التخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسقط.. عاصمة البحار وحصن السيادة والاستقلالية في سلطنة عُمان بقلم الناصر خشيني



تاريخ المدينة
تتربع مدينة مسقط على ساحل بحر عُمان كواحدة من أقدم المدن المرفئية في شبه الجزيرة العربية والعالم، حيث حباها الله جغرافية فريدة تحيط بها الجبال الصخرية البركانية من ثلاث جهات والبحر من الجهة الرابعة. عاصرت مسقط الحضارات السومرية والفرعونية كمركز لتجارة النحاس واللبان، وفُتحت في العصور الإسلامية الأولى لتتحول إلى ثغر بحري عظيم. واجهت المدينة غزو البرتغاليين الشرس في القرن السادس عشر، لكن العُمانيين انتفضوا بقيادة اليعاربة وحرروا مسقط، منطلقين منها لتأسيس "الإمبراطورية العُمانية البحرية" التي امتدت نفوذها إلى سواحل إفريقيا الشرقية، منافسةً كبرى القوى العظمى.
أهم معالمها
تتزين مسقط بمعالم تجمع بين هيبة الدفاع وسحر العمارة الإسلامية الحديثة، وفي مقدمتها "قلعتا الجلالي والميراني" الشامختان على صخور الميناء منذ العهد البرتغالي والعُماني. ويبرز "جامع السلطان قابوس الأكبر" بمناراته الشاهقة وتحفته المعمارية كمركز حضاري وديني عظيم، إلى جانب "قصر العلم العامر" بجماله الهادئ، و"سوق مطرح" التراثي الذي يعد من أقدم الأسواق العربية الشاهدة على عبق التاريخ وتجارة الشرق القديم.
صمودها ودورها النضالي والتاريخي
لعبت مسقط دوراً تاريخياً ونضالياً محورياً في حماية هوية وسيادة منطقة عمان والخليج؛ فتاريخها مبني على رفض التبعية ومقاومة الأطماع الأجنبية، سواء في دحر البرتغاليين أو التصدي للحملات الفارسية والغربية المتلاحقة. وفي العصر الحديث، صاغت مسقط لنفسها عقيدة سياسية ودبلوماسية فريدة قامت على الاستقلالية التامة والسيادة الوطنية المطلقة، مبتعدة عن المحاور والصراعات الإقليمية الضيقة، لتتحول العاصمة الهادئة إلى واحة وملاذ آمن لحل النزاعات وقصداً لإطفاء الحروب في المنطقة، مؤكدةً دورها الحضاري التاريخي كعاصمة للسلام والأنفة العربية التي لا تبيع قرارها.
خاتمة
تبقى مسقط عاصمة البحار وعنواناً للشموخ العُماني والأصالة التي لا تغيرها أمواج الزمان؛ فحصونها الجبلية الواقفة في وجه البحر تروي للأجيال كيف حمت مسقط سيادة الخليج العربي وبحر عمان، لتظل مسقط دائماً قلعة العزة، ورمزاً للاستقلالية والكرامة الوطنية التي لا تقبل المساومة.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قطاع الفوسفات في تونس بعد 2011: من ريادة الإنتاج إلى متاهات الأزمة الهيكلية ​بقلم: الناصر خشيني

  ​يعتبر قطاع الفوسفات في تونس أكثر من مجرد نشاط منجمي؛ إنه الشريان الحيوي للاقتصاد الوطني والعمود الفقري للتنمية في مناطق الحوض المنجمي. إلا أن هذا القطاع دخل منذ عام 2011 في نفق مظلم من الأزمات المتراكمة التي مست مفاصل الإنتاج والتسويق والإدارة، مما حوله من قاطرة للنمو إلى عبء تقني ومالي يتطلب وقفة تحليلية جادة لفهم مكامن الخلل وسبل الاستشراف المستقبلي. ​أولاً: أزمة الإنتاج.. بين المطلب الاجتماعي والتعطل التقني ​لقد تراجع حجم الإنتاج الوطني من الفوسفات الخام بشكل حاد، حيث انحدر من سقف 8 مليون طن في سنة 2010 إلى مستويات لا تتجاوز 4 مليون طن في أفضل الحالات خلال العقد الأخير. هذا التقهقر يعود بالأساس إلى: ​الاحتقان الاجتماعي: تحول الحوض المنجمي إلى ساحة للاحتجاجات المستمرة والاعتصامات المطالبة بالتنمية والتشغيل، وهو ما أدى إلى توقف متكرر لمحركات الإنتاج في المغاسل والمناجم. ​معضلة اللوجستيك والنقل: تعاني منظومة نقل الفوسفات عبر السكك الحديدية من تهالك شديد، مما دفع نحو الاعتماد على الشاحنات الخاصة، وهو حل مكلف أدى إلى تضخم تكاليف الإنتاج وضرب نجاعة العملية اللوجستية. ​تقادم المعدات...

سقوط الأقنعة وخراب الهيكل: قراءة قومية تقدمية في شهادة ثروت الخرباوي على مطبخ الإخوان بقلم: الناصر خشيني

    مقدمة في التوقيت الإقليمي والدولي الراهن، ومواجهةً لمشاريع تفتيت الجغرافيا العربية وسلب إرادتها الوطنية، تبرز الحاجة المعرفية الملحة لتفكيك البنى السرية لجماعات الإسلام السياسي التي شكلت دائماً كابحاً أمام النهوض التاريخي للأمة. من هنا، يأتي هذا المقال المرسل بالتزامن الى "الحوار المتمدن" بمنبريته التقدمية التنويرية، و"رأي اليوم" بمنبرها القومي التحرري ولمواقع اخرى ليقدم قراءة سياسية وفكرية في عمق "المطبخ الداخلي" لحركة الإخوان المسلمين، مستنداً إلى شهادة القيادي السابق ثروت الخرباوي ، كأداة تعرية لأقنعة الزيف وبوابة لإعادة الاعتبار لمشروع الدولة الوطنية التقدمية. لم تكن معركة الفكر القومي التقدمي يوماً مجرد خصومة سياسية عابرة مع جماعات الإسلام السياسي، بل هي معركة وجودية بين مشروعين لا يلتقيان: مشروع الدولة الوطنية الساعي نحو التحرر، والسيادة، والتقدم، ومشروع أممي ظلامي يستهدف تفتيت الجغرافيا وتمزيق الهوية العربية لصالح ولاءات مشبوهة عابرة للحدود. وفي هذا السياق، تكتسب الشهادات القادمة من داخل "المطبخ الداخلي" لهذه الجماعات قيمة استثنائية، ل...

​طبيعة الصراع العربي الصهيوني والطريق إلى تحرير فلسطين ​بقلم: الناصر خشيني

مداخلة أُلقيت في مخيم الشباب القومي العربي – نابل، تونس ​مقدمة ​يعود الأصل النظرى لهذا البحث إلى ثمانينيات القرن الماضي، وتحديداً خلال صيف عام 1982 المحموم، إبان الاجتياح الصهيوني للبنان بقيادة السفاح "أرييل شارون". وقد قُدِّم البحث حينها على مسرح الهواء الطلق بمدينة طبرقة التونسية. ومنذ ذلك الوقت، ورغم تسارع الأحداث الإقليمية وتطورها بشكل دراماتيكي، لم يتغير شيء من طبيعة الصراع العربي الصهيوني الجوهرية. وبناءً على مقتضيات التطورات الراهنة التي تعيشها المنطقة، أُعيدت صياغة هذه الرؤية وتعديلها لتواكب الواقع المعاصر. ​لا يزال الصراع في فلسطين بين الأمة العربية والصهاينة على أشده وبلا هوادة، وتسيل الدماء يومياً غزيرة من أبناء شعبنا في فلسطين الكسيرة، ولكن دون تفريط في الحق السليب بشكل نهائي. ورغم الاعتراف المتبادل بين بعض النظم العربية والصهاينة، ورغماً عن اتفاقيات السلام الموقعة، فإن ملايين المشردين الذين أُخرجوا من ديارهم بقوة السلاح لا يزالون يحلمون بالعودة إلى أرض الوطن، يراودهم الأمل يوماً ما طال الزمان أو قصر [1]. ​إن الصهاينة الذين اعتمدوا في احتلالهم للأرض على القوة الغا...