التخطي إلى المحتوى الرئيسي

بوصلة فلسطين وانكسار الهيمنة: حرب المضائق والتواطؤ الإقليمي في مواجهة صخرة المقاومة بقلم: الناصر خشيني


 مقدمة

تمر أمتنا العربية والإسلامية بمنعطف تاريخي حاسمة، أعادت فيه البنادق رسم خرائط النفوذ الجيوسياسي، وأسقطت زيف التوازنات المفروضة منذ عقود. إن ما يشهده الشرق الأوسط اليوم ليس مجرد جولات قتالية عابرة، بل هي حرب وجودية كبرى يتواجه فيها حلفان لا يلتقيان: حلف صهيو-أمريكي إمبريالي يسعى لتثبيت هيمنته العسكرية والاقتصادية وتأمين التبعية المطلقة، وجبهة مقاومة ممتدة صمدت وثبتت لتؤكد أن الإرادة الشعبية الحرة هي القوة الإستراتيجية العليا التي لا تقبل الانكسار.
مركزية فلسطين: المحرك والبوصلة
في عمق هذا الصراع المحتدم، تظل القضية الفلسطينية هي الأساس والجوهر والعروة الوثقى لكل الأحرار. لقد توهم الحلف الصهيو-أمريكي المعادي أن بإمكانه تصفية هذه القضية من بوابة قطاع غزة عبر شن حرب إبادة تدميرية شاملة. لكن هذا الإجرام المنظم عجز عن تحقيق هدفه الإستراتيجي؛ إذ ظلت المقاومة الفلسطينية متمترسة في أنفاقها تدير المعركة باقتدار، مثبتةً أن الحق الفلسطيني لا تمحوه الآلة العسكرية العمياء.
المشهد السوري الجديد: ارتهان، جرائم طائفية، وتواطؤ صريح
لقد شكل إضعاف جبهات الإسناد هدفاً محورياً للحلف المعادي، وهو ما تجلى بوضوح في الساحة السورية بعد التغيرات الأخيرة التي أفرزت نظاماً جديداً بقيادة أحمد الشرع. إن القراءة القومية التقدمية لهذا التحول تكشف عن طبيعة هذا النظام الذي ارتكب جرائم طائفية مروعة بحق المكونات السورية لفرض سلطته بقوة السلاح وتفتيت النسيج الوطني.
ولم يتوقف الأمر عند الجرائم الداخلية، بل ظهر الجبن الفاضح لهذا النظام الجديد أمام تمدد قوى العدوان الصهيوني؛ فبينما كان الكيان يدمر معظم الأسلحة والمصانع العسكرية السورية ويحتل الجنوب السوري متقدماً حتى مشارف دمشق، وقف هذا النظام عاجزاً ومتواطئاً دون أن يحرك ساكناً للدفاع عن سيادة البلاد. وبدلاً من توجيه السلاح لحماية الأرض، أعلن الشرع صراحةً عزمه على محاربة حزب الله ومحاصرة قوى المقاومة، ليقدم نفسه كأداة وظيفية لتأمين الحدود الشمالية للكيان وتوجيه طعنة غادرة لعمق محور المقاومة.
البعد الاقتصادي وحرب المضائق الإستراتيجية
لا يمكن فصل هذا الصراع العسكري عن خلفياته الاقتصادية؛ فالإمبريالية الأمريكية تسعى جاهدة لحماية مصالحها الرأسمالية والنفطية وتأمين خطوط الملاحة الدولية من بوابة السيطرة على المعابر والمضائق البحرية الإستراتيجية. وهنا تجلت الأهمية الكبرى لـمضيق باب المندب والبحر الأحمر كخطوط إمداد حيوية للاقتصاد العالمي.
لقد أثبتت حركة "أنصار الله" في اليمن قدرة إستراتيجية فائقة على قلب الطاولة عسكرياً واقتصادياً. ورغم الحصار والعدوان الصهيو-أمريكي المباشر، نجح اليمنيون في فرض حصار بحري مضاد أوجع الكيان الصهيوني وحلفاءه. واليوم، وفي ظل لجوء أنظمة الرجعية العربية والتطبيع – وخاصة السعودية – للاستنجاد بالكيان لحمايتها من تبعات الحصار الإقليمي، يثبت الرد اليمني أن الثبات على المقاومة قادر على كسر مشاريع الهيمنة الغربية وإفشال الترتيبات الاقتصادية التي تستهدف رهن مقدرات الأمة العربية.
الصمود الإيراني وانكسار موجات العدوان
على الرأس الإستراتيجي لهذا المحور، شكلت إيران جبهة صمود صلبة أجهضت خطط التركيع الأمريكية طوال أكثر من عام من الاستهداف المباشر والضغوط القصوى. جاء الرد الإيراني القوي والثابت ليفرض معادلات ردع جديدة أجبرت الحلف الصهيو-أمريكي على الانصياع ووقف إطلاق النار، مما يعكس تحولاً ميزانياً تاريخياً يؤكد أن التفوق التكنولوجي العسكري للعدو يسقط أمام صلابة الإرادة الإستراتيجية.
خاتمة: العبرة بقوة الإرادة
إن قطار التطبيع المخزي الذي انخرطت فيه أنظمة عربية وازنة لا يعبر عن إرادة الشعوب، بل يعكس ارتهان هذه الأنظمة للخارج وخوفها من يقظة الجماهير. إن هذا الصراع التاريخي يثبت أن العبرة ليست بحجم الترسانات ولا بالتحالفات الورقية، بل بـقوة الإرادة، والعزم على المقاومة، والوعي القومي التقدمي. إن صمود المقاومة من فلسطين إلى اليمن، وتعرية الأنظمة المتواطئة والنظام السوري الجديد، يؤسس لفجر عربي جديد يتخلص من الهيمنة، ويعيد بوصلة الأمة نحو تحرير فلسطين بالكامل واستعادة السيادة القومية الضائعة.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قطاع الفوسفات في تونس بعد 2011: من ريادة الإنتاج إلى متاهات الأزمة الهيكلية ​بقلم: الناصر خشيني

  ​يعتبر قطاع الفوسفات في تونس أكثر من مجرد نشاط منجمي؛ إنه الشريان الحيوي للاقتصاد الوطني والعمود الفقري للتنمية في مناطق الحوض المنجمي. إلا أن هذا القطاع دخل منذ عام 2011 في نفق مظلم من الأزمات المتراكمة التي مست مفاصل الإنتاج والتسويق والإدارة، مما حوله من قاطرة للنمو إلى عبء تقني ومالي يتطلب وقفة تحليلية جادة لفهم مكامن الخلل وسبل الاستشراف المستقبلي. ​أولاً: أزمة الإنتاج.. بين المطلب الاجتماعي والتعطل التقني ​لقد تراجع حجم الإنتاج الوطني من الفوسفات الخام بشكل حاد، حيث انحدر من سقف 8 مليون طن في سنة 2010 إلى مستويات لا تتجاوز 4 مليون طن في أفضل الحالات خلال العقد الأخير. هذا التقهقر يعود بالأساس إلى: ​الاحتقان الاجتماعي: تحول الحوض المنجمي إلى ساحة للاحتجاجات المستمرة والاعتصامات المطالبة بالتنمية والتشغيل، وهو ما أدى إلى توقف متكرر لمحركات الإنتاج في المغاسل والمناجم. ​معضلة اللوجستيك والنقل: تعاني منظومة نقل الفوسفات عبر السكك الحديدية من تهالك شديد، مما دفع نحو الاعتماد على الشاحنات الخاصة، وهو حل مكلف أدى إلى تضخم تكاليف الإنتاج وضرب نجاعة العملية اللوجستية. ​تقادم المعدات...

​طبيعة الصراع العربي الصهيوني والطريق إلى تحرير فلسطين ​بقلم: الناصر خشيني

مداخلة أُلقيت في مخيم الشباب القومي العربي – نابل، تونس ​مقدمة ​يعود الأصل النظرى لهذا البحث إلى ثمانينيات القرن الماضي، وتحديداً خلال صيف عام 1982 المحموم، إبان الاجتياح الصهيوني للبنان بقيادة السفاح "أرييل شارون". وقد قُدِّم البحث حينها على مسرح الهواء الطلق بمدينة طبرقة التونسية. ومنذ ذلك الوقت، ورغم تسارع الأحداث الإقليمية وتطورها بشكل دراماتيكي، لم يتغير شيء من طبيعة الصراع العربي الصهيوني الجوهرية. وبناءً على مقتضيات التطورات الراهنة التي تعيشها المنطقة، أُعيدت صياغة هذه الرؤية وتعديلها لتواكب الواقع المعاصر. ​لا يزال الصراع في فلسطين بين الأمة العربية والصهاينة على أشده وبلا هوادة، وتسيل الدماء يومياً غزيرة من أبناء شعبنا في فلسطين الكسيرة، ولكن دون تفريط في الحق السليب بشكل نهائي. ورغم الاعتراف المتبادل بين بعض النظم العربية والصهاينة، ورغماً عن اتفاقيات السلام الموقعة، فإن ملايين المشردين الذين أُخرجوا من ديارهم بقوة السلاح لا يزالون يحلمون بالعودة إلى أرض الوطن، يراودهم الأمل يوماً ما طال الزمان أو قصر [1]. ​إن الصهاينة الذين اعتمدوا في احتلالهم للأرض على القوة الغا...

مهمة الرسول: الهداية والتبليغ لا الغزو والقتال بقلم: الناصر خشيني

     مقدمة أطنبت كتب الحديث والسيرة والتاريخ الإسلامي في الحديث عن "غزوات" مزعومة للرسول صلى الله عليه وسلم، في مخالفة صريحة لمنهج القرآن الكريم الذي لم يصف الرسول في أي موضع بأنه كان غازياً أو محارباً ابتداءً. فالقرآن اقتصر على ذكر بعض الوقائع المفصلية من سيرة الرسول، بعضها بالتفصيل وبعضها بالإجمال، دون أن يصطنع لها صفة "الغزو" التي ألصقتها بها كتب التراث. وتسعى هذه المقالة إلى استعراض هذه الوقائع كما وردت في النص القرآني نفسه، ثم بيان أن كل قتال خاضه الرسول لم يكن إلا رد فعل على عداء محورين بعينهما: قريش التي صادرت أموال المهاجرين وأخرجتهم من ديارهم، ويهود المدينة الذين خانوا عهد صحيفة المدينة، وأن مهمته الأصلية والمركزية كانت الدعوة بالرسالة والتبليغ بالحجة، كما يشهد على ذلك منهجه في مراسلة ملوك عصره. أولاً: منهج القرآن في تناول وقائع السيرة خلّد القرآن الكريم جملة من وقائع السيرة بالذكر، إما إجمالاً أو تفصيلاً، موزعة على عدد من السور: بدر: في سورتي آل عمران والأنفال (¹) أُحد: في سورة آل عمران، دون ذكر اسمها (²) صلح الحديبية: في سورة الفتح (³) الخندق: في سورة ال...