إن قراءة تاريخ الثورة التحريرية الجزائرية من منظور قومي تقدمي تفرض علينا التوقف طويلاً أمام العبقرية التنظيمية والفكرية للشهيد العربي بن مهيدي. فلم يكن بن مهيدي مجرد قائد عسكري عابر، بل كان طليعة ثورية واعية، ومفكراً استراتيجياً صاغ مع رفاقه فلسفة التحرر الشامل، واضعاً المصلحة العليا للجماهير الشعبية فوق كل اعتبار حزبي أو ضيق، ليتحول إلى أيقونة كونية في التضحية والصلابة الفكرية.
النشأة والتكوين: الوعي المبكر وجذور الانتماء
ولد العربي بن مهيدي عام 1923 في دوار الكواهي بضواحي عين مليلة (شرق الجزائر)، لأسرة فلاحية متمسكة بهويتها العربية الإسلامية في مواجهة سياسات الطمس الاستعماري. تلقى تعليمه الابتدائي في مسقط رأسه، ثم انتقل إلى باتنة وقسنطينة لمتابعة دراسته.
في قسنطينة، تفتح وعيه القومي والسياسي عبر الانخراط في "الكشافة الإسلامية الجزائرية"، التي كانت بمثابة المدرسة الأولى لتخريج الطلائع الثورية وتعميق أواصر الانتماء المغاربي والعربي. ومنذ شبابه الباكر، تميز بن مهيدي بهدوء رصين، وثقافة واسعة، وقدرة فائقة على التحليل السياسي، مما جعل رفاقه يلقبونه لاحقاً بـ "الحكيم".
التبلور النضالي: من العمل الحزبي إلى الطليعة السرية
انخرط بن مهيدي في صفوف "حزب الشعب الجزائري" ثم "حركة انتصار الحريات الديمقراطية" (MTLD). شكلت مجازر 8 ماي 1945، التي ارتكبها الاستعمار الفرنسي ضد الجماهير العزل، نقطة تحول حاسمة في فكره التقدمي؛ إذ أدرك يقيناً عقم النضال السياسي السلمي والمساومات الإصلاحية مع منظومة استعمارية فاشية بطبيعتها. تعرض للاعتقال عقب تلك الأحداث، لكن التجربة زادته إصراراً.
في عام 1947، كان بن مهيدي من الرعيل الأول الذي أسس "المنظمة الخاصة" (OS)، الجناح العسكري السري الذي تولى مهمة الإعداد المادي والنفسي للكفاح المسلح وجمع السلاح وتدريب الكوادر. وعندما اكتشف الاحتلال أمر المنظمة عام 1950، انتقل بن مهيدي إلى العمل السري التام في منطقة وهران (القطاع الوهراني)، حيث قاد التنظيم بحنكة واقتدار رغم الملاحقة المستمرة.
هندسة الثورة: من لجنة الـ 22 إلى تفجير الملحمة
مع تفاقم الأزمة الداخلية لحركة انتصار الحريات الديمقراطية وانقسامها، رفض بن مهيدي الصراعات السياسوية العقيمة، وانحاز إلى الخيار التقدمي الطليعي الداعي إلى تجميع القوى الحية للشعب. كان عضواً بارزاً في "لجنة الـ 22" التاريخية التي اجتمعت في يونيو 1954 لإقرار مبدأ الثورة المسلحة.
انبثقت عن هذه اللجنة لجنة مصغرة صاغت بيان "أول نوفمبر 1954" وأسست "جبهة التحرير الوطني" (FLN) وجيش التحرير الوطني (ALN)، وكان بن مهيدي أحد القادة الستة الكبار (مجموعة الستة) الذين خططوا لتفجير الثورة. أُسندت إليه قيادة المنطقة الخامسة (القطاع الوهراني)، حيث نجح بعبقريته التنظيمية في تذليل العقبات وإشعال فتيل الكفاح المسلح في غرب البلاد رغم الصعوبات الجغرافية والتسليحية.
مؤتمر الصومام 1956: صياغة الخط الاستراتيجي والديمقراطي
أدرك بن مهيدي أن الثورة بحاجة إلى مأسسة وفكر استراتيجي يضمن استمراريتها؛ فكان المهندس الرئيسي لـ مؤتمر الصومام (20 أوت 1956) رفقة عبان رمضان. صاغ المؤتمر ميثاقاً تقدمياً رائداً رسخ مبدأين أساسيين: أولوية العمل الداخلي على الخارجي، وأولوية العمل السياسي على العسكري.
عقب المؤتمر، عُين بن مهيدي عضواً في "لجنة التنسيق والتنفيذ" (CCE)، القيادة العليا للثورة، وتولى الإشراف على العمل الفدائي والعسكري في العاصمة. وهو صاحب المقولة التاريخية السوسيولوجية التي تختزل الفكر التقدمي الشعبي: "ألقوا بالثورة إلى الشارع سيحتضنها الشعب".
معركة الجزائر وصمود الأسطورة
في أواخر عام 1956 وأوائل 1957، قاد بن مهيدي برؤية ثاقبة "معركة الجزائر العاصمة"، محولاً المدينة إلى ساحة مواجهة مفتوحة كشفت الوجه البشع للاستعمار أمام الرأي العام الدولي من خلال إضراب الثمانية أيام الشهير.
في 23 فبراير 1957، اعتقلته قوات المظليين الفرنسية بقيادة الجنرال بيجار. واجه بن مهيدي جلاديه بكبرياء قومي وأنفة ثورية أذهلت أعداءه؛ فرغم التعذيب الوحشي والهمجي الذي تعرض له (بما في ذلك سلخ جلد وجهه)، لم ينطق بكلمة واحدة تخص أسرار الثورة. وعندما سأله بيجار مستهجناً زرع القنابل في قفف النساء، أجاب بن مهيدي بتهكمه التقدمي الشهير: "أعطونا طائراتكم ونحن سنعطيكم قففنا".
الاستشهاد والخلود: انتصار الضحية على الجلاد
أمام عجز المنظومة العسكرية الفرنسية عن كسر إرادته الصُّلبة، واغتيالاً لمنهجه الفكري والتنظيمي، أقدمت قوات الاحتلال على إعدامه شنقاً دون محاكمة في ليلة 3 إلى 4 مارس 1957. وحاول الاستعمار تزييف الحقيقة بادعاء انتحاره، وهي كذبة دحضها التاريخ واعترافات القادة الفرنسيين أنفسهم لاحقاً.
لقد ترك الجنرال بيجار شهادة تاريخية في حق بن مهيدي حين قال: "لو كان لي ثلة من الرجال أمثال بن مهيدي لفتحت العالم".
خاتمة
يظل العربي بن مهيدي في الوجدان القومي والتقدمي نموذجاً للمناضل العضوي الذي ربط الوعي الفكري بالممارسة الثورية على الأرض. لم تكن شهادته نهاية المطاف، بل كانت الوقود الذي أذكأ نيران الثورة حتى النصر والاستقلال عام 1962، ليبقى اسمه منارة لكل الأحرار الطامحين إلى كسر قيود التبعية والإمبريالية في العالم العربي بأسره.
الهامش والمصادر (References)
- فينس، ناتاليا، المرأة والثورة الجزائرية: التاريخ المنسي والمواطنة ما بعد الاستعمار، لندن: دار نشر أكسفورد، 2015، ص 102.
- الخطيب، أحمد، العربي بن مهيدي: الرجل الذي هز إمبراطورية، الجزائر: دار المعرفة، 2008، ص 15-19.
- موسوعة الجزيرة للمعلومات، "العربي بن مهيدي.. حكيم الثورة الجزائرية ومهندس معركة الجزائر"، باب شخصيات، مارس 2024.
- تلمساني، بن يوسف، أبطال الثورة الجزائرية: قراءات في مسيرة قادة نوفمبر، وهران: دار الأمل للنشر، 2012، ص 67-71.
- حربي، محمد، جبهة التحرير الوطني: الأسطورة والواقع، باريس: منشورات جون أفريك، 1980، ص 44-48.
- بوداوود، مراد، المنطقة الخامسة وإستراتيجية بن مهيدي العسكرية، تلمسان: منشورات جامعة تلمسان، 2015، ص 89-93.
- كافي، علي، مذكرات الرئيس علي كافي: من جبهة التحرير إلى رئاسة الدولة، الجزائر: دار القصبة للنشر، 1999، ص 112-116.
- عبان، رمضان وآخرون، أرشيف الثورة: ميثاق الصومام وهيكلة الدولة الوطنية، الجزائر: موفم للنشر، 2005، ص 54-60.
- ياسف، سعدي، معركة الجزائر العاصمة، الجزائر: المؤسسة الوطنية للاتصال والنشر، 2003، ج 1، ص 205.
- أوساريس، الجنرال بول، الأجهزة السرية ومعركة الجزائر، باريس: منشورات بلون، 2001، ص 134-139.
- جريدة لوموند الفرنسية، "اعترافات القادة العسكريين حول تصفية العربي بن مهيدي"، ملحق التاريخ، باريس، عدد نوفمبر 2000.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق