التخطي إلى المحتوى الرئيسي

المشاركات

سلسلة قرات لكم كتاب د عصمت سيف الدولة هذه المعاهدة بقلم الناصر خشيني

    دراسة نقدية وتحليلية لاتفاقية كامب ديفيد وآثارها القانونية والسياسية ​مقدمة ومدخل عام ​تمثل معاهدة السلام المبرمة بين مصر وإسرائيل (اتفاقية كامب ديفيد وما تلاها من اتفاقيات) واحدة من أكثر المحطات تحولاً وتأثيراً في تاريخ الشرق الأوسط الحديث. يسعى هذا التلخيص المطول إلى تقديم قراءة تحليليّة شاملة وموسعة للكتاب؛ إذ لا يكتفي بمجرد سرد البنود والنصوص الرسمية، بل يغوص في تفكيك السياقات السياسية، الإجرائية، العسكرية، والدستورية التي أحاطت بتوقيعها، مستعرضاً تداعياتها المباشرة وغير المباشرة على السيادة الوطنية المصرية وعلى موقع مصر القيادي في الأمة العربية والقضية الفلسطينية. ​أولاً: الإخراج الإجرائي والظروف السياسية لإقرار الاتفاقية ​يتطرق الكتاب بشيء من التفصيل والتحليل النقدي إلى البيئة الإجرائية والسياسية التي سادت قبيل وأثناء إقرار المعاهدة داخل المؤسسات التشريعية والتنفيذية المصرية: ​ الاستعجال والتمرير السريع: يُسلط الضوء على الكيفية الإجرائية والسريعة التي تُمّ بها عرض المعاهدة وملاحقها على مجلس الوزراء ومجلس الشعب. حيث تم إقرارها في جلسات استثنائية اتسمت بالسرعة الفائق...

تفسير الطبري في ميزان النقد الحديث: من تقديس النص المروي إلى رهن العقل الجمعي بقلم: الناصر خشيني

   مقدمة يُجمع علماء الأمة الإسلامية ومحقّقوها على أن تفسير "جامع البيان عن تأويل آي القرآن" للإمام محمد بن جرير الطبري (ت 310 هـ) هو "شيخ التفاسير" وعمودها الفقري، والمرجع الأول لمنهج التفسير بالمأثور. لكن هذه المكانة المركزية لم تمنع النقاد والمفكرين والمحققين —قدامى ومحدثين— من تلمّس جوانب منهجية سلبية أثّرت بشكل عميق وممتد على بنية الثقافة العربية الإسلامية، وتتمحور هذه الإشكاليات حول طبيعة الاعتماد المطلق على الرواية والتوسع في إيراد "الإسرائيليات". أولاً: الجوانب المنهجية السلبية في تفسير الطبري أزمة "من أسند فقد برئت ذمته": اعتمد الطبري قاعدة علمية سادت لدى المحدثين قديماً وهي أن ذكر السند الكامل للرواية يخلي مسؤولية المؤلف ويترك للمطالع مهمة نقد الرجال والحكم على المتن، مما أدى إلى حشو التفسير بآلاف الروايات الضعيفة والموضوعة التي تعاملت معها الجماهير لاحقاً كحقائق لا تقبل الجدال. الإغراق في الإسرائيليات وقصص الأنبياء: يُعد تفسير الطبري أحد أكبر قنوات تمرير مرويات أهل الكتاب إلى الفكر الإسلامي عبر النقل المكثف عن كعب الأحبار، ووهب بن م...

مأزق الفكر الأثري وعوائق النهضة العربية: تفكيك منهج ابن كثير في التفسير بقلم: الناصر خشيني 

مقدمة: معركة الوعي والتحرر الحضاري لا يمكن لأمة أن تخوض معركة التحرر السياسي والاقتصادي وهي ترزح تحت وطأة وعي معرفي مكبل بالماضوية والاتباع. إن أزمة الأمة العربية اليوم، في جوهرها، هي أزمة عقل مستقيل استبدل التدبر القرآني المباشر بالاجترار الحشوي. ويقف "تفسير القرآن العظيم" لابن كثير (ت 774هـ) كأحد أبرز الشواهد على تحويل النص القرآن المتحرك، الصالح لبناء نهضة إنسانية متجددة، إلى نصوص مغلقة محكومة بمرويات القرون الوسطى وإسقاطاتها الفقهية والقصصية. إن نقد هذا المنهج ليس ترفاً فكرياً، بل هو ضرورة قومية تقدمية لتطهير الوعي العربي من رواسب الجمود المعرفي، وفتح الآفاق أمام عقلانية عربية علمية ومفتوحة. أولاً: آيات الخلق بين آفاق السنن الكونية ومستنقع الإسرائيليات (شواهد تطبيقية) تتجلى خطورة المنهج الحشوي عند ابن كثير في تعامله مع "آيات الخلق" والكون والوجود. فالقرآن يطرح قضية الخلق كقوة دافعة للبحث العلمي والتدبر في السنن الكونية ("قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ"). لكن ابن كثير، عوضاً عن فتح الباب للعقل ليتأمل في فيزياء الكون ونوامي...

الإمام الشافعي وتأسيس "الدين البديل": قراءة نقدية في مأسسة الوحي الثاني والتشريع الموازي بقلم الناصر خشيني

  مدخل: "الرسالة" كدستور للفقه لا للقرآن يُعتبر الإمام محمد بن إدريس الشافعي (150 - 204 هـ) المهندس الأكبر للفقه الإسلامي التقليدي. فمن خلال كتابه التأسيسي "الرسالة"، لم يكتفِ الشافعي بتدوين القواعد، بل أحدث ثورة بنيوية نقلت الفكر الإسلامي من "محورية القرآن" إلى "محورية النص الروائي". ويرى التيار النقدي المعاصر أن الشافعي، من حيث يقصد أو لا يقصد، أسّس "ديناً موازياً" جعل فيه الاجتهاد البشري والروايات التاريخية في مرتبة مساوية للقرآن، بل وحاكمة عليه في كثير من الأحيان. أولاً: معضلة "الوحي الثاني" — مساواة السنة بالقرآن أكبر التحولات التي فرضها الشافعي كانت مأسسة مفهوم "السنة النبوية كأصل تشريعي مستقل وموازٍ للقرآن"، وهو ما يُعرف اليوم بـ"الوحي الثاني". التأويل الشافعي لطاعة الرسول: دمج الشافعي بين طاعة الله وطاعة الرسول الواردتين في القرآن، واعتبر أن كل ما صدر عن النبي من قول أو فعل أو تقرير هو وحي من الله، استناداً إلى تأويله لآية "وما ينطق عن الهوى". النتيجة المعرفية: تحوّلت الأحاديث المروية عبر ...

ترامب في مأزق طهران: حين يتحوّل التهديد إلى اعتراف بالعجز بقلم الناصر خشيني

  مقدمة لم يكن أحد يتصوّر أن يجد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نفسه، بعد أشهر من حرب أشعلها بنفسه ضد إيران منذ أواخر فبراير الماضي، أسير معادلة معكوسة تماماً عمّا روّج له: فبدل "الحسم السريع" الذي وعد به، ها هو يواجه ترسانة عسكرية أمريكية مستنزفة، وخزائن مالية مثقلة، وشريكاً إيرانياً يرفض الانحناء، وموعداً انتخابياً يقترب بلا أي إنجاز يُذكر. أمام هذا المأزق، لجأ ترامب إلى ما يجيده جيداً: التهديد. لكن هذه المرة لم يعد التهديد موجهاً لطهران وحدها، بل امتد ليطال محيطها الإقليمي بأكمله، من مسقط إلى أبوظبي، ومن أنقرة إلى إسلام آباد والرياض. حرب بلا أفق... ومهلة انتهت بلا نتيجة بعد مذكرة تفاهم بين واشنطن وطهران منحت الطرفين مهلة ستين يوماً للتوصل إلى تسوية، انقضى الأجل في منتصف أغسطس الجاري دون أي تقدّم يُذكر، لتدخل الأزمة، بحسب مراكز بحثية متابعة للملف، "متاهة كبيرة ومخيفة". فقد أعلن ترامب أنه لا نية لديه لاستئناف المحادثات، مصرّاً على استمرار الحصار البحري، فيما ردّت طهران برفض قاطع لتهديداته بفرض ما وصفه بـ"عقوبات اقتصادية ساحقة"، على لسان وزير خارجيتها عباس ع...

جدل الإنسان: حين تجاوز عصمت سيف الدولة الليبرالية والماركسية بروح القرآن بقلم الناصر خشيني

   مقدمة لم يكن عصمت سيف الدولة مفكرًا عابرًا في مسيرة الفكر القومي العربي، بل كان صاحب مشروع فلسفي متكامل حاول أن يجيب عن سؤال محوري: كيف يمكن للأمة العربية أن تمتلك نظرية للتغيير لا تستعير عباءتها من الغرب الليبرالي ولا من الشرق الماركسي، وإنما تنبع من صميم رؤيتها لذاتها وللإنسان وللكون؟ من هذا السؤال وُلد "جدل الإنسان"، ذلك المفهوم الذي أراد به سيف الدولة أن يؤسس قانونًا للتغيير التاريخي يتجاوز الحتمية المادية عند ماركس، والفردانية النفعية عند الليبراليين، دون أن يقطع الصلة بمنجزات الفكر الإنساني، بل موظِّفًا إياها في بناء تصور جديد مرجعيته الأولى هي القرآن الكريم. أولًا: أزمة النظريتين الكبريين حين طرح سيف الدولة مشروعه، كان يقف أمام نظريتين مهيمنتين على الفكر السياسي الحديث: الليبرالية، التي أقامت صرحها على الفرد المنعزل، صاحب المصلحة الذاتية، والعقد الاجتماعي الذي لا يعدو كونه ترتيبًا إجرائيًا لحماية الملكية والحرية الفردية. في هذا الأفق، يغيب الإنسان بوصفه كائنًا جماعيًا ذا رسالة، ويتحول التاريخ إلى ساحة تنافس بين مصالح متضاربة لا غاية جوهرية لها. الماركسية، في المقابل...

تجارة الموت الأبيض وهندسة استئصال الأجساد: حينما تتقاطع مأساة "الدواء المغتصب" بـ "أعضاء البشر" المهرّبة في تونس بقلم الباحث: الناصر خشيني

إنّ الجريمة المنظمة العابرة للحدود لم تعد مجرّد فصول من سيناريوهات الرعب البعيدة، بل تحوّلت إلى واقع ملموس يخترق النسيج المجتمعي والأمني، متمثلاً في أخطر ثنائيات القرن الحادي والعشرين: احتكار الأدوية الحيوية وتهريبها، وشبكات المتاجرة بالأعضاء البشرية. هذه الأنشطة الإجرامية لا تقتصر خطورتها على كونها تجارة اقتصاد أسود غير مشروع، بل إنها تُمثل انتهاكاً صارخاً للحق الكوني في الحياة والصحة المضمونين قانوناً، وتستغل بشكل بشع الأزمات الاقتصادية الخانقة، والظروف المعيشية القاسية للضحايا المستضعفين لإرساء أركان هندسة القتل البطيء وتفكيك الأجساد. أولاً: الأخطبوط الإجرامي الإقليمي والدولي (خارطة التورط والأدوار) تُدار الجريمتان عبر توليفة معقدة وشبكات دولية دقيقة تتداخل فيها مسارات الفساد الإداري والمحلي بالمافيات عابرة الحدود، وتتقاسم الأدوار عبر آليات منظمة كالتالي: مافيات تهريب واحتكار الدواء والمنظومات الصيدلانية عصابات التهريب الإقليمية: مجموعات تعمد إلى تحويل مسار الأدوية المدعومة والمخصصة للمواطنين المحتاجين والأسواق المحلية، لتهريبها عبر الحدود وتسييلها بأسعار مضاعفة في الأسواق الموازية...

خارج هالة العصمة: صحيح البخاري بين عبقرية التدوين وحدود الصناعة البشرية بقلم الناصر خشيني

  ​  يكثر الحديث في مجالسنا وخطبنا عن "صحيح البخاري" بوصفه أوثق كتاب بعد كتاب الله، حتى صار عند كثيرين نصًّا لا يُمسّ ولا يُناقش، وكأنّ كل حرف فيه نزل وحيًا مباشرًا. لكن من يقرأ تراث المسلمين أنفسهم في علم الرجال والجرح والتعديل، لا يجد هذا الإطلاق، بل يجد صناعة بشرية دقيقة، مضنية، مختلفًا فيها، ومحفوفة بالشك والتصويب والتراجع. وهذا بالضبط ما تكشفه دراسة أكاديمية محكّمة، أنجزتها الباحثة ميسر رجب الداعور في رسالة دكتوراه بالجامعة الأردنية سنة 2010، بعنوان "شيوخ البخاري المتكلم فيهم في الجامع الصحيح".   ​ميزان شيوخ البخاري المباشرين خلاصة هذه الدراسة وحدها كافية لهزّ صورة "العصمة" التي أُلبِست هذا الكتاب: ​80 شيخًا مباشرين طالهم النقد: من بين شيوخ البخاري الذين حدّث عنهم مباشرة في صحيحه، ثمانون رجلًا وُجّه إليهم كلام ينتقص من عدالتهم أو ضبطهم بدرجات متفاوتة: منهم من اتُّهم بالرفض والتشيّع، ومنهم من اتُّهم بالكذب صراحة، ومنهم من وُصف بكثرة الوهم والخطأ، ومنهم من قيل فيه "صدوق يُخطئ" أو "ثقة تغيّر" أو "له أوهام". ثمانون اسمًا، من...

البخاري بين قداسة النص وإساءات المتن: قراءة نقدية في "أصحّ كتاب بعد كتاب الله" بقلم: الناصر خشيني

  مدخل جرت العادة أن يُوضع صحيح البخاري في مرتبة لا تُناقَش، حتى قيل فيه إنه "أصحّ كتاب بعد كتاب الله". لكن قراءة متأنية في متونه، بمعزل عن هالة القداسة التي أحاطت به عبر القرون، تكشف عن مفارقة صادمة: كتابٌ أُلِّف أصلًا لتنزيه السنة وتوثيقها، حمل بين دفتيه روايات لو نُسبت إلى أي إنسان عادي لعُدّت إساءة إلى قدره، فكيف وهي منسوبة إلى من وصفه القرآن بـ"خُلُقٍ عظيم"؟ والإشكال هنا مزدوج: إشكال في المتن، وإشكال أسبق منه في المنهج الذي أنتج هذا المتن أصلًا. ١. الرقم المستحيل: حين يصطدم الحفظ بالحساب قبل الدخول في تفاصيل المرويات، يستحق منهج التكوين نفسه وقفة. يُروى أن البخاري جمع صحيحه من نحو ستمائة ألف حديث، انتقى منها زهاء سبعة آلاف حديث (بدون تكرار نحو أربعة آلاف) على مدى ست عشرة سنة قضاها متنقلًا بين الحجاز والعراق ومصر والشام. أجرِ الحساب البسيط: ستمائة ألف حديث على ست عشرة سنة يعني نحو 37500 حديثًا سنويًا، أي ما يقارب 104 أحاديث في اليوم الواحد. بمعدل يوم من 24 ساعة، هذا يعني أن البخاري كان يتلقى حديثًا جديدًا كل ربع ساعة تقريبًا، بلا انقطاع، دون احتساب وقت السفر بين...