التخطي إلى المحتوى الرئيسي

جميلة بوحيرد: أيقونة الثورة الجزائرية ومنارة التحرر القومي العربي بقلم: الناصر خشيني


 تظل الثورة التحريرية الجزائرية (1954-1962) واحدة من أعظم الملاحم الإنسانية في التاريخ الحديث؛ إذ لم تكن مجرد كفاح مسلح لطرد مستعمر استيطاني، بل كانت مدرسة لبعث الهوية العربية وتكريس الفكر التقدمي الرافض لجميع أشكال العبودية والاضطهاد [1]. وفي قلب هذه الملحمة، تلألأ اسم جميلة بوحيرد كرمز خالد للمرأة العربية المقاوِمة، وأيقونة ألهمت حركات التحرر في الوطن العربي والعالم أجمع [2].               النشأة والتكوين: جذور الرفض.                ولدت جميلة بوحيرد عام 1935 في حي القصبة العتيق بالعاصمة الجزائر، لأب جزائري مثقف وأم تونسية، مما منحها عمقاً مغاربياً وقومياً مبكراً [3]. وفي بيئة طغت عليها محاولات "الفرنسة" الممنهجة، تلقت تعليمها في المدارس الاستعمارية التي كانت تجبر التلاميذ على ترديد نشيد "فرنسا أمنا" [4]. وهنا تجلت بوادر التمرد التقدمي لدى الفتاة الصغيرة؛ إذ كانت تصرخ في الطابور المدرسي: "الجزائر أمنا"، متحديةً بطش الإدارة الاستعمارية [5]. غرس والدها فيها حب الأرض والدفاع عن الكرامة، ورغم شغفها بالخياطة والتطريز وركوب الخيل، إلا أن نداء الوطن كان أقوى مع اندلاع الثورة الجزائرية عام 1954 [6].

المسيرة النضالية: الفدائية المقاتلة في وضح النهار
انضمت جميلة بوحيرد إلى جبهة التحرير الوطني (FLN) وهي في العشرين من عمرها [7]. وانخرطت في صفوف الفدائيين الأوائل كمسؤولة اتصال للقائد سعدي ياسف في معركة الجزائر العاصمة [8]. غدت جميلة من أوائل المتطوعات لزرع القنابل في مسارات تحرك جنود الاحتلال، متسلحة بإرادة صلبة وبقدرة فائقة على التخفي وتجاوز الحواجز العسكرية الفرنسية بزيها العصري الغربي [9].
في عام 1957، وأثناء مواجهة مسلحة، أصيبت جميلة برصاص الاحتلال وتم اعتقالها [10]. واجهت بوحيرد في أقبية التعذيب أبشع صنوف التنكيل الجسدي والنفسي، بما في ذلك الصعق بالكهرباء، لكنها رفضت أن تبوح بكلمة واحدة للاعتراف على رفاقها [11].
المحاكمة التاريخية: عندما تحولت الضحية إلى قاضٍ
أمام عجز الجلادين، أحيلت جميلة إلى محكمة عسكرية صورية قضت بإعدامها في أواخر عام 1957 [12]. ومن داخل زنزانتها، واجهت القضاة بعبارتها الشهيرة التي هزت ضمير العالم: "أعرف أنكم ستحكمون علي بالإعدام، لكن لا تنسوا أنكم بإعدامي تقتلون تقاليد الحرية في بلدكم" [13].
تولى الدفاع عنها المحامي التقدمي الفرنسي جاك فيرجيس، الذي آمن بعدالة قضيتها وأسس مع رفاقه حملة دولية كبرى لإنقاذها عبر كتابهما المشترك "من أجل جميلة" [14]. وتحت وطأة الضغط الشعبي العارم في العواصم العربية والعالمية، وتضامن كبار المثقفين والأحرار، أُجبرت السلطات الفرنسية على تأجيل تنفيذ الحكم، وتعديله لاحقاً إلى السجن مدى الحياة، إلى أن نالت حريتها مع استقلال الجزائر عام 1962 [15].
ما بعد الاستقلال: الالتزام بالمبادئ ورفض الانتهازية
بعد الاستقلال، تزوجت جميلة من محاميها جاك فيرجيس بعد أن أشهر إسلامه [16]. ورغم الهالة الأسطورية التي أحاطت بها، آثرت الابتعاد عن بريق السلطة والمناصب السياسية الرسمية. ظلت بوحيرد وفية لضميرها النضالي؛ فلم تتردد في العقود الأخيرة في النزول إلى الشارع ودعم الحراك الشعبي الجزائري عام 2019 ومناصرة قضايا الحق العربي، رافضةً المساومة على كرامة الشعب أو تسييس تاريخها [17].
خاتمة
إن جميلة بوحيرد ليست مجرد صفحة مطوية في كتاب التاريخ؛ بل هي نموذج للمرأة العربية التقدمية التي كسرت قيود التبعية وصنعت مع رفاقها فجر الحرية. تظل "جميلة" المعادل الموضوعي للأنفة والتحرر القومي، ومثالاً حياً على أن إرادة الشعوب الحرة، متى ما تسلحت بالوعي والطلائعية، قادرة على دحر أعتى الإمبراطوريات الاستعمارية.

الهامش والمصادر (References)
  1. فينس، ناتاليا، المرأة والثورة الجزائرية: التاريخ المنسي والمواطنة ما بعد الاستعمار، لندن: دار نشر أكسفورد، 2015، ص 89.
  2. شربيط، أحمد شربيط (جمع وتقديم)، كتاب جميلة بوحيرد في الوجدان العربي، الجزائر: موفم للنشر، 2011، ص 45.
  3. لازريج، مارنيا، بليغة ولكن صامتة: المرأة الجزائرية في الحرب، نيويورك: روتليدج، 1994، ص 105.
  4. موقع جدلية الأكاديمي، "أرشيف الشخصيات الوطنية: جميلة بوحيرد"، ملف سبتمبر 2012.
  5. لوفيفر، ماري آن، المحاكمات السياسية وحركات التحرر في المغرب العربي، ترجمة: أحمد الصادق، بيروت: دار التنوير، 1988، ص 142.
  6. شربيط، أحمد شربيط، مرجع سابق، ص 48.
  7. ياسف، سعدي، معركة الجزائر العاصمة، الجزائر: المؤسسة الوطنية للاتصال والنشر، 2003، ج 2، ص 112.
  8. موسوعة الجزيرة للمعلومات، "المناضلة الجزائرية جميلة بوحيرد.. أيقونة الثورة"، باب شخصيات، مارس 2023.
  9. ياسف، سعدي، مرجع سابق، ص 120.
  10. أرنو، جورج وفيرجيس، جاك، من أجل جميلة بوحيرد (Pour Djamila Bouhired)، باريس: منشورات منتصف الليل، 1957، ص 18.
  11. لازريج، مارنيا، مرجع سابق، ص 110.
  12. لوفيفر، ماري آن، مرجع سابق، ص 149.
  13. أرنو، جورج وفيرجيس، جاك، مرجع سابق، ص 22.
  14. لوفيفر، ماري آن، مرجع سابق، ص 153.
  15. فينس، ناتاليا، مرجع سابق، ص 94.
  16. شربيط، أحمد شربيط، مرجع سابق، ص 53.
  17. موقع جدلية الأكاديمي، مرجع سابق، 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قطاع الفوسفات في تونس بعد 2011: من ريادة الإنتاج إلى متاهات الأزمة الهيكلية ​بقلم: الناصر خشيني

  ​يعتبر قطاع الفوسفات في تونس أكثر من مجرد نشاط منجمي؛ إنه الشريان الحيوي للاقتصاد الوطني والعمود الفقري للتنمية في مناطق الحوض المنجمي. إلا أن هذا القطاع دخل منذ عام 2011 في نفق مظلم من الأزمات المتراكمة التي مست مفاصل الإنتاج والتسويق والإدارة، مما حوله من قاطرة للنمو إلى عبء تقني ومالي يتطلب وقفة تحليلية جادة لفهم مكامن الخلل وسبل الاستشراف المستقبلي. ​أولاً: أزمة الإنتاج.. بين المطلب الاجتماعي والتعطل التقني ​لقد تراجع حجم الإنتاج الوطني من الفوسفات الخام بشكل حاد، حيث انحدر من سقف 8 مليون طن في سنة 2010 إلى مستويات لا تتجاوز 4 مليون طن في أفضل الحالات خلال العقد الأخير. هذا التقهقر يعود بالأساس إلى: ​الاحتقان الاجتماعي: تحول الحوض المنجمي إلى ساحة للاحتجاجات المستمرة والاعتصامات المطالبة بالتنمية والتشغيل، وهو ما أدى إلى توقف متكرر لمحركات الإنتاج في المغاسل والمناجم. ​معضلة اللوجستيك والنقل: تعاني منظومة نقل الفوسفات عبر السكك الحديدية من تهالك شديد، مما دفع نحو الاعتماد على الشاحنات الخاصة، وهو حل مكلف أدى إلى تضخم تكاليف الإنتاج وضرب نجاعة العملية اللوجستية. ​تقادم المعدات...

​طبيعة الصراع العربي الصهيوني والطريق إلى تحرير فلسطين ​بقلم: الناصر خشيني

مداخلة أُلقيت في مخيم الشباب القومي العربي – نابل، تونس ​مقدمة ​يعود الأصل النظرى لهذا البحث إلى ثمانينيات القرن الماضي، وتحديداً خلال صيف عام 1982 المحموم، إبان الاجتياح الصهيوني للبنان بقيادة السفاح "أرييل شارون". وقد قُدِّم البحث حينها على مسرح الهواء الطلق بمدينة طبرقة التونسية. ومنذ ذلك الوقت، ورغم تسارع الأحداث الإقليمية وتطورها بشكل دراماتيكي، لم يتغير شيء من طبيعة الصراع العربي الصهيوني الجوهرية. وبناءً على مقتضيات التطورات الراهنة التي تعيشها المنطقة، أُعيدت صياغة هذه الرؤية وتعديلها لتواكب الواقع المعاصر. ​لا يزال الصراع في فلسطين بين الأمة العربية والصهاينة على أشده وبلا هوادة، وتسيل الدماء يومياً غزيرة من أبناء شعبنا في فلسطين الكسيرة، ولكن دون تفريط في الحق السليب بشكل نهائي. ورغم الاعتراف المتبادل بين بعض النظم العربية والصهاينة، ورغماً عن اتفاقيات السلام الموقعة، فإن ملايين المشردين الذين أُخرجوا من ديارهم بقوة السلاح لا يزالون يحلمون بالعودة إلى أرض الوطن، يراودهم الأمل يوماً ما طال الزمان أو قصر [1]. ​إن الصهاينة الذين اعتمدوا في احتلالهم للأرض على القوة الغا...

مهمة الرسول: الهداية والتبليغ لا الغزو والقتال بقلم: الناصر خشيني

     مقدمة أطنبت كتب الحديث والسيرة والتاريخ الإسلامي في الحديث عن "غزوات" مزعومة للرسول صلى الله عليه وسلم، في مخالفة صريحة لمنهج القرآن الكريم الذي لم يصف الرسول في أي موضع بأنه كان غازياً أو محارباً ابتداءً. فالقرآن اقتصر على ذكر بعض الوقائع المفصلية من سيرة الرسول، بعضها بالتفصيل وبعضها بالإجمال، دون أن يصطنع لها صفة "الغزو" التي ألصقتها بها كتب التراث. وتسعى هذه المقالة إلى استعراض هذه الوقائع كما وردت في النص القرآني نفسه، ثم بيان أن كل قتال خاضه الرسول لم يكن إلا رد فعل على عداء محورين بعينهما: قريش التي صادرت أموال المهاجرين وأخرجتهم من ديارهم، ويهود المدينة الذين خانوا عهد صحيفة المدينة، وأن مهمته الأصلية والمركزية كانت الدعوة بالرسالة والتبليغ بالحجة، كما يشهد على ذلك منهجه في مراسلة ملوك عصره. أولاً: منهج القرآن في تناول وقائع السيرة خلّد القرآن الكريم جملة من وقائع السيرة بالذكر، إما إجمالاً أو تفصيلاً، موزعة على عدد من السور: بدر: في سورتي آل عمران والأنفال (¹) أُحد: في سورة آل عمران، دون ذكر اسمها (²) صلح الحديبية: في سورة الفتح (³) الخندق: في سورة ال...