل تجريم الكتابة
المفارقة اللافتة التي يسجلها الدارسون هي أن الثعالبي لم يخترع في كتابه شيئاً، بل اعتمد أساساً على نشر نصوص القوانين والأوامر والمراسيم الفرنسية نفسها كما صدرت، مع ما يلزم من شرح لفهمها. ومع ذلك اعتبرت الحكومة الفرنسية كل من يطالع الكتاب "عدواً لفرنسا"، وجعلت من مجرد قراءته جنحة يُعاقَب عليها القانون. بعبارة أخرى: لم تستطع باريس أن تُكذّب محتوى الكتاب، لأنه لم يكن سوى مرآة لتشريعاتها هي، فلجأت بدلاً من ذلك إلى تجريم من يرى تلك المرآة.
الاعتقال والمحاكمة
بعد أن عاد الثعالبي من باريس، وتأسس الحزب الحر الدستوري التونسي معتمداً على مطالب الكتاب، جاء الرد الفرنسي حاسماً: أُلقي القبض على الثعالبي ونُقل يوم 28 جويلية (يوليو) 1920 إلى تونس، حيث اعتُقل في السجن العسكري بتهمة "المسّ بأمن الدولة". تولى التحقيق في القضية العقيد الفرنسي بارون، الذي حرر تقريراً حول القضية سنة 1921.
غير أن هذا الإجراء التعسفي أنتج عكس ما أراده المستعمر: فبدل أن يُخمد الحراك، أشعل موجة احتجاج واسعة، سواء داخل تونس أو في فرنسا نفسها، مما اضطر السلطات الفرنسية في نهاية المطاف إلى الإفراج عن الثعالبي يوم غرة ماي (مايو) 1921، بعد أن ختم قاضي التحقيق الملف بالتصريح بـ"عدم سماع الدعوى"، أي بعدم كفاية الأدلة لإدانته.
من قمع الفرد إلى قمع الحركة
لم يتوقف الأمر عند شخص الثعالبي؛ فحين تنامى وعي التونسيين بالقضية الوطنية وتوسّع التعريف بها في المحافل الدولية بعد الحرب، عمدت فرنسا إلى الضغط على القصر في عهد الباي محمد الناصر، والتآمر السياسي على الثعالبي وتضييق الخناق على نشاطه، إلى أن اضطر للهجرة إلى المشرق العربي سنة 1923، تاركاً الحزب الذي أسسه في أوج نشاطه الشبابي.
واشير اخيرا ان رد الفعل الفرنسي، في جوهره كان اعترافاً ضمنياً بصدق ما ورد في الكتاب أكثر منه دحضاً له: فحين تعجز الآلة الاستعمارية عن تفنيد الحقيقة، تلجأ إلى تجريم ناقلها. وهذا بالضبط ما فعلته باريس مع الثعالبي: عاقبته لا لأنه كذب، بل لأنه صدق.
خلاصة القول
إن كتاب "تونس الشهيدة" هو صرخة الكرامة الوطنية الأولى ضد الاستعمار الاقتصادي والسياسي معاً. إنه وثيقة تثبت أن النضال التونسي كان دائماً نضالاً واعياً ومؤصلاً تاريخياً وحضارياً، يربط بين الدفاع عن الهوية العربية الإسلامية للبلاد وبين التطلع إلى غدٍ تقدمي دستوري تُحترم فيه إرادة الشعب باعتبارها المصدر الحقيقي والوحيد لكل السلطات. ولم يكن رد فعل المستعمر عليه، بالسجن والملاحقة، إلا شهادة إضافية على صدقيته وخطورته على المشروع الاستعماري بأكمله.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قطاع الفوسفات في تونس بعد 2011: من ريادة الإنتاج إلى متاهات الأزمة الهيكلية ​بقلم: الناصر خشيني

  ​يعتبر قطاع الفوسفات في تونس أكثر من مجرد نشاط منجمي؛ إنه الشريان الحيوي للاقتصاد الوطني والعمود الفقري للتنمية في مناطق الحوض المنجمي. إلا أن هذا القطاع دخل منذ عام 2011 في نفق مظلم من الأزمات المتراكمة التي مست مفاصل الإنتاج والتسويق والإدارة، مما حوله من قاطرة للنمو إلى عبء تقني ومالي يتطلب وقفة تحليلية جادة لفهم مكامن الخلل وسبل الاستشراف المستقبلي. ​أولاً: أزمة الإنتاج.. بين المطلب الاجتماعي والتعطل التقني ​لقد تراجع حجم الإنتاج الوطني من الفوسفات الخام بشكل حاد، حيث انحدر من سقف 8 مليون طن في سنة 2010 إلى مستويات لا تتجاوز 4 مليون طن في أفضل الحالات خلال العقد الأخير. هذا التقهقر يعود بالأساس إلى: ​الاحتقان الاجتماعي: تحول الحوض المنجمي إلى ساحة للاحتجاجات المستمرة والاعتصامات المطالبة بالتنمية والتشغيل، وهو ما أدى إلى توقف متكرر لمحركات الإنتاج في المغاسل والمناجم. ​معضلة اللوجستيك والنقل: تعاني منظومة نقل الفوسفات عبر السكك الحديدية من تهالك شديد، مما دفع نحو الاعتماد على الشاحنات الخاصة، وهو حل مكلف أدى إلى تضخم تكاليف الإنتاج وضرب نجاعة العملية اللوجستية. ​تقادم المعدات...

​طبيعة الصراع العربي الصهيوني والطريق إلى تحرير فلسطين ​بقلم: الناصر خشيني

مداخلة أُلقيت في مخيم الشباب القومي العربي – نابل، تونس ​مقدمة ​يعود الأصل النظرى لهذا البحث إلى ثمانينيات القرن الماضي، وتحديداً خلال صيف عام 1982 المحموم، إبان الاجتياح الصهيوني للبنان بقيادة السفاح "أرييل شارون". وقد قُدِّم البحث حينها على مسرح الهواء الطلق بمدينة طبرقة التونسية. ومنذ ذلك الوقت، ورغم تسارع الأحداث الإقليمية وتطورها بشكل دراماتيكي، لم يتغير شيء من طبيعة الصراع العربي الصهيوني الجوهرية. وبناءً على مقتضيات التطورات الراهنة التي تعيشها المنطقة، أُعيدت صياغة هذه الرؤية وتعديلها لتواكب الواقع المعاصر. ​لا يزال الصراع في فلسطين بين الأمة العربية والصهاينة على أشده وبلا هوادة، وتسيل الدماء يومياً غزيرة من أبناء شعبنا في فلسطين الكسيرة، ولكن دون تفريط في الحق السليب بشكل نهائي. ورغم الاعتراف المتبادل بين بعض النظم العربية والصهاينة، ورغماً عن اتفاقيات السلام الموقعة، فإن ملايين المشردين الذين أُخرجوا من ديارهم بقوة السلاح لا يزالون يحلمون بالعودة إلى أرض الوطن، يراودهم الأمل يوماً ما طال الزمان أو قصر [1]. ​إن الصهاينة الذين اعتمدوا في احتلالهم للأرض على القوة الغا...

سقوط الأقنعة وخراب الهيكل: قراءة قومية تقدمية في شهادة ثروت الخرباوي على مطبخ الإخوان بقلم: الناصر خشيني

    مقدمة في التوقيت الإقليمي والدولي الراهن، ومواجهةً لمشاريع تفتيت الجغرافيا العربية وسلب إرادتها الوطنية، تبرز الحاجة المعرفية الملحة لتفكيك البنى السرية لجماعات الإسلام السياسي التي شكلت دائماً كابحاً أمام النهوض التاريخي للأمة. من هنا، يأتي هذا المقال المرسل بالتزامن الى "الحوار المتمدن" بمنبريته التقدمية التنويرية، و"رأي اليوم" بمنبرها القومي التحرري ولمواقع اخرى ليقدم قراءة سياسية وفكرية في عمق "المطبخ الداخلي" لحركة الإخوان المسلمين، مستنداً إلى شهادة القيادي السابق ثروت الخرباوي ، كأداة تعرية لأقنعة الزيف وبوابة لإعادة الاعتبار لمشروع الدولة الوطنية التقدمية. لم تكن معركة الفكر القومي التقدمي يوماً مجرد خصومة سياسية عابرة مع جماعات الإسلام السياسي، بل هي معركة وجودية بين مشروعين لا يلتقيان: مشروع الدولة الوطنية الساعي نحو التحرر، والسيادة، والتقدم، ومشروع أممي ظلامي يستهدف تفتيت الجغرافيا وتمزيق الهوية العربية لصالح ولاءات مشبوهة عابرة للحدود. وفي هذا السياق، تكتسب الشهادات القادمة من داخل "المطبخ الداخلي" لهذه الجماعات قيمة استثنائية، ل...