التخطي إلى المحتوى الرئيسي

قرأت لكم: كتاب "روح التحرر في القرآن" للشيخ عبد العزيز الثعالبي بقلم الناصر خشيني

 


 أولاً: مقدمة في ظروف التأليف (المخاض الفكري والسياسي)

أُلّف هذا الكتاب في فترة دقيقة جداً من تاريخ تونس الحديث، وتحديداً في أعقاب الأزمة والمحاكمة الشهيرة التي تعرض لها الشيخ عبد العزيز الثعالبي عند عودته من مصر. صدر الكتاب في باريس باللغة الفرنسية تحت عنوان "L'Esprit libéral du Coran".
جاء التأليف بجهد مشترك؛ حيث صاغ الثعالبي أفكاره باللغة العربية، وساعده في نقلها وصياغتها بالفرنسية المترجم الهادي السبعي والمحامي سيزار بن عطار لضمان وصول الرسالة إلى النخبة الفرنسية الحاكمة والجمهور الأوروبي. وكان الهدف الاستراتيجي من وراء كتابته بالفرنسية هو دحض الأطروحات الاستعمارية التي كانت تدّعي أن الإسلام دين جمود وتعصب لا يتلاءم مع العصر الحديث ومبادئ الحرية.
فور صدوره، أحدث الكتاب زلزالاً فكرياً؛ فبينما تلقفته النخب التنويرية بالإعجاب، جوبه بحملة شعواء ومحاكمات معنوية وسياسية من السلطات الاستعمارية ومن شيوخ القيروان وجامع الزيتونة المحافظين الذين رأوا في طروحات الثعالبي خروجاً عن السائد وتفكيكاً لمصالحهم التقليدية.
ثانياً: سياق المراجعة والترجمة إلى العربية
ظل الكتاب غائباً عن المكتبة العربية لعقود طويلة حتى قُيّض له المؤرخ والباحث التونسي حمادي الساحلي الذي نقله إلى العربية، وراجعه ووضع حواشيه الشيخ محمد المختار السلامي. ولاحقاً، تعززت المكتبة بترجمة حديثة وبقراءة مغايرة قدمها الدكتور زهير الذوادي بعنوان "الروح التحريرية في القرآن" ليعاد اكتشاف هذا الأثر الفكري الثمين.
ثالثاً: التلخيص الموسع والشامل للمضامين (وفق المقاربة التحليلية)
يتوزع الفضاء الفكري للكتاب على أطروحة مركزية مفادها: "إن جوهر الإسلام والقرآن هو الحرية، والجمود الحالي ليس من الدين بل من صنيع التاريخ ورجاله". ويمكن تفكيك مضامين الكتاب إلى المحاور التحليلية التالية:
1. تحرير العقيدة ومحاربة الإسلام الطُرُقي والبدع
انتقد الثعالبي بشدة تغلغل الفكر الخرافي، وهاجم بقوة شيوخ التصوف الطرقي، وعبادة الأضرحة والزوايا، والاعتقاد في كرامات الأولياء كأدوات لتخدير الشعوب. واعتبر أن القرآن جاء لتأسيس علاقة مباشرة بين العبد وربه تقوم على التوحيد الخالص، وأن تغييب العقل أدى إلى قبول الاستبداد والقبول بـ "القضاء والقدر" بمفهوم سلبي انهزامي تبريري.
2. مركزية العقل والاجتهاد الأقلي
تأثر الثعالبي بمدرسة "المنار" وروادها مثل الشيخ محمد عبده ومحمد رشيد رضا؛ لذا ركّز الكتاب على أن الشريعة الإسلامية مرنة وصالحة لكل زمان ومكان شريطة تفعيل آلية الاجتهاد المتجدد. ودعا إلى الملاءمة بين الأحكام الدينية ومقتضيات الحياة العصرية والمواطنة الحديثة.
3. تفكيك أوهام المذهبية والفرقة
يرى الثعالبي أن القرآن في أصله كتاب وحدة، وأن المذاهب والفرق الإسلامية (من سنة وشيعة وإباضية وغيرهم) هي نتاج صراعات سياسية تاريخية تحولت بمرور الوقت إلى عوائق عقائدية مزقت جسد الأمة وسهلت اختراقها من قِبل القوى الأجنبية.
4. المسألة الاجتماعية: تحرير المرأة والتعليم
في طرح متقدم جداً على عصره، دافع الثعالبي في كتابه عن حقوق المرأة، حيث:
  • رفض الفهم التقليدي للحجاب الذي يعني عزل المرأة وإقصاءها من الحياة العامة.
  • دعا بقوة إلى تعليم المرأة وإقرار المساواة بين الجنسين في الحقوق الإنسانية والاجتماعية.
  • اعتبر النهوض بالمرأة شرطاً أساسياً لنهوض المجتمع التونسي ومقاومة التخلف.
5. المزاوجة بين قيم الإسلام ومبادئ الثورة الفرنسية
حاول الثعالبي في تحليله إقامة جسر قيمي بين الفكر الإسلامي التنويري والمبادئ الإنسانية العالمية التي أطلقتها الثورة الفرنسية (الحرية، الإخاء، المساواة). وجادل بأن القرآن كان سبّاقاً لإقرار منظومة الحريات العامة والدفاع عن حقوق الإنسان قبل الفلاسفة الغربيين.
رابعاً: الاستنتاج والقيمة الفكرية (الخاتمة المنهجية)
يمثل كتاب "روح التحرر في القرآن" حجر الزاوية الذي انطلقت منه حركة التحديث الفكري في تونس. ولم يكن مجرد كتاب في التفسير، بل كان بياناً سياسياً وثقافياً أراد الثعالبي من خلاله إعادة بناء الوعي التونسي، والتأكيد على أن التمسك بالهوية الإسلامية لا يعني الانغلاق، بل هو المنطلق الأساسي للتحرر والانعتاق من ربقة الاستعمار والجهل والتبعية.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قطاع الفوسفات في تونس بعد 2011: من ريادة الإنتاج إلى متاهات الأزمة الهيكلية ​بقلم: الناصر خشيني

  ​يعتبر قطاع الفوسفات في تونس أكثر من مجرد نشاط منجمي؛ إنه الشريان الحيوي للاقتصاد الوطني والعمود الفقري للتنمية في مناطق الحوض المنجمي. إلا أن هذا القطاع دخل منذ عام 2011 في نفق مظلم من الأزمات المتراكمة التي مست مفاصل الإنتاج والتسويق والإدارة، مما حوله من قاطرة للنمو إلى عبء تقني ومالي يتطلب وقفة تحليلية جادة لفهم مكامن الخلل وسبل الاستشراف المستقبلي. ​أولاً: أزمة الإنتاج.. بين المطلب الاجتماعي والتعطل التقني ​لقد تراجع حجم الإنتاج الوطني من الفوسفات الخام بشكل حاد، حيث انحدر من سقف 8 مليون طن في سنة 2010 إلى مستويات لا تتجاوز 4 مليون طن في أفضل الحالات خلال العقد الأخير. هذا التقهقر يعود بالأساس إلى: ​الاحتقان الاجتماعي: تحول الحوض المنجمي إلى ساحة للاحتجاجات المستمرة والاعتصامات المطالبة بالتنمية والتشغيل، وهو ما أدى إلى توقف متكرر لمحركات الإنتاج في المغاسل والمناجم. ​معضلة اللوجستيك والنقل: تعاني منظومة نقل الفوسفات عبر السكك الحديدية من تهالك شديد، مما دفع نحو الاعتماد على الشاحنات الخاصة، وهو حل مكلف أدى إلى تضخم تكاليف الإنتاج وضرب نجاعة العملية اللوجستية. ​تقادم المعدات...

​طبيعة الصراع العربي الصهيوني والطريق إلى تحرير فلسطين ​بقلم: الناصر خشيني

مداخلة أُلقيت في مخيم الشباب القومي العربي – نابل، تونس ​مقدمة ​يعود الأصل النظرى لهذا البحث إلى ثمانينيات القرن الماضي، وتحديداً خلال صيف عام 1982 المحموم، إبان الاجتياح الصهيوني للبنان بقيادة السفاح "أرييل شارون". وقد قُدِّم البحث حينها على مسرح الهواء الطلق بمدينة طبرقة التونسية. ومنذ ذلك الوقت، ورغم تسارع الأحداث الإقليمية وتطورها بشكل دراماتيكي، لم يتغير شيء من طبيعة الصراع العربي الصهيوني الجوهرية. وبناءً على مقتضيات التطورات الراهنة التي تعيشها المنطقة، أُعيدت صياغة هذه الرؤية وتعديلها لتواكب الواقع المعاصر. ​لا يزال الصراع في فلسطين بين الأمة العربية والصهاينة على أشده وبلا هوادة، وتسيل الدماء يومياً غزيرة من أبناء شعبنا في فلسطين الكسيرة، ولكن دون تفريط في الحق السليب بشكل نهائي. ورغم الاعتراف المتبادل بين بعض النظم العربية والصهاينة، ورغماً عن اتفاقيات السلام الموقعة، فإن ملايين المشردين الذين أُخرجوا من ديارهم بقوة السلاح لا يزالون يحلمون بالعودة إلى أرض الوطن، يراودهم الأمل يوماً ما طال الزمان أو قصر [1]. ​إن الصهاينة الذين اعتمدوا في احتلالهم للأرض على القوة الغا...

مهمة الرسول: الهداية والتبليغ لا الغزو والقتال بقلم: الناصر خشيني

     مقدمة أطنبت كتب الحديث والسيرة والتاريخ الإسلامي في الحديث عن "غزوات" مزعومة للرسول صلى الله عليه وسلم، في مخالفة صريحة لمنهج القرآن الكريم الذي لم يصف الرسول في أي موضع بأنه كان غازياً أو محارباً ابتداءً. فالقرآن اقتصر على ذكر بعض الوقائع المفصلية من سيرة الرسول، بعضها بالتفصيل وبعضها بالإجمال، دون أن يصطنع لها صفة "الغزو" التي ألصقتها بها كتب التراث. وتسعى هذه المقالة إلى استعراض هذه الوقائع كما وردت في النص القرآني نفسه، ثم بيان أن كل قتال خاضه الرسول لم يكن إلا رد فعل على عداء محورين بعينهما: قريش التي صادرت أموال المهاجرين وأخرجتهم من ديارهم، ويهود المدينة الذين خانوا عهد صحيفة المدينة، وأن مهمته الأصلية والمركزية كانت الدعوة بالرسالة والتبليغ بالحجة، كما يشهد على ذلك منهجه في مراسلة ملوك عصره. أولاً: منهج القرآن في تناول وقائع السيرة خلّد القرآن الكريم جملة من وقائع السيرة بالذكر، إما إجمالاً أو تفصيلاً، موزعة على عدد من السور: بدر: في سورتي آل عمران والأنفال (¹) أُحد: في سورة آل عمران، دون ذكر اسمها (²) صلح الحديبية: في سورة الفتح (³) الخندق: في سورة ال...