التخطي إلى المحتوى الرئيسي

الخيام.. قلعة الصمود وسجانة الجلادين ومحطمة غطرسة المدرعات بقلم الناصر خشيني



تاريخ المدينة
تقع بلدة الخيام الشامخة في قضاء مرجعيون بمحاذاة الحدود مع فلسطين المحتلة وهضبة الجولان، وهي حاضرة جنوبية ضاربة في القدم تمتاز بموقعها الجغرافي والاستراتيجي البالغ الحساسية والجمال، حيث تشرف على سهل الخيام الخصيب ومزارع شبعا. عانت الخيام من نير الاحتلال الإسرائيلي المباشر وغير المباشر لعقود، وحاول العدو تحويلها إلى نقطة ارتكاز لكسر إرادة أهل الجنوب؛ غير أن هذه البلدة الأبية بقيت عصية على التدجين، وحافظت على روابطها العشائرية والوطنية الراسخة في عمق العروبة والإيمان.
أهم معالمها
يتربع "معتقل الخيام" الأثري كأبرز وأعظم معلم شاهد على التاريخ الأسود للاحتلال والتاريخ المجيد للمقاومة؛ حيث تحول هذا الحصن العسكري (الذي بني كأصل ثكنة فرنسية) إلى سجن رهيب ذاق فيه الأسرى الأحرار أبشع أنواع التعذيب قبل أن يحرره الشعب بأيديهم عام 2000. وتضم البلدة "تلة الحمامص" الاستراتيجية المشرفة، ومساجدها وكنائسها القديمة التي تعكس التلاحم الوطني، فضلاً عن نبع الدردارة الشهير وسهلها الأخضر الذي يروي حكاية العطاء والصمود البشري.
صمودها ودورها النضالي والتاريخي
سجلت الخيام اسمها بأحرف من نور ونار في وجدان الأمة من خلال صمودها الأسطوري ودورها النضالي الملحمي. وتجلى هذا العنفوان في حرب تموز 2006، عندما حاول العدو الصهيوني التقدم عبر آلته العسكرية الضخمة من محور الخيام باتجاه مرجعيون، فواجه أبطال المقاومة الإسلامية والشعبية البواسل المدرعات بأسلحتهم المضادة للدروع، وحولوا السهل المحيط بالبلدة إلى "مقبرة للميركافا" والآليات. قدمت الخيام قوافل تلو القوافل من الشهداء الجرحى والأسرى، ورغم التدمير المنهجي الكامل لأحيائها، بقيت البلدة واقفة تتحدى الطائرات والبوارج، ولا تزال في مواجهات اليوم جداراً دفاعياً صلباً يأبى الركوع والتركيع.
خاتمة
تظل الخيام نموذجاً للمدينة التي هزمت الجلاد وحطمت قيود الأسر؛ فركام معتقلها المدمر يحكي للأجيال كيف انتصر الدم على السيف وكيف فر المحتلون أذلاء، لتبقى الخيام دائماً قلعة للصمود العربي المشرق وبوابة للنصر النبيل على شريط الكرامة الجنوبي

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قطاع الفوسفات في تونس بعد 2011: من ريادة الإنتاج إلى متاهات الأزمة الهيكلية ​بقلم: الناصر خشيني

  ​يعتبر قطاع الفوسفات في تونس أكثر من مجرد نشاط منجمي؛ إنه الشريان الحيوي للاقتصاد الوطني والعمود الفقري للتنمية في مناطق الحوض المنجمي. إلا أن هذا القطاع دخل منذ عام 2011 في نفق مظلم من الأزمات المتراكمة التي مست مفاصل الإنتاج والتسويق والإدارة، مما حوله من قاطرة للنمو إلى عبء تقني ومالي يتطلب وقفة تحليلية جادة لفهم مكامن الخلل وسبل الاستشراف المستقبلي. ​أولاً: أزمة الإنتاج.. بين المطلب الاجتماعي والتعطل التقني ​لقد تراجع حجم الإنتاج الوطني من الفوسفات الخام بشكل حاد، حيث انحدر من سقف 8 مليون طن في سنة 2010 إلى مستويات لا تتجاوز 4 مليون طن في أفضل الحالات خلال العقد الأخير. هذا التقهقر يعود بالأساس إلى: ​الاحتقان الاجتماعي: تحول الحوض المنجمي إلى ساحة للاحتجاجات المستمرة والاعتصامات المطالبة بالتنمية والتشغيل، وهو ما أدى إلى توقف متكرر لمحركات الإنتاج في المغاسل والمناجم. ​معضلة اللوجستيك والنقل: تعاني منظومة نقل الفوسفات عبر السكك الحديدية من تهالك شديد، مما دفع نحو الاعتماد على الشاحنات الخاصة، وهو حل مكلف أدى إلى تضخم تكاليف الإنتاج وضرب نجاعة العملية اللوجستية. ​تقادم المعدات...

سقوط الأقنعة وخراب الهيكل: قراءة قومية تقدمية في شهادة ثروت الخرباوي على مطبخ الإخوان بقلم: الناصر خشيني

    مقدمة في التوقيت الإقليمي والدولي الراهن، ومواجهةً لمشاريع تفتيت الجغرافيا العربية وسلب إرادتها الوطنية، تبرز الحاجة المعرفية الملحة لتفكيك البنى السرية لجماعات الإسلام السياسي التي شكلت دائماً كابحاً أمام النهوض التاريخي للأمة. من هنا، يأتي هذا المقال المرسل بالتزامن الى "الحوار المتمدن" بمنبريته التقدمية التنويرية، و"رأي اليوم" بمنبرها القومي التحرري ولمواقع اخرى ليقدم قراءة سياسية وفكرية في عمق "المطبخ الداخلي" لحركة الإخوان المسلمين، مستنداً إلى شهادة القيادي السابق ثروت الخرباوي ، كأداة تعرية لأقنعة الزيف وبوابة لإعادة الاعتبار لمشروع الدولة الوطنية التقدمية. لم تكن معركة الفكر القومي التقدمي يوماً مجرد خصومة سياسية عابرة مع جماعات الإسلام السياسي، بل هي معركة وجودية بين مشروعين لا يلتقيان: مشروع الدولة الوطنية الساعي نحو التحرر، والسيادة، والتقدم، ومشروع أممي ظلامي يستهدف تفتيت الجغرافيا وتمزيق الهوية العربية لصالح ولاءات مشبوهة عابرة للحدود. وفي هذا السياق، تكتسب الشهادات القادمة من داخل "المطبخ الداخلي" لهذه الجماعات قيمة استثنائية، ل...

​طبيعة الصراع العربي الصهيوني والطريق إلى تحرير فلسطين ​بقلم: الناصر خشيني

مداخلة أُلقيت في مخيم الشباب القومي العربي – نابل، تونس ​مقدمة ​يعود الأصل النظرى لهذا البحث إلى ثمانينيات القرن الماضي، وتحديداً خلال صيف عام 1982 المحموم، إبان الاجتياح الصهيوني للبنان بقيادة السفاح "أرييل شارون". وقد قُدِّم البحث حينها على مسرح الهواء الطلق بمدينة طبرقة التونسية. ومنذ ذلك الوقت، ورغم تسارع الأحداث الإقليمية وتطورها بشكل دراماتيكي، لم يتغير شيء من طبيعة الصراع العربي الصهيوني الجوهرية. وبناءً على مقتضيات التطورات الراهنة التي تعيشها المنطقة، أُعيدت صياغة هذه الرؤية وتعديلها لتواكب الواقع المعاصر. ​لا يزال الصراع في فلسطين بين الأمة العربية والصهاينة على أشده وبلا هوادة، وتسيل الدماء يومياً غزيرة من أبناء شعبنا في فلسطين الكسيرة، ولكن دون تفريط في الحق السليب بشكل نهائي. ورغم الاعتراف المتبادل بين بعض النظم العربية والصهاينة، ورغماً عن اتفاقيات السلام الموقعة، فإن ملايين المشردين الذين أُخرجوا من ديارهم بقوة السلاح لا يزالون يحلمون بالعودة إلى أرض الوطن، يراودهم الأمل يوماً ما طال الزمان أو قصر [1]. ​إن الصهاينة الذين اعتمدوا في احتلالهم للأرض على القوة الغا...