التخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفكيك منظومة الطلاق: بين سموّ التشريع القرآني وتهافت الفقه التراثي بقلم الناصر خشيني

 


 مقدمة: في البدء كانت الأخلاق

يمثل الفهم القُرآني لشبكة العلاقات الاجتماعية ذروة النضج التربوي والانسجام الإنساني. فالزواج في القرآن ليس عقد تملّك، بل هو "ميثاق غليظ" [النساء: 21] قائم على السكن والجسور النفسية الواصلة بين الذات والآخر. وعندما تضيق السبل وتصل العلاقة الزوجية إلى أفق مسدود، لا يفتح القرآن باباً للهدم السريع المتهور، بل يضع منظومة وقائية صارمة تجعل من انفصام هذا الميثاق أمراً معقداً يتطلب زمناً طويلاً ومراجعات نفسية واجتماعية عميقة، على العكس تماماً مما كرسته المنظومة التراثية التقليدية التي اختزلت هذا البناء الشاهق في "كلمة" يلقيها الرجل في لحظة غضب.
اولاً: المنظومة الزمنية والتربوية للطلاق في القرآن (استحالة الهدم الفجائي)
الطلاق في القرآن ليس حدثاً يقع في ثانية، بل هو مسار زمني واجتماعي ممتد قد يستغرق أشهراً طويلة (تصل إلى سبعة أشهر أو أكثر عند احتساب مراحل العلاج والعدّة)، وهدفه الأساسي منح الفرصة لإعادة إحياء الرابطة الزوجية من خلال محطات إجبارية:
  • مراحل العلاج الداخلي: تبدأ المنظومة الوقائية من داخل البيت عند نشوز أي من الطرفين أو شقاقهما، عبر التدرج التربوي النفسي (الوعظ، ثم الهجر في المضاجع كرسالة صامتة تعبر عن حجم الألم المشترك دون فضيحة علنية).
  • خروج الزوج وبقاء المرأة: من أعمق القواعد القرآنية حماية المكون النفسي والاجتماعي للمرأة؛ فالقرآن يحرّم إخراج الزوجة من بيتها أثناء النزاع أو العدة، بل إن الزوج هو من يغادر المساحة النفسية المشتركة أو يلتزم حدود الأدب داخل البيت، بينما تظل المرأة مكرَّمة في بيتها لعلّ هذا الجوار المكاني يعيد الدفء (لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ) [الطلاق: 1].
  • التحكيم الاجتماعي الفاعل: إذا عجزت الحلول الداخلية، ينتقل الأمر إلى مستوى مؤسسي عائلي (فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا) [النساء: 35]، وهو فضاء تداولي عقلاني يهدف للإصلاح وليس لتوثيق الفراق.
ثانياً: الاعتراض القرآني الإعجازي (الصلات الاجتماعية والصلاة الوسطى)
في سياق آيات الطلاق المفصلة في سورة البقرة، نجد اعتراضاً قرآنياً مدهشاً في الآية 238 
(حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ) [البقرة: 238].
هذا التموقع الفريد لآية الصلاة في قلب أحكام الطلاق والأحوال الشخصية يمثل أسلوباً تربوياً قُرآنياً فذاً، تماماً كاستجابة الله للدعاء وسط آيات الصيام. وفي القراءة القرانية التقدمية، يكتسب هذا الاعتراض أبعاداً مقاصدية عميقة:
  1. الصِلات الاجتماعية والروابط الإنسانية: "الصلوات" هنا ليست مجرد حركات تعبدية شعائرية معزولة عن الواقع، بل هي إقامة "الصِلات" والروابط الإنسانية والأخلاقية التي تشد المجتمع وخصوصاً بين الأصهار والعائلات بعد المصاهرة.
  2. الصلاة الوسطى كعلاقة متوازنة: هي دعوة للمحافظة على خيط التواصل المتوازن والراقي (الوسطي) بين المطلقين، خاصة في حالة وجود أبناء، لضمان عدم تحول الفراق إلى معركة كسر عظام وتصفية حسابات تدمّر النسيج النفسي للأطفال. إنها أمرٌ بالفضل والتمسك بالمعروف حتى في أحلك لحظات الانفصال.
ثالثاً: تهافت المنظومة التراثية وظلم المرأة
على النقيض تماماً من هذا السياق القرآني الرفيع والمعقد زمنيّاً وأخلاقيّاً، نجد أن "الفقه التراثي" هبط بالتشريع إلى سياقات ذكورية وتجريبية جائرة:
  • الطلاق بكلمة (الطلاق الشفوي والبدعي): حوّل التراث الطلاق إلى سلاح تدمير لغوي فوري. بكلمة واحدة يلقيها الرجل في حالة غضب أو سُكْر أو جهل، تنهدم أسرة كاملة وتُطرد المرأة خارج بيتها، في تفكيك كامل للشروط القرأنية التي تشترط الإشهاد والزمن والطهر والعدّة في بيت الزوجية.
  • إهانة المرأة وتسليعها: شرعنت بعض المدونات التراثية ما يُعرف بـ "طلاق الثلاث بلفظ واحد" وجعلت من المرأة ضحية لمزاجية الرجل، متجاهلة القواعد القرآنية الصارمة التي تجعل من الطلاق مرتين تجربة واعية تفصل بينهما شهور من المراجعة والتروي والتفكير.
  • إسقاط البعد الأخلاقي والتربوي: استبدل الفقهاء التراثيون منظومة الأخلاق والفضل (وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ) [البقرة: 237] بنصوص جافة تحابي الهيمنة الذكورية وتشرعن إخراج المرأة وإهانتها مادياً ومعنوياً.
خاتمة: نحو عودة واعية للمشروع القرآني
إن تفكيك هذه البنية التراثية المتهافتة والعودة إلى المنظومة القرانية الأخلاقية ليس ترفاً فكرياً، بل هو ضرورة وجودية لتحرير الأسرة والمجتمع. القرآن الكريم كسر النزعة الفردية العنيفة وجعل الانفصال مساراً طويلاً مشروطاً بالوعي، والعدل، وحفظ الصِلات الاجتماعية (الصلاة الوسطى)

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قطاع الفوسفات في تونس بعد 2011: من ريادة الإنتاج إلى متاهات الأزمة الهيكلية ​بقلم: الناصر خشيني

  ​يعتبر قطاع الفوسفات في تونس أكثر من مجرد نشاط منجمي؛ إنه الشريان الحيوي للاقتصاد الوطني والعمود الفقري للتنمية في مناطق الحوض المنجمي. إلا أن هذا القطاع دخل منذ عام 2011 في نفق مظلم من الأزمات المتراكمة التي مست مفاصل الإنتاج والتسويق والإدارة، مما حوله من قاطرة للنمو إلى عبء تقني ومالي يتطلب وقفة تحليلية جادة لفهم مكامن الخلل وسبل الاستشراف المستقبلي. ​أولاً: أزمة الإنتاج.. بين المطلب الاجتماعي والتعطل التقني ​لقد تراجع حجم الإنتاج الوطني من الفوسفات الخام بشكل حاد، حيث انحدر من سقف 8 مليون طن في سنة 2010 إلى مستويات لا تتجاوز 4 مليون طن في أفضل الحالات خلال العقد الأخير. هذا التقهقر يعود بالأساس إلى: ​الاحتقان الاجتماعي: تحول الحوض المنجمي إلى ساحة للاحتجاجات المستمرة والاعتصامات المطالبة بالتنمية والتشغيل، وهو ما أدى إلى توقف متكرر لمحركات الإنتاج في المغاسل والمناجم. ​معضلة اللوجستيك والنقل: تعاني منظومة نقل الفوسفات عبر السكك الحديدية من تهالك شديد، مما دفع نحو الاعتماد على الشاحنات الخاصة، وهو حل مكلف أدى إلى تضخم تكاليف الإنتاج وضرب نجاعة العملية اللوجستية. ​تقادم المعدات...

​طبيعة الصراع العربي الصهيوني والطريق إلى تحرير فلسطين ​بقلم: الناصر خشيني

مداخلة أُلقيت في مخيم الشباب القومي العربي – نابل، تونس ​مقدمة ​يعود الأصل النظرى لهذا البحث إلى ثمانينيات القرن الماضي، وتحديداً خلال صيف عام 1982 المحموم، إبان الاجتياح الصهيوني للبنان بقيادة السفاح "أرييل شارون". وقد قُدِّم البحث حينها على مسرح الهواء الطلق بمدينة طبرقة التونسية. ومنذ ذلك الوقت، ورغم تسارع الأحداث الإقليمية وتطورها بشكل دراماتيكي، لم يتغير شيء من طبيعة الصراع العربي الصهيوني الجوهرية. وبناءً على مقتضيات التطورات الراهنة التي تعيشها المنطقة، أُعيدت صياغة هذه الرؤية وتعديلها لتواكب الواقع المعاصر. ​لا يزال الصراع في فلسطين بين الأمة العربية والصهاينة على أشده وبلا هوادة، وتسيل الدماء يومياً غزيرة من أبناء شعبنا في فلسطين الكسيرة، ولكن دون تفريط في الحق السليب بشكل نهائي. ورغم الاعتراف المتبادل بين بعض النظم العربية والصهاينة، ورغماً عن اتفاقيات السلام الموقعة، فإن ملايين المشردين الذين أُخرجوا من ديارهم بقوة السلاح لا يزالون يحلمون بالعودة إلى أرض الوطن، يراودهم الأمل يوماً ما طال الزمان أو قصر [1]. ​إن الصهاينة الذين اعتمدوا في احتلالهم للأرض على القوة الغا...

مهمة الرسول: الهداية والتبليغ لا الغزو والقتال بقلم: الناصر خشيني

     مقدمة أطنبت كتب الحديث والسيرة والتاريخ الإسلامي في الحديث عن "غزوات" مزعومة للرسول صلى الله عليه وسلم، في مخالفة صريحة لمنهج القرآن الكريم الذي لم يصف الرسول في أي موضع بأنه كان غازياً أو محارباً ابتداءً. فالقرآن اقتصر على ذكر بعض الوقائع المفصلية من سيرة الرسول، بعضها بالتفصيل وبعضها بالإجمال، دون أن يصطنع لها صفة "الغزو" التي ألصقتها بها كتب التراث. وتسعى هذه المقالة إلى استعراض هذه الوقائع كما وردت في النص القرآني نفسه، ثم بيان أن كل قتال خاضه الرسول لم يكن إلا رد فعل على عداء محورين بعينهما: قريش التي صادرت أموال المهاجرين وأخرجتهم من ديارهم، ويهود المدينة الذين خانوا عهد صحيفة المدينة، وأن مهمته الأصلية والمركزية كانت الدعوة بالرسالة والتبليغ بالحجة، كما يشهد على ذلك منهجه في مراسلة ملوك عصره. أولاً: منهج القرآن في تناول وقائع السيرة خلّد القرآن الكريم جملة من وقائع السيرة بالذكر، إما إجمالاً أو تفصيلاً، موزعة على عدد من السور: بدر: في سورتي آل عمران والأنفال (¹) أُحد: في سورة آل عمران، دون ذكر اسمها (²) صلح الحديبية: في سورة الفتح (³) الخندق: في سورة ال...