مقدمة
يُجمع علماء الأمة الإسلامية ومحقّقوها على أن تفسير "جامع البيان عن تأويل آي القرآن" للإمام محمد بن جرير الطبري (ت 310 هـ) هو "شيخ التفاسير" وعمودها الفقري، والمرجع الأول لمنهج التفسير بالمأثور. لكن هذه المكانة المركزية لم تمنع النقاد والمفكرين والمحققين —قدامى ومحدثين— من تلمّس جوانب منهجية سلبية أثّرت بشكل عميق وممتد على بنية الثقافة العربية الإسلامية، وتتمحور هذه الإشكاليات حول طبيعة الاعتماد المطلق على الرواية والتوسع في إيراد "الإسرائيليات".
أولاً: الجوانب المنهجية السلبية في تفسير الطبري
- أزمة "من أسند فقد برئت ذمته": اعتمد الطبري قاعدة علمية سادت لدى المحدثين قديماً وهي أن ذكر السند الكامل للرواية يخلي مسؤولية المؤلف ويترك للمطالع مهمة نقد الرجال والحكم على المتن، مما أدى إلى حشو التفسير بآلاف الروايات الضعيفة والموضوعة التي تعاملت معها الجماهير لاحقاً كحقائق لا تقبل الجدال.
- الإغراق في الإسرائيليات وقصص الأنبياء: يُعد تفسير الطبري أحد أكبر قنوات تمرير مرويات أهل الكتاب إلى الفكر الإسلامي عبر النقل المكثف عن كعب الأحبار، ووهب بن منبه، والسدي، دون تمحيص كافٍ لمتونها، مما أسهم في تشويه صورة وعصمة بعض الأنبياء.
- تضخيم النزعة الرعوية العشوائية في الرواية: يسرد الطبري عشرات الأقوال المتناقضة للتابعين حول الآية الواحدة، مما خلق تشتتاً فكرياً يُغيب المقصد الكلي للآية لحساب الخلاف اللفظي واللغوي الجزئي.
ثانياً: أثر هذه المنهجية على تاريخ الثقافة العربية الإسلامية
- مصادرة وتجميد العقل والاجتهاد: رسّخ الطبري مبدأ أن القرآن لا يُفهم إلا من خلال ما نُقل عن السلف فحسب، فحوربت مناهج التفسير العقلي والتحليلي، مما تسبب في تجميد الفكر الإسلامي داخل "أسر النص المروي".
- تلويث المخيال الإسلامي بالأساطير: بسبب استيراد المادة القصصية الإسرائيلية، تشكّل ما يمكن تسميته بـ"المخيال الخرافي" في الثقافة الشعبية، مما أضعف الحس النقدي العلمي وجعل الثقافة الدينية بيئة خصبة للقصص الوعظي الساذج.
- ترسيخ ثقافة الإقصاء المذهبي: استخدم الطبري منهج المأثور لترجيح آراء عقدية وفقهية معينة وتخطئة المخالفين بشدة (كالمعتزلة والشيعة والخوارج)، مما حوّل التفسير بالمأثور إلى أداة لشرعنة الانقسام السياسي والعقائدي.
- تراجع البُعد المقاصدي والأخلاقي للقرآن: غرقت المدونات التفسيرية اللاحقة في تفاصيل جزئية (مثل أسماء أصحاب الكهف، أو لون بقرة بني إسرائيل) وتراجع الاهتمام بالمقاصد الأخلاقية والسنن الكونية والتشريعات الحضارية لبناء المجتمعات.
ثالثاً: نموذج تطبيقي (قصة داود عليه السلام وامرأة أوريا)
في تفسير سورة (ص)، عند قول الله تعالى: {وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ}، ساق الطبري روايات تفصيلية تزعم أن النبي داود رأى امرأة عارية تغتسل فأعجبته، وتآمر لوضع زوجها القائد "أوريا" في خطوط القتال الأمامية ليموت ويتزوجها، وهو ما يتنافى كلياً مع مفهوم "عصمة الأنبياء".
وقد انتفض محققو الأمة لاحقاً ضد هذه الرواية؛ حيث أكد الإمام ابن كثير أنها مأخوذة من الإسرائيليات ولم يثبت فيها حديث صحيح، بينما وصفها الإمام ابن حزم بأنها "فرية كذب وقصة ساقطة". غير أن ورودها عند الطبري جعلها مادة ممتدة لوعاظ المساجد لقرون، مما رسخ صوراً مشوهة للأنبياء في الوجدان الشعبي.
وقد انتفض محققو الأمة لاحقاً ضد هذه الرواية؛ حيث أكد الإمام ابن كثير أنها مأخوذة من الإسرائيليات ولم يثبت فيها حديث صحيح، بينما وصفها الإمام ابن حزم بأنها "فرية كذب وقصة ساقطة". غير أن ورودها عند الطبري جعلها مادة ممتدة لوعاظ المساجد لقرون، مما رسخ صوراً مشوهة للأنبياء في الوجدان الشعبي.
رابعاً: كيف حاولت المدارس الحديثة تدارك هذه السلبيات؟
مع بداية عصر النهضة والاصطدام بالمعارف الحديثة، ظهرت حركات تجديدية سلكت مسارات متعددة لغربلة هذا الموروث:
- المدرسة الأثرية المعتدلة: قامت بحركات "تهذيب واختصار" لتنقية التفسير بالمأثور من الشوائب والإسرائيليات (مثل جهود أحمد ومحمد شاكر في تحقيق الطبري، وتهذيب ابن كثير).
- مدرسة التفسير البياني واللغوي: نادت (مع أمين الخولي وعائشة عبد الرحمن) بالتعامل مع القرآن كنص عربي معجز يُفهم من خلال سياقه وبلاغته الذاتية بعيداً عن الحكايات التاريخية المحشوة.
- مدرسة التفسير العقلاني والمقاصدي: قادها الشيخ محمد عبده ورشيد رضا (تفسير المنار)، وأسست لرفض الإسرائيليات كلياً، وتقديم العقل على النقل الضعيف، ورَّد أي رواية تخالف صريح العقل أو عصمة الأنبياء حتى لو بدت أسانيدها صحيحة ظاهرياً، معيدين توجيه البوصلة نحو هداية القرآن والسنن الكونية.
- مدرسة نقد العقل التراثي (المفكرون الحداثيون): نظر مفكرون مثل محمد أركون ونصر حامد أبو زيد إلى تفسير الطبري كـ"وثيقة تاريخية وسوسيولوجية" تعكس عقلية عصرها، ودعوا إلى تطبيق مناهج التأويل الحديثة لفك ارتهان الوعي الإسلامي المعاصر بالقراءات التاريخية القديمة.
خاتمة
إن الجوانب السلبية في تفسير الطبري لم تكن ناتجة عن سوء نية، بل كانت انعكاساً لطبيعة عصر التدوين والجمع الذي عاش فيه، حيث كان الهم الأكبر هو حفظ الآثار خوفاً من الضياع. ومع ذلك، فإن تعامل الأجيال اللاحقة مع هذا التفسير كمدونة قطعية لا تقبل النقد، أدى إلى سريان علله المنهجية في عروق الثقافة الإسلامية، وهي الأزمة الفكرية التي ما زال العقل الإسلامي المعاصر يحاول التحرر من تبعاتها اليوم عبر دعوات غربلة التراث وتجديد الفكر الديني.

تعليقات
إرسال تعليق