التخطي إلى المحتوى الرئيسي

المشاركات

المقاومة المسلحة التونسية (الفلاقة واليوسفيون): ملحمة الفداء والبعد العروبي في مواجهة التغريب بقلم الناصر خشيني

  مقدمة حينما نُخضع التاريخ التونسي المعاصر لمشرط التحليل المنهجي الدقيق، نجد أن السردية الرسمية التي صاغها النظام البورقيبي قد تعمدت لزمن طويل طمس وتهميش أعمق الحركات التحررية راديكالية وأصالة. إنها حركة "الفلاقة" أو "جيش التحرير الوطني التونسي" ، الذين تحولوا في السردية السياسية البورقيبية اللاحقة إلى "خارجين عن القانون" أو "يوسفيين". والحقيقة التاريخية تكشف أن هؤلاء الأبطال لم يكونوا مجرد مقاتلين محليين، بل كانوا يمثلون الطليعة المقاتلة لوعيٍ قومي عروبي سارٍ في القطر التونسي منذ البدايات، رافضين بشكل مطلق للتوجهات الفرنكوفونية والتسويات الجزئية التي قادها الحبيب بورقيبة مع المستعمر الفرنسي. المرتكز الأيديولوجي: البعد القومي العروبي ضد التوجه الفرنكوفوني انطلقت حركة الفلاقة من أرضية شعبية صلبة تؤمن بأن تونس جزء لا يتجزأ من الأمة العربية الإسلامية. هذا الموقف المبدئي اصطدم مبكرًا بطروحات الحبيب بورقيبة الذي كان يرى في النموذج الغربي والفرنسي تحديدًا منارة للتحديث، مفضلاً سياسة "خطوة خطوة" والتفاوض من أجل "استقلال داخلي" يضم...
آخر المشاركات

تجديد الفهم الإيجابي وتفكيك الجمود: قراءة بنيوية في تفسير "التحرير والتنوير" للشيخ الطاهر بن عاشور بقلم: الناصر خشيني

  مقدمة إن إشكالية التعامل مع التراث التفسيري والمدونات العلمية الإسلامية تفرض علينا اليوم، أكثر من أي وقت مضى، التسلح بأدوات النقد البنّاء والقراءة التحليلية التفكيكية؛ لتجاوز منطق النقل المطلق أو التمجيد الوعظي البارد، والعبور نحو استكشاف مكامن التجديد الحقيقي الحركي. ومن هذا المنطلق المعرفي، نقارب الأثر التفسيري الفذ لشيخ جامعة الزيتونة، الإمام محمد الطاهر بن عاشور، في مَعلمته الكبرى " التحرير والتنوير ". لم يكن منهج ابن عاشور مجرد استجابة تراكمية لمقتضيات النقل الشرعي، بل كان بنية فكرية معقدة ومتطورة تشكلت في محرق الصراع بين جمود المتأخرين وديناميكية النص القرآني المتجدد، وهو ما يفسر سر الأهمية البالغة التي يحظى بها هذا التفسير في فضاء الفكر الإسلامي المعاصر. لقد أدرك ابن عاشور ، بعقليته الإصلاحية الفذة، أن الاقتصار على سرد المأثور واجترار حواشي السابقين دون إضافة نوعية يعطل فيض القرآن ويسهم في تكريس التكلس الفكري. ومن هنا نفذ في " التحرير والتنوير " بجرأة علمية نادرة تقوم على محورين متكاملين: التحرير (الذي يعني الغربلة والتمحيص النقدي لمدونات السلف) والتنوير (...

طهارة السلاح وزهد القيادة: السيد حسن نصر الله نموذجاً ثورياً في زمن الانكسار العربي بقلم: الناصر خشيني

    في زمن عربي رديء تتكاثر فيه النخب والقيادات التي تخضع للمغريات وتتسابق نحو التبعية وسرقة مقدرات الجماهير، يبرز القادة التاريخيون كمنارات تستمد شرعيتها من طهارة اليد والالتزام الجذري بقضايا الأمة. وبمناسبة ذكرى استشهاد سماحة السيد حسن نصر الله، نجد أنفسنا أمام واجب فكري وأخلاقي لإعطاء هذا القائد الفذ حقه؛ ليس فقط بوصفه قائداً عسكرياً حطم أسطورة "الجيش الذي لا يقهر"، بل كونه قدّم نموذجاً تقدمياً مضاداً لمنظومة الفساد، وأسس لمدرسة نضالية طهرانية استثنائية في التاريخ العربي المعاصر. إن المتأمل في مسيرة السيد نصر الله يدرك فوراً أنه امتلك سيرة ناصعة بلا شبهة فساد مالي أو أخلاقي. في عالم سُحقت فيه تطلعات الشعوب بسبب امتيازات الحكام وثرواتهم وحساباتهم المخفية، عاش هذا الرجل كما يعيش أفقر الناس وأكثرهم كفاحاً، بل كان الزهد جزءاً أصيلاً من تكوينه البنيوي، ولم يكن مجرد خيار سياسي أو تكتيك إعلامي. لم يسرق، ولم يساوم، ولم يبع، ولم يشترِ؛ وهذه النزاهة المطلقة لم تكن تفصيلاً عابراً، بل هي القاعدة الصلبة التي جعلت خطابه الثوري يتجاوز حدود الجغرافيا اللبنانية الضيقة والإطار الأيديولوجي ا...

قرات لكم : بين هاجس الحفاظ على التراث ومأزق مأسسة السلوك: قراءة تفكيكية في "إحياء علوم الدين" للإمام الغزالي بقلم: الناصر خشيني

    ضمن سلسلة "قرأت لكم" ، نفتح اليوم دفتي كتاب طالما اعتبر من أمهات الكتب في المدوّنة الإسلامية، وهو كتاب "إحياء علوم الدين" لأبي حامد الغزالي . هذا الأثر الضخم الذي صُنّف في لحظة تاريخية حرجة، تزامنت مع اشتداد وطأة الحروب الصليبية وتشرذم الأمة سياسياً وفكرياً، جاء كمحاولة عبقرية من الغزالي لـ "لمّ شتات التراث" وخلق حصن فكري يحمي الهوية الثقافية والدينية من الضياع والتلاشي وسط ركام الهزائم العسكرية. ولكن، حين نلج إلى جوهر المتن الفلسفي والفقهي للكتاب، نجد أنفسنا أمام إشكال بنيوي عميق يتعلق بـ "مأسسة السلوك الإنساني" وتحويله إلى طقوس مفرطة في الجزئية، مما يدعونا إلى مراجعة نقدية صارمة توازن بين نبل المقصد الفكري ومأزق التطبيق العملي، عابرين نحو تفكيك هذه الجدلية من خلال محورين أساسيين. أولاً: السياق التاريخي وهاجس الحفاظ على الهوية لا يمكن فهم "إحياء علوم الدين" بمعزل عن عصره؛ فقد كان الإسلام يعيش أزمة وجودية جراء الهجمات الخارجية والانقسامات المذهبية الداخلية. من هنا، تحوّل الغزالي إلى "جامع للتراث"، محاولاً صهر الفقه والت...

سقوط الأقنعة وخراب الهيكل: قراءة قومية تقدمية في شهادة ثروت الخرباوي على مطبخ الإخوان بقلم: الناصر خشيني

    مقدمة في التوقيت الإقليمي والدولي الراهن، ومواجهةً لمشاريع تفتيت الجغرافيا العربية وسلب إرادتها الوطنية، تبرز الحاجة المعرفية الملحة لتفكيك البنى السرية لجماعات الإسلام السياسي التي شكلت دائماً كابحاً أمام النهوض التاريخي للأمة. من هنا، يأتي هذا المقال المرسل بالتزامن الى "الحوار المتمدن" بمنبريته التقدمية التنويرية، و"رأي اليوم" بمنبرها القومي التحرري ولمواقع اخرى ليقدم قراءة سياسية وفكرية في عمق "المطبخ الداخلي" لحركة الإخوان المسلمين، مستنداً إلى شهادة القيادي السابق ثروت الخرباوي ، كأداة تعرية لأقنعة الزيف وبوابة لإعادة الاعتبار لمشروع الدولة الوطنية التقدمية. لم تكن معركة الفكر القومي التقدمي يوماً مجرد خصومة سياسية عابرة مع جماعات الإسلام السياسي، بل هي معركة وجودية بين مشروعين لا يلتقيان: مشروع الدولة الوطنية الساعي نحو التحرر، والسيادة، والتقدم، ومشروع أممي ظلامي يستهدف تفتيت الجغرافيا وتمزيق الهوية العربية لصالح ولاءات مشبوهة عابرة للحدود. وفي هذا السياق، تكتسب الشهادات القادمة من داخل "المطبخ الداخلي" لهذه الجماعات قيمة استثنائية، ل...

الملحمة المغدورة: المقاومة العروبية الإسلامية في تونس ومواجهة الهيمنة الفرنكوفونيةبقلم الناصر خشيني

 قراءة تفكيكية من منظور قومي تقدمي مقدمة: في جدلية التحرر والتبعية لا يمثل تاريخ التحرر الوطني في تونس مجرد سردية لجلاد ومستضعَف، بل هو ساحة صراع طبقي، وفكري، وهووي محتدم، دارت رحاه بين مشروعين متناقضين جذرياً. المشروع الأول هو حركة المقاومة الأصيلة بأبعادها العروبية والإسلامية، والتي رأت في التحرر انخراطاً عضوياً في معركة البعث العربي الشامل وتصفية تامة لبنى الاستعمار. أما المشروع الثاني، فهو الشق الفرنكوفوني التغريبي الذي قاده الحبيب بورقيبة ومن سار في فلكه، والذي قام على عقيدة "القطرية الضيقة" ومحاكاة النموذج الغربي، متوسلاً بسياسة "المراحل" لتأمين انتقال سلس للسلطة يحافظ على المصالح الحيوية للمستعمر القديم. إن تفكيك هذا الصراع يتطلب ملامسة الجذور الفكرية والطبقية لثورة "الفلاقة"، وتشريح آليات الهيمنة الثقافية التي ضربت مقومات الهوية القومية بعد الاستقلال الشكلي. أولاً: الأبعاد الفكرية للمقاومة (العمق العروبي والإسلامي) انطلقت المقاومة التونسية ضد الاحتلال الفرنسي منذ عام 1881 من أرضية عقائدية وقومية صلبة، ولم تكن مجرد رد فعل عاطفي مؤقت. تبلور هذا البعد...

قرأت لكم: كتاب "روح التحرر في القرآن" للشيخ عبد العزيز الثعالبي بقلم الناصر خشيني

    أولاً: مقدمة في ظروف التأليف (المخاض الفكري والسياسي) أُلّف هذا الكتاب في فترة دقيقة جداً من تاريخ تونس الحديث، وتحديداً في أعقاب الأزمة والمحاكمة الشهيرة التي تعرض لها الشيخ عبد العزيز الثعالبي عند عودته من مصر. صدر الكتاب في باريس باللغة الفرنسية تحت عنوان " L'Esprit libéral du Coran " . جاء التأليف بجهد مشترك؛ حيث صاغ الثعالبي أفكاره باللغة العربية، وساعده في نقلها وصياغتها بالفرنسية المترجم الهادي السبعي والمحامي سيزار بن عطار لضمان وصول الرسالة إلى النخبة الفرنسية الحاكمة والجمهور الأوروبي. وكان الهدف الاستراتيجي من وراء كتابته بالفرنسية هو دحض الأطروحات الاستعمارية التي كانت تدّعي أن الإسلام دين جمود وتعصب لا يتلاءم مع العصر الحديث ومبادئ الحرية. فور صدوره، أحدث الكتاب زلزالاً فكرياً؛ فبينما تلقفته النخب التنويرية بالإعجاب، جوبه بحملة شعواء ومحاكمات معنوية وسياسية من السلطات الاستعمارية ومن شيوخ القيروان وجامع الزيتونة المحافظين الذين رأوا في طروحات الثعالبي خروجاً عن السائد وتفكيكاً لمصالحهم التقليدية. ثانياً: سياق المراجعة والترجمة إلى العربية ظل الكتاب غائب...

بوصلة فلسطين وانكسار الهيمنة: حرب المضائق والتواطؤ الإقليمي في مواجهة صخرة المقاومة بقلم: الناصر خشيني

  مقدمة تمر أمتنا العربية والإسلامية بمنعطف تاريخي حاسمة، أعادت فيه البنادق رسم خرائط النفوذ الجيوسياسي، وأسقطت زيف التوازنات المفروضة منذ عقود. إن ما يشهده الشرق الأوسط اليوم ليس مجرد جولات قتالية عابرة، بل هي حرب وجودية كبرى يتواجه فيها حلفان لا يلتقيان: حلف صهيو-أمريكي إمبريالي يسعى لتثبيت هيمنته العسكرية والاقتصادية وتأمين التبعية المطلقة، وجبهة مقاومة ممتدة صمدت وثبتت لتؤكد أن الإرادة الشعبية الحرة هي القوة الإستراتيجية العليا التي لا تقبل الانكسار. مركزية فلسطين: المحرك والبوصلة في عمق هذا الصراع المحتدم، تظل القضية الفلسطينية هي الأساس والجوهر والعروة الوثقى لكل الأحرار. لقد توهم الحلف الصهيو-أمريكي المعادي أن بإمكانه تصفية هذه القضية من بوابة قطاع غزة عبر شن حرب إبادة تدميرية شاملة. لكن هذا الإجرام المنظم عجز عن تحقيق هدفه الإستراتيجي؛ إذ ظلت المقاومة الفلسطينية متمترسة في أنفاقها تدير المعركة باقتدار، مثبتةً أن الحق الفلسطيني لا تمحوه الآلة العسكرية العمياء. المشهد السوري الجديد: ارتهان، جرائم طائفية، وتواطؤ صريح لقد شكل إضعاف جبهات الإسناد هدفاً محورياً للحلف المعادي، و...

معركة باب المندب: صمود اليمن يكسر الحصار الإمبريالي بقلم الناصر خشيني

 مقدمة : في وقت تتهاوى فيه أوهام الاستقرار التي فرضتها العولمة الرأسمالية المتوحشة، ينهض اليمن من وسط الحصار والعدوان ليعيد صياغة خطوط الجغرافيا السياسية الدولية من بوابة البحر الأحمر ومضيق باب المندب. إن المعركة الراهنة ليست مجرد مواجهة عسكرية موضعية، بل هي انفجار ثوري يضع النظام الإمبريالي العالمي في مأزق بنيوي خانق، حيث تحولت السيطرة الميدانية المباشرة لقوى المقاومة الوطنية على المنافذ البحرية والجزر الإستراتيجية إلى مطرقة تسحق كبرياء الهيمنة الصهيو-أمريكية وتُهدد عصب الاقتصاد الرأسمالي المعولم. ومن رحم هذا المخاض الجيوسياسي، يبرز صمود الحاضنة الشعبية محلياً وعربياً كصخرة صماء تتحطم عليها مؤامرات التركيع، لتؤكد هذه الملحمة أن بحار العرب وأرضهم لن تكون بعد اليوم ممرات آمنة لنهب الثروات، بل ساحة لانتزاع السيادة الكاملة وفجراً جديداً يكتبه الثوار بسواعدهم الحرّة. تتسارع الخطى الميدانية في جنوب البحر الأحمر ومضيق باب المندب لتضع الأمة العربية والعالم أجمع أمام منعطف تاريخي وجيوسياسي غير مسبوق. إن ما تشهده الساحة اليمنية والخطوط الملاحية الدولية في سبتمبر 2026 ليس مجرد جولة أخرى من ا...