التخطي إلى المحتوى الرئيسي

مالك بن نبي.. فيلسوف الحضارة ومشرح شروط النهضة العربية بقلم: الناصر خشيني

 


    في سياق الفكر التقدمي الباحث عن شروط الانعتاق الحقيقي للأمة العربية ومواجهة رواسب الاستعمار، يبرز المفكر الجزائري مالك بن نبي (1905-1973) كواحد من أعمق فلاسفة الحضارة في القرن العشرين [1]. لم يكن بن نبي مجرد منظر ديني، بل كان عالم اجتماع ومفكراً استراتيجياً انشغل بتشريح أسباب الأفول الحضاري، مقدماً رؤية تقدمية تربط التحرر السياسي والوطني بالتحرر النفسي والفكري للأمة [2].

النشأة والمسار المعرفي: بين القصبة وباريس
ولد مالك بن نبي عام 1905 في قسنطينة بالشرق الجزائري، ونشأ في بيئة عانت من وطأة الاستعمار الاستيطاني الفرنسي ومحاولاته الدؤوبة لطمس الهوية العربية [3]. سافر إلى فرنسا لمتابعة دراسته، ورغم رغبته في دراسة الحقوق والشرق ليفهم واقع أمته، إلا أن التضييق الاستعماري دفعه إلى دراسة الهندسة الكهربائية، مما منحه عقلاً منظماً يميل إلى التحليل الرياضي والبنيوي لظواهر المجتمع [4].
في باريس، عايش بن نبي عن قرب أزمة الحضارة الغربية وازدواجية معاييرها، وتفاعل مع الحركات الطلابيّة والمغاربية، وبدأ في صياغة مشروعه الفكري المتمحور حول سؤال جوهري: لماذا تخلف المسلمون وتقدم غيرهم؟ [3].
مفهوم "القابلية للاستعمار": التحرر الذاتي أولاً
يمثل مفهوم "القابلية للاستعمار" (Colonhabilité) الإسهام الأكثر جرأة وتقدمية في فكر مالك بن نبي [5]. فقد جادل بأن تحرر الشعوب العربية والمستعمرة لا يتحقق بمجرد طرد الجيوش الغازية وتغيير الأعلام، بل يجب أولاً تصفية البيئة الداخلية النفسية والثقافية التي تسمح بنمو الاستبداد والتبعية [2].
يرى بن نبي أن الاستعمار الخارجي ليس سوى نتيجة للمرض الداخلي؛ فالشعوب عندما تفقد ديناميكيتها الحضارية وتعيش حالة من الركود، تصبح مهيأة ذاتياً لتقبل التبعية [5]. ومن هنا، فإن الفكر التقدمي الحقيقي عند بن نبي يبدأ من ثورة ثقافية ونفسية تعيد صياغة الإنسان العربي ليكون فاعلاً لا مفعولاً به [6].
شروط النهضة ومستويات التغيير الاجتماعي
طرح بن نبي في كتابه التأسيسي "شروط النهضة" معادلة ثلاثية لتركيب أي حضارة، تتكون من: (الإنسان + التراب + الوقت) [1]. واعتبر أن هذه العناصر المادية تظل راكدة ما لم تحركها "الفكرة الدينية" أو النازع القيمي الأخلاقي الذي يربط بينها ويحولها إلى طاقة إنتاجية [7].
ومن منظور سوسيولوجي تقدمي، انتقد بن نبي ما سماه "التكديس"؛ أي إغراق المجتمعات العربية بالسلع والأفكار المستوردة دون امتلاك القدرة على "البناء والتوطين" [6]. فالنهضة في نظره هي عملية إبداع ذاتي تنبع من الاحتياجات الواقعية للجماهير الشعبية، وليست محاكاة عمياء للنموذج الغربي الإمبريالي أو استيراداً معلباً للمظاهر الحضارية [7].
البعد الأفرو-آسيوي وفكرة الفضاء القومي
تميز فكر مالك بن نبي بوعي جيوسياسي متقدم؛ إذ كان من أوائل الذين التقطوا أهمية التضامن بين شعوب العالم الثالث [8]. في كتابه "فكرة الإفريقية الآسيوية" (عقب مؤتمر باندونغ 1955)، دعا إلى صياغة جبهة تقدمية موحدة تجمع الشعوب المضطهدة في مواجهة الإمبريالية الغربية والرأسمالية المتوحشة [8].
هذا المنظور يتقاطع بقوة مع المشروع القومي التقدمي؛ حيث يرى بن نبي أن الوطن العربي يمثل حلقة الوصل الجغرافية والحضارية الأساسية في هذا القطب العالمي الجديد، وهو ما يتطلب تكاملأً سياسياً واقتصادياً عربياً مبنياً على أسس معرفية وحضارية متينة [9].

الهامش والمصادر (مقال مالك بن نبي)
  1. بن نبي، مالك، شروط النهضة، ترجمة: عمر كامل مسقاوي، دمشق: دار الفكر، 1986، ص 35-42.
  2. سليمان، محمود، الفكر الاجتماعي عند مالك بن نبي، الجزائر: ديوان المطبوعات الجامعية، 2005، ص 112.
  3. مسقاوي، عمر كامل، في صحبة مالك بن نبي: سيرة ومسار، بيروت: دار البشائر الإسلامية، 1998، ص 55-60.
  4. بن نبي، مالك، مذكرات شاهد للقرن، الجزائر: دار الانتفاضة، 1970، ج 1، ص 145.
  5. حنفي، حسن، تجارب في الفكر الحديث: قراءة في فلسفة مالك بن نبي، القاهرة: دار المعارف، 1992، ص 88-91.
  6. بوزيد، بومدين، مالك بن نبي وتفكيك الاستعمار: رؤية نقدية تقدمية، وهران: منشورات جامعة وهران، 2011، ص 134.
  7. بن نبي، مالك، وجهة العالم الإسلامي، ترجمة: عبد الصبور شاهين، القاهرة: مكتبة عمار، 1959، ص 73-77.
  8. بن نبي، مالك، فكرة الإفريقية الآسيوية في ضوء مؤتمر باندونغ، القاهرة: مطبعة الرائد، 1956، ص 18-24.
  9. العتوم، علي، الفكر السياسي عند مالك بن نبي وأثره في الواقع العربي المعاصر، عمان: دار عمار للنشر، 2003، ص 105.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قطاع الفوسفات في تونس بعد 2011: من ريادة الإنتاج إلى متاهات الأزمة الهيكلية ​بقلم: الناصر خشيني

  ​يعتبر قطاع الفوسفات في تونس أكثر من مجرد نشاط منجمي؛ إنه الشريان الحيوي للاقتصاد الوطني والعمود الفقري للتنمية في مناطق الحوض المنجمي. إلا أن هذا القطاع دخل منذ عام 2011 في نفق مظلم من الأزمات المتراكمة التي مست مفاصل الإنتاج والتسويق والإدارة، مما حوله من قاطرة للنمو إلى عبء تقني ومالي يتطلب وقفة تحليلية جادة لفهم مكامن الخلل وسبل الاستشراف المستقبلي. ​أولاً: أزمة الإنتاج.. بين المطلب الاجتماعي والتعطل التقني ​لقد تراجع حجم الإنتاج الوطني من الفوسفات الخام بشكل حاد، حيث انحدر من سقف 8 مليون طن في سنة 2010 إلى مستويات لا تتجاوز 4 مليون طن في أفضل الحالات خلال العقد الأخير. هذا التقهقر يعود بالأساس إلى: ​الاحتقان الاجتماعي: تحول الحوض المنجمي إلى ساحة للاحتجاجات المستمرة والاعتصامات المطالبة بالتنمية والتشغيل، وهو ما أدى إلى توقف متكرر لمحركات الإنتاج في المغاسل والمناجم. ​معضلة اللوجستيك والنقل: تعاني منظومة نقل الفوسفات عبر السكك الحديدية من تهالك شديد، مما دفع نحو الاعتماد على الشاحنات الخاصة، وهو حل مكلف أدى إلى تضخم تكاليف الإنتاج وضرب نجاعة العملية اللوجستية. ​تقادم المعدات...

​طبيعة الصراع العربي الصهيوني والطريق إلى تحرير فلسطين ​بقلم: الناصر خشيني

مداخلة أُلقيت في مخيم الشباب القومي العربي – نابل، تونس ​مقدمة ​يعود الأصل النظرى لهذا البحث إلى ثمانينيات القرن الماضي، وتحديداً خلال صيف عام 1982 المحموم، إبان الاجتياح الصهيوني للبنان بقيادة السفاح "أرييل شارون". وقد قُدِّم البحث حينها على مسرح الهواء الطلق بمدينة طبرقة التونسية. ومنذ ذلك الوقت، ورغم تسارع الأحداث الإقليمية وتطورها بشكل دراماتيكي، لم يتغير شيء من طبيعة الصراع العربي الصهيوني الجوهرية. وبناءً على مقتضيات التطورات الراهنة التي تعيشها المنطقة، أُعيدت صياغة هذه الرؤية وتعديلها لتواكب الواقع المعاصر. ​لا يزال الصراع في فلسطين بين الأمة العربية والصهاينة على أشده وبلا هوادة، وتسيل الدماء يومياً غزيرة من أبناء شعبنا في فلسطين الكسيرة، ولكن دون تفريط في الحق السليب بشكل نهائي. ورغم الاعتراف المتبادل بين بعض النظم العربية والصهاينة، ورغماً عن اتفاقيات السلام الموقعة، فإن ملايين المشردين الذين أُخرجوا من ديارهم بقوة السلاح لا يزالون يحلمون بالعودة إلى أرض الوطن، يراودهم الأمل يوماً ما طال الزمان أو قصر [1]. ​إن الصهاينة الذين اعتمدوا في احتلالهم للأرض على القوة الغا...

مهمة الرسول: الهداية والتبليغ لا الغزو والقتال بقلم: الناصر خشيني

     مقدمة أطنبت كتب الحديث والسيرة والتاريخ الإسلامي في الحديث عن "غزوات" مزعومة للرسول صلى الله عليه وسلم، في مخالفة صريحة لمنهج القرآن الكريم الذي لم يصف الرسول في أي موضع بأنه كان غازياً أو محارباً ابتداءً. فالقرآن اقتصر على ذكر بعض الوقائع المفصلية من سيرة الرسول، بعضها بالتفصيل وبعضها بالإجمال، دون أن يصطنع لها صفة "الغزو" التي ألصقتها بها كتب التراث. وتسعى هذه المقالة إلى استعراض هذه الوقائع كما وردت في النص القرآني نفسه، ثم بيان أن كل قتال خاضه الرسول لم يكن إلا رد فعل على عداء محورين بعينهما: قريش التي صادرت أموال المهاجرين وأخرجتهم من ديارهم، ويهود المدينة الذين خانوا عهد صحيفة المدينة، وأن مهمته الأصلية والمركزية كانت الدعوة بالرسالة والتبليغ بالحجة، كما يشهد على ذلك منهجه في مراسلة ملوك عصره. أولاً: منهج القرآن في تناول وقائع السيرة خلّد القرآن الكريم جملة من وقائع السيرة بالذكر، إما إجمالاً أو تفصيلاً، موزعة على عدد من السور: بدر: في سورتي آل عمران والأنفال (¹) أُحد: في سورة آل عمران، دون ذكر اسمها (²) صلح الحديبية: في سورة الفتح (³) الخندق: في سورة ال...