التخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفكك المركزية الأوروبية: جدلية الحروب الإمبريالية والأزمة المعيشية والانسداد الهيكلي للنظام الرأسمالي بقلم: الناصر خشيني


   مدخل: مرآة الواقع الغربي المتداعي

حين نتأمل المشهد الراهن في القارة الأوروبية، وتحديداً في فرنسا، لا نقف أمام مجرد تظاهرات مطلبية عابرة أو احتكاكات أمنية تقليدية، بل نحن أمام أزمة بنيوية حادة تعصف بالنموذج الرأسمالي الغربي في طبعته النيوليبرالية المتوحشة. إن الشوارع الملتهبة في باريس وميلانو ومدريد وبرلين تعكس، بشكل قاطع، انسداد الآفاق السياسية والاجتماعية لهذه الأنظمة التي طالما سوّقت لنفسها كواحة "للمعايير الحقوقية"، بينما تكشف اليوم عن وجهها الحقيقي كأدوات قمعية تحمي مصالح رأس المال والمنظومة الأطلسية العابرة للقارات على حساب قوت الشعوب والطبقات الكادحة.
أولاً: جغرافيا التمرد العارم وعودة "السترات الصفراء" في فرنسا
انطلقت شرارة التمرد الأخير في فرنسا خلال منتصف سبتمبر من قاع المنظومة التربوية الكسيحة؛ حيث أعلن الطلاب والشباب انتفاضتهم رفضاً لتردي قطاع التعليم، واكتظاظ الفصول، والنقص الفادح في المعلمين والاضطرار للتعلم في ظروف مناخية قاسية. لكن هذا الحراك لم يلبث أن تلاحم بنيوياً مع نقابات العمال العريضة وقوى "السترات الصفراء"، ليتحول سريعاً من احتجاج قطاعي محدد إلى غضب شعبي شامل ضد غلاء المعيشة والتضخم وخطط التقشف الحكومية الجائرة.
شهدت المدن الفرنسية، مثل باريس ومارسيليا وليموج، صدامات عنيفة جابهتها السلطات بقمع بوليسي مفرط، مما أسفر عن توقيف نحو 2400 شخص وإصابة مئات العناصر الأمنيين والمتظاهرين، وسط تسجيل إصابات بالغة لليافعين. ولم يجد الرئيس إيمانويل ماكرون ونخبته الحاكمة بداً من إدانة أعمال العنف بوصفها "عاراً"، في محاولة مكشوفة لتغطية العجز السياسي البنيوي لعهده الذي يترنح على عتبة انتخابات رئيسية مقبلة العام القادم.
ثانياً: "عدوى" الغضب وتداعي البنى الفوقية في أوروبا
النموذج الأوروبي يعيش أزمة مشتركة مترابطة الحلقات، حيث جغرافيا الاحتجاج تشير إلى وحدة المعاناة وتطابق المسببات:
  1. في إيطاليا: انتفضت مدن مثل ميلانو وتورينو تحت شعار "لا لميلوني"، حيث يدرك الطلاب والنقابات أن تحويل موازنات الدولة نحو الإنفاق العسكري والتسليح قد تم على حساب الرعاية الصحية والتعليم.
  2. في إسبانيا والبرتغال: انفجرت أزمة السكن والإيجارات الخيالية التي تحرم جيل الشباب من تأمين سقف يأويهم، محولةً حق السكن إلى سلعة عقارية للمضاربات الجشعة.
  3. في بلجيكا وألمانيا وألبانيا: تتقاطع مطالب العمال والطلاب في رفض الاقتطاعات من المساعدات الاجتماعية ومحاولات عسكرة المجتمعات، معلنةً بوضوح رفض الجماهير دفع فاتورة السياسات الحربية لحلف الناتو على حساب أمنهم الاجتماعي اليومي.
ثالثاً: الجذور البنيوية للأزمة والمسؤولية الأمريكية المباشرة
إن سبر أغوار الأزمة الحالية يتطلب تفكيك الجذور الاقتصادية والسياسية الدولية التي أدت إلى هذا التدهور العام. وهنا يبرز الدور المحوري والهدام للسياسات الإمبريالية الأمريكية:
  • إشعال فتيل الحروب الإقليمية والعالمية: إن الحروب المشتعلة في العالم، والتي أضرمت الولايات المتحدة الأمريكية نيرانها بشكل مباشر في أوكرانيا والشرق الأوسط، تمثل السبب الرئيسي والداينامو المحرك لتدهور الأوضاع على كوكب الأرض. واشنطن وظفت هذه الصراعات لإعادة صياغة الخارطة الجيوسياسية وحماية هيمنتها الآخذة في التراجع، مستخدمة حلفاءها الأوروبيين كحطب لهذه المعارك الاقتصادية والعسكرية.
  • أزمة الطاقة والتضخم العابر للقارات: ترتب على هذه الحروب -تحديداً الصراع الأخير في الشرق الأوسط وحصار الممرات البحرية كـ مضيق هرمز- انقطاع حاد في إمدادات النفط والغاز المسال، مما دفع أسعار الطاقة إلى مستويات قياسية. هذا الارتفاع غذّى موجة تضخمية عاتية سحقت القدرة الشرائية للمواطن الأوروبي البسيط وحولتها إلى أزمة معيشية خانقة.
  • عسكرة الموازنات والتقشف الاجتماعي: بضغط مباشر من الإدارة الأمريكية وحلف الناتو، أُجبرت الحكومات الأوروبية على تبني خطط تسليح طموحة وضخ مليارات اليوروهات لدعم جبهات القتال، وبما أن الدين العام الفرنسي تجاوز بالفعل حاجز الـ 4 تريليونات دولار، اضطرت الحكومات كحكومة "سيباستيان لوكورنو" لفرض اقتطاعات حادة من ميزانيات التعليم، والصحة، والخدمات العامة لنقلها صوب الآلة العسكرية.
رابعاً: مآلات الصراع والامتدادات الجيوسياسية (السيناريوهات والموقف الدولي)
بناءً على جدلية الفكر والواقع، تضعنا المعطيات الراهنة أمام مآلات معقدة تتجاوز الحدود الأوروبية:
  1. تأثير الأزمة على فضاء المغرب العربي والشرق الأوسط: إن هذا التداعي الأوروبي يحمل تداعيات مباشرة على ضفة المتوسط الجنوبية؛ فالارتفاع القياسي لأسعار الحبوب والمواد الأساسية الناجم عن اختلال خطوط الإمداد يهدد الأمن الغذائي لدول تعتمد هيكلياً على الاستيراد مثل تونس والجزائر (التي تستورد نسباً ضخمة من احتياجاتها القمحية). هذا الترابط يثبت أن أزمة المركز الرأسمالي تصدر أزماتها فوراً إلى المحيط النامي، مما قد يفجر اضطرابات معيشية مماثلة هناك.
  2. استفادة القوى الدولية البديلة (روسيا والصين): تجد موسكو وبكين في هذا التفتت الداخلي للمنظومة الغربية فرصة تاريخية لتعزيز أطروحاتهما حول "العالم متعدد الأقطاب". فبينما تستفيد روسيا مالياً من عوائد ارتفاع أسعار النفط خارج المنظومة الغربية لتمويل دفاعاتها، تراقب الصين تآكل الممرات التجارية الغربية لتعزز من خطوطها البديلة، مظهرةً عجز واشنطن عن إدارة نظام مستقر ومستدام.
  3. الانسداد الداخلي وصعود اليمين الشعبوي: إن استمرار القمع الحكومي والإصرار على موازنات الجوع يمهدان الطريق لسيناريو "الخريف والشتاء المشتعلين" عبر إضرابات عمالية شاملة تشل مفاصل الاقتصاد. المستفيد الانتخابي المباشر من هذا الانفلات الأمني والاجتماعي سيكون تيار اليمين المتطرف بزعامة مارين لبان، التي تستعد لتوظيف هذا الغضب للانقضاض على قصر الإليزيه في انتخابات ربيع 2027 تحت لافتة إعادة النظام، مما ينذر بعصر شوفيني جديد للقارة.
خاتمة قاطعة:
إن ما يحدث اليوم في فرنسا وأوروبا ليس مجرد سحابة صيف عابرة؛ بل هو مؤشر صارخ على تآكل شرعية العقد الاجتماعي النيوليبرالي، ودليل على أن الحروب التي تضرمها الإمبريالية الأمريكية في أوكرانيا والشرق الأوسط قد ارتدت سريعاً على حلفائها في الغرب قبل غيرهم. فالواقع يتغير من فوهة الأزمات المعيشية، والمستقبل يبدو مفتوحاً على إعادة تشكيل النظام الدولي بأسره بفضل وعي الجماهير ودفاعها عن وجودها.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قطاع الفوسفات في تونس بعد 2011: من ريادة الإنتاج إلى متاهات الأزمة الهيكلية ​بقلم: الناصر خشيني

  ​يعتبر قطاع الفوسفات في تونس أكثر من مجرد نشاط منجمي؛ إنه الشريان الحيوي للاقتصاد الوطني والعمود الفقري للتنمية في مناطق الحوض المنجمي. إلا أن هذا القطاع دخل منذ عام 2011 في نفق مظلم من الأزمات المتراكمة التي مست مفاصل الإنتاج والتسويق والإدارة، مما حوله من قاطرة للنمو إلى عبء تقني ومالي يتطلب وقفة تحليلية جادة لفهم مكامن الخلل وسبل الاستشراف المستقبلي. ​أولاً: أزمة الإنتاج.. بين المطلب الاجتماعي والتعطل التقني ​لقد تراجع حجم الإنتاج الوطني من الفوسفات الخام بشكل حاد، حيث انحدر من سقف 8 مليون طن في سنة 2010 إلى مستويات لا تتجاوز 4 مليون طن في أفضل الحالات خلال العقد الأخير. هذا التقهقر يعود بالأساس إلى: ​الاحتقان الاجتماعي: تحول الحوض المنجمي إلى ساحة للاحتجاجات المستمرة والاعتصامات المطالبة بالتنمية والتشغيل، وهو ما أدى إلى توقف متكرر لمحركات الإنتاج في المغاسل والمناجم. ​معضلة اللوجستيك والنقل: تعاني منظومة نقل الفوسفات عبر السكك الحديدية من تهالك شديد، مما دفع نحو الاعتماد على الشاحنات الخاصة، وهو حل مكلف أدى إلى تضخم تكاليف الإنتاج وضرب نجاعة العملية اللوجستية. ​تقادم المعدات...

سقوط الأقنعة وخراب الهيكل: قراءة قومية تقدمية في شهادة ثروت الخرباوي على مطبخ الإخوان بقلم: الناصر خشيني

    مقدمة في التوقيت الإقليمي والدولي الراهن، ومواجهةً لمشاريع تفتيت الجغرافيا العربية وسلب إرادتها الوطنية، تبرز الحاجة المعرفية الملحة لتفكيك البنى السرية لجماعات الإسلام السياسي التي شكلت دائماً كابحاً أمام النهوض التاريخي للأمة. من هنا، يأتي هذا المقال المرسل بالتزامن الى "الحوار المتمدن" بمنبريته التقدمية التنويرية، و"رأي اليوم" بمنبرها القومي التحرري ولمواقع اخرى ليقدم قراءة سياسية وفكرية في عمق "المطبخ الداخلي" لحركة الإخوان المسلمين، مستنداً إلى شهادة القيادي السابق ثروت الخرباوي ، كأداة تعرية لأقنعة الزيف وبوابة لإعادة الاعتبار لمشروع الدولة الوطنية التقدمية. لم تكن معركة الفكر القومي التقدمي يوماً مجرد خصومة سياسية عابرة مع جماعات الإسلام السياسي، بل هي معركة وجودية بين مشروعين لا يلتقيان: مشروع الدولة الوطنية الساعي نحو التحرر، والسيادة، والتقدم، ومشروع أممي ظلامي يستهدف تفتيت الجغرافيا وتمزيق الهوية العربية لصالح ولاءات مشبوهة عابرة للحدود. وفي هذا السياق، تكتسب الشهادات القادمة من داخل "المطبخ الداخلي" لهذه الجماعات قيمة استثنائية، ل...

​طبيعة الصراع العربي الصهيوني والطريق إلى تحرير فلسطين ​بقلم: الناصر خشيني

مداخلة أُلقيت في مخيم الشباب القومي العربي – نابل، تونس ​مقدمة ​يعود الأصل النظرى لهذا البحث إلى ثمانينيات القرن الماضي، وتحديداً خلال صيف عام 1982 المحموم، إبان الاجتياح الصهيوني للبنان بقيادة السفاح "أرييل شارون". وقد قُدِّم البحث حينها على مسرح الهواء الطلق بمدينة طبرقة التونسية. ومنذ ذلك الوقت، ورغم تسارع الأحداث الإقليمية وتطورها بشكل دراماتيكي، لم يتغير شيء من طبيعة الصراع العربي الصهيوني الجوهرية. وبناءً على مقتضيات التطورات الراهنة التي تعيشها المنطقة، أُعيدت صياغة هذه الرؤية وتعديلها لتواكب الواقع المعاصر. ​لا يزال الصراع في فلسطين بين الأمة العربية والصهاينة على أشده وبلا هوادة، وتسيل الدماء يومياً غزيرة من أبناء شعبنا في فلسطين الكسيرة، ولكن دون تفريط في الحق السليب بشكل نهائي. ورغم الاعتراف المتبادل بين بعض النظم العربية والصهاينة، ورغماً عن اتفاقيات السلام الموقعة، فإن ملايين المشردين الذين أُخرجوا من ديارهم بقوة السلاح لا يزالون يحلمون بالعودة إلى أرض الوطن، يراودهم الأمل يوماً ما طال الزمان أو قصر [1]. ​إن الصهاينة الذين اعتمدوا في احتلالهم للأرض على القوة الغا...