التخطي إلى المحتوى الرئيسي

المشاركات

الإمام الشافعي وتأسيس "الدين البديل": قراءة نقدية في مأسسة الوحي الثاني والتشريع الموازي بقلم الناصر خشيني

  مدخل: "الرسالة" كدستور للفقه لا للقرآن يُعتبر الإمام محمد بن إدريس الشافعي (150 - 204 هـ) المهندس الأكبر للفقه الإسلامي التقليدي. فمن خلال كتابه التأسيسي "الرسالة"، لم يكتفِ الشافعي بتدوين القواعد، بل أحدث ثورة بنيوية نقلت الفكر الإسلامي من "محورية القرآن" إلى "محورية النص الروائي". ويرى التيار النقدي المعاصر أن الشافعي، من حيث يقصد أو لا يقصد، أسّس "ديناً موازياً" جعل فيه الاجتهاد البشري والروايات التاريخية في مرتبة مساوية للقرآن، بل وحاكمة عليه في كثير من الأحيان. أولاً: معضلة "الوحي الثاني" — مساواة السنة بالقرآن أكبر التحولات التي فرضها الشافعي كانت مأسسة مفهوم "السنة النبوية كأصل تشريعي مستقل وموازٍ للقرآن"، وهو ما يُعرف اليوم بـ"الوحي الثاني". التأويل الشافعي لطاعة الرسول: دمج الشافعي بين طاعة الله وطاعة الرسول الواردتين في القرآن، واعتبر أن كل ما صدر عن النبي من قول أو فعل أو تقرير هو وحي من الله، استناداً إلى تأويله لآية "وما ينطق عن الهوى". النتيجة المعرفية: تحوّلت الأحاديث المروية عبر ...

ترامب في مأزق طهران: حين يتحوّل التهديد إلى اعتراف بالعجز بقلم الناصر خشيني

  مقدمة لم يكن أحد يتصوّر أن يجد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نفسه، بعد أشهر من حرب أشعلها بنفسه ضد إيران منذ أواخر فبراير الماضي، أسير معادلة معكوسة تماماً عمّا روّج له: فبدل "الحسم السريع" الذي وعد به، ها هو يواجه ترسانة عسكرية أمريكية مستنزفة، وخزائن مالية مثقلة، وشريكاً إيرانياً يرفض الانحناء، وموعداً انتخابياً يقترب بلا أي إنجاز يُذكر. أمام هذا المأزق، لجأ ترامب إلى ما يجيده جيداً: التهديد. لكن هذه المرة لم يعد التهديد موجهاً لطهران وحدها، بل امتد ليطال محيطها الإقليمي بأكمله، من مسقط إلى أبوظبي، ومن أنقرة إلى إسلام آباد والرياض. حرب بلا أفق... ومهلة انتهت بلا نتيجة بعد مذكرة تفاهم بين واشنطن وطهران منحت الطرفين مهلة ستين يوماً للتوصل إلى تسوية، انقضى الأجل في منتصف أغسطس الجاري دون أي تقدّم يُذكر، لتدخل الأزمة، بحسب مراكز بحثية متابعة للملف، "متاهة كبيرة ومخيفة". فقد أعلن ترامب أنه لا نية لديه لاستئناف المحادثات، مصرّاً على استمرار الحصار البحري، فيما ردّت طهران برفض قاطع لتهديداته بفرض ما وصفه بـ"عقوبات اقتصادية ساحقة"، على لسان وزير خارجيتها عباس ع...

جدل الإنسان: حين تجاوز عصمت سيف الدولة الليبرالية والماركسية بروح القرآن بقلم الناصر خشيني

   مقدمة لم يكن عصمت سيف الدولة مفكرًا عابرًا في مسيرة الفكر القومي العربي، بل كان صاحب مشروع فلسفي متكامل حاول أن يجيب عن سؤال محوري: كيف يمكن للأمة العربية أن تمتلك نظرية للتغيير لا تستعير عباءتها من الغرب الليبرالي ولا من الشرق الماركسي، وإنما تنبع من صميم رؤيتها لذاتها وللإنسان وللكون؟ من هذا السؤال وُلد "جدل الإنسان"، ذلك المفهوم الذي أراد به سيف الدولة أن يؤسس قانونًا للتغيير التاريخي يتجاوز الحتمية المادية عند ماركس، والفردانية النفعية عند الليبراليين، دون أن يقطع الصلة بمنجزات الفكر الإنساني، بل موظِّفًا إياها في بناء تصور جديد مرجعيته الأولى هي القرآن الكريم. أولًا: أزمة النظريتين الكبريين حين طرح سيف الدولة مشروعه، كان يقف أمام نظريتين مهيمنتين على الفكر السياسي الحديث: الليبرالية، التي أقامت صرحها على الفرد المنعزل، صاحب المصلحة الذاتية، والعقد الاجتماعي الذي لا يعدو كونه ترتيبًا إجرائيًا لحماية الملكية والحرية الفردية. في هذا الأفق، يغيب الإنسان بوصفه كائنًا جماعيًا ذا رسالة، ويتحول التاريخ إلى ساحة تنافس بين مصالح متضاربة لا غاية جوهرية لها. الماركسية، في المقابل...

تجارة الموت الأبيض وهندسة استئصال الأجساد: حينما تتقاطع مأساة "الدواء المغتصب" بـ "أعضاء البشر" المهرّبة في تونس بقلم الباحث: الناصر خشيني

إنّ الجريمة المنظمة العابرة للحدود لم تعد مجرّد فصول من سيناريوهات الرعب البعيدة، بل تحوّلت إلى واقع ملموس يخترق النسيج المجتمعي والأمني، متمثلاً في أخطر ثنائيات القرن الحادي والعشرين: احتكار الأدوية الحيوية وتهريبها، وشبكات المتاجرة بالأعضاء البشرية. هذه الأنشطة الإجرامية لا تقتصر خطورتها على كونها تجارة اقتصاد أسود غير مشروع، بل إنها تُمثل انتهاكاً صارخاً للحق الكوني في الحياة والصحة المضمونين قانوناً، وتستغل بشكل بشع الأزمات الاقتصادية الخانقة، والظروف المعيشية القاسية للضحايا المستضعفين لإرساء أركان هندسة القتل البطيء وتفكيك الأجساد. أولاً: الأخطبوط الإجرامي الإقليمي والدولي (خارطة التورط والأدوار) تُدار الجريمتان عبر توليفة معقدة وشبكات دولية دقيقة تتداخل فيها مسارات الفساد الإداري والمحلي بالمافيات عابرة الحدود، وتتقاسم الأدوار عبر آليات منظمة كالتالي: مافيات تهريب واحتكار الدواء والمنظومات الصيدلانية عصابات التهريب الإقليمية: مجموعات تعمد إلى تحويل مسار الأدوية المدعومة والمخصصة للمواطنين المحتاجين والأسواق المحلية، لتهريبها عبر الحدود وتسييلها بأسعار مضاعفة في الأسواق الموازية...

خارج هالة العصمة: صحيح البخاري بين عبقرية التدوين وحدود الصناعة البشرية بقلم الناصر خشيني

  ​  يكثر الحديث في مجالسنا وخطبنا عن "صحيح البخاري" بوصفه أوثق كتاب بعد كتاب الله، حتى صار عند كثيرين نصًّا لا يُمسّ ولا يُناقش، وكأنّ كل حرف فيه نزل وحيًا مباشرًا. لكن من يقرأ تراث المسلمين أنفسهم في علم الرجال والجرح والتعديل، لا يجد هذا الإطلاق، بل يجد صناعة بشرية دقيقة، مضنية، مختلفًا فيها، ومحفوفة بالشك والتصويب والتراجع. وهذا بالضبط ما تكشفه دراسة أكاديمية محكّمة، أنجزتها الباحثة ميسر رجب الداعور في رسالة دكتوراه بالجامعة الأردنية سنة 2010، بعنوان "شيوخ البخاري المتكلم فيهم في الجامع الصحيح".   ​ميزان شيوخ البخاري المباشرين خلاصة هذه الدراسة وحدها كافية لهزّ صورة "العصمة" التي أُلبِست هذا الكتاب: ​80 شيخًا مباشرين طالهم النقد: من بين شيوخ البخاري الذين حدّث عنهم مباشرة في صحيحه، ثمانون رجلًا وُجّه إليهم كلام ينتقص من عدالتهم أو ضبطهم بدرجات متفاوتة: منهم من اتُّهم بالرفض والتشيّع، ومنهم من اتُّهم بالكذب صراحة، ومنهم من وُصف بكثرة الوهم والخطأ، ومنهم من قيل فيه "صدوق يُخطئ" أو "ثقة تغيّر" أو "له أوهام". ثمانون اسمًا، من...

البخاري بين قداسة النص وإساءات المتن: قراءة نقدية في "أصحّ كتاب بعد كتاب الله" بقلم: الناصر خشيني

  مدخل جرت العادة أن يُوضع صحيح البخاري في مرتبة لا تُناقَش، حتى قيل فيه إنه "أصحّ كتاب بعد كتاب الله". لكن قراءة متأنية في متونه، بمعزل عن هالة القداسة التي أحاطت به عبر القرون، تكشف عن مفارقة صادمة: كتابٌ أُلِّف أصلًا لتنزيه السنة وتوثيقها، حمل بين دفتيه روايات لو نُسبت إلى أي إنسان عادي لعُدّت إساءة إلى قدره، فكيف وهي منسوبة إلى من وصفه القرآن بـ"خُلُقٍ عظيم"؟ والإشكال هنا مزدوج: إشكال في المتن، وإشكال أسبق منه في المنهج الذي أنتج هذا المتن أصلًا. ١. الرقم المستحيل: حين يصطدم الحفظ بالحساب قبل الدخول في تفاصيل المرويات، يستحق منهج التكوين نفسه وقفة. يُروى أن البخاري جمع صحيحه من نحو ستمائة ألف حديث، انتقى منها زهاء سبعة آلاف حديث (بدون تكرار نحو أربعة آلاف) على مدى ست عشرة سنة قضاها متنقلًا بين الحجاز والعراق ومصر والشام. أجرِ الحساب البسيط: ستمائة ألف حديث على ست عشرة سنة يعني نحو 37500 حديثًا سنويًا، أي ما يقارب 104 أحاديث في اليوم الواحد. بمعدل يوم من 24 ساعة، هذا يعني أن البخاري كان يتلقى حديثًا جديدًا كل ربع ساعة تقريبًا، بلا انقطاع، دون احتساب وقت السفر بين...

قضايانا المصيرية بين القبر الاستراتيجي والبعث الممكن بقلم الناصر خشيني

  مدخل ليست مصادفة أن تتقادم قضايانا الكبرى وتذوب واحدة تلو الأخرى في زحمة "الواقعية السياسية" و"المصالح الوطنية" المزعومة. فما نشهده اليوم ليس انحسارًا عفويًا لمشروع قومي عربي طال به الزمن، بل عملية قبر منظمة ومدروسة، تُدار بأدوات محلية وإقليمية ودولية، هدفها الأخير محو فكرة الأمة العربية من الوعي الجمعي، وتذويبها في كيانات قطرية متصارعة، طائفية النزعة، مستلبة القرار. أولاً: من قضية تحرر إلى قضية لاجئين القضية الفلسطينية، التي كانت يومًا قضية العرب المركزية ومحور خطابهم السياسي والثقافي، اختُزلت تدريجيًا إلى "قضية إنسانية" تُدار بمنطق الإغاثة والمساعدات، لا بمنطق التحرير والعودة. هذا التحول لم يكن بريئًا؛ فقد رافقته هندسة سياسية كاملة عنوانها التطبيع: من كامب ديفيد إلى وادي عربة، وصولًا إلى الاتفاقيات الإبراهيمية التي حوّلت العلاقة مع الكيان الصهيوني من عداء استراتيجي إلى "شراكة" اقتصادية وأمنية، بذريعة مواجهة "الإرهاب" الذي بات يُختزل حصرًا في محور المقاومة، بينما يُغض الطرف كليًا عن إرهاب الاحتلال اليومي. ثانيًا: تفكيك محور المقاومة ...

أزمة المياه المعدنية في تونس: عطش مُصنّع في بلاد الوفرة بقلم: الناصر خشيني

 مدخل من المفارقات التي لا يمكن أن يبتلعها عقل، أن يستفيق التونسي على أزمة في زجاجة ماء معدني، في بلد امتلأت سدوده بعد موسم مطري وُصف بالاستثنائي، وارتفعت فيه نسب الامتلاء إلى مستويات لم تُسجَّل منذ سنوات. المفارقة الأعمق أن هذه المياه المعدنية أصلاً لا علاقة مباشرة لها بالسدود ولا بالأمطار السطحية، فهي منابع باطنية جوفية، محمية بطبقات جيولوجية، لا يُفترض أن تتأثر بموسم جفاف أو موسم خصب. ومع ذلك، ها هي القارورة تغيب عن الرفوف تارة، وتُباع بأثمان مضاعفة تارة أخرى، فيما تتقاذف الأطراف الرسمية والمهنية الاتهامات بينها: تارة "أزمة كهرباء في المصانع"، وتارة "وسطاء غير نظاميين"، وتارة "موجة حر استثنائية". روايات متعددة، والنتيجة واحدة: مواطن يدفع أكثر مقابل أقل، وثقة تتآكل يوماً بعد يوم في كل خطاب رسمي يحاول تبرير ما لا يحتاج إلا إلى تفسير واحد بسيط: من يتحكم في الصنبور يتحكم في الرقاب. الماء الذي لم يعد صالحاً للشرب لفهم عمق الأزمة، لا بد من العودة إلى نقطة الأصل: تراجع الثقة في مياه الشبكة العمومية التي توزعها الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه. في أذهان شر...

الدكتور يحيى المشد.. شهيد العلم السيادي ومهندس الحلم النووي العربي المجهض بقلم: الناصر خشيني 

   يمثل عالم الذرة الفذ البروفيسور يحيى المشد (1932 - 1980) طليعة العبقرية العلمية التقدمية التي أدركت مبكراً أن السيادة التكنولوجية والعلمية هي جوهر الاستقلال الوطني الحقيقي . لم يكن المشد أكاديمياً منغلقاً في مختبره، بل كان مقاتلاً استراتيجياً سخر علمه الخارق لبناء القوة الردعية للأمة العربية، مما جعله في المرمى المباشر لأجهزة المخابرات الإمبريالية والصهيونية التي لا تسمح للعقل العربي بكسر طوق التخلف المفروض كولونيالياً. أبعاد الفكر التقدمي والقومي في مسيرة المشد: تأسيس العقل العلمي العربي : تخرج المشد من جامعة الإسكندرية وسافر في بعثة إلى الاتحاد السوفيتي حيث نال الدكتوراه في الهندسة النووية عام 1963 بامتياز وتخصص نادر. وعقب عودته، ساهم بقوة في بناء "هيئة الطاقة الذرية المصرية" في عهد جمال عبد الناصر، مؤمناً بأن الاشتراكية والنهضة الاقتصادية بحاجة إلى طاقة نووية سيادية تقود قاطرة الصناعات الثقيلة والتقدم العلمي الشامل [1، 2]. الانتقال إلى العراق وقيادة البرنامج النووي العروبي : عقب نكسة 1967 ومناخ الركود الذي أصاب المشروع النووي المصري في السبعينيات، بادر المشد مدفوعاً ...

الدكتور عصمت سيف الدولة.. فيلسوف القومية العربية ومنظر جدلية الحرية والوحدة بقلم: الناصر خشيني 

  لم يكن الفيلسوف والمفكر القانوني الكبير الدكتور عصمت سيف الدولة (1923 - 1996) مجرد شارح أيديولوجي للناصرية، بل كان العقل الفلسفي الأعمق الذي صاغ للمرة الأولى نظرية علمية متكاملة للفكر القومي التقدمي. ومن خلال مشروعه المعرفي الفذ "نظرية الثورة العربية" ، نقل سيف الدولة الفكر العروبي من حيز الشعارات الوجدانية والرومانسية إلى مدار التحليل الجدلي العلمي، مبرهناً على التلازم العضوي بين تحرر الإنسان وتحرر الأوطان [1، 2]. أبعاد الفكر التقدمي والقومي في مسيرة سيف الدولة: تأصيل "نظرية الثورة العربية" : أحدث سيف الدولة ثورة في مناهج الفكر القومي بكتابه الموسوعي "نظرية الثورة العربية" بأجزائه المتعددة؛ حيث فكك البنى الاجتماعية والاقتصادية للوطن العربي مستخدماً المنهج الجدلي، وأثبت أن الاشتراكية والوحدة والحرية ليست أهدافاً منفصلة بل هي أقانيم لثورة اجتماعية واحدة لا تتجزأ، معتبراً أن حرية المواطن العربي هي حجر الزاوية لبناء أمة مهابة الجانب [1، 3]. الدفاع عن الحريات ونقد الاستبداد : تميز سيف الدولة بنزاهته وشجاعته الفكرية التقدمية؛ فرغم إيمانه المطلق بالتجربة ...

نظام "الطيبات": حين يُستعار النص المقدّس لتغليف نظرية بشرية بقلم الناصر خشيني

    تقديم في زمن يبحث فيه كثيرون عن "الحل السحري" لأمراض العصر، برز في الساحة العربية نظام غذائي حمل اسمًا مشحونًا دينيًا: "نظام الطيبات"، الذي وضعه الدكتور ضياء العوضي رحمه الله، مستندًا في تسميته إلى قوله تعالى "كلوا من طيبات ما رزقناكم" و"أُحل لكم الطيبات". غير أن التدقيق في هذا النظام يكشف عن مفارقة منهجية خطيرة: استعارة مفهوم قرآني عام ذي طبيعة تشريعية-أخلاقية، وتحويله قسرًا إلى قائمة إجرائية من المسموحات والممنوعات لا سند علمي مستقل لها. وهنا يبرز سؤال جوهري: هل يجوز أصلاً استنباط "نظام غذائي" بالمعنى الفسيولوجي الدقيق من نص قرآني لم يُوضع لهذه الغاية؟ أولًا: الفارق بين "الطيبات" القرآنية والطيبات الإجرائية مصطلح "الطيبات" في القرآن مفهوم فقهي-أخلاقي جامع، يشمل كل ما هو حلال طاهر نافع غير مستقذر، في مقابل "الخبائث" المحرّمة كالميتة والدم ولحم الخنزير. هو خطاب يقرر مبدأ الحِلّ الشرعي، لا مواصفات بيوكيميائية دقيقة. أما نظام العوضي فهو تصنيف إجرائي مبني على نظرية شخصية عن الالتهابات، ينتمي إلى مستوى معرف...