مقدمة
لم يكن أحد يتصوّر أن يجد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نفسه، بعد أشهر من حرب أشعلها بنفسه ضد إيران منذ أواخر فبراير الماضي، أسير معادلة معكوسة تماماً عمّا روّج له: فبدل "الحسم السريع" الذي وعد به، ها هو يواجه ترسانة عسكرية أمريكية مستنزفة، وخزائن مالية مثقلة، وشريكاً إيرانياً يرفض الانحناء، وموعداً انتخابياً يقترب بلا أي إنجاز يُذكر. أمام هذا المأزق، لجأ ترامب إلى ما يجيده جيداً: التهديد. لكن هذه المرة لم يعد التهديد موجهاً لطهران وحدها، بل امتد ليطال محيطها الإقليمي بأكمله، من مسقط إلى أبوظبي، ومن أنقرة إلى إسلام آباد والرياض.
حرب بلا أفق... ومهلة انتهت بلا نتيجة
بعد مذكرة تفاهم بين واشنطن وطهران منحت الطرفين مهلة ستين يوماً للتوصل إلى تسوية، انقضى الأجل في منتصف أغسطس الجاري دون أي تقدّم يُذكر، لتدخل الأزمة، بحسب مراكز بحثية متابعة للملف، "متاهة كبيرة ومخيفة". فقد أعلن ترامب أنه لا نية لديه لاستئناف المحادثات، مصرّاً على استمرار الحصار البحري، فيما ردّت طهران برفض قاطع لتهديداته بفرض ما وصفه بـ"عقوبات اقتصادية ساحقة"، على لسان وزير خارجيتها عباس عراقجي. والمفارقة أن الرئيس الذي دخل البيت الأبيض بشعار "صانع السلام" يجد نفسه اليوم في حرب لا يعرف كيف يخرج منها بأقل الخسائر، لا كيف يحسمها.
حين تتفوق الذخيرة الرخيصة على الترسانة الباهظة
الأخطر من الناحية الاستراتيجية هو ما كشفته تقارير غربية متعددة، من "سي إن إن" إلى مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS)، عن حجم الاستنزاف الذي أصاب المخزون الأمريكي من الصواريخ الاعتراضية. فقد تراجعت مخزونات صواريخ "باتريوت" من نحو 2200 صاروخ قبل الحرب إلى أقل من 827 صاروخاً، بينما انخفض مخزون "ثاد" من 452 إلى أقل من 278. الأدهى أن هذا الاستنزاف لن يُعوَّض، بحسب التقديرات، قبل عام 2029، رغم أن البنتاغون طلب من الكونغرس تخصيص 67 مليار دولار لإعادة بناء القدرات العسكرية بعد الحرب.
هنا تكمن المفارقة التي يحاول ترامب التعتيم عليها: صاروخ اعتراضي واحد قد تصل تكلفته إلى مليون دولار، في مقابل مسيّرات ومقذوفات إيرانية الصنع لا تتجاوز كلفتها آلاف الدولارات. لقد اعتمدت طهران، بحسب تقارير نقلتها "نيويورك تايمز"، استراتيجية مدروسة تقوم على استنزاف الدفاعات الجوية الأمريكية عبر موجات متلاحقة من الطائرات المسيّرة والصواريخ التي تغيّر مسارها أثناء الطيران، ما يُجبر المنظومات الأمريكية على إطلاق أكثر من صاروخ اعتراضي لكل هدف. والنتيجة أن قادة عسكريين أمريكيين باتوا، بحسب "إن بي سي نيوز"، يمتنعون عمداً عن اعتراض بعض المقذوفات الموجهة نحو مناطق غير مأهولة داخل القواعد الأمريكية، خشية استنزاف ما تبقّى من الترسانة. هذا ليس تفوقاً عسكرياً أمريكياً، بل عجز يُدار بحذر.
من الدفاع إلى الهجوم: طهران تغيّر قواعد اللعبة
الأكثر دلالة أن إيران لم تعد تكتفي بالصمود، بل بدأت، وفق تحليلات نقلتها "يورونيو" عن "سي إن إن"، بالانتقال من موقع الدفاع إلى الهجوم، مع تلويح بتوسيع نطاق المواجهة ليشمل استهداف كابلات الاتصالات البحرية في الخليج، إضافة إلى تعزيز الاعتماد على القدرات الصاروخية والمسيّرات المحلية الصنع بدل الرهان على الحلفاء الإقليميين. وتعيين محسن رضائي على رأس المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، وهو الذي يمثل مدرسة فكرية ترى أن "السبيل الوحيد لانتزاع تنازلات من واشنطن هو مواصلة القتال"، يعكس تحولاً في الفلسفة الإيرانية من إدارة الأزمة إلى فرض معادلاتها الخاصة.
التهديد الموسّع: من طهران إلى كل الجوار
في مواجهة هذا المأزق، لم يجد ترامب أمامه سوى توسيع دائرة التهديد. فقد كرّر تحذيره الصريح لسلطنة عُمان بأنه "سيمطرها بقصف مدمر" إن تدخّلت في ما يتعلق بمضيق هرمز - وهو ليس تهديده الأول لمسقط، إذ سبق أن هددها في مايو الماضي أيضاً. بل إن تحقيقات صحفية أحصت ما لا يقل عن خمس عشرة دولة تعرّضت لتهديدات مباشرة أو غير مباشرة من ترامب من أصل نحو مائتي دولة حول العالم، ما يكشف نمطاً متكرراً في إدارته للسياسة الخارجية عماده الابتزاز لا الدبلوماسية.
ولم يتوقف الأمر عند التهديد العسكري، بل امتد إلى التلويح بعقوبات ثانوية على أي دولة أو مؤسسة مالية "تتعامل مع الاقتصاد الإيراني"، دون تسمية صريحة لتلك الدول، في خطوة تضع تركيا وباكستان والسعودية والإمارات، وغيرها من دول الجوار التي تربطها بطهران علاقات تجارية أو سياسية أو حتى مجرد حدود مشتركة، أمام معادلة "معنا أو ضدنا". بل ذهب ترامب، في كلمة أمام قمة مجلس التعاون الخليجي في الرياض، إلى حدّ مطالبة القادة الخليجيين أنفسهم بـ"الالتزام الكامل والتام" بتطبيق العقوبات على إيران، وكأن دول الخليج باتت أدوات تنفيذية لسياسته لا شركاء ذوي سيادة.
وفي مؤشر إضافي على منطق الهيمنة الذي يحكم تفكيره، أعلن ترامب في خطاب بولاية نيويورك عزم بلاده على اعتبار مضيق هرمز "إقليماً تابعاً" للولايات المتحدة بعد "الانتهاء من هزيمة إيران" - تصريح يتجاوز حدود الخطاب الحربي المعتاد إلى ما يشبه استعادة منطق الانتداب والوصاية على ممر مائي دولي يخص شعوب المنطقة بأسرها لا واشنطن وحدها.
رهينة الجغرافيا... وصمت العواصم العربية
هنا يكمن جوهر المأزق الذي يعيشه محيط إيران الإقليمي: فهذه الدول، من عُمان إلى الإمارات ومن تركيا إلى باكستان، لم تختر أن تكون طرفاً في هذه الحرب، لكن موقعها الجغرافي وشبكة مصالحها الاقتصادية والدبلوماسية مع طهران تجعلها، بحكم الأمر الواقع، رهينة لمعادلة لم تُستشر فيها. فإما الانصياع لإملاءات واشنطن والانخراط في حصار جارتها، أو مواجهة تهديدات مباشرة بالعقوبات أو حتى بالقصف كما حصل مع عُمان. وفي المقابل، لا يبدو أن هناك موقفاً عربياً جماعياً حازماً يرفض هذا الابتزاز أو يضع حداً لتحوّل الجوار العربي والإسلامي لإيران إلى ساحة مساومة بين واشنطن وطهران.
خاتمة: انتخابات نوفمبر... والفاتورة الحقيقية
مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، يزداد الضغط السياسي والاقتصادي على ترامب في الداخل الأمريكي، خصوصاً مع ارتفاع الكلفة المادية والبشرية للحرب، وتصاعد الأسئلة حول جدوى صراع لم يحقق أياً من أهدافه المعلنة، لا إنهاء البرنامج النووي الإيراني ولا إسقاط النظام ولا حتى تأمين الملاحة في هرمز بشكل دائم. وبدل أن يقدّم ترامب لناخبيه إنجازاً، يقدّم لهم فاتورة استنزاف عسكري ومالي، وحرباً مفتوحة النهاية، وتهديدات متتالية لدول لم تطلب أن تكون طرفاً في المعركة. إنها، في نهاية المطاف، صورة مصغّرة لمأزق القوة الأمريكية ذاتها حين تصطدم بإرادة لا تُقهر بالتهديد وحده.

تعليقات
إرسال تعليق