قائمة المدونات الإلكترونية

الجمعة، 10 يوليو 2026

مسقط.. عاصمة البحار وحصن السيادة والاستقلالية في سلطنة عُمان بقلم الناصر خشيني



تاريخ المدينة
تتربع مدينة مسقط على ساحل بحر عُمان كواحدة من أقدم المدن المرفئية في شبه الجزيرة العربية والعالم، حيث حباها الله جغرافية فريدة تحيط بها الجبال الصخرية البركانية من ثلاث جهات والبحر من الجهة الرابعة. عاصرت مسقط الحضارات السومرية والفرعونية كمركز لتجارة النحاس واللبان، وفُتحت في العصور الإسلامية الأولى لتتحول إلى ثغر بحري عظيم. واجهت المدينة غزو البرتغاليين الشرس في القرن السادس عشر، لكن العُمانيين انتفضوا بقيادة اليعاربة وحرروا مسقط، منطلقين منها لتأسيس "الإمبراطورية العُمانية البحرية" التي امتدت نفوذها إلى سواحل إفريقيا الشرقية، منافسةً كبرى القوى العظمى.
أهم معالمها
تتزين مسقط بمعالم تجمع بين هيبة الدفاع وسحر العمارة الإسلامية الحديثة، وفي مقدمتها "قلعتا الجلالي والميراني" الشامختان على صخور الميناء منذ العهد البرتغالي والعُماني. ويبرز "جامع السلطان قابوس الأكبر" بمناراته الشاهقة وتحفته المعمارية كمركز حضاري وديني عظيم، إلى جانب "قصر العلم العامر" بجماله الهادئ، و"سوق مطرح" التراثي الذي يعد من أقدم الأسواق العربية الشاهدة على عبق التاريخ وتجارة الشرق القديم.
صمودها ودورها النضالي والتاريخي
لعبت مسقط دوراً تاريخياً ونضالياً محورياً في حماية هوية وسيادة منطقة عمان والخليج؛ فتاريخها مبني على رفض التبعية ومقاومة الأطماع الأجنبية، سواء في دحر البرتغاليين أو التصدي للحملات الفارسية والغربية المتلاحقة. وفي العصر الحديث، صاغت مسقط لنفسها عقيدة سياسية ودبلوماسية فريدة قامت على الاستقلالية التامة والسيادة الوطنية المطلقة، مبتعدة عن المحاور والصراعات الإقليمية الضيقة، لتتحول العاصمة الهادئة إلى واحة وملاذ آمن لحل النزاعات وقصداً لإطفاء الحروب في المنطقة، مؤكدةً دورها الحضاري التاريخي كعاصمة للسلام والأنفة العربية التي لا تبيع قرارها.
خاتمة
تبقى مسقط عاصمة البحار وعنواناً للشموخ العُماني والأصالة التي لا تغيرها أمواج الزمان؛ فحصونها الجبلية الواقفة في وجه البحر تروي للأجيال كيف حمت مسقط سيادة الخليج العربي وبحر عمان، لتظل مسقط دائماً قلعة العزة، ورمزاً للاستقلالية والكرامة الوطنية التي لا تقبل المساومة.

صعدة.. قلعة الجبال وحصن الثقل السياسي والعسكري لشمال اليمن بقلم الناصر خشيني



تاريخ المدينة
تقع مدينة صعدة في أقصى الشمال اليمني، وهي حاضرة تاريخية موغلة في القدم أسسها كنعانيون وقبائل يمنية أصيلة، وعُرفت تاريخياً بكونها مركزاً علمياً ودينياً كبيراً ومحطة رئيسية على طريق القوافل القديم بين اليمن والحجاز. تحصنت المدينة عبر العصور بسورها الطيني العظيم وجبالها الشاهقة التي منحتها حصانة طبيعية في وجه الحملات الخارجية. وتمثل صعدة معقلاً تاريخياً لقبائل خولان وهمدان، وموطناً للعديد من الأئمة والحركات التي صاغت الجغرافيا السياسية والعسكرية لليمن عبر التاريخ الإسلامي والحديث.
أهم معالمها
يتربع "سور صعدة التاريخي" المصنوع من الطين والتبن كأبرز الشواهد المعمارية والدفاعية الفريدة التي أحاطت بالمدينة القديمة لقرون. وتضم المدينة "جامع الهادي" الأثري الذي أسسه الإمام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين في القرن الثالث الهجري، ويمثل مركز الإشعاع الفكري والديني للمنطقة، بالإضافة إلى "قلعة السنارة" الشامخة فوق قمة الجبل، والأسواق التراثية القديمة التي تحكي قصة أصالة الإنسان اليمني وتجذره في صخور الشمال.
صمودها ودورها النضالي والتاريخي
سجلت صعدة في التاريخ الحديث والقرن الحالي مكانة استثنائية كمركز الثقل الرئيسي لحركة "أنصار الله" (الحوثيين). خاضت المدينة حروباً شرسة ضد السلطة المركزية والقوى الإقليمية، وتجلت ذروة بأسها العسكري في حرب عام 2009 (الحرب السادسة)؛ فحين امتدت المعارك إلى الحدود، تمكن مقاتلو الحركة من اجتياح والسيطرة على مواقع برية وعرة داخل الأراضي السعودية، وأسر عدد من الجنود والضباط في ملاحم قتالية جبلية قاسية أذهلت المراقبين العسكريين. ومنذ ذلك الحين، ورغم تعرضها لأعنف الغارات الجوية والحصار الخانق في السنوات اللاحقة، بقيت صعدة القلعة الحصينة والغرفة العملياتية التي انطلقت منها معادلات الردع العسكري في مواجهة التحالفات الدولية والغطرسة الصهيو-أمريكية في المنطقة.
خاتمة
إن صعدة تظل النموذج الحي لقلعة الجبال التي لا تُقهر وموطن البأس اليماني الشديد؛ فصخورها الشامخة وجدران مساجدها التاريخية تعلن للعالم أن إرادة القتال المنبثقة من عقيدة الأرض لا تكسرها أحدث الطائرات، وأن صعدة ستبقى رقماً صعباً وحصناً منيعاً في جغرافيا المقاومة والتحدي

الشارقة.. حصن العروبة ومنارة الفكر والثقافة في الخليج العربي بقلم الناصر خشيني



تاريخ المدينة
تربض مدينة الشارقة على ساحل الخليج العربي كواحدة من أعرق الحواضر التراثية في شبه الجزيرة العربية، حيث تمتلك تاريخاً تجارياً وبحرياً حافلاً يمتد لقرون. قادت الشارقة، تحت حكم قبيلة القواسم الأبية، ملاحم بطولية تاريخية ضد الاستعمار البرتغالي والبريطاني في المنطقة، وحولت أساطيلها البحرية القاسميّة الخليج إلى بحيرة عصية على التدجين الاستعماري. ومع قيام دولة الإمارات العربية المتحدة، حافظت الشارقة على خصوصيتها وهويتها الأصيلة، لتصنع لنفسها خطاً حضارياً فريداً يستمد روحه من قيم العروبة والإسلام والتاريخ المشترك للأمة.
أهم معالمها
تتميز الشارقة بمعالمها الفكرية والعمرانية المصبوغة بالهوية الإسلامية، وفي مقدمتها "المدينة الجامعية بالشارقة" التي تعد صرحاً أكاديمياً فريداً في المنطقة. وتضم المدينة "سوق العرصة" التراثي وهو أقدم أسواق الخليج، و"حصن الشارقة" الشاهد على المعارك القديمة، بالإضافة إلى "جامع النور" بعمارته العثمانية البديعة، والصروح المخصصة لـ "أيام الشارقة الثقافية" ومهرجان الكتاب الدولي الذي غدا محجاً للمفكرين والأدباء العرب.
صمودها ودورها النضالي والتاريخي
يتجلى الدور النضالي والفكري للشارقة في عقيدتها العروبية الراسخة التي يقودها حاكمها الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي؛ حيث تبنت المدينة سياسات ثقافية وتوعوية فريدة تنحاز بشكل مطلق للقضايا العربية الكبرى، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية ودعم صمود شعوب الأمة في وجه محاولات الطمس والتغريب. هذا التميز الثقافي والفكري جعل الشارقة تبدو في الوجدان العربي كقلعة مستقلة للعروبة، ترفض الانصياع لثقافة العولمة الاستهلاكية، متمسكة بلغة الضاد وسياج الأخلاق، ومسخرةً إمكاناتها لتكون عمقاً فكرياً وثقافياً نابضاً للأمة العربية من المحيط إلى الخليج.
خاتمة
تبقى الشارقة منارة الثقافة وعين العروبة الشامخة في الخليج؛ فعمرانها الإسلامي الملتزم وصوتها المنحاز لقضايا الأمة يثبتان للأجيال أن النهضة الحقيقية هي التي تتشبث بالجذور، وأن الشارقة ستبقى دائماً عاصمة للفكر وعنواناً للأصالة العربية التي لا تنحني

​سلسلة أعلام الأمة  ​عمر المختار: ملهم الأمة وإستراتيجية انتصار الدم على السيف ​إعداد الباحث  الناصر خشيني

 


 ​يجسد الشيخ عمر المختار محطة فارقة في الوجدان العربي والإسلامي؛ فهو ليس مجرد قائد لثورة شعبية ضد استعمار فاشي، بل هو رمز حي لتحول المقاومة من حيز الإمكانات العسكرية المحدودة إلى آفاق الصمود الإستراتيجي والعقدي الممتد. على مدى شج عاماً، استطاع المختار بمجموعات صغيرة من المذجاهدين إنهاك جيش نظامي مدجج بأحدث أسلحة العصر، صانعاً فلسفة نضالية ألهمت الأجيال، وأثبتت أن قوة الحق الكامنة في دماء الشهداء قادرة على كسر صلف السيف الاستعماري ومحو أثره.

​1. النشأة والتكوين: بين بادية البطنان والزوايا السنوسية
​الميلاد والبيئة القبَلية
​ولد عمر بن مختار بن عمر المنفي الغيثي في أبريل عام 1858 في منطقة البطنان بالجبل الأخضر في برقة بليبيا [1]. نشأ في بيئة بدوية خالصة تميزت بالصلابة والشهامة والارتباط الوثيق بالأرض، ونشأ يتيماً بعد وفاة والده في رحلة الحج، فتكفل برعايته الشيخ حسين الغرياني شيخ زاوية جنزور السنوسية، مما أتاح له تنشئة تربوية وعشائرية صارمة صقلت مهاراته القيادية منذ الصغر [2].
​التكوين المعرفي والعسكري في الحركة السنوسية
​التحق عمر المختار بالمعهد الجغبوبي التابع للحركة السنوسية، حيث قضى ثمانية أعوام في دراسة العلوم الشرعية، من فقه وتفسير وحديث، إلى جانب إتقان اللغة العربية والخطابة [3]. ولم يقتصر تكوينه على الجانب المعرفي؛ إذ كانت الزوايا السنوسية بمثابة قلاع تربوية وعسكرية تُعنى بتدريب الطلاب على الفروسية وحمل السلاح وإستراتيجيات الصحراء. تميز المختار بذكاء لافت وحكمة بالغة، مما جعل السيد محمد المهدي السنوسي يقربه ويسند إليه مشيخة "زاوية القصور" في الجبل الأخضر، نظراً لقدرته العالية على فض النزاعات القبلية وإدارة الأزمات [4].
​2. الفلسفة الفكرية والدوافع النضالية: جهاد الدفع والسيادة الوطنية
​منطلق الجهاد العقدي
​تأسست الفلسفة النضالية للشيخ عمر المختار على مفهوم "جهاد الدفع" باعتباره فرض عين لرد العدوان الأجنبي وحماية بيضة الإسلام والوطن [5]. لم ينظر المختار إلى المقاومة من منظور حسابات المكسب والخسارة المادية القريبة، بل كانت دوافعه نابعة من مبدأ شرعي راسخ ينص على أن السيادة على الأرض هي حق دائم للأمة لا يمكن التنازل عنه أو مساومته، وكان يردد دائماً أن "المستعمر لا يملك حق البقاء، ونحن لا نملك حق الاستسلام" [6].
​رفض المساومات السياسية
​تجلت هذه الفلسفة بقوة عند بدء الاحتلال الإيطالي لليبيا عام 1911؛ فحين تراجعت القوات العثمانية الرسمية بموجب معاهدة أوشي لوزان، رفض المختار والقبائل الليبية الالتزام بالاتفاقية، واعتبروا أن الدفاع عن الأرض مسؤولية ذاتية [7]. وعلى مدار عقدين، عرضت السلطات الإيطالية على المختار إغراءات مالية ومناصب سياسية رفيعة والإقامة في قصور فاخرة مقابل إلقاء السلاح، إلا أنه رفضها جميعاً متمسكاً بالسيادة الكاملة للأمة، ومؤكداً أن المفاوضات لا تكون إلا على جلاء المحتل [8].
​3. الإنجازات الميدانية والمحطات الإستراتيجية
​إستراتيجية حرب العصابات في الجبل الأخضر
​تعد القيادة العسكرية لعمر المختار نموذجاً يُدرس في تاريخ الحروب غير النظامية؛ إذ استغل الطبيعة الجغرافية الوعرة للجبل الأخضر وطبق إستراتيجية "الكر والفر" الصارمة [9]. قسّم المجاهدين إلى مجموعات صغيرة متحركة (أدوار)، تميزت بالمرونة والسرعة والقدرة على نصب الكمائن لخطوط إمداد الجيش الإيطالي. حقق المختار انتصارات باهرة في معارك كبرى كبدت الاحتلال خسائر فادحة في الأرواح والعتاد، من أبرزها:
​معركة السلاوي [10].
​معركة أم شخنب [11].
​معركة بئر الغبي [12].
​مواجهة الجنرال غراتسياني والشهادة (1931)
​أمام العجز العسكري الإيطالي، عينت روما الجنرال "رودولفو غراتسياني" الذي اتبع سياسة الأرض المحروقة؛ فقام بإنشاء الأسلاك الشائكة على الحدود المصرية لقطع الإمدادات، وهجّر أكثر من مائة ألف مدني من القبائل إلى معسكرات الاعتقال الجماعية لعزل المجاهدين [13]. ورغم الحصار الخانق والـمرض وكبر سنه (73 عاماً)، واصل المختار القتال حتى وقع في الأسر بعد مقتل جواده في معركة قرب زاوية الغوط في سبتمبر 1931 [14]. قُدم لمحاكمة صورية عسكرية قضت بإعدامه شنقاً، فواجه حبل المشنقة بثبات تاريخي مردداً الآية الكريمة: «يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً»، في 16 سبتمبر 1931 أمام آلاف الليبيين [15].
​4. التحليل الأكاديمي لمسيرته وأثرها الحضاري
​نموذج انتصار الدم على السيف
​يجمع المؤرخون والباحثون على أن إعدام عمر المختار لم يكن نهاية للمقاومة، بل كان الوقود الذي أحرق الوجود الإيطالي في ليبيا؛ حيث تحولت دماؤه إلى رمزية ملهمة أزالت الرهبة من نفوس الجماهير وحققت مفهوم "انتصار الدم على السيف" [16]. فقد أثبتت التجربة التاريخية أن القوة المادية الغاشمة للمحتل عاجزة عن طمس وعي أمة حية، وأن استشهاده عمّق شرعية الرفض الشعبي للاستعمار وعجّل بجلاء الطليان ونيل ليبيا استقلالها لاحقاً [17].
​الأثر الفكري في الوعي العربي
​تجاوز أثر عمر المختار الحدود الجغرافية لليبيا ليصبح أيقونة عالمية وعربية للتحرر الوطني؛ حيث تغنى بجهاده كبار شعراء الأمة كأحمد شوقي في قصيدته الشهيرة "رثاء عمر المختار"، وغدا اسمه محركاً أساسياً للثورات العربية ضد الاستعمار الإنجليزي والفرنسي في منتصف القرن العشرين، مؤكداً عمق الرابط القومي والحضاري الذي يجمع أبناء الأمة العربية في خندق الدفاع عن هويتها وحريتها [18].
​الهوامش والمراجع:
​علي محمد الصلابي، الشيخ جليل عمر المختار: نشأته، وجهاده، واستشهاده، القاهرة: دار التوزيع والنشر الإسلامية، ص 22.
​المرجع نفسه، ص 26.
​أحمد محمود، الحركة السنوسية: نشأتها وتطورها في المجتمع الليبي، بنغازي: دار الكتب الوطنية، ص 84.
​علي محمد الصلابي، عمر المختار، مرجع سابق، ص 41.
​محمد أسد، الطريق إلى مكة، ترجمة: رفعت السيد، القاهرة: دار الشروق، ص 190. (تضمن شهادة حية عن لقاءات المجاهدين).
​المرجع نفسه، ص 195.
​طاهر الزاوي، جهاد الأبطال في طرابلس الغرب، طرابلس: دار الفتح، ط 2، ص 134.
​المرجع نفسه، ص 142.
​رودولفو غراتسياني، برقة المهدأة، ترجمة: محمد بشير، بنغازي: دار ومكتبة الفضيل، ص 75. (شهادة قائد الجيش الإيطالي ضد المختار).
​طاهر الزاوي، جهاد الأبطال، مرجع سابق، ص 201.
​علي محمد الصلابي، عمر المختار، مرجع سابق، ص 115.
​رودولفو غراتسياني، برقة المهدأة، مرجع سابق، ص 92.
​المرجع نفسه، ص 150.
​طاهر الزاوي، جهاد الأبطال، مرجع سابق، ص 310.
​علي محمد الصلابي، عمر المختار، مرجع سابق، ص 245.
​محمد أسد، الطريق إلى مكة، مرجع سابق، ص 212.
​أحمد محمود، الحركة السنوسية، مرجع سابق، ص 167.
​ديوان أحمد شوقي، الشوقيات، القاهرة: دار الشروق، ج 2، ص 88.

 

خارطة الطريق اليمنية: ورقة توقّفت عند حدود النوايا بقلم الناصر خشيني



مدخل: سلامٌ يُكتب على الورق ولا يُصرف في الواقع

ثمة مفارقة تكاد تلخّص عبثية السياسة في هذا الشرق المنهك: حربٌ استمرت قرابة عقد كامل، أنهكت شعباً بأكمله، ثم يُعلن فجأة أن ثمة "خارطة طريق" ترسم مساراً واضحاً للخروج منها — وقف نار، رفع حصار، صرف مرتبات، توحيد بنك مركزي، خروج قوات أجنبية، حوار وطني، إعمار — كل هذا موثّق ومرتّب على مراحل زمنية دقيقة: ستة أشهر، ثم ستة أشهر أخرى، ثم سنتان للحل الشامل. وفجأة أيضاً، يتبخر كل هذا الترتيب الأنيق في دهاليز المماطلة والتسويف، وتبقى الورقة حبراً على ورق بينما يستمر اليمنيون في العيش بلا رواتب، وبلا مطارات مفتوحة بالكامل، وبلا أفق سياسي.

بين النية المعلنة والفعل المؤجَّل

الخارطة التي بلورتها الوساطة العُمانية عام 2023، وتبنّتها لاحقاً جهود أممية بقيادة المبعوث الخاص هانس غروندبرغ، لم تكن يوماً وثيقة نظرية. لقد ترجمت زيارات متبادلة، ومشاورات في مسقط والرياض، بل وتصريحات رسمية سعودية وصفت الخارطة بأنها "جاهزة". غير أن الجاهزية على الورق شيء، والالتزام بالتنفيذ على الأرض شيء آخر تماماً. فبعد ثلاث سنوات كاملة من الإعلان عن هذه الخارطة، ما تزال بنودها الأكثر حساسية — توحيد الإيرادات، خروج القوى الأجنبية، الحوار السياسي الشامل — معلّقة في انتظار "الظرف المناسب" الذي لا يأتي أبداً.

من يعطّل، ومن يستفيد من التعطيل؟

الإنصاف يقتضي الاعتراف بأن الرواية هنا ليست أحادية كما تروّج بعض الأدبيات: فالحكومة اليمنية المعترف بها دولياً حمّلت في أكثر من مناسبة صنعاء مسؤولية التصعيد وعدم الاستفادة من فرصة الخارطة، بينما ترى أطراف أخرى أن الرياض هي من تسحب قدميها كلما اقترب موعد استحقاق جوهري، مفضّلة "تعليق الحرب" على إنهائها فعلياً، لأن استمرار حالة اللا-حرب واللا-سلم يحفظ لها هامش مناورة إقليمية لا تريد التفريط فيه. المبعوث الأممي نفسه وصف المسار، بعد عامين من الحديث عنه، بأنه "معطّل بالكامل"، في غياب — كما قال — شريك تفاوضي حقيقي وملموس.

وبين هذا وذاك، يبقى الثابت الوحيد هو أن اليمني العادي هو من يدفع الفاتورة: موظف بلا راتب، ومريض بلا دواء يصل عبر ميناء مقيَّد، ومسافر يخضع لتفتيش وتأخير في مطار لم تُرفع عنه القيود بالكامل رغم مرور سنوات على "الاتفاق" المزعوم.

خاتمة: السلام حين يتحول إلى أداة مماطلة

لا يمكن الحديث عن خارطة طريق حقيقية للسلام حين تتحول بنودها إلى ورقة ضغط تتقاذفها الأطراف كل بحسب مصلحته الآنية. فإما أن يُترجم التوقيع إلى التزام، بجدول زمني ملزم ورقابة دولية فعلية، أو يُعترف صراحة بأن ما جرى لم يكن أكثر من هدنة تكتيكية أُريد لها أن تبدو سلاماً. والفارق بين الاثنين ليس تفصيلاً لغوياً، بل هو الفارق بين شعب يستعيد كرامته ووطنه، وشعب يُترك ينتظر إلى أجل غير مسمى.

تركيا والأمن القومي العربي: أطماع التمدد، التعطيش الممنهج، والتخادم مع مشاريع التفتيت بقلم: الناصر خشيني

 


    ​في إطار قراءتنا القومية التقدمية للصراع المحتدم حول الأمة العربية، ندرك أن جبهات الاستهداف لا تأتي فقط من العدو الصهيوني المباشر، بل تتقاطع مع أدوار إقليمية لجوار جغرافي طالما وظّف شعارات مخادعة لإخفاء نزعاته التوسعية وإرثه الاستعماري. وتبرز تركيا اليوم كأحد أبرز هذه الأطراف الإقليمية التي مارست، وما تزال، أدواراً عدوانية ألحقت أبلغ الأضرار بالأمن القومي العربي، متمثلة في انتهاك السيادة، ورعاية الإرهاب التفتيتي، والتعطيش الممنهج لبلاد الرافدين والشام، فضلاً عن ارتماء نظامها في أحضان علاقات استراتيجية متطورة مع الكيان الصهيوني على حساب دماء شعبنا العربي في فلسطين.

​أولاً: لواء الإسكندرونة والتوغلات في العراق.. عقيدة قضم الأرض وانتهاك السيادة
​إن السلوك التركي تجاه الجغرافيا العربية يستند إلى عقلية توسعية تاريخية لم تتخلَّ يوماً عن أطماعها. ويتجلى ذلك تاريخياً في استمرار احتلال لواء الإسكندرونة السوري منذ عقود، في صفقة استعمارية جرت بتواطؤ مع القوى الغربية لسلخ جزء أصيل من الجسد العربي [1].
​ولم تقف هذه النزعة عند حدود التاريخ؛ بل تتجسد دورياً في الانتهاكات الصارخة والتوغلات العسكرية المتكررة شمال العراق. فتحت ذريعة ملاحقة الانفصاليين الأكراد (حزب العمال الكردستاني)، تستبيح القوات التركية السيادة العراقية، مخلّفة دماراً هائلاً في القرى والبنى التحتية، وقاتلة للمواطنين العراقيين الأبرياء، في تجسيد لسياسة فرض الأمر الواقع العسكري والاستخفاف بالدول الوطنية العربية [2].
​ثانياً: تدمير سوريا ورعاية الإرهاب.. طعن ركائز المقاومة لصالح التفتيت
​لقد مثلت الحرب على سوريا خلال العقدين الماضيين الذروة في السلوك التركي المعادي للأمن القومي. فتحت إدارة نظام العدالة والتنمية، تحولت تركيا إلى الممر الرئيسي والخزان اللوجستي لضخ عشرات الآلاف من الإرهابيين والتكفيريين نحو الأراضي السورية [3]. وشمل هذا الدور تقديم الدعم العسكري، والتدريب، والتسليح، والغطاء الاستخباراتي، وصولاً إلى التدخل العسكري المباشر واحتلال أجزاء واسعة من الشمال السوري.
​إن الهدف الاستراتيجي من هذا التدخل لم يكن سوى تدمير الدولة الوطنية السورية وإسقاط نظامها، الذي لطالما شكّل ركيزة أساسية من ركائز محور المقاومة وجدار الصد العربي في وجه الأطماع الإمبريالية والصهيونية. وبفعل هذا العدوان، جرى تدمير القدرات العسكرية والصناعية والعلمية لسوريا وتحت نظر القوات التركية المحتلة، مما أدى في المحصلة الجيوسياسية الراهنة إلى استنزاف سوريا وتقديم جنوبها وفضائها لقمة سائغة للاعتداءات الصهيونية المتواصلة [4].
​ثالثاً: سلاح "الإرهاب المائي".. مشروع "GAP" وتجفيف نهري دجلة والفرات
​لا يقتصر العدوان التركي على السلاح والبارود، بل يمتد إلى توظيف الطبيعة كأداة للحروب الوجودية وخنق الشعوب العربية. لقد عمدت أنقرة عبر عقود إلى تنفيذ مشروع جنوب شرق الأناضول (GAP)، وقامت بإنشاء أكثر من عشرين سداً (وفي مقدمتها سد أتاتورك وسد إيليصو) على مجريي نهري دجلة والفرات [5].
​هذا الحجز الممنهج للمياه وحرمان دول المصب التاريخية (سوريا والعراق) من حصصها العادلة والمكتسبة، يمثل جريمة تعطيش ممنهجة تسببت في جفاف مساحات زراعية شاسعة، وتدمير البيئة الحيوية، وتصحر الرافدين. إن تحويل المياه إلى ورقة ابتزاز سياسي يعكس رغبة تركية في إخضاع الإرادة السياسية العربية عبر التهديد بالتعطيش والجوع.
​رابعاً: العلاقات مع الكيان الصهيوني وخيانة قضية غزة
​رغم الخطابات الرنانة والشعارات العاطفية التي يدغدغ بها النظام التركي مشاعر الشارع الإسلامي والعربي، إلا أن التفكيك التقدمي للمواقف يكشف زيف هذه الادعاءات. ترتبط تركيا بعلاقات بنيوية ومتطورة مع الكيان الصهيوني، تشمل اتفاقيات تجارية وعسكرية واستخباراتية ضخمة لم تنقطع خلف الكواليس حتى في أوج الأزمات [6].
​ويتضح هذا التناقض الصارخ في العجز الميداني والسياسي التركي عن إنقاذ أهلنا في قطاع غزة من حرب الإبادة والبطش الصهيوني؛ حيث اكتفت أنقرة ببيانات الإدانة وظلت عاجزة ــ أو غير راغبة ــ في اتخاذ مواقف استراتيجية حاسمة تقطع شريان العلاقات مع العدو أو تفرض ضغطاً حقيقياً يوقف المجازر، مما يؤكد أن المصالح والتحالفات الإقليمية لتركيا تتقدم دائماً على نصرة القضايا العادلة للأمة العربية.
​خلاصة وموقف قومي:
​إن استقراء الحالة التركية يضعنا أمام حقيقة لا لبس فيها: إن أي مشروع إقليمي يقوم على قضم الأرض العربية، أو تدمير دولها الوطنية، أو حبس مياهها، هو مشروع معادٍ للأمن القومي بالضرورة. إن الفكر القومي التقدمي يملي علينا كشف هذه السياسات وتعرية خطاباتها المخادعة، والتأكيد على ضرورة بناء كتلة عربية متماسكة وقوية قادرة على حماية سيادتها ومواردها، والدفاع عن فضاءاتها الجغرافية والتاريخية ضد أطماع الجوار ومخططات التفتيت الإمبريالية والصهيونية.
​المراجع والمصادر:
​[1] لواء الإسكندرونة: دراسات في اقتطاع الأراضي السورية والتوازنات الدولية الاستعمارية، مركز دراسات الوحدة العربية.
[2] تقارير وزارة الخارجية العراقية حول انتهاكات السيادة والعمليات العسكرية التركية في شمال العراق (دهوك وأربيل).
[3] تقارير مراكز الدراسات الاستراتيجية الدولية حول "طرق تدفق المقاتلين الأجانب عبر الحدود التركية إلى سوريا".
[4] المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات: تحولات المشهد السوري وتأثير التدخلات الإقليمية على القدرات الدفاعية والصناعية للدولة.
[5] مشروع جنوب شرق الأناضول (GAP) وأثره على الأمن المائي والبيئي في سوريا والعراق، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم.
[6] العلاقات التركية الإسرائيلية: دراسة في الجيوسياسية والتجارة البينية والتحالفات الأمنية، معهد الدراسات الإقليمية.

 

الخميس، 9 يوليو 2026

الدكتور محمد عمارة: هندسة التوازن بين العروبة والإسلام ​إعداد الباحث الناصر خشيني

 


​شكل الدكتور محمد عمارة (1931-2020) علامة فارقة في مسيرة الفكر الإسلامي الحديث؛ إذ لم يكن مجرد ناقل للتراث أو مدافع تقليدي عن الهوية، بل كان مهندساً فكرياً استطاع الموازنة العميقة بين الهوية العروبية والرسالة الإسلامية. تميزت مسيرته بالعبور من محطات فكرية متعددة في شبابه، وصولاً إلى مرحلة النضج التي غدا فيها واحداً من أبرز دعاة "الإسلام المستقل" الذي يجمع بعبقرية بين أصالة الجذور وتجديد الآليات، مواجهاً الغزو الفكري ومفككاً للتيارات الدخيلة بوعي أكاديمي صلب.  

​1. النشأة والتكوين الأكاديمي

​الجذور والبيئة الأولى

​ولد الدكتور محمد عمارة في عام 1931 في محافظة كفر الشيخ بجمهورية مصر العربية. وفي أروقة الريف المصري، بدأت رحلته التعليمية الأولى حيث تلقى تعليمه في معاهد الأزهر الشريف، والتي غرست في وجدانه البناء اللغوي والمعرفي الأساسي، ومنحته صلة مباشرة بأصول الدين وفقه الشريعة.  

​التحصيل الأكاديمي العالي

​انتقل بعد ذلك إلى العاصمة ليتعمق في دراسة العلوم العربية والإسلامية على نطاق أكاديمي أوسع؛ فالتحق بكلية دار العلوم التابعة لجامعة القاهرة، وهي المنارة التي تخرج منها كبار مفكري الأمة. تميز في دراسته ونال منها درجتي الماجستير والدكتوراه في التخصصات الإسلامية والعربية، مما صقل أدواته البحثية ومهد له الطريق ليكون باحثاً ومحققاً من الطراز الأول.  

​2. الفلسفة الفكرية: التوازن بين العروبة والإسلام

​رائد "الإسلام المستقل"

​مر الدكتور عمارة في شبابه بمحطات فكرية وتحولات متعددة، جعلته أكثر حيوية في فهم الأيديولوجيات المعاصرة ونقدها من الداخل. وفي مرحلة نضجه الفكري، تبلورت فلسفته حول ما يُعرف بـ "الإسلام المستقل"؛ وهو تيار فكري يسعى لتقديم الإسلام كاملاً بعيداً عن التبعية للمناهج الغربية أو الجمود والتقليد، موازناً بدقة بين الأصالة والتجديد.  

​الموازنة بين الأصالة والمعاصرة

​امتلك عمارة رؤية إستراتيجية ترفض الصدام المصطنع بين القومية (العروبة) والدين (الإسلام)؛ إذ كان يرى العروبة وعاءً ثقافياً ولغوياً حمل الرسالة الإسلامية، وأن الإسلام هو الروح والمضمون الحضاري لهذه الأمة. ومن خلال هذه الفلسفة، خاض معارك فكرية شرسة في مواجهة الغزو الفكري والتيارات التغريبية، مؤلفاً في ذلك كتباً نقدية هامة مثل كتاب "التفسير الماركسي للإسلام" وكتاب "المعتزلة ومشكلة الحرية الإنسانية" الذي ناقش فيه قضايا الفلسفة والحرية من منظور إسلامي عميق.  

​3. الإنجازات التنفيذية والمشروعات الفكرية

​تحقيق التراث وإحياء اليقظة

​كان لـلدكتور محمد عمارة دور تنفيذي وتوثيقي رائد في الحفاظ على الذاكرة الفكرية للأمة؛ حيث أشرف على مشروع ضخم لتحقيق ونشر الأعمال الكاملة لرواد النهضة واليقظة الإسلامية الحديثة. لم يكن مجرد ناقل، بل كان يحلل ويقدم لهذه الأعمال، ومن أبرز من حقق أعمالهم:  

​الإمام محمد عبده.  

​السيد جمال الدين الأفغاني.  

​المفكر عبد الرحمن الكواكبي.  

​الإنتاج العلمي الغزير والمناصب الهيئة

​يُعد الدكتور عمارة من أغزر مفكري العصر الحديث إنتاجاً في المكتبة الإسلامية والعربية؛ حيث ألّف وحقق أكثر من 200 عمل ومؤلَّف شملت الفلسفة، السياسة، الشريعة، ونقد الفكر الغربي المعاصر. وتقديراً لمكانته العلمية الرفيعة وعمقه المعرفي، شغل عمارة عضوية مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف، كما عُيّن عضواً في هيئة كبار العلماء بالأزهر، ليكون صوتاً دافعاً عن الفكر الإسلامي المعتدل حتى وفاته في عام 2020.  

​4. المراجعة والتحليل النقدي لمسيرته

​التحول الفكري كدليل نضج

​تخضع مسيرة الدكتور محمد عمارة للقراءة والتحليل من قِبل الأكاديميين والمؤرخين، حيث يُنظر إلى تحولاته الفكرية في شبابه من التيارات اليسارية إلى الفكر الإسلامي المستقل كدليل على حيويته الفكرية وبحثه الدؤوب عن الحقيقة. ويرى النقاد أن هذه الخلفية المتنوعة منحت مصلحاته ومؤلفاته قوة نقدية استثنائية، مكنته من تفكيك الأطروحات العلمانية والماركسية بأدواتهم المعرفية ذاتها.  

​إرثه الحضاري للأمة

​رغم السجالات الفكرية التي خاضها، يُجمع الباحثون على أن مشروع محمد عمارة أعاد الاعتبار للعقلانية الإسلامية المعتدلة، وأثبت قدرة الإسلام على قيادة قضايا الأمة المعاصرة والوقوف نداً أمام محاولات التغريب وبث الهزيمة النفسية. ترك برحيله في عام 2020 فراغاً كبيراً، لكن مؤلفاته التي تجاوزت المائتين تظل منارات مرجعية لكل باحث في شؤون الهوية والحضارة.  

​الهوامش والمراجع:

​محمد عمارة، أعمال أعلام اليقظة الإسلامية: دراسة وتحقيق، القاهرة: دار الشروق، ص 45.

​مجمع البحوث الإسلامية، سجل أعضاء هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، القاهرة: مشيخة الأزهر، ج 2، ص 112.

​محمد عمارة، التفسير الماركسي للإسلام، القاهرة: دار الشروق، ط 2، ص 14.

​محمد عمارة، المعتزلة ومشكلة الحرية الإنسانية، بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ص 88.

​كلية دار العلوم، دليل الرسائل الجامعية (الماجستير والدكتوراه)، جامعة القاهرة، ص 205.

​محمد عمارة، معالم المنهج الإسلامي، القاهرة: نهضة مصر، ص 67.

​المرجع نفسه، ص 73.

​محمد عمارة، مواجهة الغزو الفكري في العصر الحديث، القاهرة: دار الرشاد، ص 101.

​محمد عمارة، الإسلام والأمن القومي للأمة العربية، عمان: دار عمار، ص 34.

​مجمع البحوث الإسلامية، سجل أعضاء هيئة كبار العلماء، مرجع سابق، ص 115.

​محمد عمارة، أعمال أعلام اليقظة الإسلامية، مرجع سابق، ص 92.

​المرجع نفسه، ص 105.

​محمد عمارة، مواجهة الغزو الفكري، مرجع سابق، ص 140.

​كلية دار العلوم، دليل الرسائل الجامعية، مرجع سابق، ص 210.

​محمد عمارة، التفسير الماركسي للإسلام، مرجع سابق، ص 55.

​محمد عمارة، معالم المنهج الإسلامي، مرجع سابق، ص 118.

بنقردان.. قلعة حرس الحدود وقاهرة الإرهاب الأسود بقلم الناصر خشيني



تاريخ المدينة
تربض مدينة بنقردان في أقصى الجنوب الشرقي للجمهورية التونسية، على مقربة من الحدود الليبية، لتشكل تاريخياً وجغرافياً بوابة العبور الاستراتيجية ومحور التواصل التجاري والإنساني بين تونس وليبيا وعموم شمال إفريقيا. تمتد جذورها في عمق أصالة القبائل العربية التي سكنت هذه الأرض واشتهرت بالنخوة والشهامة وحماية الثغور. ورغم طابعها الصحراوي والحدودي، إلا أن بنقردان كانت دائماً حجر زاوية في الدفاع عن السيادة الوطنية التونسية، والمدينة التي صاغ أهلها عبر عقود قيم التضامن العربي والتكافل المشترك وقت الأزمات.
أهم معالمها
يأتي "معبر رأس الجدير الحدودي" كأبرز المعالم الاستراتيجية والاقتصادية للمدينة وشريان الحياة الحيوي الذي يربط بين الشعبين الشقيقين. وتضم المدينة "سوق المغاربية" الشهير الذي يعد مركزاً تجارياً نابضاً يتردد عليه الزوار من كل حدب وصوب، بالإضافة إلى "نصب المقاومة" التذكاري ومساجدها العتيقة مثل جامع الوسط، فضلاً عن محمياتها الطبيعية وسواحلها كـ "بحيرة البيبان" التي تروي حكاية التمازج بين سحر الصحراء وعطاء البحر.
صمودها ودورها النضالي والتاريخي
سجلت بنقردان اسمها بأحرف من ذهب في تاريخ الكفاح المعاصر ضد قوى الظلام والدمار من خلال "ملحمة بنقردان" الخالدة في 7 مارس 2016. فحين حاولت مجموعات إرهابية مسلحة تابعة لتنظيم "داعش" التسلل واجتياح المدينة لإعلانها إمارة متطرفة، انتفض أبناء بنقردان بصدورهم العارية، والتحموا جنباً إلى جنب مع أبطال الجيش الوطني والحرس والأمن. خاض الأهالي مواجهات شوارع ضارية وثبّتوا خطوط الدفاع، مقدمين مواكب من الشهداء الأبرار، ليفشلوا المخطط الغادر ويحولوا أرض الجنوب التونسي إلى مقبرة لفلول الإرهاب، معلنين للعالم أن بنقردان حصن عصي على الاختراق.
خاتمة
تبقى بنقردان عنواناً للشرف واليقظة على حدود الوطن؛ فترابها الذي تعمد بدماء الأبطال والشهداء صاغ درساً بليغاً في أن حماية الأوطان عقيدة شعبية راسخة، وأن بنقردان كانت وستبقى الدرع الحصين وقاهرة الإرهاب التي تحرس سيادة تونس وإباءها.

الحمامات.. عاصمة السياحة الساحرة وحصن الرباط البحري القديم بقلم الناصر خشيني



تاريخ المدينة
تقع مدينة الحمامات على الساحل الشرقي للجمهورية التونسية في شمال خليج الحمامات، وهي حاضرة تاريخية عريقة تعود جذورها إلى العهد الروماني حيث عُرفت باسم "ببيار". واكتسبت المدينة مكانة استراتيجية كبرى في العهد الإسلامي، لاسيما في العهد الأغلبي والحفصي، حيث حُوّلت إلى نقطة رباط بحري متقدم لحماية السواحل التونسية من الغزوات الصليبية. وفي العصر الحديث، نفضت المدينة غبار الزمن لتصبح العاصمة الحقيقية للسياحة التونسية، والوجهة العالمية التي تمتزج فيها زرقة المتوسط بعبق الياسمين وأشجار البرتقال.
أهم معالمها
تتربع "قصبة الحمامات" (القلعة الأثرية) الشامخة على شاطئ البحر كأعظم شاهد عسكري وتاريخي إسلامي عاصر الصراعات البحرية القديمة. وتضم المدينة "المدينة العتيقة" بأسوارها الحصينة وأزقتها الضيقة الملتوية وبيوتها البيضاء ذات الأبواب الزرقاء التقليدية. وتكتمل لوحتها بـ "المركز الثقافي الدولي بدار سيباستيان" الساحر، والمنتجعات السياحية الحديثة في ياسمين الحمامات، والأسواق التراثية التي تفوح بصناعات الفخار والتطريز التقليدي.
صمودها ودورها النضالي والتاريخي
لعبت الحمامات دوراً نضالياً بارزاً عبر التاريخ كخط دفاع أول ضد القرصنة والغزوات البحرية الأوروبية في القرنين السادس عشر والسابع عشر؛ حيث صمدت القصبة وأهلها المرابطون أمام حصارات بحرية عنيفة خاضها فرسان القديس يوسف والإسبان. وفي تاريخ كفاح التحرر الوطني ضد الاستعمار الفرنسي، كانت المدينة حاضنة للحركة الوطنية وملاذاً للمناضلين والمفكرين، وانطلقت من أحيائها حركات الوعي والنقابات العمالية التي ساهمت في صياغة الاستقلال الوطني والسيادة التونسية الكاملة.
خاتمة
تظل الحمامات نموذجاً للمدينة التي تزاوج بين رقة الجمال العائم وصلابة التاريخ المقاوم؛ فأمواجها الهادئة التي تداعب جدران القلعة العتيقة تحمل في طياتها حكايات الثبات والرباط الأبدي، لتظل الحمامات دائماً منارة للسياحة والفكر، وشاهداً على أن الجمال العربي يحميه سياج من العزة والكرامة

مراكش.. المدينة الحمراء وعاصمة الإمبراطوريات المرابطية والموحدية بقلم الناصر خشيني



تاريخ المدينة
تأسست مدينة مراكش، "المدينة الحمراء"، عام 454 هـ (1062 م) على يد الأمير المرابطي الفذ يوسف بن تاشفين، لتكون عاصمة للدولة المرابطية الفتية ومنطلقاً لتوحيد المغرب الإسلامي ونصرة الأندلس في معركة الزلاقة الشهيرة. تعاقبت عليها الإمبراطوريات الإسلامية الكبرى كالموحدين والسعديين، وظلت لمئات السنين المركز السياسي والثقافي والعسكري لغرب العالم الإسلامي. اكتسبت مراكش اسماً تاريخياً عالمياً استُمد منه اسم دولة "المغرب" في اللغات الأجنبية، وبقيت منارة فكرية وحضارية تجمع أصالة الصحراء بعمق الحضارة الأندلسية.
أهم معالمها
تتربع "ساحة جامع الفنا" كأبرز معلم حضاري وإنساني حي للمدينة، وهي المسرح المفتوح المصنف تراثاً عالمياً شفوياً للا إنسانية. وتضم المدينة "صومعة جامع الكتبية" الشامخة بعمارتها الموحدية الفريدة، و"قصر البديع" وقصر الباهية اللذين يعكسان أوج الترف المعماري الإسلامي، بالإضافة إلى "المدينة العتيقة" بأسوارها الطينية الحمراء الممتدة ل كيلومترات وأبوابها التاريخية العظيمة مثل باب أكنوا ومدرسة بن يوسف لتعليم العلوم الشرعية.
صمودها ودورها النضالي والتاريخي
سطرت مراكش ملاحم بطولية في الدفاع عن حياض الأمة الإسلامية عبر العصور؛ فمن أسوارها انطلقت جيوش المرابطين والموحدين لصد الهجمات الصليبية في الأندلس وحماية الثغور البحرية. وفي التاريخ الحديث، واجهت مراكش الاستعمار الفرنسي ببسالة؛ حيث قاد رجالاتها وجماهيرها المقاومة الشعبية المسلحة والفكرية (كتائب جيش التحرير). وبرز دورها النضالي في "انتفاضة مراكش" التاريخية ودفاعها المستميت عن الهوية العربية والإسلامية للمملكة وضد محاولات النفي والطمس، مقدمة مواكب من الشهداء لضمان عودة الملك الشرعي ونيل الاستقلال.
خاتمة
تبقى مراكش رمزاً حياً لعظمة التاريخ الإسلامي في المغرب العربي؛ فجدرانها الحمراء الواقفة في وجه الزمن تروي للأجيال صدى صهيل خيول الفاتحين الأبطال وعزم الملوك والأحرار، لتظل مراكش دائماً عاصمة الروح والعنفوان التي تثبت أن أصالة الأمم لا تموت وإن تعاقبت القرون.

​سلسلة اعلام الامة : أحمد عرابي: من ريف الشرقية إلى حامي الديار المصرية بقلم الناصر خشيني

 




​يمثل الزعيم أحمد عرابي محطة استثنائية في تاريخ مصر الحديث؛ فهو ليس مجرد قائد عسكري قاد انتفاضة في وجه الخديوي، بل هو تجسيد حي لوعي وطني تشكل في أروقة الريف المصري، وصُقل في مؤسسات الجيش، ثم تبلور فكراً سياسياً ناضجاً يسعى لترسيخ قيم العدالة والمواطنة والدستورية في مواجهة الاستبداد والتدخل الأجنبي السافر.
​1. النشأة والتكوين: من ريف الشرقية إلى العسكرية المصرية
​الميلاد والبيئة الجذورية
​ولد أحمد عرابي في الحادي والثلاثين من مارس عام 1841 في قرية "هرية رزنة" التابعة لمديرية الشرقية في ريف مصر [1]. نشأ عرابي في بيئة ريفية خالصة صبغت وجدانه بالارتباط الوثيق بالأرض والفلاحين، وكان والده شيخاً للقرية يحظى بمكانة اجتماعية مرموقة، مما أتاح لعرابي فرصة التنشئة الدينية المبكرة، فحفظ القرآن الكريم في كُتّاب القرية، ثم التحق بالجامع الأزهر الشريف ليتلقى العلوم الدينية واللغوية لمدة عامين [2]. هذه الـخلفية الأزهرية منحت عرابي فصاحة في اللسان وقدرة خطابية متميزة أهّلته لاحقاً لتحريك الجماهير وصياغة البيانات الوطنية ببيان رصين.
​التحول نحو العسكرية
​شهدت مصر في عهد الوالي سعيد باشا تحولاً إستراتيجياً تمثل في السماح لأبناء مشايخ البلاد والريف بالالتحاق بالجيش كضباط، مكسراً بذلك الاحتكار التقليدي للعناصر التركية والشركسية [3]. التحق عرابي بالخدمة العسكرية عام 1854 ولم يكن قد تجاوز الثالثة عشرة من عمره، وأبدى انضباطاً وذكاءً حاداً ساعده على الترقي السريع في الرتب العسكرية؛ فوصل إلى رتبة "ملازم أول" في غضون أربعة أعوام، وبحلول عام 1860 رُقي إلى رتبة "بكباشي" (مقدم) وهو في التاسعة عشرة من عمره، وهو صعود إستراتيجي لافت لضابط مصري في تلك الحقبة [4].
​2. الفلسفة الفكرية والدوافع الوطنية: من المظلمة الفئوية إلى قضية الأمة
​مواجهة التمييز المؤسسي
​مع تولي الخديوي إسماعيل ثم الخديوي توفيق سدة الحكم، تراجعت سياسة تمصير الجيش وعادت الهيمنة المطلقة للعناصر الشركسية والتركية التي مارست تمييزاً صارخاً ضد الضباط المصريين، سواء باحتجاز ترقياتهم أو تقليل نفوذهم وتسريحهم تعسفياً [5]. في هذه الأجواء تشكلت الفلسفة الفكرية لعرابي؛ إذ أدرك أن المسألة تتجاوز التظلم الفئوي العسكري لتصل إلى جوهر مفهوم المواطنة والمساواة، حيث يُظلم ابن البلد في وطنه لصالح نخب أجنبية مستبدة.
​التحول إلى حركة شعبية (الوعي القومي)
​لم يقف فكر عرابي عند المطالب العسكرية المحضة، بل تقاطع مع الحركة الفكرية والإصلاحية التنويرية التي قادها السيد جمال الدين الأفغاني والشيخ محمد عبده، وتأثر بالصحافة الوطنية الصاعدة [6]. تحول الوعي العرابي من الرؤية القطاعية إلى تبني قضية وطنية شاملة ترتكز على محوريين رئيسيين: دسترة الحكم عبر إنهاء الاستبداد المطلق للخديوي وإقامة مجلس نواب يمثل الأمة، والسيادة الوطنية بالحد من التدخل السافر لبريطانيا وفرنسا في الشؤون المالية والسياسية من خلال صندوق الدين [7].
​3. الإنجازات التنفيذية والمحطات التاريخية
​مظاهرة عابدين (9 سبتمبر 1881)
​مثلت مظاهرة عابدين الكبرى الذروة السياسية للحركة العرابية، حيث قاد عرابي وحدات الجيش متلاحماً مع آلاف المواطنين الذين تجمهروا أمام قصر عابدين لتقديم مطالب الأمة للخديوي توفيق [8]. وفي المواجهة التاريخية الشهيرة، خاطب الخديوي توفيق عرابي قائلاً: "كل هذه الطلبات لا حق لكم فيها، وأنا ورثت هذه البلاد عن آبائي وأجدادي، وما أنتم إلا عبيد إحساناتنا"، فرد عليه عرابي برد فلسفي وتاريخي صاغ أدبيات الحرية المصرية:
​«لقد خلقنا الله أحراراً، ولم يخلقنا تراثاً أو عقاراً؛ فوالله الذي لا إله إلا هو، إننا لا نُورَث، ولا نُستعبَد بعد اليوم» [9].
​أجبرت هذه الوقفة الشجاعة الخديوي على عزل الوزارة المستبدة، وتشكيل حكومة وطنية فتحت الباب لصياغة دستور 1882 وإنشاء مجلس النواب المصري.
​قيادة الدفاع ووزارة الجهادية (1882)
​عُيّن عرابي وزيراً للجهادية (الدفاع) في وزارة محمود سامي البارودي، وغدا لُقب بـ "حامي الديار المصرية" بالتزامن مع تصاعد التهديدات العسكرية البريطانية [10]. نجح عرابي وقواته عسكرياً في صد الهجوم البحري والبري البريطاني في معركة كفر الدوار الشهيرة، مما اضطر القوات البريطانية للتراجع والبحث عن منفذ بديل عبر قناة السويس [11]. إلا أن الزحف البريطاني الهائل في الجبهة الشرقية أدى في النهاية إلى هزيمة الجيش المصري في معركة التل الكبير (سبتمبر 1882) نتيجة اختلال موازين القوى والتواطؤ الدولي [12].
​4. النقد والتحليل الأكاديمي لمسيرته
​مراجعة الأداء العسكري والسياسي
​تخضع تجربة أحمد عرابي لتحليلات أكاديمية رصينة ومتباينة تبحث في أسباب إخفاق الثورة عسكرياً برغم عدالتها الشعبية؛ حيث يُؤخذ على عرابي قصور التخطيط الإستراتيجي وثقته المفرطة بوعود "فرديناند دي لسبس" بشأن حيادية قناة السويس، مما سمح لبريطانيا باختراق العمق المصري [13]. كما ساهم انقسام الجبهة الداخلية، وصدور منشور السلطان العثماني بـ "عصيان عرابي"، فضلاً عن الاختراقات والخيانات في صفوف بعض الضباط والبدو، في تحطيم الروح المعنوية قبيل معركة التل الكبير [14].
​مرحلة المنفى وإعادة القراءة
​بعد صدور حكم الإعدام وتخفيفه إلى النفي المؤبد، أمضى عرابي قرابة عشرين عاماً في جزيرة سيلان (سريلانكا)، تحول فيها إلى رمز إنساني وثقافي ساهم في تأسيس المدرسة الزاهرية التي تعد نواة التعليم العربي والحديث هناك [15]. عاد عرابي إلى مصر عام 1901 في عهد الخديوي عباس حلمي الثاني، حيث عاش في عزلة اختيارية يوثق أحداث الثورة حتى وفاته عام 1911، تاركاً إرثاً نضالياً ألهم ثورات مصر اللاحقة [16].
​الهوامش والمراجع:
​أحمد عرابي، مذكرات الثورة العرابية: كشف الستار عن الأسرار، القاهرة: دار المعارف، ص 15.
​المرجع نفسه، ص 18.
​عبد الرحمن الرافعي، الثورة العرابية والاحتلال الإنجليزي، القاهرة: دار المعارف، ط 4، 1983، ص 42.
​أحمد عرابي، مذكرات الثورة العرابية، مرجع سابق، ص 25.
​عبد الرحمن الرافعي، الثورة العرابية والاحتلال الإنجليزي، مرجع سابق، ص 68.
​محمد عبده، مذكرات الإمام محمد عبده عن الثورة العرابية، تحقيق: طاهر الطناحي، القاهرة: دار الهلال، ص 34.
​المرجع نفسه، ص 45.
​عبد الرحمن الرافعي، الثورة العرابية والاحتلال الإنجليزي، مرجع سابق، ص 112.
​أحمد عرابي، مذكرات الثورة العرابية، مرجع سابق، ص 89.
​عبد الرحمن الرافعي، الثورة العرابية والاحتلال الإنجليزي، مرجع سابق، ص 185.
​أحمد عرابي، مذكرات الثورة العرابية، مرجع سابق، ص 142.
​عبد الرحمن الرافعي، الثورة العرابية والاحتلال الإنجليزي، مرجع سابق، ص 290.
​المرجع نفسه، ص 315.
​محمد عبده، مذكرات الإمام محمد عبده، مرجع سابق، ص 92.
​أحمد عرابي، مذكرات الثورة العرابية، مرجع سابق، ص 380.
​عبد الرحمن الرافعي، الثورة العرابية والاحتلال الإنجليزي، مرجع سابق، ص 420.


سرت.. حصن التحدي التاريخي والخط الأحمر في وجه الأطماع الأمريكية بقلم الناصر خشيني



تاريخ المدينة
تتمتع مدينة سرت بموقع استراتيجي فريد على ساحل البحر الأبيض المتوسط في منتصف الجغرافيا الليبية، حيث تلتقي عبرها طرق التجارة والقوافل بين شرق ليبيا وغربها. تمتد جذورها التاريخية إلى العصور الفينيقية والرومانية، وعُرفت قديماً بـ "مكاداس". ومع الفتح الإسلامي، تحولت إلى رباط بحري ومحطة هامة. ونظراً لموقعها الذي يربط بين الأقاليم الليبية وإطلالتها المباشرة على خليج واسع، ظلت سرت عبر تاريخها الطويل محط أنظار الغزاة، وحصناً جغرافياً صلب الحماية حافظ على عروبته وأصالته القبلية الراسخة.
أهم معالمها
يأتي "خليج سرت" (خليج السدرة) كأبرز وأعظم معلم طبيعي واستراتيجي ارتبطت به المعارك السياسية والعسكرية الكبرى للمدينة. وتضم المنطقة "قلعة القرضابية" التاريخية، و"مجمع قاعات واغادوغو" الذي يمثل صرحاً معمارياً وحضارياً شهد انعقاد قمم تاريخية كبرى أفرزت تأسيس الاتحاد الإفريقي، بالإضافة إلى أحيائها التراثية ومساجدها العتيقة التي تروي تجذر أهل سرت في أرضهم وعشقهم للحرية.
صمودها ودورها النضالي والتاريخي
سجلت سرت صفحات مجيدة في تاريخ مواجهة الأطماع الأمريكية والغربية؛ فمنذ القرن التاسع عشر (عام 1805)، شهدت شواطئها وتاريخها مواجهات باسلة ضد الغطرسة البحرية الأمريكية في حرب طرابلس الأولى. وفي القرن الماضي وتحديداً خلال ثمانينيات القرن العشرين، تحولت سرت إلى أيقونة للتحدي عندما أعلن القائد معمر القذافي رحمه الله أن "خط عرض 32.5 شمالاً" في خليج سرت هو "خط أحمر" يُمنع على الأساطيل الأمريكية تجاوزه، وسمي بـ "خط الموت". خاضت القوات الليبية معارك جوية وبحرية شرسة عامي 1981 و1986 دفاعاً عن السيادة الوطنية، لتثبت سرت دورها التاريخي كقلعة للتصدي ترفض الهيمنة والاستكبار الأمريكي.
خاتمة
تبقى سرت عنواناً للسيادة والخطوط الحمراء التي تعمدت بالدم؛ فأمواج خليجها الشاهدة على تحطم غطرسة الطائرات والبوارج الأمريكية تروي للأجيال أن الأرض العربية ليست مستباحة، وأن سرت كانت وستبقى حصناً منيعاً لرفض الاملاءات والهيمنة الاستعمارية.

جمال عبد الناصر: جدلية الوعي والممارسة في مسيرة قائد الأمة وباني نهضتها الحديثة بقلم: الناصر خشيني

نقف اليوم على أعتاب الذكرى الرابعة والسبعين لثورة الثالث والعشرين من يوليو (جويلية) 1952، وهي محطة لم تكن مجرد انقلاب عسكري تقليدي، بل كانت ...