التخطي إلى المحتوى الرئيسي

المشاركات

صرخة تنويرية في مهب التحولات: عندما تسبق السياسةُ الوعيَ الاجتماعي بقلم: الناصر خشيني

الأجيال العربية القادمة بحاجة إلى معرفة الحقيقة كما هي، دون تجميل أو تزييف. والتاريخ لا يرحم الذين صمتوا، كما أنه لا ينسى الذين خاضوا معارك التنوير عندما كان الفكر المتشدد والتيارات المؤدلجة في أوج سطوتها. منذ خمسة عشر عاماً خلت، أخذت على عاتقي —من واقع تخصصي في الشريعة الإسلامية وفهمي لمقاصدها الحقيقية— مهمة تفكيك وتخطئة الأفكار الوهابية المتشددة وخطاب تيارات الإسلام السياسي. أسستُ رفقة الدكتور رياض الصيداوي "صحيفة التقدمية" في سويسرا، وجعلناها منبراً لفضح الفتاوى التي اعتبرناها ضالة ومشوهة لجوهر الدين. انتقدنا بشدة النظرة الدونية للمرأة، وسيادة الرجل المطلقة عليها، والفتاوى الممعنة في الغرابة والتي وصلت إلى حد تحريم استخدام المرأة للإنترنت إلا بوجود مَحرم (كما نُسب للشيخ سعد الغامدي)، أو تحريم قيادة السيارة، وصولاً إلى فتاوى تحريم كرة القدم، والتصوير، والفنون التشكيلية. ولم يتوقف نقدنا عند الفتاوى الاجتماعية والاجتهادات الخاطئة، بل امتد ليفضح الانحراف الأخلاقي والسياسي في فتاوى النوازل والحروب. ولقد وقفتُ بقلمي شاهداً وناقداً ومندداً بتلك المحطة التاريخية الخطيرة عام 2013، ...

صالح بن يوسف :  معركة الهوية وثمن الإرادة القومية في تونس بقلم: الناصر خشيني

      لم يكن اغتيال القائد والرمز العربي التونسي صالح بن يوسف في أغسطس 1961، ومن بعده إعدام قادة انتفاضة ديسمبر 1962، مجرد تصفية جسدية لمعارضين سياسيين، بل كان محاولة مبكرة لـ"اغتيال المشروع القومي التقدمي" في شمال إفريقيا. لقد كان ذلك ضربة وجهتها قوى الارتهان بالغرب لقطع الجسور بين تونس وعمقها العربي النابض في القاهرة وبغداد ودمشق. إن قراءة هذه المحطة الدامية من تاريخنا تفرض علينا تفكيك طبيعة الصراع الوجودي بين تيار التحرر الشامل والتيار البورقيبي التفتيتي. أولاً: الجذور والوعي النضالي المبكر ولد صالح بن يوسف في جزيرة جربة الأبية عام 1907، وحمل في وجدانه إرث المعاناة لشعب يرزح تحت نير الاستعمار الفرنسي. نال شهادة الحقوق والعلوم السياسية من السوربون، لكنه لم يفتن بالنموذج الغربي الاستعلائي؛ بل سخر معرفته لخدمة شعبه، متدرجاً في صفوف الحركة الوطنية حتى أصبح الأمين العام للحزب الحر الدستوري الجديد [1]. لم يكن بن يوسف رجل قانون بيروقراطي، بل كان مناضلاً ميدانياً يدرك أن الحقوق لا تُستجدى في أروقة باريس، بل تُنتزع بنضال الجماهير وكفاحها المشترك. ثانياً: معركة الهوية.. مرسيليا ...

معادلات الاستكبار وكلفة الحماقة الأمريكية-السعودية بقلم الناصر خشيني

مدخل: كسر العظم وتبدّل الموازين تجتاز المنطقة اليوم لحظة فارقة يمكن وصفها بـ"كسر العظم"، حيث أعادت جبهات المقاومة رسم خطوط الاشتباك وموازين القوى، مستندة إلى روح قومية تقدمية تجاوزت العناوين المذهبية الضيقة التي طالما وظّفها الاستعمار لتفتيت الصف الواحد. فالمشهد الممتد من الضربات الإيرانية الدقيقة إلى الحصار البحري اليمني الشامل على النظام السعودي، ليس سلسلة أحداث متفرقة، بل بنية متكاملة تكشف أن محور المقاومة يملك اليوم اليد العليا: عسكرياً في الميدان، واقتصادياً عبر خنق مفاصل الإمبراطورية العالمية. والأهم من ذلك أن هذا التكامل بين الجبهات يحدث دون أن تذوب خصوصية كل جبهة في الأخرى. فإعلان اليمن حصار السعودية لم يكن تنفيذاً لإملاء خارجي، ولا مجرد "انتصار بالوكالة" لإيران كما تروّج الأبواق المضادة، بل هو نتيجة مباشرة وحتمية لسلسلة من الأخطاء الاستراتيجية السعودية، تُوّجت بقصف مطار صنعاء وتشديد الحصار الجوي والبري على الشعب اليمني. قراءة الحصار: من الدفاع إلى المبادرة هنا تكمن دقة القراءة التي يطرحها هذا التحليل: لقد نجح اليمن في تحويل الاعتداء عليه إلى فرصة استراتيجية...

خداع ترامب الجديد... وإيران التي لقّنت واشنطن درس الردع بقلم: الناصر خشيني

مدخل كل اتفاق وقّعته واشنطن مع طهران في العقود الأخيرة كان جسراً إلى خرق جديد، لا إلى سلام حقيقي. هذه ليست مصادفة، بل بنية متكررة في العقل الاستراتيجي الأمريكي الذي يرى في المفاوضات أداة لكسب الوقت، لا التزاماً بالكلمة. وها هي الإدارة الأمريكية، بعد أشهر من التلويح بالتفاوض، تُقدم على ما وصفه ترامب نفسه بأن إيران "ستدفع الثمن"، في تصعيد عسكري مباشر تجاوز كل الخطوط التي كانت تُرسم سابقاً كحدود للاشتباك غير المعلن. الرد الذي لم يكن ينتظره أحد بهذا الاتساع المعطيات الواردة من مصادر إيرانية ومقاومة تتحدث عن عملية متعددة الجبهات، طالت في وقت متزامن تقريباً قواعد ومنشآت أمريكية في سوريا والكويت والأردن والبحرين، إضافة إلى استهداف مواقع في قطر وعُمان والعراق بحسب تقارير دولية موثقة. وبحسب بيان الحرس الثوري، استُهدف 21 موقعاً أمريكياً، من بينها حظيرة لطائرات F-35 في قاعدة الأزرق الأردنية، إلى جانب ضربات صاروخية ومسيّرة طالت قاعدة "علي السالم" في الكويت والأسطول الخامس في البحرين. هذه ليست "مناوشة" بالمعنى العسكري التقليدي. إنها رسالة ردع مركّبة، صيغت لتقول لواشنطن...

​مالي ومحيطها العربي: من تقليم النفوذ الفرنسي إلى فخ التوترات الإقليمية ​بقلم: الناصر خشيني

​أولاً: تقليم النفوذ الاستعماري الفرنسي (التحول نحو السيادة الصلبة) ​شهدت جمهورية مالي في السنوات الأخيرة تحولاً جذرياً في عقيدتها السياسية والأمنية، تجسد في انتفاضة الإرادة الوطنية ضد أدوات الهيمنة الغربية. ووفقاً للتحليل القومي التقدمي، فإن ما شهدته باماكو لم يكن مجرد تغيير في السلطة، بل كان خطوة تاريخية لتقليم أظافر الاستعمار الفرنسي التقليدي والجديد (Françafrique) الذي نهب ثروات الساحل لعقود [1]. ​لقد نجحت الإرادة الحرة في مالي في طرد القوات الفرنسية الغازية وإنهاء الوجود العسكري الأجنبي، متحررةً من السردية النمطية التي جعلت من مالي حديقة خلفية لباريس. وفي محاولة لكسر الطوق والحصار الاقتصادي والأمني الذي فرضته القوى الإمبريالية عبر أدواتها الإقليمية مثل منظمة (إيكواس)، اتجهت مالي نحو صياغة تحالفات دولية بديلة وبناء "تحالف دول الساحل" (AES) مع بوركينا فاسو والنيجر، ككتلة جغرافية مناهضة للهيمنة تسعى لاستعادة السيادة الوطنية الصلبة على الأرض والثروات والمصير [2]. ​ثانياً: جذور التوتر الراهن مع الجزائر (صدام الأجندات وسقوط الاتفاقيات) ​رغم العمق التاريخي الذي يربط مالي بمحيطه...

عز الدين القسام.. طليعة الكفاح القومي المسلح ومنارة المقاومة الفلسطينية بقلم: الناصر خشيني

في مسيرة التحرر العربي ضد الاستعمار والصهيونية، يمثل الشيخ عز الدين القسام (1882-1935) المنعطف الاستراتيجي الأبرز في تاريخ المقاومة الفلسطينية [1] . لم يكن القسام مجرد قائد محلي، بل كان تجسيداً حياً للفكر القومي التقدمي العابر للحدود المصطنعة؛ إذ ربط بين التعبئة الفكرية الروحية والممارسة الثورية المسلحة على الأرض، مدركاً باكراً أن مواجهة المشروع الاستعماري البريطاني-الصهيوني الإحلالي تتطلب تنظيماً طليعياً صلباً يعتمد على الجماهير الكادحة [1] . من جبلة إلى حيفا: شمولية المعركة والقومية الميدانية ولد محمد عز الدين القسام عام 1882 في بلدة جبلة الساحلية السورية، وتلقى تعليمه في جامع الأزهر بالقاهرة، حيث تشرب فكر الإصلاح والنهوض العربي والتصدي للهيمنة الأجنبية [2] . لم يكتفِ القسام بالوعي النظري، بل شارك ميدانياً في دعم الثورة الليبية ضد الاحتلال الإيطالي عام 1911، وقاد ثورة مسلحة ضد الاحتلال الفرنسي في الساحل السوري (1919-1920) [2] . بعد صدور حكم الإعدام بحقه من قبل السلطات الفرنسية، لجأ إلى فلسطين عام 1921 مستقراً في مدينة حيفا [2] . هذا التنقل النضالي يبرهن على أن القسام عاش العروبة كو...

فرحات حشاد.. عبقرية الممارسة النقابية والشهادة في سبيل السيادة الوطنية التونسية بقلم: الناصر خشيني

  يمثل الشهيد القائد فرحات حشاد (1914-1952) أحد أبرز رموز النضال الوطني والقومي في المغرب العربي؛ إذ نجح بعبقريته الفكرية والتنظيمية في صهر النضال الاجتماعي المطلبي مع معركة التحرر الوطني والسياسي ضد الاستعمار الفرنسي [5] . حشاد لم يكن مجرد نقابي تقليدي ينحصر دوره في تحسين شروط الاستغلال، بل كان طليعة تقدمية استوعبت أن تحرر الطبقة العاملة التونسية لا ينفصل عن طرد المستعمر وبناء الدولة الوطنية المستقلة ذات الأفق العروبي [5] . النشأة العمالية وتأسيس الاتحاد العام التونسي للشغل ولد فرحات حشاد عام 1914 في بلدة العباسية بجزر قرقنة التونسية لأسرة كادحة تمتهن الصيد البحري [6] . اضطر لترك دراسته مبكراً والعمل في شركة النقل بالساحل (سوسة)، حيث عايش عن قرب بؤس العمال التونسيين والتمييز العنصري والمادي الذي كان يمارسه المستعمر لصالح العمال الأجانب [6] . انخرط حشاد في البداية داخل نقابة "الكونفدرالية العامة للشغل" (CGT) الفرنسية، لكنه سرعان ما اكتشف عجزها وتبنيها للمركزية الفرنسية وإهمالها لحقوق العمال التونسيين وقضيتهم الوطنية [7] . قاده هذا الوعي التقدمي المبكر رفقة ثلة من رفاقه إلى ...