التخطي إلى المحتوى الرئيسي

نحو قراءة قرآنية تقدمية: تفكيك المنظومة الذكورية وإعادة الاعتبار للمرأة في محكم التنزيل بقلم: الناصر خشيني


 مقدمة

تتعرض الثقافة العربية الإسلامية المعاصرة لأزمة خانقة ناتجة عن التباس المفاهيم، وخلطٍ متعمد أو جاهل بين الرسالة القرآنية التحررية وبين المنظومة الفقهية الموروثة التي تشكلت في بيئات اجتماعية وسياسية اتسمت بالذكورية وسلطة القبيلة. ومن أشد تجليات هذه الأزمة هو ملف "المرأة"؛ حيث جرى تسليعها وإهانتها باسم الدين زواجاً وطلاقا ومعاشرة، في حين أن النص القرآني يمثل ثورة وجودية كرمت المرأة غاية التكريم، وأشادت بمكانتها في أكثر من عشر سور ومئات الآيات المحكمات، مقرةً مبدأ "المعاشرة بالمعروف" كقاعدة ذهبية لا تنفصم.
إن معالجة إشكالية "الضرب" في الآية 34 من سورة النساء، تتطلب قراءة تفكيكية تقدمية تتجاوز التفسيرات الفقهية التبريرية التي شرعنت العنف، لتعيد الكلمة إلى سياقها اللغوي والقرآني والاجتماعي الإنساني.
أولاً: النص القرآني مقابل المنظومة الفقهية الذكورية
لقد تأسست المنظومة الفقهية التقليدية في عصور تراجع فيها العقل التنويري، فطغت العادات والتقاليد القبلية على مقاصد الشريعة. تحولت العلاقة الزوجية في هذا الفقه من "المودة والرحمة" إلى "عقد ملكية واستتباع"، وهو ما نراه في تشريعات الطلاق التعسفي، والزواج بالإكراه، وحرمان المرأة من أهليتها الكاملة.
هذا الفقه الذكوري يمثل نكسة وتراجعاً عن المشروع القرآني التحرري. فالقرآن الكريم لم يأتِ ليكرس سلطة الرجل الفوقية، بل جاء ليعلن وحدة الأصل الإنساني: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ). وفي الوقت الذي يسعى فيه الفقه التقليدي لشرعنة إهانة المرأة، نجد القرآن يفرد سوراً كاملة تحمل أسماء النساء وشؤونهن (كالنساء، ومريم، والمجادلة، والممتحنة، والطلاق، وغيرها)، ليرسخ مكانة قانونية واجتماعية مستقلة ومكرمة للمرأة.
ثانياً: تفكيك دلالة "الضرب" في القرآن: عنف أم مباعدة؟
إن حصر معنى كلمة "الضرب" في "الجلد أو الإيذاء الجسدي" في آية النشوز هو نتاج عقلية ذكورية تبحث عن مبرر لممارسة الهيمنة. وإذا تتبعنا اللسان القرآني بـ منهجية قرآنية موضوعية، نجد أن مادة (ض ر ب) تأتي في القرآن بأكثر من سبعة عشر دلالة، نادراً ما تعني الإيذاء الجسدي، ومن أهمها:
    • المباعدة والابتعاد (الضرب في الأرض): كما في قوله تعالى: (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ) أي سافرتم وابتعدتم.
    • العزل والفصل الجسدي أو المكاني: كما في قوله تعالى: (فَضَرَبْنَا عَلَىٰ آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا) أي عزلناهم عن المحيط الخارجي ووفرنا لهم الحماية والهدوء، وقوله: (فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ) أي فُصل بينهما.
    • التجاهل والإعراض: كما في قوله تعالى: (أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا) أي نهجركم ونعرض عنكم.
المباعدة وهجر البيت كحل قرآني
بناءً على التناسق البياني للقرآن، فإن العلاج المتدرج للنشوز (وهو الاستعلاء والتمرد على ميثاق الزوجية من الطرفين) يبدأ بالخطاب العقلاني النفسي (وَعِظُوهُنَّ)، ثم يتطور إلى العزل العاطفي داخل الفراش الواحد لعل المراجعة تتم كبرياءً بكبرياء (وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ)، فإذا لم يجدِ ذلك نفعاً، تأتي الخطوة الثالثة وهي (وَاضْرِبُوهُنَّ)، والتي تعني هنا المباعدة المكانية، أو هجر البيت لفترة مؤقتة لتبريد الصراع وإعطاء مسافة تفكير بين الطرفين قبل الذهاب إلى خطوة التحكيم العائلي (وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا...).
إن القول بأن الضرب يعني العنف الجسدي يتناقض بنيوياً مع أمهات الآيات القرآنية مثل: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً). فكيف تجتمع "الرحمة والمودة" مع "الجلد والضرب"؟ القرآن ينزه منظومة الأسرة عن العنف.
ثالثاً: كرامة المرأة في محكم التنزيل: مراجعة لعشر سور
في المقابل، يتجلى التكريم القرآني للمرأة في مفاصل عديدة تشيد بمكانتها وتلغي فكرة "التسليع"، ويمكن رصد هذا التكريم في محاور وسور شتى:
    • سورة النساء: أسست للحقوق المالية المستقلة للمرأة (الإرث، الصداق كملكية خاصة لا ثمن للجسد) وحرمت وراثة النساء كأكره وأشكال المتاع.
    • سورة آل عمران: أشادت بمريم العذراء واصطفائها على نساء العالمين، وجعلتها رمزاً للطهور والفاعلية الإنسانية المستقلة.
    • سورة المجادلة: استمع الله فيها لشكوى امرأة (خولة بنت ثعلبة) من فوق سبع سموات، وغيّر تشريعاً ظالماً (الظهار) انتصاراً لكرامتها ونصرةً لها ضد تحكم الرجل.
    • سورة الممتحنة: قررت مبدأ المبايعة السياسية للمرأة استقلالاً عن زوجها وقبيلتها، مما يعني أهليتها الفكرية والسياسية الكاملة.
    • سور البقرة والطلاق والروم والمائدة والنور والتحريم والاحزاب: كلها سور رسخت قيم العدالة، وحرمت قذف المحصنات، وجعلت الطلاق مساراً تسريحياً بإحسان (فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ)، مانعةً تحويل المرأة إلى سلعة تُمسك ضراراً للاعتداء.
خاتمة: من أجل مشروع نهضوي عروبي قرآني
إن التحرر القومي والتقدم الاجتماعي لامتنا العربية لا يمكن أن يتحقق طالما بقيت نصف مجتمعاتنا مكبلة بأغلال الفقه الذكوري المتخلف. إن العودة إلى الينابيع النظيفة للقرآن الكريم تفرض علينا تبني قراءة تنويرية تقدمية تعيد للمرأة كرامتها الإنسانية، وتنزع عن النص الإلهي إسقاطات العصور المظلمة.
الضرب في القرآن هو مباعدة وهجر عاقل، والزواج هو سكن ومودة، والمرأة شريكة الكفاح والوجود وليست سلعة للمتعة أو العبودية. هكذا نفهم القرآن، وهكذا نبني مجتمعنا التقدمي العربي المنشود.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قطاع الفوسفات في تونس بعد 2011: من ريادة الإنتاج إلى متاهات الأزمة الهيكلية ​بقلم: الناصر خشيني

  ​يعتبر قطاع الفوسفات في تونس أكثر من مجرد نشاط منجمي؛ إنه الشريان الحيوي للاقتصاد الوطني والعمود الفقري للتنمية في مناطق الحوض المنجمي. إلا أن هذا القطاع دخل منذ عام 2011 في نفق مظلم من الأزمات المتراكمة التي مست مفاصل الإنتاج والتسويق والإدارة، مما حوله من قاطرة للنمو إلى عبء تقني ومالي يتطلب وقفة تحليلية جادة لفهم مكامن الخلل وسبل الاستشراف المستقبلي. ​أولاً: أزمة الإنتاج.. بين المطلب الاجتماعي والتعطل التقني ​لقد تراجع حجم الإنتاج الوطني من الفوسفات الخام بشكل حاد، حيث انحدر من سقف 8 مليون طن في سنة 2010 إلى مستويات لا تتجاوز 4 مليون طن في أفضل الحالات خلال العقد الأخير. هذا التقهقر يعود بالأساس إلى: ​الاحتقان الاجتماعي: تحول الحوض المنجمي إلى ساحة للاحتجاجات المستمرة والاعتصامات المطالبة بالتنمية والتشغيل، وهو ما أدى إلى توقف متكرر لمحركات الإنتاج في المغاسل والمناجم. ​معضلة اللوجستيك والنقل: تعاني منظومة نقل الفوسفات عبر السكك الحديدية من تهالك شديد، مما دفع نحو الاعتماد على الشاحنات الخاصة، وهو حل مكلف أدى إلى تضخم تكاليف الإنتاج وضرب نجاعة العملية اللوجستية. ​تقادم المعدات...

سقوط الأقنعة وخراب الهيكل: قراءة قومية تقدمية في شهادة ثروت الخرباوي على مطبخ الإخوان بقلم: الناصر خشيني

    مقدمة في التوقيت الإقليمي والدولي الراهن، ومواجهةً لمشاريع تفتيت الجغرافيا العربية وسلب إرادتها الوطنية، تبرز الحاجة المعرفية الملحة لتفكيك البنى السرية لجماعات الإسلام السياسي التي شكلت دائماً كابحاً أمام النهوض التاريخي للأمة. من هنا، يأتي هذا المقال المرسل بالتزامن الى "الحوار المتمدن" بمنبريته التقدمية التنويرية، و"رأي اليوم" بمنبرها القومي التحرري ولمواقع اخرى ليقدم قراءة سياسية وفكرية في عمق "المطبخ الداخلي" لحركة الإخوان المسلمين، مستنداً إلى شهادة القيادي السابق ثروت الخرباوي ، كأداة تعرية لأقنعة الزيف وبوابة لإعادة الاعتبار لمشروع الدولة الوطنية التقدمية. لم تكن معركة الفكر القومي التقدمي يوماً مجرد خصومة سياسية عابرة مع جماعات الإسلام السياسي، بل هي معركة وجودية بين مشروعين لا يلتقيان: مشروع الدولة الوطنية الساعي نحو التحرر، والسيادة، والتقدم، ومشروع أممي ظلامي يستهدف تفتيت الجغرافيا وتمزيق الهوية العربية لصالح ولاءات مشبوهة عابرة للحدود. وفي هذا السياق، تكتسب الشهادات القادمة من داخل "المطبخ الداخلي" لهذه الجماعات قيمة استثنائية، ل...

​طبيعة الصراع العربي الصهيوني والطريق إلى تحرير فلسطين ​بقلم: الناصر خشيني

مداخلة أُلقيت في مخيم الشباب القومي العربي – نابل، تونس ​مقدمة ​يعود الأصل النظرى لهذا البحث إلى ثمانينيات القرن الماضي، وتحديداً خلال صيف عام 1982 المحموم، إبان الاجتياح الصهيوني للبنان بقيادة السفاح "أرييل شارون". وقد قُدِّم البحث حينها على مسرح الهواء الطلق بمدينة طبرقة التونسية. ومنذ ذلك الوقت، ورغم تسارع الأحداث الإقليمية وتطورها بشكل دراماتيكي، لم يتغير شيء من طبيعة الصراع العربي الصهيوني الجوهرية. وبناءً على مقتضيات التطورات الراهنة التي تعيشها المنطقة، أُعيدت صياغة هذه الرؤية وتعديلها لتواكب الواقع المعاصر. ​لا يزال الصراع في فلسطين بين الأمة العربية والصهاينة على أشده وبلا هوادة، وتسيل الدماء يومياً غزيرة من أبناء شعبنا في فلسطين الكسيرة، ولكن دون تفريط في الحق السليب بشكل نهائي. ورغم الاعتراف المتبادل بين بعض النظم العربية والصهاينة، ورغماً عن اتفاقيات السلام الموقعة، فإن ملايين المشردين الذين أُخرجوا من ديارهم بقوة السلاح لا يزالون يحلمون بالعودة إلى أرض الوطن، يراودهم الأمل يوماً ما طال الزمان أو قصر [1]. ​إن الصهاينة الذين اعتمدوا في احتلالهم للأرض على القوة الغا...