مدخل
جرت العادة أن يُوضع صحيح البخاري في مرتبة لا تُناقَش، حتى قيل فيه إنه "أصحّ كتاب بعد كتاب الله". لكن قراءة متأنية في متونه، بمعزل عن هالة القداسة التي أحاطت به عبر القرون، تكشف عن مفارقة صادمة: كتابٌ أُلِّف أصلًا لتنزيه السنة وتوثيقها، حمل بين دفتيه روايات لو نُسبت إلى أي إنسان عادي لعُدّت إساءة إلى قدره، فكيف وهي منسوبة إلى من وصفه القرآن بـ"خُلُقٍ عظيم"؟ والإشكال هنا مزدوج: إشكال في المتن، وإشكال أسبق منه في المنهج الذي أنتج هذا المتن أصلًا.
١. الرقم المستحيل: حين يصطدم الحفظ بالحساب
قبل الدخول في تفاصيل المرويات، يستحق منهج التكوين نفسه وقفة. يُروى أن البخاري جمع صحيحه من نحو ستمائة ألف حديث، انتقى منها زهاء سبعة آلاف حديث (بدون تكرار نحو أربعة آلاف) على مدى ست عشرة سنة قضاها متنقلًا بين الحجاز والعراق ومصر والشام. أجرِ الحساب البسيط: ستمائة ألف حديث على ست عشرة سنة يعني نحو 37500 حديثًا سنويًا، أي ما يقارب 104 أحاديث في اليوم الواحد. بمعدل يوم من 24 ساعة، هذا يعني أن البخاري كان يتلقى حديثًا جديدًا كل ربع ساعة تقريبًا، بلا انقطاع، دون احتساب وقت السفر بين الأمصار، ولا وقت الأكل والنوم والوضوء والصلاة، ولا وقت كسب الرزق، ولا وقت تدوين ما يسمعه ومراجعته والتحقق من رواته سندًا سندًا.
والمفارقة أن الرواية نفسها التي تُقدَّم دليلًا على عبقرية حفظه هي التي تكشف حجم الإشكال: يُذكر أن علماء بغداد اختبروه بأن قلبوا له أسانيد ومتون مائة حديث، وضعوا لكل حديث سندًا غير سنده ومتنًا غير متنه، فما كان منه إلا أن ردّ كل حديث إلى أصله الصحيح واحدًا واحدًا أمام الجمع. حفظٌ بهذه الدقة، إلى جانب حجم الفرز والانتقاء، يفترض تفرغًا كاملًا يقترب من الاستحالة البشرية في زمن لا تسجيل صوتي فيه ولا وسيلة حفظ إلا الذاكرة والقرطاس. هذا لا يعني بالضرورة اتهام البخاري بالكذب أو التلفيق، لكنه يفتح سؤالًا مشروعًا: هل الأرقام المتداولة عنه مبالغ فيها أصلًا من قبل تلاميذه ومريديه لتضخيم مكانته، كما هي عادة كتب التراجم في تعظيم أصحابها؟ وإن كانت الأرقام صحيحة، أفلا يستدعي هذا الإنجاز -الذي يفوق الطاقة البشرية العادية- مراجعة نقدية لمنهج "التصحيح" ذاته، بدل تسليمه اعتباريًا كمعيار مطلق؟
هذا الخلل المنهجي هو ما يمهّد، في تقديري، لفهم كيف تسرّبت إلى المتن روايات بهذا القدر من الحساسية دون تمحيص أعمق لأثرها على الصورة النبوية.
٢. حديث محاولة الانتحار في بدايات الوحي
يروي البخاري في كتاب التفسير عن عائشة أن النبي، في فترة انقطاع الوحي، بلغ به الكرب حدًا "أنه كان يغدو لحِراء كي يتردى منه، فكلما أوفى بذروة جبلٍ ليلقي بنفسه منه تبدّى له جبريل" فيثنيه. رواية بهذا الوضوح، تصف نبيًّا يهمّ بإلقاء نفسه من فوق الجبال أكثر من مرة، تُطرح إشكالية عقدية قبل أن تكون نفسية: كيف يُعقل أن يُصوَّر المصطفى بهذه الهشاشة أمام لحظة انقطاع الوحي، وهو من اختير ليكون آخر الرسل؟
٣. الشَّبَق وطواف الغسل الواحد
في كتاب الغسل، يروي أنس بن مالك أن النبي "كان يطوف على نسائه في الليلة الواحدة وله يومئذ تسع نسوة"، وفي رواية أخرى بغسل واحد. وحين سُئل أنس عن قدرة النبي على ذلك، أجاب بأنه "أُعطي قوة ثلاثين". مثل هذه الروايات، التي جُمعت في باب فقهي عن الطهارة، تحوّلت مع الزمن إلى مادة دسمة يستخدمها المستشرقون والمبشرون للطعن في الصورة الأخلاقية للنبي، بصرف النظر عن السياق الفقهي الذي أراده البخاري.
٤. مباشرة الحائض
نقل البخاري في كتاب الحيض عن عائشة قولها إن النبي كان "يأمرني فأتّزر فيباشرني وأنا حائض". صحيحٌ أن الفقهاء استثمروا هذا الحديث لتقرير جواز الاستمتاع بغير جماع أثناء الحيض، لكن نقل تفاصيل هذا القبيل من الحياة الزوجية الخاصة إلى متن حديثي يُروى ويُدرَّس عبر القرون يطرح سؤالًا عن حدود ما ينبغي أن يُروى أصلًا باسم "السنة".
٥. المعجزات المادية: تصديق بلا سند عقلي
يزخر البخاري بروايات عن انشقاق القمر، وتكثير الطعام بين يديه، ونبع الماء من بين أصابعه أمام جموع من الصحابة. هذه الروايات، رغم صحة إسنادها عند المحدّثين، تصطدم بمنهج عقلاني يرى أن القرآن نفسه لم يُقِم دعوة النبي على معجزات حسّية بل جعل القرآن وحده "المعجزة"، وأن كثيرًا من هذه الروايات وُضعت لاحقًا لمجاراة اليهود والنصارى الذين طالبوا الأنبياء بمعجزات مادية.
٦. عصماء بنت مروان: الشاعرة التي قُتلت لأنها هجَته
روى البخاري عن ابن عباس أن امرأة من بني خَطْمة كانت "تؤذي النبي وتُحرّض عليه"، فقال النبي: "من لي بها؟" فنهض رجل من قومها وقتلها، فقال النبي حين أُخبر: "لا ينتطح فيها عنزان". المحدّثون الشرّاح ربطوا هذه المرأة بعصماء بنت مروان التي هجته شعرًا. أن يُقتَل إنسانٌ بتحريض ضمني على قول شعري، ثم يمرّ الأمر دون مساءلة في متن الحديث، هو ما يجعل هذه الرواية من أكثر ما يُستغل اليوم للطعن في موقف الإسلام من حرية الرأي.
٧. صفيّة بنت حُيَيّ: زواجٌ في يوم المقتلة
روى البخاري قصة زواج النبي من صفية بنت حُيي بن أخطب، بعد أن قُتل أبوها حُيي وزوجها كنانة بن الربيع في أعقاب معركة خيبر. وقوع هذا الزواج في الظرف الزمني نفسه الذي أعقب مقتل أقرب الناس إليها، دون فسحة حِداد، هو من النقاط التي يعيد النقاد المعاصرون طرحها كسؤال أخلاقي وليس فقهيًا فحسب.
٨. الدرع المرهونة عند يهودي
يروي البخاري في كتاب البيوع عن عائشة أن النبي "توفي ودرعه مرهونة عند يهودي بثلاثين صاعًا من شعير". هذه الرواية، على عكس ما يظن البعض، لا تسيء إلى النبي بقدر ما تكشف زهده، لكنها تُستخدم أحيانًا لتفكيك صورة "النبي الغني" التي روّجت لها بعض الأدبيات الشعبية، وتفتح الباب لسؤال أوسع عن التناقض بين الصورة المثالية المتخيّلة للنبي في الوجدان الشعبي، والصورة التي يرسمها البخاري نفسه.
خاتمة: خلل في المنهج، خلل في المتن
لا بد من الإقرار بأمانة أن جمهور المحدّثين وشرّاح البخاري، من ابن حجر إلى النووي، وضعوا لكل حديث من هذه الأحاديث تأويلًا يُبقيه في دائرة الكمال النبوي. غير أن هذا التأويل، مهما بلغ من الدقة الفقهية، لا يُلغي المشروعية العلمية للسؤال المزدوج الذي طرحناه: من جهة، هل يُعقل حسابيًا أن يُنجز فرد واحد، في زمن ما قبل التسجيل والطباعة، عملية فرز وحفظ بهذا الحجم وهذه السرعة دون هامش خطأ يُذكر؟ ومن جهة أخرى، لماذا نُقِلت تفاصيل بالغة الحساسية -من محاولة إلقاء النفس من الجبل إلى تفاصيل الحياة الزوجية الخاصة- بهذا القدر من الحرفية إلى متن كتابٍ يُراد له أن يكون معيار العصمة؟ الجواب، في تقديري، لا يكمن في التشكيك بنيّة البخاري، بل في إعادة النظر في المسافة التي وضعتها الأجيال اللاحقة بين النص وقارئه، حين حوّلت "الصحيح" من عمل بشري اجتهادي -تعتريه حدود الطاقة البشرية كأي عمل بشري آخر- إلى نص يُحاكم به العقل بدل أن يُحاكَم هو بالعقل.

تعليقات
إرسال تعليق