قائمة المدونات الإلكترونية

الثلاثاء، 14 يوليو 2026

من صراع الإرادات إلى نيران المواجهة: ملامح العالم الجديد تولد من فوهة البنادق بقلم: الناصر خشيني

 


لم تعد منطقة الشرق الأوسط مجرد مسرح لحرب باردة بين قوى إقليمية ودولية؛ بل تحولت إلى بركان عسكري منفجر يغلي بالمواجهات المباشرة. المشهد الراهن لم يعد يحتمل قراءة التراجعات الدبلوماسية التكتيكية، فالتصعيد العسكري الأخير والضربات المتبادلة بين واشنطن وطهران، جنباً إلى جنب مع تجدد اشتعال الجبهة بين السعودية والحوثيين، يدشنان مرحلة كسر عظم حقيقية تعيد رسم الخارطة الجيوستراتيجية للعالم بأسره.
صدام الأصلاء: أمريكا وإيران في حافة الهاوية
إن لجوء الولايات المتحدة إلى خيار القصف العسكري المباشر لمواقع في الداخل الإيراني، والرد الفوري من قبل طهران باستهداف القواعد والمصالح الأمريكية في المنطقة وممرات الملاحة، يؤكد أن سياسة "الردع" الأمريكية التقليدية وصلت إلى طريق مسدود. لم يعد المحور الإيراني يكتفي بالصبر الاستراتيجي؛ بل يواجه التهديدات الأمريكية بندية ميدانية غير مسبوقة تفرض معادلات اشتباك جديدة في مضيق هرمز ومحيطه. هذا التصعيد يبرز انحسار القدرة الأمريكية على فرض إرادتها المنفردة، ويثبت أن "الغطرسة القطبية" لواشنطن تصطدم اليوم بجدار صلب من التحدي الردعي.
جبهة اليمن وجنوب المملكة: تجدد حروب الوكالة واستنزاف التحالفات
على التوازي، جاء قصف مطار صنعاء والرد الحوثي السريع بإطلاق الصواريخ الباليستية نحو جنوب السعودية ليعلن انهيار سنوات الهدوء النسبي في الملف اليمني. إن هذا الاشتعال المتزامن ليس معزولاً عن المعركة الكبرى؛ فالجماعة اليمنية، كجزء من محور المقاومة، تسعى إلى شلّ حلفاء واشنطن والضغط على العصب الحيوي للطاقة العالمية. تجد السعودية نفسها اليوم مستنزفة بين محاولات حماية عمقها الاستراتيجي، وبين ارتدادات صراع أمريكي-إيراني لم تختر توقيته، مما يضع الشراكات الدفاعية التقليدية تحت اختبار الوجود.
تصدع "عرش الدولار" والتحول نحو الشرق
هذا الانفجار العسكري يتغذى على زلزال اقتصادي لا يقل خطورة؛ وهو التآكل المتسارع لسلاح العقوبات المالية الأمريكية. لقد نجحت طهران، مدعومة بمحور صاعد يضم الصين وروسيا، في تحويل حرب العملات لصالحها من خلال إدارة تجارتها البينية بالعملات المحلية (الريال، الروبل، واليوان)، متجاوزة نظام "سويفت" الاحتكاري ومسقطة لسطوة "البترودولار" في الشرق الأوسط. كل صاروخ يسقط في ممرات الطاقة، يسحب معه غطاء الأمان عن الاقتصاد الأمريكي القائم على الديون، مانعاً واشنطن من تصدير تضخمها، ومعززاً مشروع "إلغاء الدولرة" (De-dollarization) الذي تقوده دول البريكس دولياً.
ملء الفراغ الدولي وانكفاء مشروع "إسرائيل"
بينما تنشغل أمريكا بحروب الاستنزاف المباشرة وبحصار بحري مكلف، تبرز الصين وروسيا كقوى مستفيدة تملأ الفراغ الاستراتيجي؛ فالصين تتقدم كضامن سياسي وعملاق اقتصادي، وروسيا كلاعب عسكري فاعل. هذا التراجع في المكانة الأمريكية يترك مشروع "إسرائيل" في مأزق وجودي حقيقي؛ فالكيان الصهيوني، الذي يراقب بتوجس شديد حدود الاشتباك الأمريكي-الإيراني، يعلم أن انشغال واشنطن بأزماتها وتراجع سطوتها الردعية والمالية يعني حتماً عزلة الكيان جغرافياً وسياسياً، وبداية مسار لانكفائه التاريخي التام مع تغير موازين القوى في المنطقة.
خلاصة القول
نحن لا نشهد مجرد جولة قتال عابرة، بل زلزالاً جيوستراتيجيًا يعيد كتابة التاريخ من مياه الخليج إلى جبال اليمن. إن فجر النظام متعدد الأقطاب يولد اليوم من وسط النيران؛ نظام ينتهي فيه عصر "البلطجة المالية" والأحادية القطبية، وتتحول فيه أمريكا تدريجياً إلى دور المتفرج المربك، بعد أن كانت لقرن كامل المخرج والمنتج الأوحد لأزمات العالم.

الاثنين، 13 يوليو 2026

تونس الخضراء بين أمجاد الماضي وتحديات الاستدامة ​بقلم: الناصر خشيني



​لطالما ارتبط اسم تونس بصفة "الخضراء"، وهي تسمية لم تأتِ من فراغ، بل كانت انعكاساً لواقع جغرافي وتاريخي يؤكد أن المسافر كان يقطع البلاد من شمالها إلى وسطها تحت ظلال الأشجار الكثيفة [1]. إلا أن هذا الرداء الأخضر بات اليوم يواجه تهديدات جسيمة حولت مساحات شاسعة من الغابات إلى أراضٍ تعاني من الهشاشة وفقدان التنوع البيولوجي.

​تشخيص الواقع: عوائق في طريق التعافي

​على الرغم من وجود ترسانة قانونية متمثلة في مجلة الغابات، إلا أن الفجوة بين النص القانوني والتطبيق الميداني لا تزال واسعة. ويمكن تلخيص المعوقات الأساسية في:

​البيروقراطية المقيدة: التي تعيق مبادرات التشجير الخاص والاستثمار الرشيد.

​الاحتطاب العشوائي والصيد غير القانوني: مما أدى إلى استنزاف أصناف نادرة واختلال التوازن البيئي [2].

​كابوس الحرائق الصيفية: الجرح النازف

​باتت حرائق الغابات، خاصة في فصل الصيف مع هبوب رياح "الشهيلي"، تمثل التهديد الأكبر الذي يلتهم آلاف الهكتارات سنوياً. هذه الحرائق ليست مجرد كارثة طبيعية في كثير من الأحيان، بل هي نتاج تداخل عوامل بشرية ومناخية [3].         


​كيف يمكن تلافي خطر الحرائق؟

إن مواجهة الحرائق تتطلب استراتيجية استباقية بعيداً عن الحلول الدفاعية المؤقتة، وذلك عبر:

​الإنذار المبكر والرقابة الذكية: ركزت التجارب الدولية الناجحة على وضع أبراج مراقبة مجهزة بكاميرات حرارية مرتبطة بالأقمار الصناعية، واستخدام "الدرون" لمسح الغابات في الأيام عالية المخاطر لضبط أي بؤرة حريق في دقائقها الأولى [4].

​تهيئة الغابات (المصدات النار): يجب تفعيل صيانة المسالك الغابية وفتح "مصدات النار" (Tranchées pare-feu) بصفة دورية، وهي مساحات خالية من الأعشاب تحول دون انتقال النيران من منطقة إلى أخرى.

​إشراك المتساكنين في "الحراسة الشعبية": لا يمكن للدولة وحدها حماية كل شبر. إن تمكين سكان الغابات وتدريبهم على التدخل الأولي وتوفير معدات بسيطة لهم يجعل منهم خط الدفاع الأول.

​التوعية والردع القانوني: تشديد العقوبات على المتسببين في الحرائق (سواء بالإهمال أو العمد) مع حملات إعلامية مكثفة للمصطافين والمجاورين للغابات حول مخاطر إشعال النار [3].

​السبيل نحو العودة إلى "تونس الخضراء"

​إن استعادة الغطاء النباتي تتطلب أيضاً:

​المقاربة التشاركية: تحويل سكان المناطق الغابية إلى شركاء عبر "الاقتصاد الأخضر".

​تحديث التشريعات: تبسيط الإجراءات لتشجيع التشجير الخاص [2].

​إعادة التوطين الحيواني: لضمان دورة بيئية متكاملة.

​خا

​إن إعادة تونس إلى سابق عهدها، حيث يسير المسافر في ظل الأشجار، ليست حلماً مستحيلاً، بل هي واجب وطني. إن حماية غاباتنا من النيران ومن اليد العابثة هي معركة وجود في ظل التغيرات المناخية، فكل شجرة نحميها اليوم هي رئة لأجيال الغد.

​المراجع والهوامش:

​[1] المنصف بن سالم، تاريخ تونس الخضراء: الجغرافيا والمناخ عبر العصور، منشورات المعهد الوطني للتراث.

[2] الجمهورية التونسية، مجلة الغابات (نصوص قانونية محينة)، المطبعة الرسمية، تونس.

[3] الحماية المدنية التونسية، التقرير السنوي حول حرائق الغابات: الأسباب وسبل التوقي، (2023).

[4] وزارة الفلاحة والموارد المائية، الاستراتيجية الوطنية لحماية الغابات من الحرائق (2015-2024).

[5] الجمعية التونسية لحماية الطبيعة والبيئة، دراسات حول التنوع البيولوجي في المرتفعات الشمالية.

الأحد، 12 يوليو 2026

​خنجر في خاصرة الأمة: المظلومية الوظيفية وانحراف البوصلة عند الإخوان ​بقلم: الناصر خشيني



​إن قراءة المسار التاريخي لحركة الإخوان المسلمين تكشف عن آليّة نسقية مبكرة في تزييف الوعي الجمعي، تقوم على إحلال "السيكولوجية العاطفية" محل القراءة العقلانية والسياسية الملتزمة بقضايا الأمة. لم تكن المظلومية مجرد نتاج عارض للاصطدام مع الدولة الوطنية، بل هي استراتيجية "هندسة أيديولوجية" مبرمجة ومقصودة، تهدف إلى الحفاظ على تماسك التنظيم الداخلي وتبرير التحول نحو العنف والإرهاب ضد المجتمع. وتبدأ هذه الهندسة بعزل الأتباع عن سياق حركة التحرر الوطني العربي؛ ففي اللحظة التي كان يخوض فيها الفكر القومي التقدمي معارك الوجود ضد الاستعمار التقليدي والأحلاف العسكرية، كان التنظيم يغذّي عناصره برواية مفادها أن الدولة الوطنية وجيشها الباسل هما "العدو القريب". من هنا، يتم تحويل كل إجراء قانوني أو أمني تتخذه الدولة لحماية أمنها القومي إلى "محنة دينية"؛ وصناعة "غيتو" نفساني يُعمي العضو عن رؤية الجريمة الإرهابية ليرى بدلاً منها "جهاداً في وجه الطغيان". إن هذه السلطة الأخلاقية المزيفة هي الغطاء الأيديولوجي الذي يُشرعن ضرب بنية المجتمع العربي من الداخل، وإشغال الدولة المعاصرة بمعارك استنزاف داخلية مجانية تخدم بالضرورة القوى المتربصة بالأمة.

​ومن هنا تبرز المفارقة الأكثر فجاجة وصدمة في مسيرة هذا التيار، وهي "انحراف بوصلة العداء"؛ فعلى مدار عقود من الصراع، لم تُوجَّه رصاصة واحدة من ترسانة هذا التنظيم نحو القوى الاستعمارية الكبرى، أو نحو قواعد الإمبريالية الغربية، أو في مواجهة الكيان الصهيوني المغتصب لأرض فلسطين. في المقابل، نجد أن كامل رصيدهم "الجهادي" والعملياتي جرى صبه وتوجيهه حصراً نحو الجيوش الوطنية العربية، والنخب الفكرية التقدمية، والمؤسسات التنموية والمجتمعات العربية والمسلمة. ومن منظور قومي تقدمي، لا يمكن تفسير هذا السلوك باعتباره خطأً في التقدير، بل هو تعبير عن عقيدة وظيفية جوهرها معاداة مشروع النهوض العربي. ففي حين كانت البندقية الوطنية والقومية تقاوم على خطوط المواجهة، كان الخنجر الإخواني يُطعن الدولة في الظهر عبر فتاوى التكفير والتفجير وعمليات التخريب تحت ذريعة "جاهلية المجتمع". لقد تحولت المجتمعات العربية لديهم إلى ساحة مفتوحة للاستباحة والقتل بدعوى تطبيق "الحاكمية"، بينما تحول العدو الصهيو-أمريكي في أدبياتهم وممارساتهم العملية إلى كيان مَهيب يُهادن، وتُبرر التوافقات معه تحت لافتة "المصالح والسياسة". إن توجيه السهام للداخل العربي حصراً هو الدليل القاطع على أن هذا الفكر يمثل قوة ارتداد تدميرية تمنع الأمة من تحقيق وحدتها واستقلالها الإستراتيجي.

​وراء هذا الستار الكثيف لشعارات "الجهاد"، تختبئ حقيقة سياسية شديدة السواد: علاقات غرف الظل والاتصالات المشبوهة مع الدوائر الاستعمارية الغربية التي بدأت منذ التأسيس ولم تنقطع. من التمويل البريطاني الأول لشركة قناة السويس في الإسماعيلية عام 1928، وصولاً إلى التنسيق مع المخابرات الأمريكية في الخمسينات والستينيات لضرب المد القومي التقدمي الناصري، يظهر التنظيم كأداة وظيفية مفضلة لدى الإمبريالية العالمية لتقسيم المقسم وتفتيت نسيج الأمة. إن هذه المهادنة والتحالف السري يكشفان أن القوى الاستعمارية والصهيونية هما في الحقيقة "أحباب الخفاء" لهذا الفكر. فالغرب الإمبريالي أدرك مبكراً أن الفكر القومي الجامع يمثل التهديد الحقيقي لمصالحه النفطية والإستراتيجية ولأمن ربيبته إسرائيل، ولذلك وجد في تنظيم الإخوان الحليف الموضوعي؛ فالتنظيم يفتت الهوية القومية لصالح هويات أممية هلامية، ويستبدل الصراع ضد المستعمر بالصراع ضد الحاكم والجيش العربي. لم يكن غريباً إذن أن تحتضن العواصم الغربية (كلندن وميونخ وواشنطن) قيادات التنظيم الهاربة، وتوفر لهم المنصات الإعلامية والدعم المالي والسياسي، ليتحول هؤلاء إلى أدوات ضغط وتخريب تُشْهَر في وجه الأنظمة الوطنية والتقدمية المتمسكة بالسيادة وبثروات الأمة والرافضة للتطبيع والتبعية.

​الهوامش والتوثيق الرقمي:

​ريتشارد ميتشل، كتاب "تاريخ الإخوان المسلمين" (The Society of the Muslim Brothers)، ترجمة عبد الفتاح الميرغني، ص 180-195: يوثق التكوين البنيوي للنظام الخاص (الجهاز السري المسلح) ودوره في تسييس فكرة الضحية لتبرير الاغتيالات السياسية داخلياً كقضيتي الخازندار والنقراشي.

​عبد الحليم قنديل، مؤلف "عبد الناصر والإخوان"، ص 45-60: تحليل نقدي من منظور قومي ناصري يوضح تفوق البوصلة الوطنية لعبد الناصر في مواجهة الاستعمار، مقابل ارتباك وانحراف بوصلة التنظيم نحو قمع الداخل وتكفير المجتمع.  

​مارك كيرتس، كتاب "الشؤون السرية: تواطؤ بريطانيا مع الإسلام الراديكالي" (Secret Affairs: Britain's Collusion with Radical Islam)، ص 72-98: يعتمد بالكامل على وثائق الخارجية البريطانية المفرج عنها، ويوثق الاتصالات السرية والتمويل والدعم الوظيفي الذي قدمته بريطانيا للتنظيم لضرب المد القومي العربي واليساري في الشرق الأوسط.

​إيان جونسون، كتاب "مسجد في ميونيخ" (A Mosque in Munich)، ص 115-140: يكشف بالوثائق التاريخية والأرقام كيف قامت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (CIA) خلال الحرب الباردة برعاية وتوظيف القيادات الإخوانية الهاربة لبناء شبكات نفوذ أيديولوجي تخدم المصالح الأمريكية وتواجه الأنظمة التحررية.

​الملف الرقمي للأرشيف الوطني البريطاني (The National Archives): ملف المراسلات الدبلوماسية السرية PRO FO 371/108502، حول لقاءات السفير البريطاني ومستشاريه مع قيادات الإخوان في القاهرة خلال عامي 1953 و1954، والذي يوضح طبيعة النقاشات لترتيب مرحلة ما بعد التخلص من الاتجاه القومي العروبي التحرري.

​وثيقة المخابرات المركزية الأمريكية (CIA) المنشورة إلكترونياً رقم: CIA-RDP80R01731R003000170003-9، وتتضمن تقريراً حول "التيارات الإسلامية في مصر" يؤكد فيه المحللون الأمريكيون أن عداء التنظيم الأساسي موجه للنظام القومي واليساري التقدمي وليس للغرب.


أيام من الكذب: زينب الغزالي وأسطورة "المظلومية النسوية" في خدمة الإرهاب ​بقلم: الناصر خشيني



​في هندسة البروباغندا الإخوانية، لا يقتصر بناء "الرمز الأسطوري" على الرجال؛ بل يتم جلب المرأة وتوظيفها لتأدية دور عاطفي محكم يستدر دموع الأتباع ويغسل جرائم التنظيم السرية. وإذا كان سيد قطب قد مُنح "رمزية المشنقة" للتغطية على تنظيره التكفيري، فإن زينب الغزالي قد صُنعت لها هالة "المجاهدة المعذبة" عبر كتابها الشهير "أيام من حياتي"، لتغطية مسار طويل من العمل السري المسلح والاعتداء الممنهج على أمن الدولة الوطنية.

​في القراءة السطحية التي يروّجها تنظيم الإخوان، تُقدَّم زينب الغزالي كضحية لاعتقالات عام 1965، وكرمز للصمود النسائي في وجه الدولة التقدمية. غير أن القراءة الوطنية والتقدمية تفكك هذه المسرحية العاطفية لتكشف حقيقة دورها: لم تكن الغزالي مجرد داعية أو صاحبة رأي، بل كانت بمثابة "الدينامو المالي واللوجيستي" والأب الروحي الحركي لإعادة بناء تنظيم 1965 المسلح.

​إن الحقائق التاريخية واعترافات قادة ذلك التنظيم السري تكشف بوضوح الآتي:

​حلقة الوصل والتمويل: كانت زينب الغزالي هي همزة الوصل الرئيسية بين سيد قطب داخل سجنه، وبين القواعد الشابة للتنظيم في الخارج. ومن خلال بيتها، كانت تُمرر الرسائل، وتُدار الأموال، وتُحاك خطط تسليح الخلايا التي كانت تستهدف تفجير القناطر، ومحطات الكهرباء، واغتيال القيادات الوطنية.

​تأسيس تيار العنف المستقبلي: لم يتوقف دورها عند تنظيم 65؛ بل إن التحقيقات وشهادات رفاقها أكدت تورطها اللاحق في دعم وتوجيه تنظيمات العنف والتكفير التي خرجت من عباءتها، مثل التنسيق مع صالح سرية وقادة عملية "الفنية العسكرية" عام 1974 للاعتداء على الجيش المصري ومؤسسات الدولة.

​استغلال المرأة في العمل السري: وظفت الجماعة زينب الغزالي وشقيقات سيد قطب (مثل حميدة وأمينة) لنقل أدبيات التكفير (مثل كتاب "معالم في الطريق") وتجنيد الخلايا، في استغلال رخيص وممنهج للمرأة لخدمة أجندة تدميرية ترفض في الأصل الاعتراف بالحقوق المدنية والتقدمية للمرأة نفسها.

​لقد صاغت زينب الغزالي في كتابها روايات تعذيب أسطورية وخيالية (كشفت التحقيقات والشهادات التاريخية زيفها ومبالغاتها الفجة)، ليس لتوثيق الحقيقة، بل لصناعة مظلومية مقدسة تحجب الرؤية عن الجريمة الأصلية. فالهدف من هذه السردية العاطفية هو جعل القارئ يتعاطف مع "الضحية المفترضة" وينسى تماماً أن هذه "الضحية" كانت تدير بيوتاً آمنة لإخفاء السلاح والمتفجرات وتخطط لنسف استقرار المجتمع وإسقاط الدولة لصالح وهم "التمكين والحاكمية".

​إن الفكر القومي والتقدمي يرى في هذه الممارسات دليلاً دامغاً على تهافت المشروع الإخواني؛ فهو مشروع لا يتورع عن استخدام الدين، وعواطف الناس، وتوظيف النساء، لضرب صمام أمان الشعوب وهو الدولة الوطنية. إن كشف حقيقة زينب الغزالي هو نزع لآخر أقنعة المظلومية التي يتستر خلفها تنظيم وظّف العنف والتفجيرات كأدوات ثابتة في عقيدته السياسية.

مشنقة سيد قطب: كيف تُصنع أسطورة "المظلومية" للتغطية على الإرهاب؟ ​بقلم: الناصر خشيني



​ليست المشنقة في التاريخ السياسي مجرد أداة عقاب، بل كثيراً ما تحاول التنظيمات الأيديولوجية تحويلها إلى آلة رمزية، تعيد تشكيل الوعي الجمعي، وتمنح المهزوم سلطة أخلاقية مزيفة تتجاوز لحظة السقوط نفسها. هكذا جرى التعامل مع إعدام سيد قطب سنة 1966، حيث عُزل الحدث عمداً عن سياقه الجنائي والوطني، ليُفتح على مصراعيه داخل الذاكرة الإخوانية الحركية كـ "مظلومية تأسيسية" تخفي وراءها حقيقة المخطط الدموي.
​في البروباغندا الإخوانية البسيطة، يُقدَّم الإعدام بوصفه ذروة الظلم الناصري واستبداد الدولة. غير أن القراءة التقدمية والقومية الأعمق تكشف أن هذه اللحظة جرى انتزاعها عمداً من سياقها الحقيقي، وإعادة إنتاجها كرمز مقدّس يُراد منه إغلاق ملف إدانة التنظيم، والتغطية على حقيقة صادمة يتناساها الكثيرون: أن هذا الإعدام جاء بعد كشف مخطط إرهابي كامل الأركان كان يستهدف تفجير ركائز الدولة الوطنية والاعتداء على أمنها وسيادتها.
​منذ الأيام الأولى بعد الإعدام، بدأت تتشكّل رواية واحدة، شبه رسمية داخل التنظيمات: رواية الثبات، والابتسامة، والانتصار الأخلاقي. لا تعدد في الزوايا، ولا نقاش في الوقائع. وهذا أول مؤشر على الانتقال من الحدث الجنائي والتاريخي إلى النص الأسطوري، لتعطيل العقول عن السؤال الجوهري: ماذا كان يفعل تنظيم 1965 السري؟ ولماذا كانت مخازن السلاح والمتفجرات تُعد لاستهداف المنشآت الحيوية وقادة الدولة؟
​في هذه النقطة تحديداً، أخرج الفكر الإخواني هذا الإعدام من كونه نهاية قانونية مستحقة لصراع أمني وعنيف أشعله التنظيم، ليدخله مجال “التقديس الرمزي”. لم يعد سيد قطب متهماً بالتنظير لتفجير الدولة والمجتمع، بل أصبح شهيد فكرة، وكل فكرة للشهيد تكتسب -في عرفهم- حصانة تلقائية من النقد أو المساءلة.
​الخطير في هذه العملية ليس مجرد التعاطف، بل إلغاء المسافة بين الفكر التدميري والرمز. فحين يتحوّل صاحب الفكر التكفيري إلى أيقونة، تُجمَّد نصوصه الاستئصالية، وتُرفع فوق التاريخ، وكأنها وحي سياسي عابر للقوانين والدول.
​لقد كُتبت أفكار قطب الأكثر خطورة تحت شعار "المفاصلة وعزلة المجتمع"، ونتج عنها تنظيم سري مسلح لم يكن يرى في الدولة الوطنية إلا "جاهلية" يجب تقويضها بالتفجيرات والاغتيالات. وهنا يبرز التناقض الصارخ: كيف يُطلب من الدولة التقدمية أن تقف عاجزة أمام تنظيم يخطط لنسف كيانها من الداخل، ثم يُتباكى على القانون حين يُطبق العدل؟
​غير أن الأسطورة الإخوانية لا تحب هذه الحقائق. فهي تحتاج إلى يقين صافٍ، وإلى نهاية مأساوية تُغلق باب المراجعة، لكي لا يُساءل أحد مفاهيم مثل “الحاكمية” أو “تكفير المجتمع”، أو يُحاسب التنظيم على توظيفه الفظيع للعنف والقتل.
​هنا بالضبط، بدأت المشنقة تؤدي وظيفتها الأخطر في الأدبيات الحركية: منح الفكر الإرهابي سلطة الدم. وباسم هذا الدم، جرى تعليق العقل، وتأجيل السياسة، وتحويل الاعتداء على أمن الدولة من جريمة إرهابية موصوفة إلى اصطفاف مطلق وانقسام وجودي بين "إيمان وكفر".
​إن الإعدام القانوني المبرر لحماية الوطن لا يحوّل الأفكار التكفيرية إلى حقائق، ولا يمنح التنظيم صك براءة. فالقضاء أدان تنظيماً خطط للتفجير والقتل والاعتداء على السيادة الوطنية، ولم يكن الأمر مجرد خصومة فكرية. الفرق اليوم يكمن في ضرورة كشف هذا التزييف، وإعادة الاعتبار للدولة الوطنية في مواجهة مشروع إخواني وظّف المظلومية لصناعة السرديات، بينما كانت يداه تخطط لتدمير الوطن.

السبت، 11 يوليو 2026

تشاد والمنظومة العربية: قراءة تقدمية في أدوار الجوار الإفريقي وصراع المحاور بقلم: الناصر خشيني



تُمثل تشاد جغرافياً وحضارياً نقطة التماس والالتقاء الأكثر حساسية بين العالم العربي وإفريقيا جنوب الصحراء. بالنسبة للفكر القومي التقدمي، لا يمكن قراءة العلاقات التشادية العربية بمعزل عن "إستراتيجية حزام الجوار الإفريقي" التي وظفتها القوى الإستعمارية الغربية والصهيونية لعزل الأمة العربية، وتطويق أمنها القومي من الخاصرة الجنوبية، مستغلة التنوع العرقي والقبلي لتغذية الصراعات واستهداف دول العمق العربي المركزية [1].

1. الجذور التاريخية: هندسة "التناقض العرقي" بأيادٍ استعمارية
تاريخياً، لم تكن تشاد غريبة عن الهوية العربية والإسلامية؛ فاللغة العربية هي لغة التواصل اليومي للأغلبية الساحقة من السكان، والعرب جزء أصيل من النسيج الديموغرافي للبلاد [1]. ومع ذلك، جرى هندسة "جدار جيو-ثقافي" عازل عبر محطتين رئيسيتين:
  • الهندسة الفرنسية للتناقض العرقي: عمل الاستعمار الفرنسي (1900-1960) على طمس العروبة والإسلام. ومارس سياسة تفضيل النخب المسيحية والإفريقية في الجنوب وتوليتها مقاليد الحكم عند الاستقلال، مقابل تهميش الشمال والشرق ذي الغالبية المسلمة والعربية، مما خلق بذور "مظلومية متبادلة" وتوترات عرقية استمرت لعقود [5].
  • إستراتيجية الطرف الثالث (الاختراق الغربي والصهيوني): سعت الدوائر الإمبريالية منذ ستينيات القرن الماضي إلى اختراق دول الطوق الإفريقي (مثل تشاد، وإثيوبيا) لإنشاء حزام معادٍ للمشروع القومي العربي. وكان الهدف التكتيكي هو إشغال الدول العربية المواجهة (مصر، ليبيا، السودان) بصراعات استنزافية حدودية دائمة [2].

2. سلسلة دول الجوار والتنافس مع الأمن القومي العربي
تتحرك تشاد في بيئة إقليمية بالغة التعقيد، وتتداخل علاقاتها مع ثلاث دول جوار عربي أساسية، متأرجحة بين الصدام العسكري المباشر والتوظيف الإقليمي:
أ. الجبهة الليبية: صراع السيادة والمد الإقليمي
شهدت العقود الماضية (السبعينيات والثمانينيات) صداماً دموياً حول شريط أوزو الحدودى [5]. من المنظور الجيوسياسي، كان الصراع مواجهة بين محاولات المد القومي الليبي لتأمين العمق الإفريقي وحماية أمنه، وبين نخب تشادية حظيت بدعم عسكري فرنسي وأمريكي مباشر لكسر النفوذ العربي في الصحراء الكبرى، وهو الصراع الذي حُسم لاحقاً في محكمة العدل الدولية عام 1994 لصالح إنجامينا [4].
ب. الجبهة السودانية: خاصرة التفتيت واستهداف الاستقرار
يعد السودان المتضرر الأكبر من الهشاشة الأمنية لهذا الجوار. لسنوات طويلة، مثّلت الحدود التشادية-السودانية المشتركة معبراً لتصدير التمرد وعدم الاستقرار، نظراً للتداخل القبلي والاتصال الديموغرافي المعقد بين البلدين [3].
ج. الجبهة المصرية: عمق إستراتيجي مخترق
تنظر القاهرة إلى تشاد كجزء من الأمن القومي المرتبط بملف مياه النيل واستقرار حوض الصحراء. وتاريخياً، كان التخوف المصري يكمن في تحول هذا الجوار الإفريقي إلى منطلق لإستراتيجيات غربية تستهدف عزل مصر عن عمقها القاري [2].

3. الدور التشادي المعاصر: التورط في تفتيت السودان (محور حميدتي)
في المشهد الراهن (2026)، يتجلى التهديد التشادي للأمن القومي العربي في أوضح صوره عبر الأزمة السودانية، وهو ما يقف أمامه الفكر التقدمي كدليل على استمرار مشروع "تفكيك الدول المركزية":
  • جسر الإمداد اللوجستي المفتوح: توثق التقارير الدولية والأممية تحول الأراضي التشادية (تحديداً مطار أم جرس ومناطق الشرق) إلى ممر إستراتيجي لتدفق السلاح والعتاد العسكري الخارجي الموجه لصالح قوات الدعم السريع بقيادة حميدتي، مما يساهم بشكل مباشر في إطالة أمد الحرب وتدمير الدولة السودانية [8].
  • تناقضات النخبة الحاكمة وعقدة الزغاوة: يعيش النظام التشادي برئاسة محمد إدريس ديبي معضلة حادة؛ فبينما يستفيد من المحاور الخارجية الداعمة لحميدتي، يواجه ضغوطاً داخلية شرسة من قبيلته (الزغاوة) التي خاضت مواجهات دموية ضد قوات الدعم السريع والميليشيات المتحالفة معها في إقليم دارفور (مثل معارك الفاشر) [6, 7]. هذا التوظيف الخارجي يوضح كيف تُساق النخب الحاكمة في دول الجوار الإفريقي لخدمة مشاريع تدمير الكيانات العربية [6].

4. الاختراق الصهيوني لتشاد: الطوق الجنوبي الجديد
لا يمكن صياغة تحليل قومي تقدمي دون الإشارة إلى الإنجاز الإستراتيجي الخطير للعدو الصهيوني في هذه المنطقة. ففي عام 2019، أُعيدت العلاقات الرسمية بين تشاد وإسرائيل، وتوّجت بافتتاح سفارة تشادية في تل أبيب [9]. هذا الاختراق لا يستهدف تشاد لذاتها، بل يهدف إلى:
  1. تأمين موطئ قدم استخباري متقدم لمراقبة حدود ليبيا، والسودان، ومصر [2].
  2. كسر العزلة الدبلوماسية للكيان الصهيوني في القارة الإفريقية [9].
  3. إعاقة أي تمدد أو تكامل "عربي-إفريقي" مستقبلي مبني على التحرر والسيادة [1].

خلاصة واستشراف: رؤية تقدمية للمواجهة
إن "معاداة الأمة العربية" من بوابة تشاد ليست كراهية شعبية نابعة من المكونات التشادية الواسعة التي تتقاطع مع العروبة ديناً ولغةً وجواراً؛ بل هي معاداة وظيفية تصنعها الأنظمة المرتبطة بالدوائر الإمبريالية والمحاور الإقليمية التفتيتية.
لمجابهة هذا التهديد في الخاصرة الإفريقية، يتطلب الأمر من القوى التقدمية العمل على:
  • دعم استعادة الدولة الوطنية والجيش المركزي في السودان لإغلاق ثغرات التآمر والتهريب العسكري [7].
  • بناء مشروع عربي تقدمي موحد يمتلك أدوات جذب اقتصادي وثقافي حقيقي لإفريقيا، يقطع الطريق على المال المشبوه والنفوذ الصهيوني [1].
  • تفعيل الدبلوماسية الشعبية مع القوى الوطنية داخل تشاد لإدراك أن تحرر إفريقيا الحقيقي لا يمر عبر التحالف مع قتلة الشعب الفلسطيني، أو التورط في تمزيق وحدة السودان الشقيق [1].

الكاتب: الناصر خشيني
مفكر وقومي تقدمي

المراجع والمصادر (References):
  1. الأطلس التعليمي لجمهورية تشاد (باللغة العربية)، دراسات جيو-ثقافية وديموغرافية حول المكون العربي والإسلامي في تشاد، جامعة إنجامينا بالتعاون مع خبراء أفارقة وفرنسيين.
  2. معهد الشرق الأوسط (Middle East Institute - MEI)، تقرير: "ماذا يعني الانتقال في تشاد بالنسبة للقوى الإقليمية في الشرق الأوسط؟" (التحالفات مع الإمارات، الاختراق الصهيوني، والتنافس المصري التركي في الساحل والصحراء).
  3. مجلة ريحان للنشر العلمي، دراسة بحثية معمقة حول: "العلاقات التشادية السودانية المعاصرة: التداخل القبلي وأمن الحدود المشتركة".
  4. محكمة العدل الدولية (International Court of Justice)، الحكم الصادر بتاريخ 3 فبراير 1994 بشأن النزاع الإقليمي والحدودي حول شريط أوزو بين الجماهيرية العربية الليبية وجمهورية تشاد.
  5. مؤسسة البحوث العلمية (ResearchGate)، دراسة تاريخية: "قضية تشاد والنزاع الليبي التشادي 1976-1992 وأثر الاستعمار الفرنسي في صناعة التوترات العرقية".
  6. مشروع التقييم والاستخبارات الإقليمية (Critical Threats Project)، تقرير التهديدات الأفريقية: "توترات تشاد والسودان وسلاسل الإمداد اللوجستية والضغوط العرقية لقبيلة الزغاوة الحاكمة".
  7. مركز إفريقيا للدراسات الإستراتيجية (Africa Center for Strategic Studies)، تقرير تقدير موقف: "تشاد تواجه مخاطر عدم استقرار متزايدة نتيجة الانخراط في النزاع السوداني وتداعيات هجمات الحدود".
  8. مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة (UN Security Council)، تقرير لجنة الخبراء المعنية بالسودان الصادر بشأن الجسر الجوي السري لنقل المعدات العسكرية واللوجستية عبر مطاري إنجامينا وأم جرس في تشاد.
  9. معهد اتفاقيات أبراهام للسلام (Abraham Accords Peace Institute)، التوثيق الرسمي لافتتاح السفارة التشادية في تل أبيب وتطور العلاقات الأمنية بين إنجامينا وإسرائيل.

 


الأغواط.. بوابة الصحراء وعاصمة الصمود الأسطوري ومحرقة الغزاة بقلم الناصر خشيني



تاريخ المدينة
تربض مدينة الأغواط فوق السفوح الجنوبية للأطلس الصحراوي في قلب الجزائر كبوابة حقيقية وحارسة أمينة للصحراء الكبرى. تمتد جذورها التاريخية إلى عهود قديمة حيث سكنتها قبائل مغراوة وبنو هلال العربية الأصيلة، وعُرفت تاريخياً بكونها مركزاً تجارياً وعشائرياً وعلمياً استراتيجياً يربط الشمال الجزائري بالجنوب الإفريقي. اكتسبت المدينة اسمها من "الأغواط" (جمع غوط وهو الأرض المنخفضة الخصبة)، وظلت لقرون طويلة معقلاً للأنفة، وعزة النفس، وقيم الفروسية العربية التي جعلتها عصية على التدجين وحصناً منيعاً يحمي هوية الجزائر وثغورها.
أهم معالمها
تتميز الأغواط بمعالم تجمع بين سحر الواحات وتاريخ الكفاح؛ وفي مقدمتها "المدينة العتيقة" (زقاق الحجاج) وعمارتها الطينية التقليدية الرائعة ومساجدها التاريخية القديمة مثل مسجد سيدي الحاج بحوص. وتضم الولاية فوهة "مادنا" النيزكية العالمية، وقصر كوردان التاريخي الذي يروي حكايات الطريقة التجانية ومكانتها الروحية التي امتدت إلى عمق إفريقيا، بالإضافة إلى "جبال الأغواط" والواحات الخضراء المحيطة بالمدينة التي تروي حكاية العطاء والصمود البشري.
صمودها ودورها النضالي والتاريخي
سجلت الأغواط اسمها بأحرف من نار ونور في سجلات الكرامة الإنسانية عام 1852، عندما سطرت معجزة صمود أسطوري ضد الغزو الفرنسي الشرس فيما عُرف تاريخياً بـ "مجزرة الخلية" أو "عام الخلية". فحين حاصرها جيش الاحتلال الفرنسي بقيادة ثلاثة جنرالات مدججين بالمدفعية الحديثة، انتفض أهالي الأغواط من المقاومين والمتطوعين ببنادقهم البسيطة وخاضوا معركة بطولية من بيت إلى بيت. وأمام هذا الصمود المستميت، استخدم الاحتلال الفرنسي "الغازات السامة" (الكلور) لأول مرة في تاريخه الاستعماري لإبادة ثلثي سكان المدينة (أكثر من 2500 شهيد)، وتحولت الأغواط إلى محرقة ومقبرة للغزاة الذين تكبدوا خسائر فادحة، مجسدةً أبشع صور الوحشية الفرنسية وأبهى صور الفداء الجزائري.
خاتمة
تظل الأغواط عاصمة الصمود الأسطوري وبوابة الأحرار التي رفضت الانكسار والركوع؛ فصخور جبالها الشامخة وجدران واحاتها العتيقة تروي للأجيال كيف تعمدت الأرض بدماء الشهداء الأبرار الذين رفضوا الاستسلام واختاروا الحرية أولاً، لتبقى الأغواط دائماً فخراً للأمة ومنارة للثبات في وجه الطغيان والاستعمار.

كربلاء.. عاصمة الفداء ومدرسة الثورة الساطعة ضد الطغيان عبر التاريخ بقلم الناصر خشيني تاريخ المدينة



تاريخ المدينة
تقع مدينة كربلاء في وسط الجمهورية العربية العراقية على حافة الصحراء الغربية وغرب نهر الفرات، وهي مدينة حفرت اسمها بأحرف من نور ونفحات من الألم في الوجدان الإنساني منذ عام 61 للهجرة. وتسميتها تاريخية مشتقة من أصول بابلية قديمة تعني "قرب الإله"، لكن تاريخها الفعلي والمقدس بدأ حين حط فيها سبط الرسول الإمام الحسين بن علي عليه السلام رحله. تعاقبت عليها العصور الإسلامية وتحولت سريعاً من بقعة جغرافية قاحلة إلى حاضرة علمية، وفقهية، وروحيّة عالمية يقصدها الملايين، وعاصمة للوعي الذي صاغ جغرافيا الثورات والانتفاضات ضد الظلم عبر التاريخ.
أهم معالمها
يتربع "الروضة الحسينية المقدسة" و"الروضة العباسية الشريفة" كأعظم وأجل المعالم الروحية والتاريخية في المدينة، حيث يضمان ضريحي الإمام الحسين وأخيه العباس عليهما السلام وشهداء واقعة الطف العظيمة، بعمارة إسلامية مهيبة وقباب مذهبة تأسر القلوب. وتضم المدينة "منطقة بين الحرمين" الشاهدة على ملاحم العشق الحسيني، بالإضافة إلى معالمها الأثرية القديمة مثل "حصن الأخيضر" العباسي الضخم الذي يقع في صحراء كربلاء كتحفة هندسية وعسكرية، وموقع "قطارة الإمام علي" التاريخي.
صمودها ودورها النضالي والتاريخي
تُمثل كربلاء المدرسة الأولى والمنبع الحقيقي لعقيدة المقاومة والثورة ضد الاستكبار والظلم؛ فمن أرضها انطلقت صرخة "هيهات منا الذلة" التي زلزلت عروش الطغاة عبر العصور. واجهت كربلاء صموداً نضالياً أسطورياً ومحطات بالغة القسوة من حصارات وتدمير وتنكيل، سواء في العهود القديمة أو في التاريخ الحديث؛ وتجلى دورها البطولي في قيادة "ثورة العشرين" التحريرية عام 1920 ضد الاحتلال البريطاني، وصولاً إلى انتفاضاتها الشعبية العارمة ضد الديكتاتورية وحملات طمس الهوية. وبقيت كربلاء صخرة صلبة تتحطم عليها أوهام الطغاة، مضحية بقوافل لا تنتهي من الشهداء في سبيل إعلاء كلمة الحق وحرية الإنسان العربي والإسلامي.
خاتمة
إن كربلاء ليست مجرد مدينة من حجر ومزارات، بل هي فكرة وعقيدة ثورية عابرة للزمان والمكان؛ فترابها المخضب بالدم الطاهر يصرخ في وجه كل ظالم ومحتل، لتظل كربلاء دائماً قبلة الأحرار وعاصمة الإباء التي تثبت للعالم أجمع أن الدم ينتصر على السيف مهما طال ليل الطغيان

نابل.. حاضنة الوطن القبلي وعاصمة الفخار والتاريخ عبر العصور بقلم الناصر خشيني



تاريخ المدينة
تتربع مدينة نابل في شمال شرق الجمهورية التونسية، كعاصمة نابضة لشبه جزيرة "الوطن القبلي" الساحرة. تمتد جذورها التاريخية إلى العهد الفينيقي والروماني حيث عُرفت باسم "نيابوليس" (المدينة الجديدة)، وهي حاضرة شهدت على ملاحم الحروب البونيقية القديمة وصراع الإرادات بين قرطاج وروما. ومع دخول الإسلام، حافظت نابل على أهميتها الاستراتيجية وتوالت عليها العهود الإسلامية كالأغالبة والفاطميين والحفصيين، وتحولت إلى منارة زراعية وتجارية هامة، ومركز بشري اجتذب العائلات الأندلسية التي أضفت على المدينة لمسات أندلسية فريدة في العمران والفلاحة وصناعة الخزف.
أهم معالمها
تتميز نابل بمعالمها الأثرية والتراثية التي تمتزج فيها زرقة المتوسط بعبق التاريخ، وفي مقدمتها "موقع نيابوليس الأثري" الذي يضم آثاراً رومانية وبونيقية فريدة كمنشآت تمليح الأسماك القديمة. وتشتهر المدينة بـ "شجرة البرتقال" التذكارية الكبرى وجامعها الكبير العتيق، إلى جانب "المدينة العتيقة" بأسواقها التي تفوح بصناعات الفخار والبلور التقليدي الملون، والمنشآت المخصصة لتقطير زهر النارنج والورد التي منحت نابل لقب "عاصمة الياسمين والزهر".
صمودها ودورها النضالي والتاريخي
سطرت نابل صفحات مجيدة من الرباط والصمود عبر التاريخ؛ ففي العصور الإسلامية شكلت سواحلها خط دفاع أول ونقاط رباط متقدمة للتصدي لقرصنة الأساطيل الأوروبية والصليبية في عرض البحر المتوسط. وفي التاريخ الحديث إبان حركة التحرر الوطني ضد الاستعمار الفرنسي، برز دور نابل النضالي كحاضنة شعبية صلبة للعمل النقابي والسياسي؛ حيث انطلقت من أحيائها وقراها المجاورة مظاهرات عارمة وحركات مقاومة شعبية وفدائية قادها الدساترة والمناضلون الأحرار، واجهت رصاص المحتل الفرنسي ببسالة وثبات حتى نيل تونس استقلالها وسيادتها الكاملة.
خاتمة
تبقى نابل نموذجاً للمدينة التي تطوع الطين ليصنع الحياة وتحمل البندقية لتحمي الأرض؛ فأمواج بحرها الهادئة تخفي خلف سكونها تاريخاً حافلاً من الثبات، لتظل نابل دائماً عاصمة التراث ورمزاً للأصالة التونسية الشامخة التي يمتزج فيها جمال الطبيعة بعنفوان الإباء العربي

العلاقات العربية القبرصية: من خندق التحرر الناصري إلى منصة الاختراق الأمني للشرق العربي بقلم: الناصر خشيني



تُقدّم الجغرافيا السياسية لجزيرة قبرص نموذجاً حياً لكيفية تحول الساحات المجاورة للوطن العربي من "عمق استراتيجي مساند" إلى "منصة تهديد مباشر" يمس قلب الأمن القومي في بلاد الشام ومصر. هذا التحول التاريخي الخطير يفرض على العقل القومي التقدمي قراءة واعية للمسار الذي سلكته الجزيرة؛ فبعد أن كانت حليفاً متيناً في معارك التحرر والسيادة خلال عهد الرئيس الخالد جمال عبد الناصر، آلت الأمور تدريجياً لتدخل قبرص في فلك التبعية للمشروع الغربي والصهيوني، وصولاً إلى تحولها لخاصرة رخوة تُستخدم للتجسس وضرب استقرار سوريا ولبنان.
أولاً: العهد المضيء والتلاحم الناصري-القبرصي ضد الاستعمار
عقب استقلال جمهورية قبرص عام 1960، ولدت علاقة تاريخية فريدة عُمدت برؤية مشتركة ضد الهيمنة الإمبريالية. صاغ هذه المرحلة الزعيم العربي جمال عبد الناصر وأول رئيس لقبرص المستقلة، الأسقف مكاريوس الثالث، اللذان ربطتهما صداقة وطيدة قائمة على مبادئ التحرر الوطني.
  • جبهة عدم الانحياز: كانت القاهرة ونيقوسيا ركيزتين أساسيتين في تأسيس وتفعيل "حركة عدم الانحياز"، لقطع الطريق أمام محاولات الأحلاف الغربية إخضاع شعوب المنطقة.
  • الدعم المصري للاستقلال: ساندت مصر الناصرية نضال القبارصة ضد الاستعمار البريطاني وحقهم في تقرير المصير، وقدمت الدعم السياسي لنيقوسيا في المحافل الدولية.
  • موقف مكاريوس المشرف (1956): تجسد هذا التحالف في رفض الأسقف مكاريوس القاطع لاستخدام القواعد البريطانية الموجودة فوق أراضي الجزيرة لشن هجمات على مصر خلال العدوان الثلاثي عام 1956، معتبراً أن الجيرة العربية أبقى من الإملاءات الاستعمارية.
  • الاحتضان الدبلوماسي للفلسطينيين: ظلت نيقوسيا لعقود صوتاً مدافعاً عن الحقوق العربية، وفتحت باكراً مكاتب منظمة التحرير الفلسطينية، متبنية مواقف صارمة ضد الكيان الصهيوني في الأمم المتحدة.
ثانياً: الانكفاء التاريخي ونقاط التحول الجيوسياسي
لم تدم هذه التوأمة طويلاً، إذ تعرضت قبرص لضربات كبرى أعادت توجيه بوصلتها الخارجية بعيداً عن محيطها العربي ودفعتها للارتماء في الأحضان الغربية:
  1. الغزو التركي وانقسام الجزيرة (1974): شكّل الاجتياح العسكري التركي لثمال الجزيرة صدمة وجودية لنيقوسيا. ومع غياب ظهير عربي قوي (خاصة بعد رحيل عبد الناصر وانشغال الجمهوريات العربية بأزماتها الداخلية)، شعرت قبرص بالضعف والعزلة وعمدت إلى البحث عن حلفاء جدد يوفرون لها غطاءً أمنياً ومظلة حماية.
  2. الانضمام للاتحاد الأوروبي (2004): نَقَل هذا التحول قبرص بالكامل إلى المنظومة السياسية والاقتصادية الغربية. وبموجب هذا الانضمام، أصبحت الجزيرة مُلزمة بمواءمة قراراتها الدبلوماسية مع التوجهات الأوروبية والأمريكية، مما أدى إلى تآكل روابط التضامن التاريخية مع القضايا القومية العربية.
ثالثاً: قفزة التحالف مع الكيان الصهيوني
في العقدين الأخيرين، قفزت العلاقات بين نيقوسيا وتل أبيب قفزات غير مسبوقة، فتحول الكيان الصهيوني من معزول دبلوماسياً في الجزيرة إلى "شريك استراتيجي فوق العادة"، عبر بوابتين أساسيتين:
  • ترسيم الحدود البحرية ومنتديات الغاز: شكلت اكتشافات الطاقة في شرق البحر المتوسط مصلحة اقتصادية وسياسية عليا لربط قبرص بالكيان. وجرى توقيع اتفاقيات لترسيم الحدود البحرية وصياغة "منتدى غاز شرق المتوسط" بشكل تجاوز المصالح الاقتصادية والسيادية العربية، لا سيما اللبنانية والمصرية.
  • الاستيطان العقاري الصهيوني: شهدت الساحة القبرصية مؤخراً ظاهرة خطيرة تتمثل في تنامي عمليات شراء الأراضي والعقارات وتأسيس البنى التحتية المغلقة من قبل مستثمرين وجماعات صهيونية (مثل حركة حباد) في الشطرين الجنوبي والشمالي، مما أثار مخاوف قوى سياسية قبرصية محلية (كحزب أكيل اليساري) التي حذرت من تحول الجزيرة إلى عمق ديموغرافي واقتصادي للكيان.
رابعاً: منصة العدوان والتجسس على سوريا ولبنان
بلغت التجاوزات القبرصية مرحلة التهديد الأمني المباشر عبر تحويل جغرافيتها المستحدثة إلى ساحة تدريب ومحطة تجسس استخباري تخدم مباشرة الخطط الحربية الصهيونية والغربية ضد بلاد الشام وغزة:
  • المناورات العسكرية المشتركة (محاكاة غزو لبنان): احتضنت المرتفعات القبرصية (مثل جبال ترودوس) مناورات عسكرية ضخمة ومستمرة لجيش الاحتلال الصهيوني (مثل مناورات "عربات النار" وتمارين "شمس زرقاء"). واختيرت تضاريس الجزيرة بدقة نظراً لتشابهها الشديد مع جغرافية وطبيعة جنوب لبنان، حيث تدربت النخبة العسكرية الصهيونية هناك على سيناريوهات غزو بري وخوض معارك جبلية ضد قوى المقاومة.
  • قاعدة أكروتيري البريطانية وسلاسل الإمداد والتجسس: على الرغم من تمتع القواعد البريطانية (أكروتيري وديكيليا) بصفة "سيادية" بموجب اتفاقيات الاستقلال القديمة، إلا أن تساهل الحكومات القبرصية المتعاقبة جعل منها منطلقاً لأعمال عدائية سافرة. وتؤكد التقارير والتحقيقات الدولية تسيير بريطانيا لأكثر من 500 رحلة طيران استطلاعي من قاعدة أكروتيري فوق قطاع غزة ولبنان وسوريا لجمع معلومات استخبارية عسكرية مررت مباشرة للكيان. كما استُخدمت القاعدة كشريان إمداد لنقل الذخائر والمعدات الأمريكية والبريطانية لدعم الآلة الحربية الصهيونية.
  • الرادارات العملاقة وخرق الأجواء الشامية: تضم الجزيرة منظومات رصد وتشويش فائقة التطور (مثل المحطة المقامة فوق قمة جبل أوليمبوس) تديرها المخابرات الغربية بالتنسيق مع الكيان. تُستخدم هذه المنظومات لكشف المجال الجوي السوري واللبناني، ورصد التحركات الدفاعية، والتشويش على شبكات الرادار القومية، مما يسهل الاعتداءات الجوية المتكررة على الأراضي العربية.
خامساً: معادلة الردع وقادم الأيام
أمام هذا التمادي الخطير، لم يعد الصمت متاحاً للمقاومة القومية؛ ففي حزيران/يونيو 2024، خرج التحذير الشهير والواضح من قيادة المقاومة في لبنان، معلناً بوضوح أن أي فتح للمطارات أو المنشآت القبرصية لجيش الاحتلال لضرب لبنان سيعني رسمياً أن قبرص أصبحت جزءاً من الحرب وسيتم التعامل معها كطرف معادٍ.
تأكدت هذه المخاوف الميدانية مع تصاعد المواجهات الإقليمية وتلقي القواعد البريطانية في الجزيرة ضربات مباشرة بالطائرات المسيرة، مما أثار موجة غضب شعبي داخل القارة القبرصية ضد الوجود العسكري الأجنبي الذي جرّ بلادهم لآتون صراع مدمر خدمة للمصالح الصهيونية.
خاتمة المقال:
إن استعراض هذا الشريط التاريخي يؤكد للعقل القومي التقدمي أن غياب المشروع العربي الجامع، والارتماء في أحضان الاتفاقيات الغربية، يحول دول الجوار الجغرافي من بوابات صداقة إلى منصات طعن استراتيجي. ستبقى قبرص عهد عبد الناصر ومكاريوس درساً في كيف تبنى العلاقات على المبادئ، وتحولها الراهن انذاراً صارخاً بضرورة حماية الأمن القومي العربي من الاختراقات الاستخبارية والعسكرية التي تستهدف تصفية قوى المقاومة والتحرر في منطقتنا.

المراجع والهوامش (وفقاً للأسماء والبيانات التاريخية والتوثيقية):
  • [1] د. فاسيليس كابيتانيس ومجموعات البحث التاريخي بجامعة نيقوسيا (2022): دراسة علمية حول "علاقات جمهورية قبرص مع مصر وإسرائيل خلال عهد الأسقف مكاريوس (1960-1977)"، والتي وثقت التلاحم والتعاون الدبلوماسي بين مكاريوس وعبد الناصر وموقف الجزيرة من قضايا حركة عدم الانحياز والأمم المتحدة.
  • [2] تقارير ومراسلات وزارة الخارجية اللبنانية وبعثاتها الدبلوماسية (يونيو 2022): التقرير الرسمي حول استدعاء السفير القبرصي في بيروت (بانيوتيس كيرياكو) لطلب توضيح عاجل حول طبيعة مناورات جيش الاحتلال الإسرائيلي (عربات النار/ Beyond the Horizon) فوق تضاريس جبال ترودوس القبرصية لمحاكاة قتال حزب الله وجنوب لبنان.
  • [3] نشرة وكالة الأنباء العسكرية المتخصصة "جانيس" للتطوير الدفاعي (Janes Defence) - يونيو 2023: تقرير عسكري تقني حول مناورات سلاح الجو الإسرائيلي المشتركة في قبرص تحت اسم "الشمس الزرقاء" (Exercise Blue Sun)، وتصريحات قادة أسراب الطيران الإسرائيلي حول التدرب على بيئة جغرافية تحاكي الجبهة الشمالية (لبنان).
  • [4] الخطاب التاريخي لقيادة المقاومة في لبنان (19 حزيران 2024): التحذير الاستراتيجي الموجه للحكومة القبرصية برئاسة نيكوس خريستودوليدس حول تبعات فتح الأجواء والمطارات القبرصية أمام طيران العدو الصهيوني.
  • [5] تحقيقات منظمة "دي كلاسيفايد بريطانيا" الاستقصائية (Declassified UK) - الأعوام 2024، 2025، و2026: سلسلة تقارير موثقة بالأرقام وخرائط الطيران حول تسيير بريطانيا لأكثر من 518 رحلة تجسسية واستطلاعية بواسطة طائرات (Shadow R1) من قاعدة RAF Akrotiri السيادية في قبرص فوق أجواء غزة ولبنان، وتزويد الاستخبارات الصهيونية بالبيانات المباشرة.
  • [6] البيانات السياسية الرسمية لحزب التجمع التقدمي للشعب العامل القبرصي "أكيل" (AKEL Party Reports - 2025/2026): التحذيرات والاحتجاجات الرسمية التي أطلقها الأمين العام للحزب ستيفانوس ستيفانو ضد التغلغل والاستيطان العقاري الصهيوني الكثيف، وشراء مساحات شاسعة من أراضي الجزيرة من قبل مجموعات تابعة للاحتلال.
  • [7] مرصد الصحافة السياسية اللبنانية والسورية لشرق المتوسط (تقارير التحديث الأمني - مارس 2026): رصد وتوثيق تداعيات الهجمات بالطائرات المسيرة التي استهدفت الملحقات العسكرية بقاعدة أكروتيري البريطانية في جنوب قبرص، والاحتجاجات الشعبية القبرصية بمدينة ليماسول المطالبة بطرد القواعد البريطانية لحماية الجزيرة من الانخراط في الحروب الصهيونية.

​إيطاليا والأمن القومي العربي: من الأطماع الرومانية والفاشية إلى التعديات البحرية والتخادم الصهيوني ​بقلم: الناصر خشيني

 


​في سياق قراءتنا القومية التقدمية المتواصلة لمهددات الأمن القومي العربي من جهة الجوار الجغرافي، يبرز الجوار الأورو-متوسطي عبر البوابة الإيطالية كأحد الخطوط الجيوسياسية التاريخية التي طالما شكلت مصدر عدوانٍ ومحاولات إخضاع مستمرة للأمة العربية، وتحديداً في شمالها الإفريقي. إن استقراء السلوك الإيطالي يثبت تلازماً عضوياً بين إرث روما الاستعماري القديم، وفاشية القرن العشرين، والتجاوزات "النيو-إمبريالية" الراهنة التي تستهدف السيادة البحرية والثروات العربية في تونس وليبيا، فضلاً عن الاصطفاف السياسي والعسكري التقليدي لروما إلى جانب الكيان الصهيوني.

​أولاً: من الامبراطورية الرومانية إلى الفاشية الحديثة.. صراع وجودي ممتد
​إن العدوان الإيطالي على الجسد العربي ليس وليد العصر الحديث، بل يستند إلى عمق تاريخي وجذور ممتدة منذ العهد الروماني، عندما سعت روما القديمة للتوسع قسراً على حساب ضفاف المتوسط الجنوبية وطمس هوية المنطقة وحضارتها. لكن هذا النفوذ قوبل ببطولات تاريخية خالدة سطرها أبناء المنطقة؛ لعل أبرزها عبقرية القائد القرطاجي الفذ حنبعل، الذي نقل المعركة إلى عقر دار الرومان وسحق جحافلهم في معركة "كان" (Cannae) الشهيرة، مجسداً أولى ملائم الدفاع الاستراتيجي عن تراب هذه المنطقة [1].
​هذه العقلية الامبراطورية التوسعية أطلت برأسها مجدداً في العصر الحديث من بوابة الفاشية الموسولينية التي اجتاحت ليبيا عام 1911. ارتكب الاحتلال الفاشي جرائم حرب وإبادة جماعية يندى لها جبين الإنسانية؛ شملت الإعدامات الميدانية، والتهجير القسري، ونصب المشانق لرموز المقاومة وعلى رأسهم شيخ الشهداء عمر المختار، وتأسيس المعتقلات الجماعية الصحراوية الساعية لكسر إرادة الشعب العربي الليبي وطمس عروبته [2].
​ثانياً: معركة الاعتذار والتعويض.. الثورة الليبية تجبر روما على الانصياع
​إن الفكر التقدمي يؤمن بأن الحقوق التاريخية للشعوب لا تسقط بالتقادم، وأن لغة القوة والندية هي الوحيدة الكفيلة بانتزاع الاعتراف من القوى الاستعمارية. وهو ما تجسد ميدانياً وسياسياً عندما خاضت الجماهيرية الليبية بقيادة الشهيد معمر القذافي معركة دبلوماسية وقانونية شرسة لانتزاع حقوق الشعب الليبي [3].
​لقد أجبرت القيادة الليبية الدولة الإيطالية ــ لأول مرة في تاريخ العلاقات الاستعمارية الغربية مع العالم الثالث ــ على الانصياع والإقرار بجرائمها، وتوج ذلك بتوقيع "معاهدة بنغازي للصداقة والشراكة والتعاون" عام 2008، والتي تضمنت اعتذاراً رسمياً وصريحاً من روما للشعب الليبي عن حقبة الاحتلال، والتزاماً إيطالياً بدفع تعويضات مالية واستثمارية ضخمة بلغت مليارات الدولارات كتعويض عن الأضرار المادية والبشرية التي سببتها الفاشية [4].
​ثالثاً: التجاوزات البحرية والقرصنة الاقتصادية على سواحل تونس وليبيا
​لم تتخلَّ إيطاليا المعاصرة كلياً عن أطماعها؛ إذ يتخذ التعدي الإيطالي الراهن على الأمن القومي العربي طابعاً اقتصادياً وجيوسياسياً يتمثل في الانتهاكات المتكررة للحدود البحرية لكل من تونس وليبيا.
​تتعمد أساطيل ومراكب الصيد الإيطالية، المدعومة أحياناً بغطاء سياسي، اختراق المياه الإقليمية والمنطقة الاقتصادية الخالصة للبلدين، والوصول إلى السواحل القريبة لبعض المدن التونسية والليبية لنهب الثروة السمكية ومقدرات الأعماق العربية [5]. إن هذه القرصنة المستمرة لا تشكل انتهاكاً صارخاً للسيادة الوطنية والقوانين الدولية فحسب، بل تعد استنزافاً ممنهجاً للأمن الغذائي والاقتصادي للصيادين والشعوب العربية على الضفة الجنوبية للمتوسط.
​رابعاً: العلاقات الاستراتيجية مع الكيان الصهيوني وخيانة الحق العربي
​تتكامل هذه السياسات العدائية الإقليمية مع الموقف الجيوسياسي لروما من القضية المركزية للأمة. ترتبط إيطاليا بعلاقات سياسية، وعسكرية، واقتصادية متطورة وراسخة مع الكيان الصهيوني، نابعة من التزامها بالمنظومة الأطلسية الغربية [6].
​تعتبر روما من العواصم الأوروبية التي توفر غطاءً سياسياً ودبلوماسياً لجرائم الاحتلال الصهيوني في فلسطين، وتشارك في مناورات عسكرية مشتركة مع جيش العدو، متبادلة معه التقنيات الأمنية والاستخباراتية. هذا الانحياز البنيوي يثبت أن إيطاليا، رغم شعارات "الشراكة الأورومتوسطية"، تقف استراتيجياً في الخندق المعادي لطموحات الأمة العربية في التحرر والانعتاق، وتساهم في إطالة أمد احتلال أرضنا في فلسطين.
​خلاصة وموقف قومي:
​إن استعراض التاريخ والحاضر في الملف الإيطالي يؤكد للمدرسة القومية التقدمية أن الأمن القومي العربي وحدة واحدة لا تقبل التجزئة؛ فالتعدي على السيادة البحرية التونسية أو الليبية هو امتداد لذات العقلية التي حاولت بالأمس طمس هوية المنطقة. إن مجابهة هذا التحدي تفرض على الأقطار العربية مغادرة مربع العلاقات غير المتكافئة، وفرض معادلات ندية لحماية المياه الإقليمية والثروات البحرية، وربط المصالح الاقتصادية لروما بمواقفها السياسية من قضايا الأمة العادلة وعلى رأسها قضية فلسطين، تأكيداً على سيادة الأمة وكرامة شعوبها.
​المراجع والمصادر:
​[1] بوليبيوس: تاريخ الإمبراطورية الرومانية والصراع مع قرطاج، دراسات في الاستراتيجية العسكرية لمعركة كان وتأثير حنبعل، منشورات الجامعة التونسية.
[2] مركز جهاد الليبيين للدراسات التاريخية: الموسوعة التاريخية للمقاومة الليبية ضد الغزو الإيطالي الفاشي (1911-1932).
[3] السجل القومي: الخطابات والوثائق السياسية للثورة الليبية حول معركة انتزاع التعويضات والاعتذار من إيطاليا.
[4] نص وثيقة "معاهدة بنغازي للصداقة والشراكة والتعاون بين الجماهيرية العظمى وإيطاليا"، أغسطس 2008، منشورات وزارة الخارجية الليبية.
[5] تقارير وزارة الفلاحة والصيد البحري التونسية حول انتهاكات السفن الأجنبية والمراكب الإيطالية للمياه الإقليمية وخليج قابس.
[6] معهد الشؤون الدولية (IAI) في روما: دراسات في العلاقات الإيطالية-الإسرائيلية والتعاون العسكري والتكنولوجي في حوض المتوسط.

الجمعة، 10 يوليو 2026

​فرنسا وشمال إفريقيا العربي: من الاحتلال المباشر إلى الاستعمار الجديد وأدوات التبعية الفرنكوفونية بقلم: الناصر خشيني

 

       مقدمة
​في إطار قراءتنا القومية التقدمية الشاملة لمفهوم الأمن القومي العربي، ندرك أن التهديدات لا تقتصر على حدود الإقليم الجغرافية المباشرة، بل تتقاطع بشكل عضوي مع القوى الإمبريالية التاريخية التي ما زالت ترى في جغرافيا الأمة وفضاءاتها الحيوية مجالات نفوذ تابعة لها. وتبرز فرنسا كنموذج صارخ لهذه القوى؛ إذ لم يكن احتلالها العسكري لشمال إفريقيا (تونس، الجزائر، والمغرب) مجرد مرحلة تاريخية عابرة، بل أسس لمنظومة استعمارية جديدة (Neo-colonialism) تواصل عبرها باريس، حتى يومنا هذا، استنزاف ثروات المنطقة والهيمنة على مقدراتها السياسية والاقتصادية عبر شبكات نفوذ معقدة وأدوات ثقافية "فرنكوفونية" تعمل كطابور خامس لرهن الإرادة الوطنية العربية.
​أولاً: الإرث الاستعماري الأسود.. عقيدة التدمير البنيوي وطمس الهوية
​إن تاريخ فرنسا في المغرب العربي هو تاريخ من الدم، ومحاولات المسخ الهوياتي الممنهج. فمنذ احتلال الجزائر عام 1830 وما تلاه من فرض "الحماية" على تونس والمغرب، لم تكتفِ الإمبريالية الفرنسية بنهب الأرض، بل خاضت حرباً وجودية لطمس الهوية العربية والإسلامية لشعوب المنطقة [1].
​لقد قامت هذه العقيدة الاستعمارية على مصادرة الأراضي الحصبة، وتدمير البنى الاقتصادية التقليدية لصالح ربط الاقتصاد المغاربي بالمركّب الرأسمالي الفرنسي، فضلاً عن سياسات "الفرنسة" التعليمية والإدارية العنيفة التي استهدفت عزل هذه الأقطار عن عمقها القومي المشرقي، وهي العقلية الاستعلائية التي ما زالت تحكم نظرة باريس إلى هذه الدول كـ"حديقة خلفية" تابعة لها.
​ثانياً: الاستعمار الجديد (Françafrique) والاستغلال الاقتصادي المتواصل
​رغم نيل دول شمال إفريقيا استقلالها السياسي بفضل تضحيات حركات التحرر الوطني، إلا أن فرنسا حرصت على صياغة "اتفاقيات استقلال" منقوصة تضمن لها استمرار الهيمنة الاقتصادية. تتجلى هذه الهيمنة اليوم في استمرار الشركات الفرنسية الكبرى (مثل توتال، وأورانو، والمجموعات المصرفية والصناعية) في السيطرة على قطاعات حيوية كاستخراج النفط والغاز، الفوسفات، والملح، فضلاً عن التحكم في قطاعات الاتصالات والخدمات والمال [2].
​وعلى الرغم من التراجعات الميدانية الكبيرة والصفعات المتتالية التي تلقتها فرنسا في منطقة الساحل الإفريقي (مثل مالي والنيجر وبوركينا فاسو) ورفض شعوبها لاستعباد "فرنك غرب إفريقيا" (CFA franc) واحتكارات اليورانيوم [3]، إلا أن باريس ما تزال تكافح بشراسة للحفاظ على نفوذها الاقتصادي الاستنزافي في شمال إفريقيا عبر عقود امتياز واحتكارات تجارية غير متكافئة تضمن بقاء المواد الخام وثروات الشعوب العربية متدفقة نحو الشمال، بينما تعاني الدول الوطنية من أزمات هيكلية وتنموية خانقة.
​ثالثاً: النفوذ الفرنكوفوني.. الاختراق الثقافي والطبقة الوظيفية
​لا يمكن فهم ديمومة الهيمنة الفرنسية دون تفكيك سلاحها الأكثر خطورة: الفرنكوفونية. إن الفكر التقدمي يرى في الفرنكوفونية أداة جيوسياسية ومؤسساتية صممتها باريس لإعادة إنتاج التبعية بعد الاستقلال المباشر [4]. ومن خلال التغلغل الثقافي، والتعليمي، والإعلامي، نجحت فرنسا في رعاية وتشجيع نخب وتيارات "فرنكوفونية" داخل المجتمعات المغاربية.
​هذه النخب الوظيفية، التي ترتبط مصالحها الطبقية والثقافية بباريس، تعمل كجدار صد يدافع عن المصالح الاستراتيجية الفرنسية، وتعطل أي مشروع حقيقي للتعريب الشامل أو التحرر الاقتصادي والسياسي. إنها تمارس نوعاً من "الاستلاب الحضاري" الذي يبقي مراكز صنع القرار الإداري والاقتصادي في المغرب العربي مقيدة بالنمط والمعايير الفرنسية، مما يمنح باريس قدرة عالية على التدخل والتوجيه من خلف الستار.
​رابعاً: التخادم الإمبريالي الصهيوني وتطويق الطموح القومي
​في المشهد الاستراتيجي الأوسع، تلتقي السياسة الفرنسية في شمال إفريقيا دائماً مع أهداف المشروع الصهيوني والإمبريالية الأمريكية في المنطقة. تسعى فرنسا، عبر الحفاظ على حالة التبعية والتجزئة في المغرب العربي، إلى منع قيام أي كتلة قومية عربية متكاملة وقوية اقتصادياً وسياسياً على جنوب المتوسط [5].
​إن إبقاء هذه الدول مستنزفة الثروات وتابعة للمركز الأوروبي يضمن تحييد قدراتها البشرية والجغرافية الهائلة عن معركة الأمة المركزية في فلسطين، بل إن السياسات الفرنسية طالما وظفت ملفات الدعم المالي والديون للضغط على الحكومات المغاربية لضبط مواقفها السياسية بما يتوافق مع التوجهات الغربية والأطلسية.
​خلاصة وموقف قومي:
​إن الحالة الفرنسية في شمال إفريقيا تثبت حقيقة مبدئية في الفكر القومي التقدمي: وهي أن معركة التحرر الوطني لم تنتهِ برحيل الجندي الأخير للاستعمار التقليدي. إن مجابهة هذا التعدي السافر على الأمن القومي العربي تتطلب خوض معركة تحرر ثانٍ؛ تتمثل في تصفية كافة أشكال التبعية الاقتصادية، وإلغاء الاحتكارات الأجنبية لثروات شعوبنا، وتطهير الفضاء الثقافي والتعليمي من الهيمنة الفرنكوفونية الاستلابية، وبناء اقتصاد وطني ومغاربي مستقل يضع مقدرات الأرض في خدمة أصحابها، كخطوة أساسية نحو تحقيق السيادة الكاملة والوحدة القومية الشاملة.
​المراجع والمصادر:
​[1] مركز دراسات الوحدة العربية: دراسات في تاريخ المغرب العربي المعاصر وسياسات الاستعمار الفرنسي الثقافية والاقتصادية.
[2] تقارير اللجنة الاقتصادية لإفريقيا (الأمم المتحدة) حول هيكلية التبادل التجاري والاحتكارات الأجنبية في منطقة شمال إفريقيا.
[3] معهد الدراسات الإقليمية والدولية: تحولات المشهد الإفريقي والساحل، وسقوط منظومة "فرانس-أفريك" التقليدية وأثره الجيوسياسي (2025-2026).
[4] المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (ألكسو): الفرنكوفونية وأثر التغلغل اللغوي والثقافي على الهوية والسيادة الوطنية في المغرب العربي.
[5] العلاقات الأورو-متوسطية والسياسات الاستعمارية الجديدة، منشورات معهد الإنماء العربي.

 

جمال عبد الناصر: جدلية الوعي والممارسة في مسيرة قائد الأمة وباني نهضتها الحديثة بقلم: الناصر خشيني

نقف اليوم على أعتاب الذكرى الرابعة والسبعين لثورة الثالث والعشرين من يوليو (جويلية) 1952، وهي محطة لم تكن مجرد انقلاب عسكري تقليدي، بل كانت ...