التخطي إلى المحتوى الرئيسي

المشاركات

اغتيال وطن في شخص شهيد: محمد براهمي.. الصوت العروبي الشامخ وجريمة الاغتيال الممتدة ضد عائلته بقلم: الناصر خشيني

     تمر الأيام والسنوات وتتجدد الذكرى، لتضعنا اليوم في 23 يوليو (جويلية) 2026 على عتبة الذكرى الثالثة عشرة لاستشهاد أخي وصديقي الحاج محمد براهمي (1955 - 2013). لم تكن الرصاصات الأربع عشرة الغادرة التي استهدفته أمام بيته في ذلك اليوم القائظ من تموز (جويلية) 2013، مجرد عملية تصفية جسدية لسياسي معارض، بل كانت محاولة استراتيجية من قوى الردة والظلامية لإعدام مشروع فكري وسياسي متكامل؛ مشروع "الخط القومي التقدمي الذي رأى فيه صمام الأمان لتصحيح مسار الثورة التونسية وربطها بمدارها العروبي المقاوم. إن تفكيك هذا الاغتيال برؤية استقصائية معمقة يكشف أنه لم ينتهِ بإنهاء حياة الشهيد، بل إن الاغتيال ما زال متواصلاً وممتداً عبر استهداف ممنهج لعائلته ونضالات رفاقه سخريةً بالعدالة . . النشأة والمنشأ: سيدي بوزيد كخزان للوعي والالتزام الطبقي ولد محمد براهمي عام 1955 في عمق تونس المنسية، بمدينة "الحشّانة" التابعة لولاية سيدي بوزيد ، وهي الجغرافيا التي لم تكن يوماً مجرد نقطة على الخارطة، بل كانت مختبراً حياً لمعاناة التهميش والفقر التي فرضتها خيارات الدولة البورقيبية ومن بعدها النوفمبرية ...

جمال عبد الناصر: جدلية الوعي والممارسة في مسيرة قائد الأمة وباني نهضتها الحديثة بقلم: الناصر خشيني

نقف اليوم على أعتاب الذكرى الرابعة والسبعين لثورة الثالث والعشرين من يوليو (جويلية) 1952، وهي محطة لم تكن مجرد انقلاب عسكري تقليدي، بل كانت زلزالاً جيو-سياسياً أعاد تشكيل خارطة الشرق الأوسط والعالم الثالث. إن قراءة مسيرة القائد الخالد جمال عبد الناصر (1918 - 1970) من منظور قومي تقدمي تفرض علينا تفكيك هذه الظاهرة الاستثنائية، ليس كحدث عابر، بل كمنهج وفكر زاوج بين التحرر الوطني والعدالة الاجتماعية والوحدة القومية. 1. من حصار الفلوجة إلى القاهرة: ولادة الوعي الثوري لم تبدأ ثورة يوليو في ثكنات القوات المسلحة، بل ولدت من رحم المأساة القومية في فلسطين عام 1948. فخلال حصار الفلوجة الشهير، وتحت دوي المدافع، صاغ جمال عبد الناصر ورفاقه أولى لبنات وعيهم السياسي والطبقي. هناك، وسط الخيانة الرسمية ونقص الذخيرة الفاسدة، أطلق عبد الناصر مقولته الاستراتيجية التي غيرت مجرى التاريخ: "إن المعركة الحقيقية ليست هنا، بل هناك في القاهرة" [1]. كان هذا الإدراك يمثل قفزة فكرية تقدمية؛ فالتحرر من الصهيونية يمر حتماً عبر تصفية عروش الفساد وإسقاط النظم الرجعية العميلة للاستعمار داخل العواصم العربية. 2...

صرخة تنويرية في مهب التحولات: عندما تسبق السياسةُ الوعيَ الاجتماعي بقلم: الناصر خشيني

الأجيال العربية القادمة بحاجة إلى معرفة الحقيقة كما هي، دون تجميل أو تزييف. والتاريخ لا يرحم الذين صمتوا، كما أنه لا ينسى الذين خاضوا معارك التنوير عندما كان الفكر المتشدد والتيارات المؤدلجة في أوج سطوتها. منذ خمسة عشر عاماً خلت، أخذت على عاتقي —من واقع تخصصي في الشريعة الإسلامية وفهمي لمقاصدها الحقيقية— مهمة تفكيك وتخطئة الأفكار الوهابية المتشددة وخطاب تيارات الإسلام السياسي. أسستُ رفقة الدكتور رياض الصيداوي "صحيفة التقدمية" في سويسرا، وجعلناها منبراً لفضح الفتاوى التي اعتبرناها ضالة ومشوهة لجوهر الدين. انتقدنا بشدة النظرة الدونية للمرأة، وسيادة الرجل المطلقة عليها، والفتاوى الممعنة في الغرابة والتي وصلت إلى حد تحريم استخدام المرأة للإنترنت إلا بوجود مَحرم (كما نُسب للشيخ سعد الغامدي)، أو تحريم قيادة السيارة، وصولاً إلى فتاوى تحريم كرة القدم، والتصوير، والفنون التشكيلية. ولم يتوقف نقدنا عند الفتاوى الاجتماعية والاجتهادات الخاطئة، بل امتد ليفضح الانحراف الأخلاقي والسياسي في فتاوى النوازل والحروب. ولقد وقفتُ بقلمي شاهداً وناقداً ومندداً بتلك المحطة التاريخية الخطيرة عام 2013، ...

صالح بن يوسف :  معركة الهوية وثمن الإرادة القومية في تونس بقلم: الناصر خشيني

      لم يكن اغتيال القائد والرمز العربي التونسي صالح بن يوسف في أغسطس 1961، ومن بعده إعدام قادة انتفاضة ديسمبر 1962، مجرد تصفية جسدية لمعارضين سياسيين، بل كان محاولة مبكرة لـ"اغتيال المشروع القومي التقدمي" في شمال إفريقيا. لقد كان ذلك ضربة وجهتها قوى الارتهان بالغرب لقطع الجسور بين تونس وعمقها العربي النابض في القاهرة وبغداد ودمشق. إن قراءة هذه المحطة الدامية من تاريخنا تفرض علينا تفكيك طبيعة الصراع الوجودي بين تيار التحرر الشامل والتيار البورقيبي التفتيتي. أولاً: الجذور والوعي النضالي المبكر ولد صالح بن يوسف في جزيرة جربة الأبية عام 1907، وحمل في وجدانه إرث المعاناة لشعب يرزح تحت نير الاستعمار الفرنسي. نال شهادة الحقوق والعلوم السياسية من السوربون، لكنه لم يفتن بالنموذج الغربي الاستعلائي؛ بل سخر معرفته لخدمة شعبه، متدرجاً في صفوف الحركة الوطنية حتى أصبح الأمين العام للحزب الحر الدستوري الجديد [1]. لم يكن بن يوسف رجل قانون بيروقراطي، بل كان مناضلاً ميدانياً يدرك أن الحقوق لا تُستجدى في أروقة باريس، بل تُنتزع بنضال الجماهير وكفاحها المشترك. ثانياً: معركة الهوية.. مرسيليا ...

معادلات الاستكبار وكلفة الحماقة الأمريكية-السعودية بقلم الناصر خشيني

مدخل: كسر العظم وتبدّل الموازين تجتاز المنطقة اليوم لحظة فارقة يمكن وصفها بـ"كسر العظم"، حيث أعادت جبهات المقاومة رسم خطوط الاشتباك وموازين القوى، مستندة إلى روح قومية تقدمية تجاوزت العناوين المذهبية الضيقة التي طالما وظّفها الاستعمار لتفتيت الصف الواحد. فالمشهد الممتد من الضربات الإيرانية الدقيقة إلى الحصار البحري اليمني الشامل على النظام السعودي، ليس سلسلة أحداث متفرقة، بل بنية متكاملة تكشف أن محور المقاومة يملك اليوم اليد العليا: عسكرياً في الميدان، واقتصادياً عبر خنق مفاصل الإمبراطورية العالمية. والأهم من ذلك أن هذا التكامل بين الجبهات يحدث دون أن تذوب خصوصية كل جبهة في الأخرى. فإعلان اليمن حصار السعودية لم يكن تنفيذاً لإملاء خارجي، ولا مجرد "انتصار بالوكالة" لإيران كما تروّج الأبواق المضادة، بل هو نتيجة مباشرة وحتمية لسلسلة من الأخطاء الاستراتيجية السعودية، تُوّجت بقصف مطار صنعاء وتشديد الحصار الجوي والبري على الشعب اليمني. قراءة الحصار: من الدفاع إلى المبادرة هنا تكمن دقة القراءة التي يطرحها هذا التحليل: لقد نجح اليمن في تحويل الاعتداء عليه إلى فرصة استراتيجية...

خداع ترامب الجديد... وإيران التي لقّنت واشنطن درس الردع بقلم: الناصر خشيني

مدخل كل اتفاق وقّعته واشنطن مع طهران في العقود الأخيرة كان جسراً إلى خرق جديد، لا إلى سلام حقيقي. هذه ليست مصادفة، بل بنية متكررة في العقل الاستراتيجي الأمريكي الذي يرى في المفاوضات أداة لكسب الوقت، لا التزاماً بالكلمة. وها هي الإدارة الأمريكية، بعد أشهر من التلويح بالتفاوض، تُقدم على ما وصفه ترامب نفسه بأن إيران "ستدفع الثمن"، في تصعيد عسكري مباشر تجاوز كل الخطوط التي كانت تُرسم سابقاً كحدود للاشتباك غير المعلن. الرد الذي لم يكن ينتظره أحد بهذا الاتساع المعطيات الواردة من مصادر إيرانية ومقاومة تتحدث عن عملية متعددة الجبهات، طالت في وقت متزامن تقريباً قواعد ومنشآت أمريكية في سوريا والكويت والأردن والبحرين، إضافة إلى استهداف مواقع في قطر وعُمان والعراق بحسب تقارير دولية موثقة. وبحسب بيان الحرس الثوري، استُهدف 21 موقعاً أمريكياً، من بينها حظيرة لطائرات F-35 في قاعدة الأزرق الأردنية، إلى جانب ضربات صاروخية ومسيّرة طالت قاعدة "علي السالم" في الكويت والأسطول الخامس في البحرين. هذه ليست "مناوشة" بالمعنى العسكري التقليدي. إنها رسالة ردع مركّبة، صيغت لتقول لواشنطن...

​مالي ومحيطها العربي: من تقليم النفوذ الفرنسي إلى فخ التوترات الإقليمية ​بقلم: الناصر خشيني

​أولاً: تقليم النفوذ الاستعماري الفرنسي (التحول نحو السيادة الصلبة) ​شهدت جمهورية مالي في السنوات الأخيرة تحولاً جذرياً في عقيدتها السياسية والأمنية، تجسد في انتفاضة الإرادة الوطنية ضد أدوات الهيمنة الغربية. ووفقاً للتحليل القومي التقدمي، فإن ما شهدته باماكو لم يكن مجرد تغيير في السلطة، بل كان خطوة تاريخية لتقليم أظافر الاستعمار الفرنسي التقليدي والجديد (Françafrique) الذي نهب ثروات الساحل لعقود [1]. ​لقد نجحت الإرادة الحرة في مالي في طرد القوات الفرنسية الغازية وإنهاء الوجود العسكري الأجنبي، متحررةً من السردية النمطية التي جعلت من مالي حديقة خلفية لباريس. وفي محاولة لكسر الطوق والحصار الاقتصادي والأمني الذي فرضته القوى الإمبريالية عبر أدواتها الإقليمية مثل منظمة (إيكواس)، اتجهت مالي نحو صياغة تحالفات دولية بديلة وبناء "تحالف دول الساحل" (AES) مع بوركينا فاسو والنيجر، ككتلة جغرافية مناهضة للهيمنة تسعى لاستعادة السيادة الوطنية الصلبة على الأرض والثروات والمصير [2]. ​ثانياً: جذور التوتر الراهن مع الجزائر (صدام الأجندات وسقوط الاتفاقيات) ​رغم العمق التاريخي الذي يربط مالي بمحيطه...