التخطي إلى المحتوى الرئيسي

محمد عابد الجابري.. ونقد العقل العربي في سبيل النهضة التقدمية بقلم: الناصر خشيني

 


يمثل المفكر والمشرح الفلسفي المغربي محمد عابد الجابري (1935-2010) أحد أهم أعمدة الفكر القومي التقدمي المعاصر؛ إذ أحدث ثورة ابستمولوجية في كيفية تعاملنا مع التراث العربي الإسلامي [1]. لم يكن الجابري يرى في القومية مجرد شعار عاطفي، بل مشروعاً تاريخياً ومستقبلياً يتطلب "ثورة ثقافية داخلية" تعيد بناء العقل العربي، وتخلصه من آليات الركود، لتمكينه من الانخراط في الحداثة من موقع الفاعل والأصيل [2].
النشأة والتكوين: من النضال الحزبي إلى التأسيس المعرفي
ولد الجابري عام 1935 في مدينة فكيك بالشرق المغربي. عايش في شبابه معارك الاستقلال، وانخرط مبكراً في صفوف الحركة الوطنية المغربية وتحديداً في "الاتحاد الوطني للقوات الشعبية" (ثم الاتحاد الاشتراكي) ذي التوجه التقدمي والعروبي [3]. حصل على الدبلوم العالي في الفلسفة ثم الدكتوراه من جامعة محمد الخامس بالرباط، ليتحول من النضال الحزبي المباشر إلى نضال فكري أكثر عمقاً، مدفوعاً بوعي حاد بأن أزمة العمل السياسي العربي ناتجة بالأساس عن أزمة في بنية العقل نفسه [4].
مشروع "نقد العقل العربي": تفكيك البنية التراثية
يعد مشروع "نقد العقل العربي" بأجزائه الأربعة المحطة الأبرز في مسيرة الجابري العلمية [1]. استخدم الجابري أدوات المنهج البنيوي والتاريخي لتفكيك آليات التفكير العربي، وقسم العقل التراثي إلى ثلاث نظم معرفية متصارعة:
  1. نظام البيان: وهو عقل النص واللغة والفقه والمشافهة [5].
  2. نظام العرفان: وهو العقل المستند إلى اللامعقول، والتصوف الفلسفي الغنوصي، والهروب من الواقع [5].
  3. نظام البرهان: وهو عقل الملاحظة، والتحليل المنطقي، والسببية، والذي تجلى في المغرب العربي والأندلس مع ابن رشد، وابن حزم، وابن خلدون [5].
ومن منظور تقدمي، دعا الجابري إلى ضرورة "تدشين رشدية جديدة" في الفكر العربي المعاصر؛ أي إحياء النظام البرهاني القائم على العقل والواقع والسببية، وتهميش النظام العرفاني الاستقالي الذي يكرس الخرافة والاستسلام السياسي [6].
الكتلة التاريخية والمشروع القومي الديمقراطي
لم ينفصل الجابري قط عن هموم أمته السياسية؛ فقدم أطروحات هامة حول "المسألة القومية" و"الديمقراطية" [7]. صاغ مفهوم "الكتلة التاريخية" (المستوحى بتطوير من غرامشي)، داعياً إلى تحالف عريض يجمع القوى التقدمية، واليسارية، والقومية، والإسلامية المستنيرة في الوطن العربي [8].
يرى الجابري أن معركة الاستبداد والتبعية للإمبريالية لا يمكن أن تحسمها فئة واحدة، بل تتطلب جبهة عريضة تتجاوز الخلافات الإيديولوجية الثانوية للتركيز على المشتركات: التحرر الوطني، وتحقيق الديمقراطية، والعدالة الاجتماعية، وحماية الأمن القومي العربي [8].
نقد الاستشراق والمركزية الغربية
في موازاة نقده للتراث، قدم الجابري نقداً تقدمياً لاذعاً للمركزية الغربية والاستشراق [2]. واعتبر أن التحديث لا يعني "الفرنسة" أو "الأمركة"، بل هو تفاعل واعي مع الكونية المعاصرة ينطلق من الجذور التاريخية للأمة [4]. إن تجديد العقل العربي عند الجابري هو المدخل الوحيد لبناء مجتمع عربي تقدمي يمتلك القدرة على التجدد التاريخي ومواجهة التحديات المصيرية [9].

الهامش والمصادر (مقال محمد عابد الجابري)
  1. الجابري، محمد عابد، تكوين العقل العربي (نقد العقل العربي 1)، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1984، ص 15-22.
  2. الداوي، عبد الرزاق، محمد عابد الجابري والمشروع النهضوي العربي، الرباط: دار الأمان، 2012، ص 44.
  3. الجابري، محمد عابد، حفريات في الذاكرة: من فكيك إلى الرباط (سيرة ذاتية)، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1997، ص 89-94.
  4. تيزيني، طيب، من الاستشراق إلى الفكر النقدي: قراءة في أطروحات الجابري، دمشق: دار طلاس، 1996، ص 105-108.
  5. الجابري، محمد عابد، بنية العقل العربي (نقد العقل العربي 2)، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1986، ص 210-218.
  6. سبيلا، محمد، النزعة الرشدية في الفكر المغربي المعاصر: الجابري نموذجاً، الدار البيضاء: دار توبقال، 2001، ص 77.
  7. الجابري، محمد عابد، المسألة القومية: نحو رؤية تاريخية نقدية، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1985، ص 53-59.
  8. الجابري، محمد عابد، الديمقراطية وحقوق الإنسان في الوطن العربي، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1994، ص 134-140.
  9. محمود، زكي نجيب، رؤية فكرية في مشروع محمد عابد الجابري الإبستمولوجي، القاهرة: دار الشروق، 1989، ص 92.

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قطاع الفوسفات في تونس بعد 2011: من ريادة الإنتاج إلى متاهات الأزمة الهيكلية ​بقلم: الناصر خشيني

  ​يعتبر قطاع الفوسفات في تونس أكثر من مجرد نشاط منجمي؛ إنه الشريان الحيوي للاقتصاد الوطني والعمود الفقري للتنمية في مناطق الحوض المنجمي. إلا أن هذا القطاع دخل منذ عام 2011 في نفق مظلم من الأزمات المتراكمة التي مست مفاصل الإنتاج والتسويق والإدارة، مما حوله من قاطرة للنمو إلى عبء تقني ومالي يتطلب وقفة تحليلية جادة لفهم مكامن الخلل وسبل الاستشراف المستقبلي. ​أولاً: أزمة الإنتاج.. بين المطلب الاجتماعي والتعطل التقني ​لقد تراجع حجم الإنتاج الوطني من الفوسفات الخام بشكل حاد، حيث انحدر من سقف 8 مليون طن في سنة 2010 إلى مستويات لا تتجاوز 4 مليون طن في أفضل الحالات خلال العقد الأخير. هذا التقهقر يعود بالأساس إلى: ​الاحتقان الاجتماعي: تحول الحوض المنجمي إلى ساحة للاحتجاجات المستمرة والاعتصامات المطالبة بالتنمية والتشغيل، وهو ما أدى إلى توقف متكرر لمحركات الإنتاج في المغاسل والمناجم. ​معضلة اللوجستيك والنقل: تعاني منظومة نقل الفوسفات عبر السكك الحديدية من تهالك شديد، مما دفع نحو الاعتماد على الشاحنات الخاصة، وهو حل مكلف أدى إلى تضخم تكاليف الإنتاج وضرب نجاعة العملية اللوجستية. ​تقادم المعدات...

​طبيعة الصراع العربي الصهيوني والطريق إلى تحرير فلسطين ​بقلم: الناصر خشيني

مداخلة أُلقيت في مخيم الشباب القومي العربي – نابل، تونس ​مقدمة ​يعود الأصل النظرى لهذا البحث إلى ثمانينيات القرن الماضي، وتحديداً خلال صيف عام 1982 المحموم، إبان الاجتياح الصهيوني للبنان بقيادة السفاح "أرييل شارون". وقد قُدِّم البحث حينها على مسرح الهواء الطلق بمدينة طبرقة التونسية. ومنذ ذلك الوقت، ورغم تسارع الأحداث الإقليمية وتطورها بشكل دراماتيكي، لم يتغير شيء من طبيعة الصراع العربي الصهيوني الجوهرية. وبناءً على مقتضيات التطورات الراهنة التي تعيشها المنطقة، أُعيدت صياغة هذه الرؤية وتعديلها لتواكب الواقع المعاصر. ​لا يزال الصراع في فلسطين بين الأمة العربية والصهاينة على أشده وبلا هوادة، وتسيل الدماء يومياً غزيرة من أبناء شعبنا في فلسطين الكسيرة، ولكن دون تفريط في الحق السليب بشكل نهائي. ورغم الاعتراف المتبادل بين بعض النظم العربية والصهاينة، ورغماً عن اتفاقيات السلام الموقعة، فإن ملايين المشردين الذين أُخرجوا من ديارهم بقوة السلاح لا يزالون يحلمون بالعودة إلى أرض الوطن، يراودهم الأمل يوماً ما طال الزمان أو قصر [1]. ​إن الصهاينة الذين اعتمدوا في احتلالهم للأرض على القوة الغا...

مهمة الرسول: الهداية والتبليغ لا الغزو والقتال بقلم: الناصر خشيني

     مقدمة أطنبت كتب الحديث والسيرة والتاريخ الإسلامي في الحديث عن "غزوات" مزعومة للرسول صلى الله عليه وسلم، في مخالفة صريحة لمنهج القرآن الكريم الذي لم يصف الرسول في أي موضع بأنه كان غازياً أو محارباً ابتداءً. فالقرآن اقتصر على ذكر بعض الوقائع المفصلية من سيرة الرسول، بعضها بالتفصيل وبعضها بالإجمال، دون أن يصطنع لها صفة "الغزو" التي ألصقتها بها كتب التراث. وتسعى هذه المقالة إلى استعراض هذه الوقائع كما وردت في النص القرآني نفسه، ثم بيان أن كل قتال خاضه الرسول لم يكن إلا رد فعل على عداء محورين بعينهما: قريش التي صادرت أموال المهاجرين وأخرجتهم من ديارهم، ويهود المدينة الذين خانوا عهد صحيفة المدينة، وأن مهمته الأصلية والمركزية كانت الدعوة بالرسالة والتبليغ بالحجة، كما يشهد على ذلك منهجه في مراسلة ملوك عصره. أولاً: منهج القرآن في تناول وقائع السيرة خلّد القرآن الكريم جملة من وقائع السيرة بالذكر، إما إجمالاً أو تفصيلاً، موزعة على عدد من السور: بدر: في سورتي آل عمران والأنفال (¹) أُحد: في سورة آل عمران، دون ذكر اسمها (²) صلح الحديبية: في سورة الفتح (³) الخندق: في سورة ال...