يكثر الحديث في مجالسنا وخطبنا عن "صحيح البخاري" بوصفه أوثق كتاب بعد كتاب الله، حتى صار عند كثيرين نصًّا لا يُمسّ ولا يُناقش، وكأنّ كل حرف فيه نزل وحيًا مباشرًا. لكن من يقرأ تراث المسلمين أنفسهم في علم الرجال والجرح والتعديل، لا يجد هذا الإطلاق، بل يجد صناعة بشرية دقيقة، مضنية، مختلفًا فيها، ومحفوفة بالشك والتصويب والتراجع. وهذا بالضبط ما تكشفه دراسة أكاديمية محكّمة، أنجزتها الباحثة ميسر رجب الداعور في رسالة دكتوراه بالجامعة الأردنية سنة 2010، بعنوان "شيوخ البخاري المتكلم فيهم في الجامع الصحيح".
ميزان شيوخ البخاري المباشرين
خلاصة هذه الدراسة وحدها كافية لهزّ صورة "العصمة" التي أُلبِست هذا الكتاب:
80 شيخًا مباشرين طالهم النقد: من بين شيوخ البخاري الذين حدّث عنهم مباشرة في صحيحه، ثمانون رجلًا وُجّه إليهم كلام ينتقص من عدالتهم أو ضبطهم بدرجات متفاوتة: منهم من اتُّهم بالرفض والتشيّع، ومنهم من اتُّهم بالكذب صراحة، ومنهم من وُصف بكثرة الوهم والخطأ، ومنهم من قيل فيه "صدوق يُخطئ" أو "ثقة تغيّر" أو "له أوهام". ثمانون اسمًا، من رجل واحد، هو المصنّف بعينه، اختار – باجتهاده البشري – أن يُدخل حديثهم في كتاب سيُنظر إليه بعد قرون كأنه لا يقبل النقاش.
ثقل الرواة المطعون فيهم في المادة الحديثية: هؤلاء الثمانون ليسوا هامشًا صغيرًا يُذكر ثم يُطوى؛ فبعضهم من "المكثرين" الذين اعتمد عليهم البخاري في مئات المواضع. فالحكم بن نافع (أبو اليمان) الذي طعن فيه بعض النقّاد، روى له البخاري زهاء 265 موضعًا. وموسى بن إسماعيل رُوي له في 202 موضعًا، والفضل بن دُكين في 186، ومحمد بن بشار في 185، ويحيى بن عبد الله بن بكير في 184 موضعًا. هذه ليست هوامش عابرة، بل أعمدة كاملة يقوم عليها متن "أصح كتاب بعد كتاب الله" – وكلّها صادرة عن رواة لم يسلموا من كلام أهل النقد فيهم.واذا اردنا التدقيق الوارد في الكتاب فان 33 من هؤلاء الثمانين قد رووا 2192 حديثا من بين 2600 حديث اوردها البخاري في كتابه بينما بقية ال 47 راويا المقدوح فيهم كانت رواياتهم اقل من ذلك وبذلك فان عددا كبيرا وليس هينا من احاديث البخاري مطعون فيها جرحا وتعديلا من حيث السند فالتساؤل المشروع هنا ماذا يكون الامر لو شرحت الاحاديث ووقع تناولها من حيث المتن ففيها ما لا تقبله الفطرة وفيها ما يسيئ للرسول ذاته وفيها ما هو غير معقول
عدد الروايات والأحاديث المنتقدة والمقدوح فيها
ولا يتوقف النقد العلمي عند طبقة الشيوخ والرواة، بل يمتد ليشمل المتون والأسانيد نفسها:
نحو 110 أحاديث منتقدة في الصحيح: حصر أئمة النقد الحديثي – وعلى رأسهم الإمام الدارقطني في كتابه "التتبّع" – زهاء 110 أحاديث في صحيح البخاري (من أصل نحو 7563 حديثًا بالمكرر، أو نحو 2600 حديث بغير المكرر) وُجّه إليها طعنٌ أو علّة قادحة في صحة الإسناد أو سلامة المتن.
توزيع المرويات بين الأصول والمتابعات: بَيّنت الدراسة أن البخاري لم يروِ لهؤلاء الشيوخ الثمانين على درجة واحدة؛ بل وزّع رواياتهم علميًا بين:
الأصول (المتون الأساسية): واعتمد فيها على الروايات التي تحرّى جودتها وانتقاها بعناية.
المتابعات والشواهد والتعاليق: وهي مرويات لم يُعتمد عليها كدليل رئيسي، بل أوردها للاستئناس أو لبيان تعدد الطرق ومخارج الحديث.
منهج البخاري: اجتهاد نقدِيّ وانتقاء حذر
لم ينكر البخاري الإشكال، ولم يتجاهله، بل تعامل معه بمنطق بشري صرف:
سلاح الانتقاء (الانتقاء العلمي): كان البخاري يروي عن الراوي الضعيف أو المبتدع ما صحّ من حديثه فقط، مُتجنبًا ما أُخذ عليه أو ما يخدم بدعته.
الاعتماد على المعرفة الشخصية: أحيانًا كثرت روايته عن راوٍ مطعون فيه لأن معرفته الشخصية المباشرة به طمأنته إلى أن ضعفه لا يبلغ حدّ الترك. هذا التقدير هو رأي ونظر ظني قابل للصواب والخطأ، مهما بلغت دقة صاحبه وإمامته.
نقد المحدثين: اعتراف ببشرية التراث
المفارقة الأعمق أن هذا النقد لم يأتِ من خصوم الدين أو من مستشرقين معادين، بل من صميم المؤسسة السنّية نفسها: من أبي حاتم الرازي، والدارقطني، وابن حبان، والذهبي، وابن حجر العسقلاني شارح الصحيح وأشد المدافعين عنه. هؤلاء جميعًا لم يتورّعوا عن تسجيل كلامهم في رواة البخاري وأحاديثه، وصنّفوهم درجات: "صدوق"، "صدوق يهم"، "ثقة له أوهام"، "ضعيف". وتلك المصطلحات هي اعتراف مؤسسي بأن الوثوق في نقل الحديث ليس معطى إلهيًّا نازلًا، بل نتاج تراكم بشري من الفحص والمقارنة والاختلاف، شأنه شأن أي علم إنساني آخر يُصيب ويُخطئ ويُراجَع.
فحين يُقال إن صحيح البخاري فوق النقد، فإن هذا القول يتجاهل تاريخ الكتاب كما دوّنه المسلمون أنفسهم: تدوينًا امتدّ ست عشرة سنة، وانتقاءً من ست مئة ألف حديث حفظها رجل واحد بذاكرته البشرية المحدودة، وغربلة عبر مقاييس اجتهادية اختلف فيها معاصروه ومن جاء بعدهم، وتصنيفًا لرواةٍ – ثمانين منهم على الأقل – ظلّ الشك يُحيط بجانب من مصداقيتهم قرونًا بعد موتهم. هذه ليست صفات وحي معصوم، بل صفات صناعة بشرية رفيعة المستوى، أنجزها عقل فذّ، لكنه يعمل بأدوات البشر: الذاكرة، والمقارنة، والثقة الشخصية، والتقدير الظنّي.
وليس في هذا انتقاص من قيمة الكتاب أو من جهد صاحبه، بل استعادة له إلى حجمه الحقيقي: عمل علمي إنساني عظيم، يستحق الاحترام بوصفه كذلك، لا بوصفه امتدادًا للوحي. فحين نُسقط عن أي نص صفة القداسة المطلقة، لا نُسقط قيمته، بل نُعيده إلى مكانه الصحيح: صناعة بشرية قابلة للنقد والمساءلة والمراجعة، لا دينًا موازيًا يُحاسَب من يقترب منه.

تعليقات
إرسال تعليق