قائمة المدونات الإلكترونية

الأحد، 28 يونيو 2026

غزة.. عامان من الإبادة الجماعية والتدمير الممنهج لسبل الحياة بقلم: الناصر خشيني



بعد مرور قرابة ألف يوم (995 يوماً) على بدء العدوان الإسرائيلي الشامل على قطاع غزة في أعقاب عملية "طوفان الأقصى" في السابع من أكتوبر 2023، لم تعد التطورات الميدانية مجرد عمليات عسكرية عابرة، بل تحولت إلى حرب إبادة جماعية معلنة وممنهجة. إن القراءة التقييمية والشاملة لحجم الخسائر البشرية والمادية في القطاع تكشف عن استراتيجية صهيونية واضحة تهدف إلى تحويل غزة إلى بقعة غير قابلة للحياة البشرية، عبر استهداف مقومات البقاء كافة من بشر، وحجر، وبنية تحتية.
أولاً: المحرقة البشرية والتهجير القسري
تمثّل الخسائر البشرية في هذا العدوان الكارثة الأكبر في التاريخ الفلسطيني المعاصر منذ نكبة عام 1948. فلم يعد الأمر يقتصر على استهداف المقاتلين، بل تحول المدنيون إلى الهدف المباشر للآلة العسكرية الصهيونية:
  • حرب على الأطفال والنساء: تجاوز عدد الشهداء المسجلين رسمياً 73,051 شهيداً، يضاف إليهم أكثر من 9,500 مفقود تحت الركام. وتشير الإحصاءات إلى أن النساء والأطفال يشكلون النسبة الأكبر من هؤلاء الضحايا، مما يؤكد الطبيعة الانتقامية للعدوان.
  • جيش من الجرحى وذوي الإعاقات: أسفرت الغارات والأحزمة النارية عن إصابة أكثر من 173,437 فلسطينياً، يعاني الآلاف منهم من بتر في الأطراف وإصابات بليغة تتطلب علاجاً تخصصياً يفتقده القطاع جراء الحصار.
  • التطهير العرقي عبر النزوح: أُجبر نحو 2 مليون فلسطيني (ما يعادل 90% من سكان القطاع) على النزوح القسري المتكرر. يعيش هؤلاء المهجرون في مخيمات قماشية متهالكة ومراكز إيواء تفتقر لأدنى مقومات الكرامة الإنسانية.
ثانياً: تدمير الحجر وإبادة المعالم (سياسة الأرض المحروقة)
لم تسلم البنية التحتية في غزة من الاستهداف الممنهج، حيث بلغت نسبة الدمار الإجمالية ما يقارب 90%، شملت كافة القطاعات الحيوية:
  • تدمير الحيز السكني: تعرضت ما بين 70% إلى 80% من الوحدات السكنية للتدمير الكلي أو الأضرار الجسيمة. وفي مدن مثل غزة والشمال، بلغت نسبة الدمار أكثر من 83%، مما يعكس رغبة الاحتلال في منع عودة السكان إلى أحيائهم.
  • تصفية المنظومة التعليمية والدينية: استهدف الاحتلال 90% من مباني المدارس (أكثر من 668 مدرسة تابعة للأونروا وللحكومة)، ودمر المعالم الرئيسية لجميع جامعات غزة. كما سُحقت الهوية الثقافية والدينية عبر تدمير أكثر من 600 مسجد وكنائس أثرية تدميراً كلياً.
  • شلل شبكات النقل والخدمات: دُمرت شبكات الطرق والجسور بنسبة تتراوح بين 65% و70%، مما تسبب في عزل المناطق عن بعضها وتدمير شبكات المياه والصرف الصحي الممتدة أسفلها.
ثالثاً: الحصار الخانق وسلاح التجويع.. والعجز الدولي أمام خيار الصمود والمقاومة
إلى جانب القصف الجوي والمدفعي، استخدم الكيان الصهيوني الحصار الخانق كأداة قتل صامتة وعقاب جماعي مجرم دولياً. هذا الحصار يتفاقم اليوم في ظل عجز دولي وعربي وإسلامي مريب ومخزٍ عن لجم هذه الجريمة المشهودة والموثقة صوتاً وصورة أمام مرأى العالم ومسامعه:
  • إعدام القطاع الصحي: أخرج الاحتلال 38 مستشفى عن الخدمة كلياً أو جزئياً، واستهدف 96 مركزاً صحياً و197 سيارة إسعاف، مما حرم المرضى والجرحى من الرعاية الطبية الأساسية.
  • سلاح التجويع والتعطيش: أدى منع إدخال المساعدات، والمحروقات، وغاز الطهي إلى انتشار مجاعة حقيقية وحالات سوء تغذية حادة، خاصة في شمال غزة.
  • الكارثة البيئية ونشر الأوبئة: أدى تدمير 90% من آبار المياه ومحطات الصرف الصحي إلى تدفق المياه‌ العادمة بين خيام النازحين، مما نتج عنه تسجيل أكثر من 2.1 مليون حالة إصابة بأمراض معدية (كالتهاب الكبد الوبائي والأمراض الجلدية الحادة).
  • حتمية الصمود والمقاومة: أمام هذا التواطؤ والصمت الدولي الشامل، بات قاطعاً أن الحل الوحيد والمسار الحتمي المتبقي لشعبنا الفلسطيني هو الصمود الثابت في أرضه ومواصلة المقاومة المشروعة بكل السبل والوسائل الممكنة؛ باعتبارها الخيار الوحيد القادر على لجم غطرسة الاحتلال وحماية القضية من التصفية والاندثار.
خلاصة وتقييم قانوني
إن هذه الأرقام والوقائع لا تدع مجالاً للشك في أن ما يرتكبه الكيان الصهيوني في قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر يتجاوز المفاهيم التقليدية للحروب، ليقع مباشرة تحت بند "جريمة الإبادة الجماعية" (Genocide) و**"الجرائم ضد الإنسانية"** وفقاً للقانون الدولي الإنساني ونظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية. إن استهداف مقومات الحياة وتدمير البيئة العمرانية والصحية بشكل كامل يثبت بالدليل القاطع نية الاحتلال في إهلاك المجموع السكاني الفلسطيني في غزة، وهي جريمة كبرى ستبقى وصمة عار على جبين المجتمع الدولي الذي عجز عن لجم هذا العدوان الخارق لكل المواثيق والشرائع الدولية.

📌 تهميش المقال (المراجع والمصادر):
  1. التقرير الحقوقي السنوي للمراصد الدولية، "سياق الإبادة الجماعية المستمرة في الأراضي الفلسطينية المحتلة"، يناير 2025.
  2. المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، "التقرير الإحصائي الشامل لنتائج التدمير والبنية التحتية في قطاع غزة"، تحديثات منتصف عام 2026.
  3. وزارة الصحة الفلسطينية (غزة)، "التقرير اليومي التراكمي لعدد الشهداء والجرحى والمفقودين"، المؤشر الإحصائي المحدث حتى يونيو 2026.
  4. وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، "تقارير الوضع الإنساني وأعداد النازحين والأضرار في منشآت التعليم بقطاع غزة"، البيانات الدورية 2025-2026.
  5. برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) ومنظمة الصحة العالمية، "تقييم أثر الدمار والوضع البيئي والصحي في قطاع غزة بعد عامين من النزاع"، مارس 2026.

التهريب في تونس: نزيف اقتصادي مزدوج وتهديد للسيادة والأمن المجتمعي بقلم: الناصر خشيني

  1.  

              مقدمة

لم يعد التهريب في تونس ظاهرة هامشية تتم في الخفاء على أطراف الحدود، بل تحوّل إلى منظومة اقتصادية موازية متكاملة تتقاسم السوق الداخلية مع الاقتصاد الرسمي، وتنازعه السيادة على الموارد والمداخيل والقرار. فبين تهريب الوقود والمواد الغذائية المدعمة من جهة، وتهريب المخدرات والأسلحة والذهب والعملة من جهة أخرى، يجد المواطن التونسي نفسه أمام اقتصاد مزدوج: اقتصاد رسمي تنهكه الديون وعجز الميزانية، واقتصاد موازٍ يكاد يوازيه حجمًا ويتجاوزه في بعض القطاعات حيوية. هذا المقال يحاول رصد أبعاد هذه الظاهرة بمحاورها المختلفة: حجمها الاقتصادي، خريطتها الجغرافية، أنواع البضائع المتداولة فيها من السلع الاستهلاكية إلى المواد الخطرة، أثرها على الأمن الغذائي وجيب المستهلك، ثم المنظومة التشريعية التي تحاول الدولة من خلالها لجم هذا النزيف.

أولًا: حجم الاقتصاد الموازي وكلفته المالية

تشير التقديرات الرسمية وشبه الرسمية إلى أن الاقتصاد الموازي في تونس تضخم بشكل غير مسبوق منذ 2011، حيث كان لا يتجاوز 30% من الناتج المحلي الخام قبل الثورة، ليرتفع إلى نحو 53% بعدها، وتشير بعض التقديرات الأحدث إلى أنه بلغ اليوم ما يقارب 60% [1].  (Assabah News) وفي مقابل ذلك، تورد تقديرات حكومية أحدث نسبة أكثر تحفظًا تقدّر الاقتصاد الموازي بنحو 30% من الناتج المحلي الإجمالي [5]،  (Essahafa) وهو تباين في الأرقام يعكس في ذاته صعوبة ضبط هذه الظاهرة إحصائيًا وتضارب المصادر الرسمية حولها.

أما على مستوى الكلفة المالية المباشرة، فقد كشف تقرير للبنك الدولي أن حجم التجارة الموازية والتهريب على الحدود التونسية الليبية والجزائرية يصل إلى نحو 1.13 مليار دولار سنويًا [2]،  (Kapitalis) في حين تقدّر مصادر صحفية أخرى الخسائر السنوية المباشرة للدولة من التجارة الموازية بنحو 1.2 مليار دينار، منها 500 مليون دينار معاليم ديوانية ضائعة [3].  (Essahafa) وتشير دراسات أكاديمية إلى أن التجارة غير الرسمية شكلت في فترة 2011-2015 نحو 10% من إجمالي الواردات التونسية، وأن سوق الوقود غير المشروع وحده يستحوذ على 30% من مبيعات الوقود في تونس، بمشاركة ما يقارب 20 ألف فاعل بين مهربين وناقلين ومخزنين وبائعين [4].  (Futureuae) هذه الأرقام، على تباينها، تتقاطع جميعها عند نتيجة واحدة: أن الدولة التونسية تخسر سنويًا ما يعادل نسبة معتبرة من ميزانيتها العامة (التي قُدّرت لسنة 2025 بـ78.2 مليار دينار) [5]  (Essahafa) في شكل موارد جبائية وديوانية مهرّبة من دائرة الرقابة الرسمية.

ثانيًا: تهريب الوقود والبضائع الاستهلاكية على الحدود البرية

تتركز الجغرافيا الأكبر للتهريب التقليدي على محورين حدوديين: الحدود مع ليبيا جنوبًا، والحدود مع الجزائر غربًا. فعلى الحدود الليبية، وتحديدًا في منطقة بنقردان ورأس اجدير، تفيد دراسة للمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية بأن نحو 25 إلى 30 ألف شخص يعيشون من تجارة التهريب في تلك المنطقة وحدها، برأسمال يقارب 300 ألف دينار لكل تاجر جملة، ويُهرَّب يوميًا نحو 300 ألف لتر من الوقود من ليبيا إلى تونس، أي ما يعادل 110 مليون لتر سنويًا، بحجم تبادل تجاري يومي يتراوح بين مليون و3 ملايين دينار [1].  (Assabah News) ويذهب تقرير البنك الدولي إلى أن التهريب يمثل أكثر من نصف المعاملات التجارية لتونس مع ليبيا [2].  (Kapitalis)

على الجانب الجزائري، يكشف التقرير نفسه أن نحو 15% من البنزين المستهلك في تونس يأتي من واردات غير رسمية من الجزائر، وأن تجارة الوقود والعجلات المطاطية هي الأكثر رواجًا، بمشاركة أكثر من 60% من الشاحنات العاملة في هذا النشاط، إضافة إلى نشاط مكثف في تهريب السجائر [2].  (Kapitalis) وتاريخيًا، تطورت هذه الأنشطة من خدمات هامشية للمسافرين على قارعة الطريق إلى شبكات تهريب محترفة مرتبطة بعلاقات تنسيقية مع مسؤولين في تونس ودول الجوار، استفادت في طورها الأول من الحاضنة السياسية والأمنية التي نمت في عهد نظام بن علي قبل أن تتوسع توسعًا غير مسبوق بعد 2011 مع تصاعد المخاطر الأمنية في الجوار الليبي [4].  (Futureuae) وتؤكد البيانات الديوانية الحديثة استمرار هذا النزف، حيث جرى في الأشهر الأخيرة تكثيف الحملات على تهريب مواد استهلاكية موسمية كالقهوة والموز، فحُجز في شهر جانفي 2026 وحده نحو 10.5 طن من الموز وأكثر من 5 أطنان من القهوة المهربة [11].

ثالثًا: تهريب المخدرات: من السوق المحلية إلى محطة عبور إقليمية

تكشف بيانات الديوانة التونسية عن تصاعد حاد في حجم المخدرات المحجوزة خلال سنة 2025 مقارنة بالسنوات السابقة، إلى درجة وصفها الناطق الرسمي باسم الإدارة العامة للديوانة بأنها "أرقام مخيفة ومفرحة في الوقت ذاته" [6].  (Africanmanager) فقد جرى حجز أكثر من 670 كيلوغرامًا من القنب الهندي، وأكثر من 13 مليون حبة مخدرة، وأكثر من 80 كيلوغرامًا من الكوكايين، وأكثر من 2700 طابع من نوع "LSD"، في تضاعف لافت مقارنة بسنة 2024 التي شهدت حجز 33 كيلوغرامًا فقط من الكوكايين ومليون و100 ألف حبة مخدرة و250 كيلوغرامًا من القنب الهندي [6].  (Africanmanager) وبحلول أكتوبر 2025، كانت الكمية المحجوزة من الكوكايين قد بلغت بمفردها 73 كيلوغرامًا والقنب الهندي 726 كيلوغرامًا [10]، وهو رقم تضخم لاحقًا حتى بلغ بنهاية السنة قرابة 94 كيلوغرامًا من المواد المخدرة وأكثر من 64 ألف حبة دواء مخدر ضمن إجمالي محجوزات بلغت قيمتها 580.5 مليون دينار [8].  (Assabah News)

ويشير الناطق الرسمي للديوانة إلى تمايز في مسالك التهريب بحسب نوع المادة: فالكوكايين يُهرَّب أساسًا عبر المعابر البحرية والجوية، بينما يدخل القنب الهندي عبر المعابر البرية والبحرية، في حين تنشط الحبوب المخدرة عبر المعابر البرية أساسًا [10]. ومن أبرز العمليات النوعية المسجلة، إحباط محاولة تهريب 572.5 كيلوغرام من القنب الهندي مخبأة داخل مجرورة بميناء رادس [8]،  (Assabah News) وضبط أكثر من 43 كيلوغرامًا من الكوكايين في عملية بصفاقس [9]. هذا التطور يضع تونس في موقع متزايد الخطورة كمحطة عبور إقليمية للمخدرات الصلبة، لا كسوق استهلاك محلي فحسب، وهو تحول نوعي يستدعي مساءلة جدية حول كفاية الترسانة الأمنية والقضائية في مواجهته.

رابعًا: تهريب الأسلحة والذهب والمعادن: تمويل الإرهاب وتبييض الأموال

منذ سقوط نظام القذافي سنة 2011، تحوّلت ليبيا إلى سوق رائجة لتجارة السلاح تديرها شبكات معقدة ينتفع منها ملايين الأشخاص [13]، وأصبحت الحدود التونسية الليبية، خاصة في محيط بنقردان، الممر الأبرز لتهريب الأسلحة الخفيفة والمتوسطة، التي تشمل بنادق الكلاشينكوف وقذائف "آربيجي" والذخيرة والمتفجرات والألغام الأرضية [13].  (Raseef22) وقد نشطت أيضًا تجارة الأسلحة عبر صفحات فيسبوك المتخصصة، التي يديرها وسطاء ليبيون يستهدفون زبائن من تونس والجزائر ودول الجوار الإفريقي [12]، فيما كشفت تحقيقات أن بعض شحنات الأسلحة المهرَّبة عبر تونس لها صلة بخروقات لحظر التسليح الأممي على ليبيا، شاركت فيها أطراف إقليمية ودولية، وهو ملف حساس بلغ من خطورته أن أدى إلى توقيف خبير أممي تونسي كان يحقق فيه [13].  (Raseef22)

وفي السياق ذاته، يشكل تهريب الذهب والمعادن النفيسة بابًا موازيًا لتبييض الأموال وربما تمويل الإرهاب، إذ كشفت لجنة التحاليل المالية التونسية أن أكثر من 19 طنًا من الذهب جرى تهريبها من تركيا إلى تونس بين 2012 و2014 فقط، بينما بلغت قيمة الذهب الذي حجزته الديوانة سنتي 2016 و2017 أكثر من 29 مليار مليم [14].  (Assabah News) ويُستخدم التراب التونسي، حسب خبراء اقتصاديين، كبلد عبور لكميات من الذهب باتجاه دول آسيوية لتصنيعها وإعادة تصديرها إلى دول الجوار، وذلك في بلد لا يتجاوز احتياطه الرسمي من الذهب 6.8 أطنان فقط [15]  (Alaraby) — أي أن المهرَّب من هذا المعدن النفيس يفوق أحيانًا احتياطي البلاد المعلن منه. ولم يقف الأمر عند الذهب، بل امتد إلى معادن صناعية كالنحاس، حيث فككت السلطات شبكة كانت تموّل عبر فواتير وهمية وشركات واجهة، أسفرت عن حجز أكثر من 700 طن من النحاس المهرب [16].  (Tunisnow) وتؤكد الحصيلة الديوانية للثلاثي الأول من سنة 2026 استمرار هذا النشاط، بحجز نحو 3 كيلوغرامات من الذهب وأكثر من 700 ألف يورو وأكثر من 80 ألف خرطوشة في فترة لا تتجاوز ثلاثة أشهر [17].  (Webmanagercenter)

خامسًا: الأثر على الأمن الغذائي وجيب المستهلك

لا يقتصر أثر التهريب على خسارة الموارد الجبائية، بل يمتد إلى الإخلال المباشر بتوازن السوق الداخلية وتوفر السلع الأساسية. فمن مفارقات الحالة التونسية أن التهريب يسير في اتجاهين متعاكسين: تهريب الوقود والمواد الاستهلاكية من الخارج إلى الداخل من جهة، وتهريب المواد الغذائية المدعمة والأدوية من الداخل إلى الخارج من جهة أخرى، حيث تُهرَّب المواد المدعمة من الدولة التونسية باتجاه دول الجوار التي تفتقر إليها أو ترتفع فيها أسعارها [18].  (Nan) وقد سجلت الجمارك التونسية، خلال الأشهر التسعة الأولى من سنة واحدة فقط، محجوزات بقيمة نحو 130 مليون دولار من هذا النوع من النشاط المزدوج [18].  (Nan)

وتنعكس هذه الازدواجية مباشرة على المستهلك التونسي في شكل اختفاء متكرر لمواد أساسية من الأسواق الرسمية، كالقهوة والموز والمواد المطحونة، إذ تكثف الديوانة حملاتها على هذه المواد في المواسم الاستهلاكية الكبرى كرمضان [11]،  (Africanmanager) بينما تُحجز في موازاة ذلك كميات ضخمة من الملابس الجاهزة (بقيمة تفوق 9 ملايين دينار) والمواد الغذائية المهربة من الخارج (أكثر من 800 طن بقيمة 17 مليون دينار) والهواتف الجوالة (بقيمة تقارب 15 مليون دينار) ضمن حصيلة سنة واحدة [9].  (Ultra Tunisia) هذا التذبذب المزدوج في تدفق السلع عبر القنوات غير الرسمية يجعل من السوق التونسية رهينة لتقلبات لا تخضع لأي تخطيط اقتصادي رسمي، ويُفرغ السياسات الحكومية للدعم والتسعير من جزء كبير من فعاليتها، إذ تذهب المادة المدعمة بأموال الخزينة العامة إلى استهلاك خارج الحدود بدل أن تصل إلى مستحقيها من المواطنين التونسيين.

سادسًا: المنظومة التشريعية ومحدودية فعاليتها

تحرّكت السلطة التشريعية التونسية في السنوات الأخيرة لتشديد العقوبات المتعلقة بجرائم التهريب، حيث صادق البرلمان على تعديل يرفع عقوبة السجن في الجنح من فترة تتراوح بين 3 أشهر وسنة إلى ما بين سنتين وثلاث سنوات، مع تشديد إضافي في حال تورط مجموعة تتكون من 3 إلى 6 أشخاص [18].  (Nan) كما تضمن قانون المالية لسنة 2025 في فصله 72 مراجعة شاملة للعقوبات الديوانية الزاجرة للتهريب [19]، وهو ما أكده المجلس الوطني للجهات والأقاليم بالمصادقة على هذا التشديد [20]. وتنص الترسانة الجمركية التونسية على عقوبات تصل إلى الحبس من سنة إلى خمس سنوات وغرامة تعادل خمس مرات قيمة البضاعة المصادرة في جرائم تهريب المحروقات والحبوب والمواد الغذائية والماشية والأدوية والمتفجرات.

غير أن هذا التشديد التشريعي المتكرر يطرح سؤالًا جوهريًا حول فعاليته الفعلية في مواجهة ظاهرة تتجاوز البعد الجزائي المحض إلى أبعاد اجتماعية واقتصادية وجيوسياسية عميقة. فالحكومات المتعاقبة تعهدت منذ سنوات بإنشاء منطقة حرة على الحدود مع ليبيا كحل بنيوي لاستيعاب النشاط الاقتصادي للمناطق الحدودية ضمن الاقتصاد الرسمي، لكن هذا المشروع لم يخرج إلى حد الآن إلى حيز التنفيذ [18].  (Nan) وما دامت آلاف العائلات في المناطق الحدودية تعيش بشكل مباشر أو غير مباشر من عائدات التهريب، في غياب فرص عمل رسمية بديلة، فإن تشديد العقوبات وحده، دون معالجة بنيوية تشمل التنمية الجهوية والتشغيل وتقليص الفوارق السعرية بين تونس ومحيطها الإقليمي، يظل علاجًا للأعراض دون الجذور.

خاتمة تحليلية

إن ظاهرة التهريب في تونس ليست مجرد خرق قانوني فردي يمكن تطويقه بمزيد من العقوبات الزجرية، بل هي عرَض بنيوي لأزمة الدولة التونسية ذاتها: دولة عاجزة عن ضبط حدودها بشكل كامل، تعاني من تفكك أدواتها الرقابية في الأقاليم الحدودية، وتواجه محيطًا إقليميًا مضطربًا أمنيًا (ليبيا ما بعد 2011) واقتصاديًا (فوارق الدعم مع الجزائر). وحين يبلغ الاقتصاد الموازي حدًّا يقارب نصف الناتج المحلي أو يتجاوزه، فإن السؤال لا يعود سؤال "مكافحة التهريب" بالمعنى الأمني الضيق، بل سؤال السيادة الاقتصادية للدولة على مواردها وأسواقها وحدودها. فمعالجة هذا الملف تستدعي رؤية تنموية سيادية متكاملة تُدمج المناطق الحدودية في الاقتصاد الرسمي، وتعيد التوازن إلى منظومة الدعم الإقليمية، بدل الاستمرار في سياسة الترقيع الزجري التي ثبت محدودية أثرها طيلة العقد ونصف الماضي.

ثبت المراجع

[1] جريدة الصباح نيوز، "يشغل مليونا و600 تونسي.. الاقتصاد الموازي يكلف الدولة خسائر سنوية في الضرائب بأكثر من 5 مليار دينار"، assabahnews.tn

[2] "أزمة التهريب والتجارة الموازية في تونس"، أنباء تونس/كابيتاليس، kapitalis.com

[3] "التجارة الموازية تواصل الاضرار بالاقتصاد التونسي: 1.2 مليار دينار خسائر سنوية"، الصحافة اليوم، essahafa.tn

[4] مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، "لماذا تنشط اقتصادات التهريب في الأزمات التونسية؟"، futureuae.com

[5] "الاقتصاد التونسي وأهم تحديات سنة 2025"، الصحافة اليوم، essahafa.tn

[6] "كميات وأنواع المخدرات المحجوزة خلال سنة 2025"، أفريكان مانجر، ar.africanmanager.com

[7] "محجوزات المواد المخدرة خلال نوفمبر وديسمبر 2025"، الموقع الرسمي للديوانة التونسية، douane.gov.tn

[8] "من بينها المخدرات والذهب.. 580 مليارا ونصف قيمة محجوزات الديوانة من التهريب"، الصباح نيوز، assabahnews.tn

[9] "حصيلة 2025.. الديوانة التونسية تحجز بضائع مهربة تفوق قيمتها 580 مليون دينار"، Ultra Tunisia، ultratunisia.ultrasawt.com

[10] "عاجل/ بالأرقام: الديوانة تحجز كميات مهولة من المخدّرات"، webmanagercenter، ar.webmanagercenter.com

[11] "الناطق باسم الديوانة: محجوزات شهر جانفي تتجاوز 19 مليون دينار"، أفريكان مانجر، ar.africanmanager.com

[12] "كيف تحوّل فيسبوك إلى سوق للمتاجرة بالأسلحة في ليبيا؟"، CNN Arabic، arabic.cnn.com

[13] "ذهب ليحقق في تهريب الأسلحة بين تونس وليبيا فاعتقلته السلطات"، رصيف22، raseef22.net

[14] "انخرطت فيها شبكات دولية.. تهريب الذهب تجارة محرمة"، الصباح نيوز، assabahnews.tn

[15] "تونس: مهربون يغسلون أموالهم عبر تجارة الذهب"، العربي الجديد، alaraby.co.uk

[16] "تفكيك شبكة لتهريب النحاس وتجميد حسابات شركة كبرى"، تونس الآن، tunisnow.tn

[17] "بالأرقام/ زلزال في عالم التهريب: حصيلة قياسية للديوانة"، webmanagercenter، ar.webmanagercenter.com

[18] "تشديد العقوبات على المهربين في تونس في خطوة لمكافحة التهريب"، أخبار شمال إفريقيا، nan.media

[19] "مراجعة العقوبات الديوانية المتعلقة بزجر التهريب"، قانون المالية 2025، jurisitetunisie.com

[20] "مجلس الجهات والأقاليم يقرّ تشديد العقوبات على جرائم التهريب"، Mosaique FM، mosaiquefm.net

السبت، 27 يونيو 2026

دلالات الاعتراف بالدولة الفلسطينية: بين الأوهام الدبلوماسية وحقائق الميدان بعد "طوفان الأقصى" ​بقلم: الناصر خشيني (نابل - تونس)


   مقدمة: سراب الاعترافات الدبلوماسية مقابل واقع الاحتلال
​تتوالى موجات الاعتراف الدولي والدبلوماسي بالدولة الفلسطينية من قِبل قوى صاعدة في أمريكا اللاتينية وأوروبا، وهو ما يراه البعض مكسباً سياسياً كبيراً وانتصاراً ناجزاً على الكيان الصهيوني. غير أن القراءة الواقعية للميدان تكشف أن هذه الاعترافات -على أهميتها الرمزية- لا تغير من الحقائق المأساوية على الأرض شيئاً؛ ففلسطين التاريخية ما زالت ترزح تحت وطأة احتلال عسكري مباشر، يمارس أبشع سياسات التنكيل، والاعتقال، والتهجير، والتجريف، في ظل تواطؤ دولي وعربي يساهم -من حيث يشعر أو لا يشعر- في إطالة أمد هذا الاحتلال ومنحه شرعية زائفة على حساب الحق العربي التاريخي. إن تضخيم هذه المكاسب الدبلوماسية الهامشية يمثّل حالة من الوهم السياسي الذي يغطي على عمق المعاناة الإنسانية غير المسبوقة في التاريخ البشري [1].
​ثانياً: حدود التعاطف الدولي وجدلية "الحق الكامل"
​إننا إذ نتوجه بالشكر والتقدير لكل الدول الصديقة والشعوب الحرة التي انتصرت لعدالة قضيتنا، فإنه من واجبنا المصارحة وطرح الأسئلة الجوهرية: هل يترجم هذا الاعتراف الدبلوماسي إقراراً بالحقوق المشروعة الكاملة للشعب الفلسطيني فوق كامل ترابه الوطني من النهر إلى البحر؟ وهل يتضمن اعترافاً صريحاً ببطلان الكيان الصهيوني كدولة ونظريات وأيديولوجيا إحلالية يجب أن تزول ليتحقق السلام والأمن المستند إلى العدالة؟ إن أي اعتراف لا يفكك البنية الاستعمارية للكيان يظل قاصراً عن تحقيق جوهر الحرية [2].
​ثالثاً: الأمة العربية بين تشرذم "السياسات الإقليمية" والأطماع الأجنبية
​لا يمكن فصل قضية فلسطين عن سياقها القومي؛ فالأمة العربية المستهدفة تمتد من المحيط إلى الخليج، وما زالت أجزاء واسعة من أراضيها تعاني من الغزو والاحتلال الأجنبي متعدد الأطراف:
​الاحتلال الإسباني لمدينتي سبتة ومليلة في المغرب.
​الاحتلال الأثيوبي لإقليم الأوغادين الصومالي.
​التغلغل التركي في لواء الاسكندرون السوري.
​الاحتلال الإيراني للأحواز والجزر الإماراتية الثلاث، ورفض مبدأ التفاوض حولها.
​الغزو الصهيوني الذي يتمدد إلى أجزاء من سوريا ولبنان، ومساهمته التاريخية مع الولايات المتحدة في تدمير العراق وتفتيته.
​إن العائق الأكبر أمام مشروع التحرير الشامل -إلى جانب الاستبداد- هو "النزعة الإقليمية الضيقة"، حيث تستأثر سلطات محلية بجزء من الشعب والأرض وممارسة سيادة منقوصة، مما يكرس التشرذم ويفتح الباب لمزيد من التفكيك والتقسيم في اليمن، والسودان، وسوريا، وليبيا. وفي الوقت الذي تتكتل فيه أمم مختلفة اللغات والتاريخ في اتحادات كبرى (كالاتحاد الأوروبي) لمواجهة الهيمنة العالمية، تزداد الأمة العربية تفتتاً وانعزالاً [3].
​رابعاً: "طوفان الأقصى" وخيار المقاومة كطريق وحيد للتحرير
​إن معركة طوفان الأقصى وصمود المقاومة الأسطوري أثبتا بالدليل القاطع والدم القاني أن قضية فلسطين لا تُحل في أروقة المحافل الدولية والاعترافات الورقية، بل بتفعيل المقاومة الشاملة ومساندتها مادياً، ومعنوياً، وإعلامياً. لقد سقطت أوهام "الحياد"؛ فهذه قضية وجودية يجب أن تُبنى علاقات الأمة ومصالحها مع دول العالم بناءً على مواقفها منها.
​إن الطريق الوحيد لتحرير فلسطين -كل فلسطين- يمر عبر ضرب العقيدة الأمنية للكيان الصهيوني، واستهداف جنوده وقطعان مستوطنيه، لدفعه إلى إدراك كلفة الاحتلال، وزعزعة استقراره الزائف، وجعله يفكر جلياً في الهجرة العكسية والعودة إلى البلدان الأصلية التي جاء منها [4].
​الهوامش والتعليقات التوثيقية 
​[1] الهامش الأول (حول طبيعة الاعتراف الدولي الحالية):
شهدت الساحة الدولية بعد الـ7 من أكتوبر/تشرين الأول قفزة في الاعترافات الدبلوماسية (مثل اعتراف إسبانيا، وإيرلندا، والنرويج، وسلوفينيا بالدولة الفلسطينية).  فهذه الاعترافات -رغم أهميتها الأخلاقية وعزلها للكيان- جاءت كنتاج مباشر لـ "طوفان الأقصى" وصمود المقاومة، وليست منّة من المسارات التفاوضية. ومع ذلك، يظل التحذير قائماً من "تضخيم" هذه الخطوات وتحويلها إلى انتصار نهائي، بينما غزة تُباد والضفة تُضم فعلياً، مما يؤكد أن الميدان هو المحدد الأساسي للسيادة وليس الأوراق الدبلوماسية.
​[2] الهامش الثاني (حدود حل الدولتين وسقوط الأوهام):
جاءت معركة طوفان الأقصى لتطلق رصاصة الرحمة على ما يُسمى "حل الدولتين" الذي تستند إليه الاعترافات الدولية الحالية. لقد أثبت الصمود الأسطوري للمقاومة وشراسة الهجمة الصهيونية المدعومة أمريكياً أن الصراع هو "صراع وجود لا صراع حدود"، وأن أي اعتراف دولي يلتف على حق العودة والتحرير الكامل لكل شبر من فلسطين التاريخية هو محاولة لشرعنة وجود الكيان وتأمين بقائه.
​[3] الهامش الثالث (واقع التشرذم العربي والإقليمي والتواطؤ):
تتجلى  "الإقليمية والتشرذم العربي" في أبهى وأسوأ صورها اليوم؛ حيث يقف النظام الرسمي العربي عاجزاً -بل ومشاركاً عبر الحصار الإقليمي والاقتصادي وبناء ممرات بديلة لإنقاذ الكيان الصهيوني- أثناء حرب الإبادة الجماعية. هذا التشرذم يؤكد أن عزل القضية الفلسطينية عن عمقها القومي التحرري هو مصلحة استعمارية مشتركة لإبقاء الأمة مستباحة ومقسمة من قِبل القوى الإقليمية والدولية الطامعة.
​[4] الهامش الرابع (معادلة الأمن والهجرة العكسية بعد الطوفان):
هذا المحور يمثل الذروة التحليلية للمقال والتي تطابقت تماماً مع نتائج "طوفان الأقصى". لأول مرة منذ عام 1948، تهاوت العقيدة الأمنية الصهيونية (بأبعادها: الردع، والإنذار المبكر، والحسم الميداني). إن استهداف أمن الكيان وضرب العمق الاستيطاني الصهيوني في غلاف غزة وشمال فلسطين المحتلة أدى فعلياً إلى نزوح مئات الآلاف من المستوطنين داخلياً، وتصاعد أرقام الهجرة العكسية إلى الخارج بلا عودة. لقد أثبتت المقاومة عملياً أن تدمير "الرفاه والأمن" للمستوطن هو السبيل الأقصر لتفكيك البنية البشرية والاقتصادية للكيان الصهيوني الغاصب.


الجمعة، 26 يونيو 2026

الثروات المنهوبة: قطاع النقل بين تفريط الدولة وتغوّل الخواص بقلم: الناصر خشيني



مقدمة

يُعدّ قطاع النقل، بكل تفرعاته البرية والجوية والبحرية والسككية، الشريان الذي تتنفّس من خلاله الدولة الحديثة، فهو المرفق الذي يصل التلميذ بمدرسته والعامل بمصنعه والمريض بمستشفاه والمنتج بسوقه. ومن هذا الموقع الحسّاس بالذات اختار رأس المال الخاص أن ينصب خيامه، مستغلا تقادم أسطول المؤسسات العمومية وتفاقم ديونها وعجزها عن الاستجابة لحاجيات المواطنين. وما كان لهذا التغوّل أن يتحقق لولا سياسات ممنهجة أفقرت الشركات الوطنية عمدا، تمهيدا لتسليم مرفق استراتيجي لمن لا يحكمه إلا منطق الربح. ولا يخفى أن من سنن الكون أن المال العام إذا غاب عنه الحارس أصابه الفساد، يقول تعالى: (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل) (البقرة: 188)، وهي آية تختصر مأساة المرفق العمومي التونسي في عمومه، وقطاع النقل في خصوصه.

أولا: النقل الجوي.. من "تونيسار" المفخرة إلى عبء يتجاوز ملياري دينار

كانت الخطوط التونسية "تونيسار" تحقق أرباحا صافية في العقد الأول من القرن الحالي، بلغت نحو 60 مليون دينار سنة 2009 وحدها[1]. غير أن السنوات التالية كشفت تدهورا متفاقما، حتى أصبحت الشركة، بحسب تقرير محكمة المحاسبات المُحال إلى رئاسة الجمهورية في جانفي 2026، صاحبة أكبر خسائر في القطاع العام بمبلغ 316 مليون دينار في سنة واحدة[1]، بعد أن كانت ديونها المتراكمة تجاه الدولة والبنوك المحلية والأجنبية قد تجاوزت 2.2 مليار دينار سنة 2020 قبل إعادة جدولتها[1]. وأكد الرئيس المدير العام للشركة مؤخرا أن العجز المالي يفوق اليوم ملياري دينار، في وقت تراجعت فيه حصتها السوقية من 22% سنة 2024 إلى 20% سنة 2025[2].

والسبب الأول لهذا الانهيار هو تقادم الأسطول وتهالكه؛ فقد كانت "تونيسار" تملك 28 طائرة سنة 2010، لتنحدر اليوم إلى نحو 18 طائرة لا يتجاوز عدد القابل منها للاستغلال 14، وقد يقل العدد عن العشرة عند تزامن أعطال عدة وحدات أو خضوعها للفحص الفني[1]. وقد بلغ العبث حدا جعل الشركة تكتري محركاتها لشركة دلتا الأمريكية في إطار نزاع قضائي مع شركة كندية، بينما تكتري في الوقت نفسه طائرات أجنبية كاملة لتعويض النقص الداخلي، بكلفة تشغيلية مرتفعة[3]. وتعد الحكومة بترفيع الأسطول إلى 21 طائرة أواخر سنة 2026، مع تسوية الديون الخارجية[4][5]، لكن هذه الوعود تتكرر منذ سنوات دون أن يتغير جوهر الأزمة.

في المقابل، نشأ النموذج الخاص متمثلا في شركة "سيفاكس إيرلاينز" التي أسسها رجل الأعمال محمد الفريخة، المدير العام لمجمع تلنات، إثر الثورة، وأقلعت أول رحلاتها في أفريل 2012[6]. وقد حصلت الشركة على رخصة استغلال جوي جديدة سنة 2019 رغم شبهات تضارب مصالح وديون غير مستخلصة من قبل الدولة، وارتباطها بصفقات مع شركتين نيجيريتين إحداهما لا تملك حتى رخصة استغلال، في ظل ما وصفه خبراء بالتعتيم من وزارة النقل[6]. وقد أثمرت سنوات التتبع القضائي عن إيقاف الفريخة في سبتمبر 2023 إلى جانب وزير النقل الأسبق عبد الكريم الهاروني، على ذمة قضية فساد مالي وإداري وغسيل أموال تتعلق بمعاملات بين شركته الخاصة ومؤسسة بترولية عمومية[7][8]. وانتهت القضية في فيفري 2026 بحكم نهائي يقضي بسجن الفريخة سبع سنوات، وسجن الهاروني سنتين، وسجن إطارين سابقين في المؤسسة البترولية العمومية ست سنوات[9][10]. وهذا الحكم يكشف بجلاء كيف تحول المرفق العمومي إلى وسيلة لتمويل توسع الخواص وإثرائهم، بينما تُركت الشركة الوطنية تنزف ديونا وتتقادم طائراتها.

ثانيا: النقل البري.. اللواج والباصات الخاصة يتقاسمان الخطوط بتعريفة أعلى

لا يختلف وضع النقل البري عن النقل الجوي إلا في التفاصيل. فشركات النقل العمومي، الوطنية والجهوية، تشكو اهتراء الأسطول ونقص قطع الغيار والصيانة وعجزا ماليا يعيق الاستثمار، وفق ما أكده وزير النقل نفسه في أفريل 2026[11]. وبلغ الأمر بشركة نقل تونس حد استيراد 122 حافلة فرنسية مستعملة في أوت 2023، في صفقة وُصفت بأنها تعويل على "خردة فرنسا" بدل تجديد الأسطول[12]. وتعود جذور هذا العجز إلى سياسة تسعير لا تغطي التكاليف، وما يُعرف محليا بـ"الترسكية" في تسيير المستودعات، إلى جانب ديون متراكمة منذ سنوات[12].

وفي ظل هذا التردي، لا تتجاوز نسبة رضا المواطنين عن أداء النقل العمومي في تونس الكبرى 14% بحسب بحث ميداني للمعهد الوطني للاستهلاك[13]، فيلجأ كثيرون إلى وسائل النقل الخاصة التي تتقاسم نفس الخطوط مع الشركة العمومية لكن بتعريفات أعلى[12]. وهذا هو جوهر "التغوّل" الذي يشكو منه المواطن: مرفق عمومي مُفرَّط فيه عمدا، يفسح الطريق لخواص يقدمون نفس الخدمة بسعر أعلى. وتتكرر الإضرابات احتجاجا على التأخر في صرف الأجور وتردي شروط العمل، وكان آخرها إضراب شامل شل حركة النقل البري بالكامل سنوات متتالية، وسط ديون عمومية تجاوزت نسبتها 100% من الناتج المحلي الإجمالي[14][15].

ثالثا: السكك الحديدية.. قطارات على قضبان متهالكة

لم يكن قطاع السكك الحديدية بمنأى عن هذا التردي، فقد سُجّلت حوادث متكررة لخروج القطارات عن القضبان، كما حدث في باجة وقفصة في فبراير 2025، إلى جانب حوادث اصطدام بالشاحنات[16]. كما انقطعت رحلات نقل الفسفاط عبر السكة الحديدية منذ أكتوبر 2017 دون استئناف[16]، وهو مؤشر على تراجع الوظيفة الاقتصادية للشركة الوطنية للسكك الحديدية، فضلا عن تكرار تأجيل إضرابات أعوانها بسبب أوضاعهم المهنية المتدهورة[16].

رابعا: النقل البحري.. سيادة بحرية تتقلص بصمت

تدير الشركة التونسية للملاحة أسطولا من العبّارات يربط الموانئ التونسية بأوروبا منذ أكثر من أربعة عقود[17]، لكنها، على غرار بقية مؤسسات النقل العمومي، تواجه إشكاليات تجديد الأسطول والتمويل في صمت إعلامي يقلّ عن صخب أزمتي الطيران والنقل البري، رغم أن السيادة على الممرات البحرية لا تقل أهمية عن السيادة على الأجواء والطرقات في زمن تتنافس فيه الشركات الأجنبية على حصص السوق المتوسطية.

خامسا: الانعكاسات على القطاعات الحيوية

إن أزمة النقل ليست أزمة قطاعية معزولة، بل هي أزمة تتسرب إلى كل مفاصل الحياة العامة. فتعطل الحافلات والقطارات يعني تأخر التلاميذ عن مدارسهم والعمال عن مصانعهم، ويكلف الاكتظاظ المروري وحده ما بين 1% و2% من الناتج المحلي الإجمالي[13]، فضلا عن ارتفاع معدلات الحوادث المرورية. كما أن غياب نقل عمومي منتظم وبأسعار معقولة يدفع الأسر إلى تحمل أعباء إضافية في التنقل نحو المرافق الصحية والتربوية، وهو عبء يضرب الطبقات الأكثر فقرا أولا، فيما يستفيد الخواص من اتساع هذا الفراغ ليقدموا الخدمة نفسها بأسعار أعلى، في حلقة مفرغة تكرّس التفاوت الاجتماعي وتنهك الاقتصاد الوطني ككل.

خاتمة

إن قطاع النقل التونسي يقدم نموذجا صارخا لما يمكن تسميته "التفريط المنظم" في المرفق العمومي: إفقار متعمد للمؤسسات الوطنية عبر تقادم الأسطول وتراكم الديون وضعف الاستثمار، يليه تسليم الفضاء الذي تنسحب منه الدولة لرأس مال خاص لا يحكمه إلا الربح، كما تجسد بوضوح في قضية محمد الفريخة وشركته "سيفاكس إيرلاينز". وما دامت السياسات العمومية تكتفي بالحلول الترقيعية -شراء حافلات مستعملة، إعادة جدولة ديون، وعود متكررة بتجديد الأسطول- دون مساءلة جذرية لمن أوصل هذه المؤسسات إلى ما هي عليه، فإن المواطن التونسي سيظل أسير مرفق عمومي عاجز وخواص يتربصون بكل فراغ تتركه الدولة.

ثبت المراجع

[1] Legal Agenda، "متى يَخرج النقل الجوي في تونس من منطقة الاضطرابات؟"، 2026، https://legal-agenda.com

[2] ألترا تونس، "رئيس مدير عام الخطوط التونسية: عجز الشركة يفوق 2 مليار دينار"، https://ultratunisia.ultrasawt.com

[3] Tunisie Telegraph، "محضر جلسة يكشف عن مفارقة صادمة: الخطوط التونسية تؤجر محركاتها وتستأجر طائرات"، 2026، https://tunisie-telegraph.com

[4] Zoom Tunisia، "الخطوط التونسية تواجه صيف 2026 وسط تحديات غير مسبوقة في الأسطول والرحلات"، https://zoomtunisia.tn

[5] Tunisie Telegraph، "الخطوط التونسية تخطط لاقتناء 6 طائرات جديدة"، 2025، https://tunisie-telegraph.com

[6] الكتيبة (Alqatiba)، "شركة سيفاكس للطيران: الأجنحة المتكسّرة لرجل الأعمال محمد الفريخة"، 2022، https://alqatiba.com

[7] Kapitalis، "ايقاف رجل الأعمال محمد فريخة، النائب عن النهضة سابقا وصاحب شركة سيفاكس للطيران"، 2023، https://kapitalis.com

[8] ألترا تونس، "تمديد الإيقاف التحفظي في حق عبد الكريم الهاروني ومحمد فريخة"، 2024، https://ultratunisia.ultrasawt.com

[9] Babnet، "القضاء يصدر حكمه على رجل الأعمال محمد فريخة وآخرين"، 2026، https://www.babnet.net

[10] جريدة الشروق التونسية، "في قضية الامتيازات لشركة سيفاكس إيرلاينز.. 7 سنوات سجنا لرجل الأعمال محمد فريخة وعامان للهاروني"، 2026، https://www.alchourouk.com

[11] webmanagercenter (المصدر تونس)، "تتم معالجة الوضعيات المتدنية لشركات النقل البري من خلال تحسين العرض"، 2026، https://ar.webmanagercenter.com

[12] Nawaat، "أزمة النقل العمومي في تونس العاصمة: أسطول مهترئ وسياسات عقيمة"، 2024، https://nawaat.org

[13] ألترا تونس، "منظومة النقل في تونس: ذبحة صدرية في قلب الاقتصاد"، https://ultratunisia.ultrasawt.com

[14] صحيفة الخليج، "إضراب يشلّ حركة النقل العام في العاصمة التونسية"، 2023، https://www.alkhaleej.ae

[15] France 24 عربي، "تونس: إضراب شامل لعمال النقل يشل حركة المواصلات ويزيد الضغوط على الحكومة"، 2025، https://www.france24.com

[16] ألترا تونس، صفحة وسم "السكك الحديدية"، https://ultratunisia.ultrasawt.com

[17] Direct Ferries، "CTN Ferries"، https://ar.directferries.com

الصحة في تونس: حين يتحوّل حق المواطن في العلاج إلى سلعة في سوق المصالح الخاصة بقلم: الناصر خشيني

 



مقدمة

لا يَعدو قطاع الصحة في تونس أن يكون حلقة جديدة من حلقات النهب المنظم للثروة الوطنية والحق الاجتماعي للمواطن، إذ تحوّل الحق الدستوري في العلاج، تدريجيا وبصمت رسمي، إلى سلعة تخضع لمنطق العرض والطلب، يحتكرها من يملك المال ويُستبعَد منها من لا يملكه. فبين تغوّل القطاع الخاص على البنية الصحية الوطنية، وانهيار منظومة التزوّد بالدواء، وتفشّي ظاهرة الاتجار بالأعضاء البشرية، وغلاء التحاليل والفحوصات إلى حدود الابتزاز، وعجز الصناديق الاجتماعية عن الوفاء بدورها الحمائي، يتشكّل مشهد متكامل لمنظومة صحية مأزومة، تتقاسم أطرافها المتعدّدة المسؤولية عن تفريط الدولة في أحد أخطر مرافقها الاجتماعية.

المحور الأول: تغوّل القطاع الخاص وانحسار القطاع العمومي

شهد القطاع الصحي الخاص في تونس انتعاشة لافتة على حساب القطاع العمومي خلال العقد الأخير، إذ تطوّر عدد المصحات الخاصة بين سنتي 2014 و2021 من 90 إلى 109 مصحة، بينما ارتفع عدد العيادات الخاصة في الفترة نفسها من 7283 إلى 8760 عيادة، في وقت يستحوذ فيه القطاع الخاص على 55% من إجمالي الأطباء العاملين في البلاد [1]. وفي المقابل، لم تشهد البلاد طوال العقد المنصرم إحداث أي مستشفى عمومي جديد، رغم أن عدد المستشفيات العمومية البالغ 23 مستشفى يغطي حاجيات أكثر من 11 مليونا ونصف المليون نسمة [1].

ولا يقف الخلل عند البنية التحتية فحسب، بل يتجاوزها إلى التجهيزات الطبية الثقيلة، حيث تستحوذ المصحات الخاصة اليوم على 85% من أجهزة الرنين المغناطيسي، و73% من الماسحات الضوئية (سكانر)، و79% من قاعات القسطرة القلبية [2]. ويتجلّى منطق الانسحاب الرسمي بوضوح في السياسات الإستراتيجية نفسها، إذ أعلنت الحكومة التونسية، في ندوة دعم الاستثمار سنة 2016، عن توجّه يمنح القطاع الخاص حصة 64.25% من المشاريع الاستثمارية المستقبلية في القطاع الصحي بقيمة 4 مليارات دولار، في حين لا يبقى للدولة سوى عدد محدود من المشاريع المتعلقة بتحسين المستشفيات الجهوية [1]. ويترجم هذا الانحسار ميزانيا أيضا، حيث لا تتجاوز ميزانيةش وزارة الصحة 5.23% من الميزانية العامة للدولة، توجَّه نسبة 87.6% منها لنفقات التصرف والتسيير، بينما لا تتجاوز نفقات تطوير البنية التحتية والإصلاح 12.4% فقط من ميزانية الوزارة [2].

المحور الثاني: احتكار الدواء وانهيار الصيدلية المركزية

تكشف أزمة الدواء المتكررة عن عمق الخلل البنيوي الذي يضرب منظومة التزوّد الدوائي بكاملها. فقد بلغت ديون المستشفيات العمومية والصناديق الاجتماعية المتخلدة بذمتها لدى الصيدلية المركزية 1442 مليون دينار، في حين تُقدَّر ديون الصيدلية المركزية تجاه مزوّديها العالميين بنحو 1300 مليون دينار، وهي حلقة مديونية متشابكة يحتاج سد فجوتها إلى ما لا يقل عن ست سنوات [3]. وقد انعكست هذه الأزمة المالية مباشرة على توفر الأدوية، حيث سجّلت تونس فقدان نحو 20 دواء لا تتوفر له بدائل علاجية، إلى جانب اضطراب حاد في توزيع 69 دواء آخر [4]، معظمها أدوية حيوية لعلاج السرطان والأمراض المزمنة، وقد شهد صيف 2025 حالات وفاة نتيجة عدم توفر العلاج الكيميائي الضروري لمرضى السرطان [4].

والمفارقة أن الصيدلية المركزية، التي تحتكر استيراد وتوزيع الدواء في البلاد، تجد نفسها رهينة معادلة مالية مستحيلة، فهي مضطرة لبيع الأدوية بأسعار أدنى من كلفتها الحقيقية دون أن تحصل على مستحقاتها في الآجال، وهو ما يدفعها لتقليص الكميات الموردة، فينعكس ذلك تلقائيا على الصيدليات الخاصة. وقد بلغت حدة الأزمة بين الصيدليات الخاصة وصندوق التأمين على المرض حدا دفع النقابة التونسية لأصحاب الصيدليات الخاصة إلى إيقاف العمل بصيغة "الطرف الدافع" في الأمراض العادية ابتداء من أكتوبر 2025، رفضا لما اعتبرته محاولات لضرب احتكار الدولة للمرفق الدوائي وتحويله إلى أطراف خاصة بما يمسّ حق المواطن ذي الدخل المحدود في العلاج [5].

المحور الثالث: تجارة الأعضاء البشرية: من محنة العلاج إلى تجارة الجسد

لم يبق الفقر والعجز عن تحمّل تكاليف العلاج حبيس حدود التأخر في الفحص أو غياب الدواء، بل دفع بشريحة من التونسيين المعدمين إلى أبشع تجليات استغلال الجسد. فقد كشفت وحدات الحرس الوطني عن شبكة دولية تنشط منذ سنة 2018 في تجارة الأعضاء بين تونس وبلد أجنبي، يقودها أجنبي متواجد خارج البلاد، يعاضده وسطاء أجانب وتونسيون، تمكنت من استقطاب عدد من التونسيين [6]. وتكشف تفاصيل بعض الحالات عن مدى توحش هذه الشبكات، حيث باع مواطن تونسي إحدى كليتيه في تركيا لشخص كونغولي مقابل 15 ألف دولار، بعد أن اضطر لعقد زواج صوري من ابنة المُشتري للتمكّن من إجراء العملية الجراحية تجاوزا للقانون التركي [7]. وفي حالة أخرى، استُقطب تونسيون عبر حسابات وهمية على مواقع التواصل الاجتماعي للحصول على نحو 7 آلاف دولار مقابل بيع كلية، ضمن شبكة تُدار من تركيا بمشاركة سوريين وأردنيين وأتراك [8]، بينما قُدّر المقابل المادي لبيع كلية في حالة أخرى بنحو 40 ألف دينار [9].

ولا تمثّل تونس حالة منعزلة في هذا السياق، فهي جزء من خارطة إقليمية أوسع لتجارة الأعضاء، تسيطر عليها شبكات مافيا منظمة في شمال إفريقيا والمشرق العربي، تضم في صفوفها أساتذة جامعات وأطباء وأعضاء هيئة تمريض وأصحاب مختبرات طبية ووسطاء، مستفيدة من الظروف الاقتصادية الضاغطة وغياب التشريعات الرادعة [10]. ومع أن القانون التونسي يحظر صريحا تجارة الأعضاء البشرية بمقابل مالي، وقد عزز ذلك بالمصادقة على قانون مكافحة الاتجار بالبشر سنة 2016 [8]، فإن استمرار تفكيك شبكات جديدة سنة بعد سنة يكشف عن محدودية الرقابة الفعلية، وعن عمق الهشاشة الاجتماعية التي تدفع بالضحايا إلى هذا الدرك من استغلال الفاقة.

المحور الرابع: غلاء التحاليل والفحوصات: ابتزاز مقنّع باسم الطب

تشكّل تجربة جائحة كوفيد-19 نموذجا فاضحا لمنطق الجشع الذي يحكم جانبا من القطاع الخاص في مجال التحاليل الطبية. فقد حدّدت وزارة الصحة سعر تحليل "بي سي آر" في المخابر الخاصة بـ209 دنانير، إلا أن مخابر خاصة رفعت السعر إلى حدود 400 دينار، أي ما يقارب ضعف التسعيرة الرسمية، مستفيدة من ظهور شركات مناولة غير مرخّصة تحتكر أخذ العينات مقابل رسوم إضافية [11]. ولم تقف الإشكالية عند الأسعار فقط، بل تجاوزتها إلى جودة الخدمة، حيث أشار مختصون إلى وجود خلل كبير داخل بعض المخابر الخاصة التي تشغّل عمالة غير مؤهلة طمعا في خفض التكاليف، وهو ما يفتح الباب للتشكيك في دقة بعض النتائج [12].

وتزداد فضاحة هذا الملف عند المقارنة الإقليمية، حيث تبيّن أن أسعار التحاليل الطبية في تونس تفوق أسعارها في الجزائر بنحو ست مرات، رغم استخدام الأجهزة والتقنيات ذاتها في البلدين، في غياب آلية رسمية صارمة لضبط التسعيرة [13]. وفي مفارقة تكشف عن الحلقة المفرغة التي يدور فيها القطاع برمّته، فإن المخابر نفسها تجد نفسها ضحية لتعثر صندوق التأمين على المرض في سداد مستحقاتها، حتى اضطر بعض أصحابها للاقتراض من البنوك أكثر من مرة، فيما واجهت مخابر أخرى شبح الإفلاس [14].

المحور الخامس: عجز الصناديق الاجتماعية: حلقة مفرغة من المديونية

في جوهر هذه الأزمة المركّبة تقف الصناديق الاجتماعية، التي يُفترض أن تكون خط الدفاع الأول عن حق المواطن في التغطية الصحية، وقد تحولت هي نفسها إلى بؤرة عجز متفاقم. فـ"الكنام" له مستحقات تقدّر بنحو 8778.7 مليون دينار على بقية الصناديق الاجتماعية، في حين تجاوزت ديونه تجاه الأطباء والصيادلة ومزوّدي الخدمات 2336 مليون دينار خلال سنة 2022 وحدها، بينما سجّل الصندوق الوطني للتقاعد والحيطة الاجتماعية عجزا بلغ 700 مليون دينار سنة 2024، وتجاوز عجز الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي المليار دينار [15]. وتتأكد حدّة هذا العجز في الأرقام المتتالية، حيث سجّل صندوق الضمان الاجتماعي عجزا بلغ 950 مليون دينار سنة 2023، تعمّق إلى 1230 مليون دينار سنة 2024، ومن المتوقع أن يصل إلى أكثر من 1400 مليون دينار سنة 2025، في حين تقلّص فائض "الكنام" المحاسبي من نحو ألف مليون دينار سنة 2023 إلى 860 مليون دينار سنة 2024، علما بأن هذا الفائض لا يعني توفر سيولة فعلية بسبب تراكم مستحقاته غير المحصّلة [16].

وتصل هذه الحلقة المفرغة إلى حد يهدد استقرار المنظومة برمّتها، إذ تبلغ ديون صندوق الضمان الاجتماعي تجاه صندوق التأمين على المرض هذا العام نحو 3 مليارات دينار [17]، وهي مبالغ ضخمة تحرم "الكنام" من السيولة اللازمة لسداد مستحقات الصيدلية المركزية والصيدليات الخاصة والمخابر، في حلقة متصلة الأطراف تبدأ بعجز الصناديق وتنتهي بمعاناة المريض على سرير الانتظار.

خاتمة

تكشف هذه المحاور الخمسة، في تقاطعها وتشابكها، أن الصحة في تونس لم تعد منذ سنوات حقا دستوريا مكفولا بالتساوي بين المواطنين، بل تحوّلت إلى سوق تتنازع فيه المصالح الخاصة على حساب الفئات الأكثر فقرا وهشاشة، التي تجد نفسها أمام خيارات قاسية: الانتظار في طوابير المستشفيات العمومية المتهالكة، أو الاستدانة لتحمّل كلفة القطاع الخاص، أو في أقسى الحالات، بيع جزء من جسدها طمعا في مال يسدّ به رمق العلاج. إن استرداد الصحة كحق اجتماعي جامع، لا كسلعة تخضع لمنطق العرض والطلب، يتطلب إرادة سياسية حقيقية لإعادة بناء القطاع العمومي، وكسر حلقة المديونية المتبادلة بين الصناديق الاجتماعية والصيدلية المركزية والمؤسسات الصحية، وفرض رقابة صارمة على القطاع الخاص بكل تفرعاته، بدل الاستمرار في سياسة التفريط التي حوّلت الصحة من ركيزة للسيادة الوطنية إلى ميدان مفتوح للنهب المقنّع.

ثبت المراجع

[1] نواة (Nawaat)، "الصحة في تونس لمن استطاع إليها سبيلا".

[2] عروبة22، "استشفاء التونسيين... الحق في الصحة لمن يملك المال".

[3] مجلة المفكرة القانونية (Legal Agenda)، "الأدوية المفقودة في تونس: تحقيق في أسباب الأزمة".

[4] يورونيوز عربي / العربي الجديد، تقارير حول أزمة فقدان الدواء في تونس.

[5] ألترا تونس، "نقابة أصحاب الصيدليات الخاصة تقرر عدم تجديد الاتفاقية مع الكنام".

[6] بوابة وزارة الداخلية التونسية، بيان تفكيك شبكة دولية لتجارة الأعضاء منذ 2018.

[7] ألترا تونس (ألترا سوت)، "تعرّف على تفاصيل أول شبهة اتجار بالأعضاء في تونس".

[8] جريدة الصباح نيوز، "كلى تونسية تباع في مستشفيات تركية".

[9] تونيغيت (بوابة تونس)، "تفاصيل مافيا التجارة بالأعضاء البشرية بين تركيا وتونس".

[10] مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، "لماذا تزايدت تجارة الأعضاء البشرية في الشرق الأوسط؟".

[11] العربي الجديد، "تونس: تحقيقات وعقوبات ضدّ مخابر تتربّح من تحاليل كورونا".

[12] ألترا تونس، "تحاليل كورونا: ما حقيقة ما يحصل داخل المخابر الخاصة؟".

[13] ألترا الجزائر، "جدل حول أسعار التحاليل الطبية في الجزائر".

[14] ألترا تونس، "مخابر التحاليل الطبية في تونس تواجه شبح الإفلاس".

[15] المصدر تونس (webmanagercenter)، "الصندوق الوطني للتأمين على المرض: بين تراكمات أزمة موروثة وخيارات إصلاحية مطروحة".

[16] Radio Express FM، "بدر السماوي: تجربة قروض الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي فشلت".

[17] الجزيرة نت، "أزمة الصناديق الاجتماعية تعصف بالتونسيين".




مشكلات قطاع التعليم في تونس: من إفلاس المدرسة العمومية إلى هيمنة السوق الخاصة بقلم: الناصر خشيني


     مقدمة

تشكّل المدرسة في كل المجتمعات الحديثة الرافعة الأساسية للتنمية والعدالة الاجتماعية، وقد راهنت تونس منذ استقلالها على التعليم المجاني والإلزامي بصفته أداة لتحقيق الترقي الاجتماعي وتكافؤ الفرص بين أبنائها. إلا أن المنظومة التربوية التونسية تعيش اليوم أزمة بنيوية متعددة الأبعاد، تتقاطع فيها تردّي البنية التحتية، وتفاقم الاكتظاظ والانقطاع المدرسي، وتراجع جودة التعلّم، واتساع الهوة بين مخرجات المدرسة وحاجيات سوق الشغل، في وقت تتقلّص فيه الموارد العمومية المخصصة للقطاع لصالح توسّع متسارع لمنظومة تعليم خاصة موجّهة أساساً للفئات الميسورة. وتسعى هذه المقالة، في إطار سلسلة تتناول القطاعات الحيوية في تونس، إلى تفكيك أبرز مظاهر هذه الأزمة بالاعتماد على أحدث المعطيات الرسمية والميدانية المتاحة.
المحور الأول: تهالك البنية التحتية وشح الموارد المدرسية
يعاني عدد كبير من المؤسسات التربوية العمومية، وخاصة في المناطق الداخلية والريفية، من قدم البنايات وتدهورها، إضافة إلى ضعف التجهيزات الأساسية كالمختبرات وقاعات الإعلامية ووسائل النقل المدرسي. وتكشف بيانات وزارة التربية أن عدد المؤسسات التربوية بلغ في الموسم الدراسي 2025/2024 نحو 6163 مؤسسة، تستقبل أكثر من 2.35 مليون تلميذ، يؤطرهم نحو 154 ألف مدرّس، بزيادة لا تتجاوز 0.4 بالمائة عن الموسم السابق، وهو ما يعني أن نسق توسّع الموارد البشرية لا يواكب الضغط الديمغرافي على المنظومة [1].
والأخطر من ذلك أن الإنفاق الاستثماري في ميزانية وزارة التربية، وهو الذي يغذّي بناء المرافق وتجديدها وتوفير النقل المدرسي، تراجع من نحو 654 مليون دينار في سنة 2024 إلى حوالي 480 مليون دينار فقط، في حين لم تعد حصة وزارة التربية من الموازنة العامة للدولة تمثل سوى 10.3 بالمائة، مقابل 18.7 بالمائة سنة 2016 [2]. ويترجم هذا التراجع على أرض الواقع أزمة نقل مدرسي حادة في عدد من المناطق الريفية بولايات قفصة وصفاقس والمهدية والقصرين والكاف، حيث يضطر التلاميذ يومياً إلى الانتظار على حافة الطرقات دون وسيلة نقل تستوعب أعدادهم، وهو وضع يُسهم مباشرة في تغذية ظاهرة الانقطاع المدرسي [3]. وقد حاولت برامج دولية، كمشروع تطوير التعليم قبل المدرسي والأساسي المموَّل من البنك الدولي، تعويض جزء من هذا العجز عبر بناء نحو 100 قاعة تعليم تحضيري وتجديد حوالي 80 مدرسة وتجهيز 2500 قاعة ابتدائية بأثاث جديد بين سنتي 2019 و2025، وهو مجهود يكشف بحجمه نفسه عمق الفجوة المتراكمة داخل المدرسة العمومية أكثر مما يردمها [4].
المحور الثاني: الاكتظاظ المدرسي وانعكاساته على جودة التعلم
يمثل ارتفاع عدد التلاميذ داخل القسم الواحد، خاصة في المدن الكبرى والمناطق ذات الكثافة السكانية المرتفعة، عائقاً مباشراً أمام قدرة المعلم على التفريد البيداغوجي ومتابعة التلاميذ ذوي الصعوبات. وتزيد محدودية الموارد البشرية، التي لا تتطور إلا بنسق هامشي لا يتجاوز نصف نقطة في المائة سنوياً كما أشير أعلاه، من حدة هذا الاكتظاظ، في ظل تضخم سنوي لأعداد التلاميذ يفوق نسق توظيف المدرّسين وبناء القاعات الجديدة. وتنعكس هذه الوضعية بشكل خاص على المناطق الداخلية التي تشكو من نقص حاد في الأطر التربوية المختصة، وهو ما يفاقم التفاوت الجهوي في جودة التعليم المقدَّم.
المحور الثالث: التسرب المدرسي، نزيف سنوي متجدد
يُعد الانقطاع المدرسي أحد أخطر مظاهر الأزمة التربوية في تونس. فبحسب نتائج التعداد العام للسكان والسكنى لسنة 2024، يوجد نحو 4.5 بالمائة من الأطفال بين سن 6 و16 سنة خارج المنظومة التربوية كلياً، بينما تبلغ نسبة التسرب وحدها 3.5 بالمائة من مجموع يقارب 3.29 مليون طفل في سن التعليم، وترتفع هذه النسبة إلى 8.1 بالمائة في الفئة العمرية بين 12 و16 سنة، أي في مرحلة التعليم الإعدادي والثانوي بالذات. وتتجاوز نسب الانقطاع 6 بالمائة في ولايات القيروان والمهدية والقصرين، في مؤشر واضح على الفجوة الجهوية في الاحتفاظ بالتلاميذ داخل المنظومة [5].
وتقدّر دراسات سابقة أن نحو مليون تلميذ وتلميذة غادروا مقاعد الدراسة بين سنتي 2010 و2020 وحدها، أي بمعدل يقارب 100 ألف حالة انقطاع سنوياً، وهو نزيف وُصف بكونه يستهلك ما يقدَّر بـ13 بالمائة من ميزانية وزارة التربية كل عام [6]. ويعود الانقطاع، حسب باحثين تونسيين في علم الاجتماع، إلى تشابك عوامل اقتصادية (الفقر وعدم استقرار الأسرة)، وعوامل مدرسية (تكرار الرسوب، ضعف الدعم البيداغوجي، العنف المدرسي)، وعوامل لوجستية (غياب النقل والتغذية المدرسية في المناطق الريفية) [7]. وتترتب عن هذا الانقطاع المبكر تبعات بعيدة المدى، أبرزها ارتداد شريحة واسعة من المنقطعين إلى الأمية، حيث تبلغ نسبة الأمية الأبجدية في تونس اليوم نحو 17.3 بالمائة من السكان فوق سن العاشرة، وترتفع إلى أكثر من 28 بالمائة في ولاية جندوبة وحوالي 28 بالمائة في القيروان و26 بالمائة في سيدي بوزيد، بينما تقترب نسبة الأمية بين النساء في الأرياف من 50 بالمائة [8].
المحور الرابع: تراجع التحصيل العلمي وتدني جودة المخرجات
تتقاطع شهادات عدة من الوسط التربوي والإعلامي حول تراجع مستوى التلاميذ التونسيين في المواد الأساسية كالرياضيات واللغات والعلوم، وهو تراجع اعترف به مسؤولون في وزارة التربية أنفسهم، حين تحدّث وزير التربية السابق فتحي السلاوتي صريحاً عن تأخر تونس بسنوات كاملة على المستوى الدراسي مقارنة بالمعدلات المرجوة، وعن تفاوت حاد في النتائج المدرسية بين الجهات [9]. ويرتبط هذا التراجع بعوامل متشابكة، منها ضعف التكوين المستمر للمعلمين، وتقادم البرامج والمناهج، وتأثير الاكتظاظ والانقطاع المتكرر للدراسة على المسار التعليمي للتلاميذ المتبقين في المنظومة، إذ تبيّن دراسات دولية مماثلة في بلدان المنطقة أن التلاميذ المتأخرين دراسياً يحصلون على نتائج أدنى بشكل واضح من زملائهم في الرياضيات والعلوم على حد سواء.
المحور الخامس: الفجوة بين التعليم وسوق الشغل
من أخطر تجليات أزمة المنظومة التربوية أنها لم تعد تضمن لأصحابها فرص اندماج مهني تتناسب مع سنوات التكوين التي قضوها. فبحسب آخر معطيات المعهد الوطني للإحصاء للربع الأول من سنة 2026، بلغت نسبة البطالة العامة في تونس نحو 15 بالمائة، في حين قفزت نسبة البطالة بين حاملي الشهادات العليا إلى 24.2 بالمائة، بفارق صادم بين الجنسين: 14.2 بالمائة لدى الذكور مقابل 32 بالمائة لدى الإناث [10]. ومن بين نحو 650 ألف عاطل عن العمل في تونس، يمثل حاملو الشهادات الجامعية نسبة كبيرة منهم، في ظاهرة وصفها مراقبون اقتصاديون بـ"النمو بلا تشغيل"، أي عجز الاقتصاد التونسي عن استيعاب الكفاءات التي يخرّجها التعليم العالي، نتيجة ضعف بنيوي مزمن في نموذج النمو وغياب الربط الفعلي بين البرامج التعليمية واحتياجات الاقتصاد الرقمي والقطاعات الناشئة [11]. وتنعكس هذه الأزمة اجتماعياً في تأخر سن الزواج وتراجع معدلات الولادات وتصاعد الهجرة وأشكال التشغيل الهش بين خريجي الجامعات.
المحور السادس: تصاعد تكلفة التعليم وتوسّع هيمنة القطاع الخاص
تحوّلت العودة المدرسية في تونس إلى عبء مالي متصاعد على الأسر، حيث بلغت كلفتها التقديرية لتلميذ التعليم الابتدائي نحو 700 دينار، وارتفعت إلى نحو 815 ديناراً لتلميذ التعليم الثانوي خلال الموسم 2025/2024، في وقت لا يزال جزء واسع من الأسر التونسية يعاني صعوبات اقتصادية بنيوية [12].
وقد ولّد هذا الانحسار المتراكم لقدرة المدرسة العمومية على توفير تعليم جيّد ومتاح للجميع حركة لجوء متزايدة نحو التعليم الخاص، الذي تحوّل بعد الثورة من ظاهرة هامشية إلى قطاع متغوّل. فقد ارتفع عدد المدارس الخاصة المرخّصة من نحو 100 مدرسة فقط سنة 2010 إلى 724 مدرسة سنة 2023، بينما تضخّم عدد التلاميذ المسجَّلين بها من 21 ألف تلميذ سنة 2010 إلى نحو 122 ألف تلميذ سنة 2022، أي أن تلميذاً واحداً من بين كل سبعة تلاميذ في تونس يلتحق اليوم بمدرسة خاصة على الرغم من ارتفاع تكلفتها [13]. وتعكس هذه الأرقام تحوّلاً عميقاً في طبيعة المنظومة التربوية التونسية، من مدرسة عمومية موحَّدة تجمع أبناء الفئات الاجتماعية المختلفة، إلى منظومة مزدوجة تكرّس التفاوت الطبقي: تعليم خاص يستقطب الفئات الميسورة بخدمات أفضل وأقسام أقل اكتظاظاً، في مقابل مدرسة عمومية تتراجع موادها وتترك لمصيرها في المناطق الأقل حظوة، وهو ما يهدد بتفكيك أحد أهم أعمدة العقد الاجتماعي الذي قامت عليه الدولة التونسية الحديثة منذ الاستقلال: تكافؤ الفرص عبر التعليم المجاني.
خاتمة
تكشف هذه القراءة أن أزمة التعليم في تونس ليست أزمة تقنية أو إدارية معزولة، بل أزمة بنيوية متعددة الحلقات: تقلّص مستمر في الموارد العمومية المرصودة للقطاع، وتراجع في جودة المخرجات وقدرتها على الاندماج في سوق الشغل، وانقطاع متفاقم يطرد آلاف التلاميذ سنوياً من مقاعد الدراسة، وتوسّع متسارع لقطاع خاص يستفيد من تعثّر المدرسة العمومية أكثر مما يكمّلها. وإذا استمر هذا المسار دون إصلاح هيكلي حقيقي يعيد للمدرسة العمومية مواردها ومكانتها، فإن تونس مهدّدة بفقدان أحد أهم منجزاتها التاريخية: مدرسة موحّدة ومجانية كانت لعقود أداة أساسية للترقي الاجتماعي وتكافؤ الفرص بين التونسيين، لتتحوّل تدريجياً إلى مجرد شبكة أمان للفئات الأقل قدرة على الدفع، في مقابل منظومة تعليم خاصة تتوسع لتصبح هي القاعدة الفعلية بالنسبة لمن يملك القدرة المالية على ذلك.
ثبت المراجع
[1] الترا تونس (Ultrasawt)، "العودة المدرسية 2024-2025 في أرقام"، سبتمبر 2024.
[2] العربي الجديد، "أزمة النقل المدرسي تفاقم تسرّب تلاميذ أرياف تونس"، اعتماداً على معطيات المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، أكتوبر 2025.
[3] العربي الجديد، نفس المصدر السابق.
[4] تقرير صحيفة "Sifr Reports"، "الانقطاع المدرسي.. أزمة تعليمية تتحول إلى قضية اجتماعية وحقوقية في تونس"، اعتماداً على معطيات البنك الدولي واليونيسف، 2026.
[5] بابنت، "4.5 بالمائة من الأطفال خارج المنظومة التربوية في تونس"، اعتماداً على المعهد الوطني للإحصاء، سبتمبر 2025.
[6] إنكفاضة (Inkyfada)، "❞لا جدوى من الدراسة❝: الأسباب الكامنة وراء التسرب المدرسي"، اعتماداً على معطيات المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، 2022.
[7] إنكفاضة، نفس المصدر، وكذلك السفير العربي، "العنف المدرسي في تونس: الظلم والعدالة وتهاوي السلطات الرمزية".
[8] العربي الجديد، "أزمة النقل المدرسي..."، اعتماداً على معطيات التعداد العام للسكان والسكنى والمعهد الوطني للإحصاء.
[9] شمس إف إم، تصريحات وزير التربية فتحي السلاوتي.
[10] المعهد الوطني للإحصاء (INS)، "مؤشرات التشغيل والبطالة للربع الأول من سنة 2026".
[11] صحيفة "بطالة خريجي الجامعات في تونس: نمو بلا تشغيل"، العربي الجديد/مواقع اقتصادية، 2026.
[12] ouroba22.com، "المنظومة التعليمية في تونس: صعوبات وإكراهات (2/3)"، أكتوبر 2024.
[13] نفس المصدر السابق، اعتماداً على معطيات وزارة التربية التونسية للإحصاء المدرسي 2022-2023.

الصحيفة في المدينة أول دستور تعاقدي في تاريخ الإنسانية بعد الهجرة النبوية بقلم: الناصر خشيني

 


مقدمة

ينفرد الإسلام بقيم جديدة على الساحة العالمية في رفضه للظلم والدعوة إلى تغيير المنكر مهما كانت الصعوبات، فلا استكانة ولا هوان أمام الطغاة والمستبدين؛ إذ الأفراد والجماعات، مهما كانت الظروف والتحديات التي يواجهونها، مسؤولون أمام الله تعالى عن رفع الظلم عن أنفسهم، ولا ينتظرون حتى تأتي معجزة من السماء تغير ما بهم، فقد ولّى ذلك العهد إلى غير رجعة بهذه الرسالة الخاتمة. وهذا هو السر الحقيقي وراء انتصارات المسلمين أثناء الفتوحات الكبرى، بالرغم من عدم توازن القوى بينهم وبين أعدائهم، وذلك أنهم فهموا أن لهم دورا رساليا في هذه الحياة لا بد من أدائه على أكمل الوجوه. ومن أبرز تجليات هذا الفهم الثوري للدين، إقامةُ الرسول صلى الله عليه وسلم أول دولة عربية إسلامية في المدينة على أسس تعاقدية لم تكن مألوفة في تاريخ البشرية، وهو ما يستعرضه هذا المقال.

المحور الأول: مسؤولية الإنسان أمام الله في رفع الظلم عن نفسه

من أعظم ما جاءت به الرسالة المحمدية الخاتمة، أنها نقلت العلاقة بين الإنسان والظلم من علاقة انتظار وترقب إلى علاقة مسؤولية ومبادرة. فالأمم السابقة كانت تنتظر معجزة إلهية تنتصر لها من ظالميها، كما حدث مع موسى عليه السلام وفرعون، وكما حدث مع أمم بادت بعذاب من السماء استجابة لدعوة أنبيائها. أما بهذه الرسالة الخاتمة، فقد ولّى عهد انتظار المعجزة إلى غير رجعة، وصار الفرد والجماعة مسؤولين بأنفسهم، أمام الله تعالى، عن رفع الظلم عن أنفسهم بسعيهم وجهدهم، لا بانتظار خارق يغيّر واقعهم. ومن لم يقم بهذا الواجب الرسالي، فإن العقاب الإلهي ينتظره يوم القيامة، إضافة إلى بقاء حاله في الدنيا على ما هو عليه دون تغيير؛ فالتغيير مرهون بالفعل البشري لا بالانتظار السلبي.

وهذا هو الأصل القرآني الذي تنبني عليه كل دعوة لتغيير المنكر مهما كانت الصعوبات: فلا استكانة للظالم ولا هوان أمام الطغاة والمستبدين، بل مبادرة دائمة لرفع الظلم، فردا كان الفاعل أو جماعة، وهو أصل يتجاوز في عمومه وإطلاقه ما عرفته الأمم والحضارات السابقة من فلسفات الخلاص الفردي أو الانتظار الغيبي للمخلّص.

المحور الثاني: التغيير الرسالي سر انتصارات الفتوحات الإسلامية

إن هذا الفهم العميق للمسؤولية الفردية والجماعية أمام الله هو ما يفسر انتصارات المسلمين في الفتوحات الكبرى، بالرغم من عدم توازن القوى الواضح بينهم وبين أعدائهم من الإمبراطوريتين الفارسية والبيزنطية، أعتى قوتين عسكريتين في زمانهما. فالمسلمون الأوائل لم يخرجوا للقتال طلبا لغنيمة عابرة أو توسعا دنيويا محضا، بل فهموا أن لهم دورا رساليا في هذه الحياة، لا بد من أدائه على أكمل الوجوه، وأن التقصير فيه يستوجب الحساب الإلهي. هذا الإحساس بالمسؤولية الرسالية، المتجاوز لحسابات القوة المادية البحتة، هو ما صنع التفوق المعنوي الذي قلب موازين القوى التقليدية، وجعل جيوشا قليلة العدد والعدة تُلحق الهزيمة بإمبراطوريات عريقة.

المحور الثالث: الصحيفة المدنية — أول دستور تعاقدي مكتوب في تاريخ الإنسانية

من أبرز معالم العمل الثوري الذي أنجزه الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة، إقامة أول دولة عربية إسلامية على أسس جديدة لم تكن مألوفة في تاريخ البشرية؛ فقد قامت هذه الدولة على أساس التعاقد، على خلاف الدول التي سبقتها أو لحقتها، والتي قامت في معظمها على أساس القوة المسلحة والغلبة. وما أنجزه الرسول صلى الله عليه وسلم بمعية الصحابة يُعدّ إنجازا تاريخيا غير مسبوق، إذ تمّ على أساس تعاقدي عبر تلك الوثيقة التاريخية الهامة، وهي "الصحيفة"، التي تُعتبر أول دستور مدني تعاقدي مكتوب بين مواطني دولة مدنية واحدة، بقطع النظر عن الدين والعرق والمكانة الاجتماعية [1].

فهذه الوثيقة لم تقم على الإكراه أو الغزو، بل على اتفاق طوعي صريح بين مكونات المدينة المختلفة: المهاجرون والأنصار من المسلمين، وبطون يهود المدينة، وبقية القبائل المقيمة فيها، فاجتمعوا جميعا تحت سقف تعاقدي واحد، نظّم العلاقة بينهم على أساس المواطنة في الدولة الجديدة لا على أساس الانتساب القبلي أو العرقي أو الديني الضيق [2]. وبهذا تكون المدينة قد سبقت العالم بقرون طويلة إلى فكرة "الدولة المدنية" بمفهومها التعاقدي الحديث، وإلى مبدأ المساواة في المواطنة بين مكونات مختلفة العقيدة والعرق، في زمن كانت تقوم فيه كل الدول المحيطة على أساس القوة العسكرية والغلبة القبلية أو الإمبراطورية الصرفة.

المحور الرابع: الدلالة الحضارية لهذا الإنجاز في الفكر السياسي المعاصر

إن هذا السبق التاريخي للصحيفة المدنية يحمل دلالات بالغة الأهمية في سياق النقاش المعاصر حول طبيعة الدولة والمواطنة والتعايش بين المكونات المختلفة. فهي تُثبت أن الإسلام، في أصل تجربته السياسية التأسيسية، لم يكن دين إكراه أو إلغاء للآخر المختلف دينا أو عرقا، بل كان دين تعاقد وتعايش ضمن إطار دولة واحدة تحكمها وثيقة مكتوبة، يُحدّد فيها حقوق كل طرف وواجباته، وهو ما يُقارَب اليوم بمفهوم "العقد الاجتماعي" في الفكر السياسي الحديث، مع تقدم الصحيفة عليه بقرون طويلة. وهذا يفنّد كل محاولة لتصوير التجربة السياسية الإسلامية المؤسِّسة على أنها قامت على القهر والغلبة، إذ إن أول دولة إسلامية في التاريخ إنما قامت، في وثيقتها التأسيسية، على التعاقد الطوعي بين مختلف مكونات المجتمع.

خاتمة

إن هذين المعلمين — مسؤولية الإنسان أمام الله عن رفع الظلم عن نفسه دون انتظار معجزة، وإقامة أول دولة تعاقدية مدنية في التاريخ — يكشفان عن طبيعة الثورة الحقيقية التي جاء بها الإسلام: ثورة في فهم العلاقة بين الإنسان والظلم، وثورة في فهم العلاقة بين الحاكم والمحكوم وبين مكونات المجتمع المختلفة. وهي قيم لا تزال، إلى اليوم، تحمل في داخلها طاقة تغييرية كامنة، متى ما أحسنت الأمة استثمارها في مواجهة ظلمها الداخلي والخارجي على السواء.

ثبت المراجع

[1] ابن هشام، "السيرة النبوية"؛ نص الصحيفة (دستور المدينة) كما رواه ابن إسحاق.

[2] محمد حميد الله، "الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة الراشدة"؛ دراسات تاريخية حول وثيقة المدينة وبنودها المتعلقة بالمسلمين ويهود المدينة وسائر القبائل.2

المتاجرون بالدين تخلوا عن فريضة العلم والقرآن بقلم محمد الحبيب الاسود


  أدعياء الإسلام المتاجرون بالدين تخلوا عن فريضة العلم والقرآن 

وفعلوا في الإسلام ما لم يستطع اليهود فعله لتحريف القرآن 

وأثخنوا في أمة الإسلام هدما وإرهابا تحت شعار "الإسلام في خطر"

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

رغم محاولاتهم المتكررة والمستمرّة عبر التاريخ فقد عجز اليهود عن تحريف القرآن الكريم كما حرّفوا من قبل التوراة والإنجيل، ولكنهم تسللوا بالوضع والكذب والتحريف إلى سيرة النبي عليه صلاتي وسلامي، فكذبوا على الرسول ونسبوا إليه أقوالا من بني إسرائيل، وزيادة على الإسرائيليات فأسباب وضع الأحاديث كذبا على الرسول عديدة ومنها: إرادة البطش باسم الدين، أو تفضيل مذهب على مذهب... ولم يتم الاهتمام بتدوين الأحاديث النبوية إلا بعد قرنين من زمن الهجرة، حيث أكبر مخرجي الأحاديث سنا وهو البخاري ولد سنة 194ه في بخارى بأوزباكستان وكان كفيفا حسب أغلب المصادر، ونسبوا إليه أساطير منها جمع 600 ألف حديث على مدار 16 سنة أي بمقدار 103 أحاديث في اليوم مع الدقة والتحري، ولم يعثر الباحثون إلى اليوم عن كتاب مخطوط باسم محمد إسماعيل البخاري... وكما نرى لا نجد عربيا واحدا ضمن أصحاب كتب الحديث التي وصفوها بالصحاح الست رغم البعد الشاسع الزماني والمكاني لهؤلاء الرواة عن حياة الرسول صلاتي وسلامي عليه، وأما كتاب الموطأ فقد أمر به الخليفة "أبو جعفر المنصور" مالك بن أنس (ت. 179ه) ووصّاه بتجنب شدائد ابن عمر وتراخيص ابن عباس وشوارد ابن مسعود وأن يوطئه للناس توطئة، فسماه الموطأ... وأما ابن تيمية الذي يعتمد فتواه الغلاة لإباحة القتل بين المسلمين فقد ولد بعد 7 قرون من هجرة الرسول (661ه) ... ويبقى القرآن هو المصدر الأساسي في فهم الإسلام وانسجامه مع فترة الإنسان... لقد عاش المسلمون قرنين من الزمن بلا الصحاح الست فهل كان إسلامهم ناقصا... في عصر ازدهار البحث العلمي وتطور العقول وفي عصر يقرّ فيه العلماء في شتى الإختصاصات بأن الإسلام دين عقل وعلم إلا أن ثمة أناس من أدعياء الإسلام احترفوا التجارة بالدين فتخلوا عن فريضة العلم والقرآن واتبعوا المرويات الموضوعة كذبا على الله ورسوله، فخسّت عقولهم وانحرفوا بالدين من العلم والحضارة إلى الجهل والتخلف والإرهاب... ونصّبوا أنفسهم متكلمين باسم الله وفعلوا في الإسلام ما لم يستطع اليهود فعله لتحريف القرآن، وأثخنوا في أمة الإسلام هدما وإرهابا تحت شعار "الإسلام في خطر"... أكفر أم إيمان أن تجعل قول البشر من مثل ابن تيمية فوق قول الله، والله إذا قال فلا معقب لكلماته... رحم الله أبا حنيفة حين قال للخوارج: أقول لكم قال الله وتقولون لي قال شيخنا... ثم تركهم في جهلهم يعمهون... فأي بلية أصيبت بها الأمة بمثل هؤلاء 

-محمد الحبيب الأسود-

الخميس، 25 يونيو 2026

خرافة "السلام العادل" وحتمية التحرير بقلم: الناصر خشيني.

 

  قراءة في طبيعة الصراع العربي الصهيوني وحصاد العدوان بالأرقام

  مقدمة
كثيرا ما تُطرح مسألة "السلام العادل والدائم" في منطقة الشرق الأوسط، وهي في معظمها أطروحات مخادعة ومخاتلة، لا ترقى إلى الحل النهائي والشامل لمعضلة الشرق الأوسط، ولا يمكن أن تُنهي نزاعا قائما منذ نحو قرن من الزمان؛ وذلك لأن الحلول المقدَّمة جميعها في خدمة الكيان الصهيوني الغاصب للأرض والمعتدي على الحقوق. ونحن نعلم علم اليقين أن لكل مشكل حلا صحيحا واحدا موضوعيا، وأنه بنفس اليقين لا يمكن حله بغير ذلك الحل. وبناء عليه، إذا فهمنا قضية فلسطين فهما موضوعيا حقيقيا وبدون خداع، أمكن حينئذ وفقط السير نحو الحل الموضوعي الصحيح. وهذا المقال محاولة لتفنيد ذلك الخداع، واستعراض طبيعة الصراع الحقيقية، وتبيان الطريق الوحيد إلى التحرير، مع توثيق إحصائي لحصاد العدوان الصهيوني على الشعب الفلسطيني عبر عقدين من الزمن.
المحور الأول: في تفنيد خرافة "السلام العادل" المطروحة على الأمة
أشرتُ في مقال سابق بعنوان "الصراع العربي الصهيوني وطبيعته" إلى أنه صراع وجود لا صراع حدود؛ فالصهاينة الذين يحتلون أرض فلسطين بالقوة الغاشمة، وتساعدهم في ذلك قوى دولية وإقليمية خوفا أو طمعا أو لحسابات سياسية واقتصادية، لم يضفوا على ذلك الاحتلال شرعية أبدا [1]. كل المبادرات التي تُقدَّم تحت لافتة "السلام العادل" تتقاسم خاصية واحدة: أنها تبدأ من الاعتراف بالاحتلال كواقعة ناجزة، وتفاوض على إدارته بدل إزالته، وهو بالضبط ما يجعلها خادعة، لأنها تستبدل الحق الموضوعي الواحد بحلول وسط تُبقي جوهر الظلم قائما.
المحور الثاني: الأمة العربية بين الهوية الحضارية والاستعداد للدفاع عن الوجود
نحن، كأمة عربية، أكثر من 90% من مواطنيها مسلمون، والبقية مسيحيون يتبعون في معظمهم الكنيسة الشرقية لا الغربية، وهم أقرب ما يكونون إلى الإسلام من المسيحية، بدليل اشتراكهم في الحروب الصليبية وحروب التحرر من الاستعمار الحديث إلى جانب إخوانهم من المسلمين دفاعا عن وطنهم. وهذا الانتماء للإسلام حضاريا وقيميا يعني أمرين:
أولا، أننا أمة مسالمة انسجاما مع مبادئ دينها، وتاريخها يؤكد هذه الحقيقة؛ فالحروب التي خضناها عبر تاريخنا لم تكن عدوانية استعمارية، بل كانت دفاعية عن النفس، وهذا أمر ثابت تاريخيا، بحيث لم نأتِ بأفكار عدوانية كالإقطاع أو الرأسمالية أو النازية أو الصهيونية، فكلها مفردات من خارج أمتنا، وقد اكتوينا بنيرانها وكنا ضحايا لها.
ثانيا، أننا أمة مستعدة للدفاع عن نفسها إلى أبعد الحدود، وإلى آخر فرد فيها وآخر قطرة دم؛ فنحن لا نظلم، ولكننا إذا ظُلمنا فلن نسكت كما تفعل بعض الشعوب. واليابانيون، حين أُصيبوا بقنبلتين نوويتين، أعلنوا الاستسلام والهزيمة، ومنذ ذلك الوقت لا تزال القوات الأمريكية تحتل بلدهم الذي صار تابعا ذليلا لأمريكا. أما العراق، فأثناء الغزو الهمجي له سنة 2003، وفي عشرين يوما فقط، سقط عليه ما يعادل سبعين قنبلة نووية، ولكن الشعب العراقي لم يستسلم، وها هو يفرض على الأمريكان بعد ست سنوات ونيف من المقاومة الضارية الانكفاء إلى مواقع خارج المدن، بعد سلسلة من الهزائم العسكرية والأخلاقية والسياسية والإعلامية وقعوا فيها، وها هو اقتصادهم يتهاوى وجنودهم ينتحرون فعلا على أسوار بغداد. وفي سنة 1982 اجتاحت العصابات الصهيونية لبنان، ولكنها بفعل المقاومة انسحبت مدحورة سنة 2000، وأعادت عدوانها عليه سنة 2006، ولكنها انهزمت ولم تحقق شيئا على الإطلاق، وحاولت أن تجرب حظها في أضعف الحلقات العربية والإسلامية، غزة المحاصرة والمجوَّعة، ولكنها لاقت نفس المصير.
المحور الثالث: بداهة القضية الفلسطينية وحتمية حق العودة
بناء على ما سبق، فإن الوضع في الشرق الأوسط لن يستقر ولن تهدأ الأمور فيه ما دام هناك احتلال للأرض، وهناك ملايين من المهجَّرين من بيوتهم وأرضهم، معظمهم لا يبعدون عنها سوى مسافة ساعة أو ساعتين بالسيارة، لأنهم يأملون العودة إلى بيوتهم يوما ما.
إن قضية فلسطين تكمن في بديهية واضحة تماما، لا لبس فيها ولا تستحق جدلا كبيرا: ببساطة هي قضية شعب اغتُصبت أرضه بالقوة الغاشمة من قبل أناس اضطهدتهم أوروبا، ومارست عليهم عنصريتها واستعلاءها وقهرتهم، وأرادت أن تحل مشكلتهم على حسابنا، فهذا لن يكون. الحل يكمن في عودة الصهاينة إلى بلدانهم الأصلية التي انطلقوا منها للعدوان على فلسطين واحتلالها بدون وجه حق، وخاصة أنهم لا يزالون يحتفظون بجنسياتهم الأصلية. أما العرب منهم الذين خانوا أمتهم المعتدى عليها، فيمكن للأمة أن تتجاوز عنهم إذا قبلوا فورا ودون تأخير العودة إلى مواطنهم الأصلية، ولكن القيادات المجرمة في الكيان الصهيوني لا بد أن تُحاسَب على قدر إجرامها وتُحاكَم محاكمة عادلة أمام محكمة لجرائم الحرب. لا بد من عودة اللاجئين إلى ديارهم وتعويضهم عن سني العذاب والحرمان، وعلى أوروبا، إن كانت ما تدّعيه حقا من كونها تدافع عن حقوق الإنسان والديمقراطية، أن تساهم في هذا التعويض بقدر ما فعلت من مساندة غير مشروعة للكيان الصهيوني، وأن تبادر فورا إلى تسيير رحلات جوية لجلب رعاياها من فلسطين المحتلة.
هذا هو السلام العادل والشامل الذي يفهمه كل الأحرار والشرفاء في العالم، فضلا عن المثقفين العرب وقادة الرأي والمفكرين، وحتى المواطن العادي لا يقبل أقل من هذا تحقيقا للسلام العادل والدائم في الشرق الأوسط، وبالتالي العالم ككل. وهو الحد الأدنى الذي نقبل به، ونعتبره المخرج الوحيد لكل القوى المتورطة في منطقتنا، وكل الواهمين بأن الأمة العربية غير قادرة على فرض هذا الحل. ونقول لهؤلاء الواهمين: إن الأمة العربية لها من إمكانيات الصمود والمقاومة، ولها من القدرات المادية والمعنوية والحضارية والقيمية والتاريخية، ما يجعلها قادرة، ولو بعد حين، على فرض الحلول المُثلى التي تتناسب مع ردع العدوان عنها وتحقيق كرامتها وعزتها المسلوبة، وقادرة على الإسهام في التقدم البشري.
المحور الرابع: الطريق إلى تحرير فلسطين
بعد أن توقف العدوان الهمجي على أهلنا في غزة، يثور في أذهاننا سؤال مشروع: ما الطريق إلى تحرير فلسطين، كل فلسطين من البحر إلى النهر، ودون تنازل عن أي ذرة تراب واحدة للصهاينة؟ وذلك أن كل تراب فلسطين قد تعمَّد بالدم وبدموع الأرامل واليتامى وآهات المعتقلين في سجون العدو، وكل هذه العذابات منذ عشرات السنين، أي منذ عمل الغرب والحركة الصهيونية على إقامة وطن قومي مزعوم لليهود في فلسطين. فما السبيل إلى تحرير هذه الأرض التي باركها الله؟
إني أعتقد أن الله سبحانه وتعالى اختار هذه الأمة لتنوء بحمل ثقيل، وهو مواجهة أعتى القوى في هذه الدنيا؛ ومن ذلك أن العراقيين لا يزالون يسعون لتحرير العراق من الاحتلال وعملائه، وكذلك السودان ولبنان والصومال، كلها تواجه تدخلا سافرا واحتلالا مباشرا أو غير مباشر، ولكنها مع ذلك لم تستكن، بل واجهت وقاومت وصمدت، وهو الحل الوحيد في رأيي لمواجهة التحديات.
وأما بالنسبة لفلسطين، فأعتقد أن الحل الوحيد لإنهاء الوجود الصهيوني يكمن في خيار المقاومة بكل أشكالها المشروعة، وفقا لميثاق الأمم المتحدة وقرارات الجمعية العامة المؤكدة لحق الشعوب في مقاومة الاحتلال، وتاريخ الشعوب المناضلة من أجل الحرية [2]، ومواصلة الاشتباك مع العدو الصهيوني بشكل دائم وعدم ترك الفرصة له ليلتقط أنفاسه، حتى يدرك أنه لا يستطيع القضاء على شعب بأكمله أراد التحرر. وذلك أن هدف الاحتلال هو توفير الأمن للمغرَّر بهم من الصهاينة من مختلف أنحاء العالم، فإذا منعناه من تحقيق هذا الهدف، فمعنى ذلك أن الهدف الاستراتيجي للعدو انهار، وبات العدو كأنه أتى الآن للمنطقة والأرض تهتز من تحته. فلا بد من تفعيل المقاومة والمواجهة اليومية بأدوات بسيطة، ولسنا في حاجة إلى جيوش جرارة تعادل قوة العدو من طائرات ودبابات وغيرها من الأسلحة المتطورة، فيمكن مواجهته بأسلحة بسيطة كالتي تمتلكها المقاومة الفلسطينية أو اللبنانية أو العراقية، ونحارب العدو بحرب العصابات.
وأما بالنسبة للتفاوض معهم، فلن يكون إلا في المراحل الأخيرة للصراع، وحول كيفية مغادرتهم لفلسطين وعودة اللاجئين إلى أرض الوطن. كما لا بد من تفعيل المقاطعة الاقتصادية ومحاصرة العدو وعدم تمكينه من تنمية كيانه اقتصاديا حتى لا يشعر بالرفاه، ويبقى دائما يعاني من العجز. كما يجب المواجهة عن طريق الإعلام بتقديم الحقيقة التاريخية حول صراعنا مع هذا العدو، وتقديم ذلك للعالم على أن مواجهتنا معه لا تعدو كونها عملا تحرريا من استعمار استيطاني عنصري شبيه جدا بنظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا.
المحور الخامس: شهادة الأرقام — حصاد العدوان الصهيوني على الشعب الفلسطيني
إن ما سبق ذكره من طبيعة الصراع وحتمية المقاومة لا يبقى تجريدا نظريا، بل يتجسد دما ودموعا وتهجيرا تشهد عليه الأرقام الرسمية الفلسطينية والأممية عبر العقدين الأخيرين:
عدوان 2008-2009 ("الرصاص المصبوب"): استمر 23 يوما، واستُخدم فيه الفسفور الأبيض واليورانيوم المنضب، وأسفر عن سقوط نحو 1417 شهيدا في الحصيلة الأولى، منهم 926 مدنيا و412 طفلا و111 امرأة، وإصابة أكثر من 4336 آخرين، ثم ارتفعت الحصيلة النهائية إلى 1328 شهيدا و5450 جريحا بعد انتشال جثث من تحت الركام [3].
عدوان 2014 ("الجرف الصامد"): دام 51 يوما، شُنّ خلاله أكثر من 60 ألف غارة جوية على القطاع، وأسفر عن سقوط ما لا يقل عن 2251 شهيدا فلسطينيا في غزة وفق بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، إضافة إلى نحو 11 ألف جريح، وما يقارب ألفي يتيم خلّفته الحرب [4].
عدوان 2021 ("سيف القدس"): استمر 11 يوما، وأسفر عن سقوط نحو 250 شهيدا فلسطينيا وأكثر من 5 آلاف جريح، إلى جانب تدمير عشرات الأبراج السكنية ونحو 100 كيلومتر من الأنفاق [5].
عدوان أكتوبر 2023 المستمر (حرب الإبادة): وهو الأشد دموية في تاريخ الصراع كله. فبحلول نهاية ديسمبر 2025، بلغ عدد الشهداء في فلسطين أكثر من 72 ألف شهيد منذ السابع من أكتوبر 2023، نسبة 98% منهم في قطاع غزة، وهي أعلى حصيلة شهداء في تاريخ عدوان الاحتلال على فلسطين. وتحديدا في قطاع غزة، بلغ عدد الشهداء 70942 شهيدا، بينهم 18592 طفلا ونحو 12400 امرأة، إضافة إلى نحو 11 ألف شخص لا يزالون في عداد المفقودين تحت الركام، وارتفاع عدد الجرحى إلى 171195، واضطرار نحو 100 ألف فلسطيني إلى مغادرة القطاع، ونزوح نحو مليوني فلسطيني من بيوتهم من أصل نحو 2.2 مليون كانوا يقيمون فيه عشية العدوان. وفي الضفة الغربية، أسفرت العمليات العسكرية المتصاعدة وعنف المستوطنين عن استشهاد 1102 شهيد وإصابة 9034 آخرين. وقد انعكست هذه الخسائر على البنية الديموغرافية، فانخفض عدد سكان قطاع غزة بنسبة 10.6% خلال عامين [6].
وبحلول أبريل 2026، أحصت وزارة الصحة في غزة استشهاد 72345 شخصا وإصابة 172250 آخرين منذ بدء العدوان، فيما أعلنت هيئة الأمم المتحدة للمرأة أن أكثر من 38 ألف امرأة وفتاة (أكثر من 22 ألف امرأة و16 ألف فتاة) قُتلن في غزة بين أكتوبر 2023 ونهاية 2025، بمعدل لا يقل عن 47 امرأة وفتاة يوميا، وهي نسبة مرتفعة بشكل غير مسبوق مقارنة بكل النزاعات السابقة في القطاع [7]. وفي دراسة ديموغرافية مستقلة أجراها معهد ماكس بلانك لأبحاث الديموغرافيا ومركز الدراسات الديموغرافية، قُدِّر العدد الحقيقي للشهداء بما يتجاوز 100 ألف شخص حتى أكتوبر 2025، أي أكثر بكثير من الأرقام الرسمية المعلنة وقتها، مما يعني أن الحصيلة الحقيقية للمجازر الصهيونية تفوق كل الإحصاءات المتداولة [8].
وقد استمرت المجازر حتى في "مراحل توزيع المساعدات" بعد إعلان الهدنة جزئيا؛ فقد أعلن مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان استشهاد 798 فلسطينيا من منتظري المساعدات منذ نهاية مايو 2025 وحده، بينما رفع المكتب الإعلامي الحكومي في غزة العدد إلى 773 شهيدا و5101 جريح و41 مفقودا، وكلهم من المدنيين المجوَّعين تحت الحصار، في مشهد وصفه المفوض العام للأونروا بأن غزة "أصبحت مقبرة للأطفال والجوعى" [9].
هذه الأرقام، على هولها، لا تشمل ضحايا التهجير القسري المستمر منذ النكبة الأولى سنة 1948، حين اقتُلع مئات الآلاف من الفلسطينيين من ديارهم، ولا ضحايا العدوانات المتكررة على لبنان والعراق وسوريا، وهي وحدها كافية لإثبات أن ما يُسمى "السلام العادل" المطروح دوليا لم يكن في يوم من الأيام سوى غطاء لاستمرار هذه المجازر دون محاسبة.
خاتمة
إن ما تكشفه الأرقام أعلاه ليس سوى الترجمة الدموية لرفض الكيان الصهيوني الانصياع لأي حل عادل، ولاستمراره في سياسة الأرض المحروقة بدل الإقرار بحق شعب كامل في وطنه. وكل هذا يؤكد ما بدأنا به: أن "السلام العادل" المطروح دوليا خرافة ما لم يقترن باعتراف صريح بحق العودة، والمحاسبة القانونية للمجرمين أمام محاكم جرائم الحرب، وانسحاب الصهاينة إلى بلدانهم الأصلية. وأن الطريق الوحيد المتبقي أمام الأمة هو مواصلة الاشتباك مع هذا العدو ضمن مقاومة مشروعة بكل أدواتها السياسية والاقتصادية والإعلامية والعسكرية، حتى يدرك العدو أنه لا يستطيع، بكل ترسانته وحلفائه، أن يقضي على شعب بأكمله أراد التحرر، وأن أرض فلسطين، من البحر إلى النهر، ستبقى عربية إلى أن يقضي الله أمرا كان مفعولا.
ثبت المراجع
[1] الناصر خشيني، "الصراع العربي الصهيوني وطبيعته" (مقال سابق للكاتب).
[2] الجمعية العامة للأمم المتحدة، القرار 3246 (1974) والقرار 37/43 (1982)، المتعلقان بحق الشعوب في تقرير المصير ومقاومة الاحتلال.
[3] ويكيبيديا، "الحرب على غزة (2008-2009)"؛ الجزيرة نت، "حروب إسرائيل على غزة".
[4] الحرة، "في 6 أيام.. إسرائيل قصفت غزة بما يعادل كل القنابل التي شنت بها حرب 2014"، أكتوبر 2023؛ وكالة الأناضول، "الذكرى الثالثة لحرب 2014 على غزة.. أرقام وحقائق".
[5] الجزيرة نت، "حروب إسرائيل على غزة.. بعضها بدأ باغتيالات"، يوليو 2024.
[6] الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، "أوضاع الفلسطينيين في نهاية عام 2025، وعشية رأس السنة الجديدة 2026"، ديسمبر 2025.
[7] صحيفة الدستور، "ارتفاع حصيلة الشهداء في غزة إلى 72345 منذ عدوان أكتوبر 2023"، أبريل 2026؛ هيئة الأمم المتحدة للمرأة، تقرير حول قتلى النساء والفتيات في غزة، أبريل 2026.
[8] معهد ماكس بلانك لأبحاث الديموغرافيا ومركز الدراسات الديموغرافية (MPIDR/CED)، دراسة تقديرية لحصيلة شهداء غزة، أكتوبر 2025 (نقلا عن وكالة الأنباء الفلسطينية).
[9] الجزيرة نت، "إحصاء أممي يوثق حصيلة الشهداء المجوّعين بغزة"، يوليو 2025.

 

من "طوفان الأقصى" إلى الحرب على إيران: قراءة في تحولات الصراع في المنطقة بقلم الناصر خشيني - نابل، تونس

  أولاً: لحظة السابع من أكتوبر ومساراتها في السابع من أكتوبر 2023، نفّذت كتائب عز الدين القسام، الجناح العسكري لحركة حماس، عملية عسكرية واسع...