التخطي إلى المحتوى الرئيسي

المشاركات

تفكيك منظومة الطلاق: بين سموّ التشريع القرآني وتهافت الفقه التراثي بقلم الناصر خشيني

    مقدمة: في البدء كانت الأخلاق يمثل الفهم القُرآني لشبكة العلاقات الاجتماعية ذروة النضج التربوي والانسجام الإنساني. فالزواج في القرآن ليس عقد تملّك، بل هو "ميثاق غليظ" [النساء: 21] قائم على السكن والجسور النفسية الواصلة بين الذات والآخر. وعندما تضيق السبل وتصل العلاقة الزوجية إلى أفق مسدود، لا يفتح القرآن باباً للهدم السريع المتهور، بل يضع منظومة وقائية صارمة تجعل من انفصام هذا الميثاق أمراً معقداً يتطلب زمناً طويلاً ومراجعات نفسية واجتماعية عميقة، على العكس تماماً مما كرسته المنظومة التراثية التقليدية التي اختزلت هذا البناء الشاهق في "كلمة" يلقيها الرجل في لحظة غضب. اولاً: المنظومة الزمنية والتربوية للطلاق في القرآن (استحالة الهدم الفجائي) الطلاق في القرآن ليس حدثاً يقع في ثانية، بل هو مسار زمني واجتماعي ممتد قد يستغرق أشهراً طويلة (تصل إلى سبعة أشهر أو أكثر عند احتساب مراحل العلاج والعدّة)، وهدفه الأساسي منح الفرصة لإعادة إحياء الرابطة الزوجية من خلال محطات إجبارية: مراحل العلاج الداخلي: تبدأ المنظومة الوقائية من داخل البيت عند نشوز أي من الطرفين أو شقاقهما...

تفكيك شفرة الحج: منسك السلام العالمي وشهود المنافع الإنسانية في المنظور القرآني بقلم: الناصر خشيني

  تقديم حين نتدبر النص القرآني الحكيم بمنهجية تقدمية، واعية بظروف الواقع الإنساني ومستندة إلى الأصول الكلية للرسالة الإسلامية، نجد أن العبادات لم تأتِ لتكون مجرد طقوس ميكانيكية معزولة عن حركة التاريخ، بل جاءت أدوات ثورية لبناء المجتمع الإنساني وتحقيق العدالة والوحدة. ومن بين هذه العبادات، يبرز الحج كأكبر مؤتمر إنساني عالمي، يحتاج منا اليوم إلى إعادة قراءة وتفكيك لشفراته الكبرى على ضوء القرآن الكريم وحده؛ باعتباره النص الإلهي القطعي الذي يتجاوز المرويات التاريخية والصناعات البشرية الخاضعة لظروف رواتها التاريخية. إن الحج في عمقه القرآني هو إعلان للوحدة الكونية، وتأسيس لمركزية إنسانية عادلة، تتصادم جملة وتفصيلاً مع ما نراه اليوم من اختزال لهذه العبادة العظيمة في أبعاد تجارية واحتكارية، أو توظيف أموالها لخدمة قوى الهيمنة الإمبريالية. 1. عالمية الدين وتأسيس المركزية الإنسانية القرآن الكريم حين شرع الحج، لم يوجه الخطاب لفئة جغرافية أو عرقية محددة، بل أسسه على قاعدة العالمية المطلقة. يقول تعالى: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ}...

الهندسة المقاصدية للصيام في القرآن: تفكيك الشفرة اللغوية والاجتماعية وسر الفاصلة الدعائية بقلم: الناصر خشيني

  تقديم إن التعامل مع النص القرآني بوصفه مشروعاً نهضوياً لبناء الإنسان والمجتمع، يفرض علينا الانعتاق من إسار الفقه الشكلي التبريري الذي اختزل الصيام في أبعاده البيولوجية والفيزيولوجية الضيقة. إن إعادة قراءة الأبنية اللغوية والسياقية للآيات تكشف عن "هندسة تشريعية وتربوية" بالغة الدقة، تهدف إلى نقل الكائن البشري من رتبة العبودية للغريزة والمادة، إلى رتبة الإرادة الحرة والوعي الأخلاقي والاجتماعي. أولاً: شفرة اللفظ والفرق البياني بين الصيام والصوم أولى عتبات التفكيك تبدأ من التمييز الدقيق الذي يقيمه النظم القرآني بين بنيتين لغويتين مشتقتين من جذر واحد، لكنهما تختلفان في الوظيفة والدلالة داخل السياق: شفرة "الصِّيَام": ورد هذا اللفظ في القرآن في سياق الأحكام والتشريعات العملية، وهو يعبر عن الإمساك المادي والبيولوجي المؤقت عن المفطرات (الطعام، والشراب، والشهوة) من الفجر إلى غروب الشمس. "الصيام" (على وزن فِعَال) يحمل في بنيته الصرفية معنى المدافعة، والمجاهدة، والجهد البدني العضلي الملموس. إنه التمرين الأولي الإلزامي لضبط غريزة البقاء وتطويع الجسد. شفرة "الصَ...

فلسفة الطهارة بين التحرر القرآني والجمود التراثي بقلم: الناصر خشيني

    تقديم تُشكل المسألة الدينية في وعينا القومي والتقدمي ركيزة أساسية من ركائز التحرر والتنوير، شريطة أن نعود بها إلى نبعها الأصيل الصافي: القرآن الكريم . فالنص القرآني في جوهره ثورة على الأشكال والطقوس الجامدة، ودعوة مستمرة لتزكية الإنسان والارتقاء بوعيه. ومِن أكثر المفاهيم التي تعرضت لـ "الاختطاف الشكلي" وتحولت من غاية إنسانية كبرى إلى هوس طقسي فرعي، هو مفهوم "الطهارة" . حين نتدبر القرآن الكريم بعقل تقدمي يرفض الإغراق في المظاهر، نكتشف مفارقة صارخة بين "إيجاز القرآن وتحرره" وبين "إطناب التراث وجموده" . أولاً: الطهارة في الاستعمال القرآني.. انتصار للمعنى على المبنى إذا تتبعنا مادة "طهر" ومشتقاتها في القرآن الكريم، سنجد أنها وردت 31 مرة في مواضع وسياقات متنوعة . والملمح الحاسم هنا هو أن الغالبية الساحقة من هذه الآيات جاءت لترسيخ "الطهارة المعنوية والأخلاقية" ، لا الطهارة المادية الجسدية . القرآن الكريم جعل الطهارة غاية كبرى ترتبط بسلامة المجتمعات ونقاء القلوب والتحرر من الأثرة: التنزّه الأخلاقي والفطري: كقوله تعالى عن خط ا...

دلالات "الصلاة" في القرآن الكريم: من الصلة الشاملة إلى الشعيرة المخصوصة بقلم الناصر خشيني

 تقديم يذكر عدد من الباحثين في الدلالة القرآنية أن لفظ "الصلاة" ومشتقاته ورد في القرآن الكريم نحو تسع وتسعين مرة، وهو رقم يستوقف كل قارئ متأمل: فهل يعقل أن يتكرر لفظ واحد بهذا الحجم ليدل حصرا على شعيرة حركية محددة الأركان والهيئة، أم أن اللفظ يحمل حمولة دلالية أوسع تتصل بجوهر العلاقة بين الإنسان وربه، وبينه وبين الكون الذي استخلف فيه، وبينه وبين مجتمعه الذي أُمر أن يقيم فيه العدل ويقطع دابر الفساد؟ هذا هو السؤال المركزي الذي يحاول هذا المقال مقاربته، من غير ادعاء اليقين القاطع، وإنما استئناسا بالسياقات القرآنية ذاتها. أولا: الصلاة بوصفها صلة لا حركة يذهب بعض الباحثين المحدثين في الدلالة القرآنية إلى أن جذر "صلى" في أصله اللغوي يحيل إلى معنى الاتصال والارتباط، لا إلى هيئة بدنية بعينها، مستندين إلى أن القرآن يستعمل اللفظ في سياقات لا علاقة لها بالركوع والسجود مطلقا، من ذلك قوله تعالى في وصف صلاة الله وملائكته على النبي: "إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا" (الأحزاب:...

قرأت لكم: كتاب "تونس الشهيدة" للشيخ عبد العزيز الثعالبي بقلم: الناصر خشيني

  تقديم نلتقي اليوم في هذه القراءة من سلسلة "قرأت لكم" لننبش في واحدة من أهم وثائق التحرر الوطني التونسي والعربي في القرن العشرين: كتاب "تونس الشهيدة" (La Tunisie martyre)، الصادر في باريس مطلع سنة 1920. لم يكن هذا الكتاب مجرد مؤلَّف فكري عابر، بل كان بياناً سياسياً صدامياً، وصيحة فزع وطنية أطلقها الشيخ عبد العزيز الثعالبي ورفاقه من أجل تعرية الوجه البشع للاستعمار الاستيطاني الفرنسي، وإعادة الاعتبار للشخصية العربية الإسلامية لتونس أمام العالم. أولاً: سياق التأليف وميلاد الوثيقة صدر الكتاب دون ذكر اسم مؤلفه في طبعته الأولى، تحت عنوان "تونس الشهيدة - مطالبها"، وذلك في ظرف دقيق كانت فيه أوروبا تعيد ترتيب أوراقها السياسية عقب الحرب العالمية الأولى، وسط أجواء مشحونة بشعارات "حق الشعوب في تقرير مصيرها" التي رفعها الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون. استثمر الثعالبي هذه اللحظة الدولية استثماراً ذكياً، فاختار أن يخاطب الرأي العام الفرنسي والعالمي بلغته هو، أي الفرنسية، لا بلغة العاطفة والخطابة العربية التقليدية. لم يكتب الثعالبي النص بنفسه مباشرة بالفرنسية، إذ ...

سقوط البورقيبية: شهادة المنفى على أسطورة "الزعيم الأوحد" بقلم: الناصر خشيني 

  مدخل من رحم المنفى، وبعيداً عن سطوة الرواية الرسمية التي صاغها بورقيبة لنفسه ولدولته، يطل علينا كتاب "سقوط البورقيبية" لإبراهيم طوبال (1924 - 1990)، الذراع الأيمن لصالح بن يوسف، بوصفه وثيقة مضادة تفكك أسطورة "المجاهد الأكبر" وتعيد قراءة تجربة الاستقلال التونسي من زاوية الخط اليوسفي المهزوم سياسياً والمنتصر - كما يرى المؤلف - تاريخياً. هذا العمل ليس سرداً أكاديمياً محايداً، بل هو مرافعة معارض عاش الانشقاق بجسده قبل أن يكتبه بقلمه، وهو ما يمنحه صدقية الشاهد وتحيّز صاحب القضية في آن واحد. أولاً: جذور الانشقاق وصراع الزعامة يعيد طوبال في القسم الأول من كتابه تفكيك مسار الحركة الوطنية التونسية منذ نشأتها، كاشفاً عن الصراعات الداخلية التي رافقتها منذ البداية، قبل أن يتوقف مطولاً عند اللحظة الفاصلة: الانقسام بين الخط البورقيبي والخط اليوسفي في منتصف الخمسينيات. وهنا يضع المؤلف يده على الجرح العميق في الذاكرة الوطنية التونسية: كيف تحول خلاف حول جدوى استقلال منقوص وصفقة مع باريس، إلى صراع دموي انتهى بتصفية صالح بن يوسف واستفراد بورقيبة بالسلطة وتهميش كل قيادة منافسة. في قر...

سلسلة قرأت لكم كتاب البديل الثوري في تونس للمناضل القومي الصلب إبراهيم طوبال بقلم: الناصر خشيني

    في خضم التجاذبات الكبرى التي تعصف بالهوية والسيادة الوطنية، وحين نعود لنبش جذور أزمتنا الراهنة، يبرز كتاب «البديل الثوري في تونس» للمناضل القومي الصلب إبراهيم طوبال (الصادر سنة 1979 ببيروت) كوثيقة إدانة تاريخية ومشروع تحرري متكامل. إن قراءة هذا السفر للمقاوم اليوسفي والرفيق العروبي لا تقتصر على تدوين وقائع الصراع السياسي، بل تمثل محاكمة جذرية لمسار دولة الاستقلال الشكلي التي أسس لها الحبيب بورقيبة، والتي قطعت مع نبض الأمة وتماهت مع مشاريع التغريب والتبعية. 1. في نقد التوجه التغريبي: قطيعة مع الهوية والعمق القومي يكشف إبراهيم طوبال في تحليله العميق كيف عمد النظام البورقيبي، منذ استلامه مقاليد السلطة، إلى سلخ تونس عن محيطها العربي الإسلامي وحركتها التحررية المشرقية والمغاربية. لقد تجسدت هذه العقيدة التغريبية في أشد تجلياتها خطورة في النظرة الدونية للعمق القومي العربي، والتي كانت تترجم سياسياً وثقافياً في محاولات تبني النموذج الغربي بشكل مسخ ومشوّه. وفي هذا السياق، جاءت التصريحات والتوجهات السياسية لبورقيبة لتؤكد هذا التموضع الكولونيالي الجديد؛ فبدل أن تكون تونس امتداداً طبيع...

الرؤية الشعبية القومية للحركة الوطنية التونسية: قراءة تفكيكية في مسار التحرير من التبعية إلى الاستقلال (1830-1956) ​بقلم: الناصر خشيني

​تندرج قراءتنا لكتاب الباحث والسياسي التونسي الراحل الطاهر عبد الله، "الحركة الوطنية التونسية: رؤية شعبية قومية جديدة 1830-1956"، ضمن مشروعنا الفكري النابع من الرؤية القومية التقدمية التي تسعى جاهدة لنقد التزييف التاريخي وتفكيك السرديات الاستعمارية وبقايا الاستعمار الجديد. ​لقد دأب التاريخ الرسمي للبورجوازية التونسية الصاعدة عقب استقلال 1956 على اختزال معركة التحرر التونسي في أشخاص ونخب صالونية أرستقراطية، متجاهلاً الدور الحاسم للكفاح الجماهيري وللعمق العربي والإسلامي القومي. يأتي مؤلف الطاهر عبد الله كشاهد فكري ومحطة إعادة اعتبار لتاريخ الشعب والعمال والفلاحين والفرسان المقاومين. ​ أولاً: تفكيك اختراق رأس المال ومقدمات الاحتلال ​يبدأ الكاتب بتحليل المسببات العميقة للاحتلال الفرنسي، معيداً جذور الأزمة إلى لحظة سقوط الجزائر [1]. لم يأتِ الاحتلال نتيجة "حادثة الحدود" أو صدفة تاريخية، بل كان نتيجة حتمية لـ: ​ التغلغل الرأسمالي الإمبريالي: الذي استغل ديون البايليّات والطبقة الحاكمة التونسية عبر القروض الأجنبية، مما أدى إلى كف يد الدولة التونسية وتكبيل سيادتها الم...

معالم على طريق التكفير: قراءة نقدية في فكر سيد قطب من منظور قومي تقدمي بقلم الناصر خشيني

  مقدمة يُعدّ كتاب "معالم في الطريق" لسيد قطب، الصادر عام 1964، أحد أخطر النصوص التي أعادت تشكيل الخطاب الإسلامي السياسي في النصف الثاني من القرن العشرين، ووضعت الأساس النظري لتيارات التكفير التي عصفت لاحقاً بالمجتمعات العربية والإسلامية. والكتاب، الذي كُتب في غياهب سجون عبد الناصر، ليس مجرد نص فكري عابر، بل وثيقة تأسيسية لقطيعة جذرية مع الواقع، ودعوة صريحة إلى تكفير المجتمعات القائمة وتصنيفها ضمن "الجاهلية المعاصرة". وإذ نتناول هذا الكتاب بالنقد من منظور قومي تقدمي، فإننا لا نفعل ذلك من موقع العداء المسبق، بل من موقع المساءلة التاريخية والفكرية لمنهج أثبتت التجربة أنه أفضى إلى العنف والتفكك والانغلاق، بدل أن يفضي إلى النهضة التي زعم أنه يسعى إليها. أولاً: الجيل القرآني الفريد – نموذج مثالي منقطع عن التاريخ ينطلق قطب من فرضية مركزية مفادها أن جيل الصحابة الأول كان "جيلاً قرآنياً فريداً" لا يتكرر، تشكّل من معين واحد هو القرآن الكريم، بمعزل عن أي رافد ثقافي أو حضاري آخر. وهذه الفرضية، على جاذبيتها الوجدانية، تنطوي على قفزة فوق التاريخ؛ إذ تتجاهل أن ذلك الجيل...

سيكولوجية "الظلال" وصراع السرديات: كيف وظّف سيد قطب العاطفة الدينية لمواجهة المشروع الناصري؟ بقلم الباحث: الناصر خشيني

    يظل كتاب "في ظلال القرآن" لسيد قطب واحداً من أكثر المصنفات المعاصرة إثارة للجدل الفكري والسياسي في التاريخ العربي الحديث. فلم يكن الكتاب مجرد محاولة لتفسير النص القرآني بأدوات العلم الموروثة، بل تحول عبر ظروف نشأته وسياق خطابه إلى "مانيفستو" حركي مشحون بالعواطف الجياشة، استُخدم كأداة أيديولوجية حاسمة في صراع مرير على الشرعية والولاء الشعبي ضد نظام الرئيس جمال عبد الناصر في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، في ذروة صمود المشروع القومي أمام الاستعمار والصهيونية. أولاً: الهروب من قيود "التفسير" إلى حرية "الظلال" والتحول الأسلوبي٠ إن القراءة الفاحصة لعنوان كتاب سيد قطب، "في ظلال القرآن"، تكشف من العتبة الأولى عن إستراتيجية فكرية مراوغة؛ فالرجل تعمّد ألا يسمي مجهوده هذا "تفسيراً"، بل نزع عنه هذه الصفة العلمية المحددة ليلجأ إلى فضاء "الظلال". هذا الهروب الاصطلاحي لم يكن عفوياً، بل كان آلية واعية لتأمين مساحة حرة ومنفلتة، تتيح للكاتب القفز فوق التزامات علم التفسير الصارمة وقواعده الموروثة (كمناهج التفسير بالمأثور، والبحث ...