التخطي إلى المحتوى الرئيسي

دستور المساواة الربانية: قراءة قرآنية في تكامل الحقوق وتفكيك الموروث البشري بقلم الناصر خشيني


 مقدمة: أزمة خلط المقدس بالبشري

إن التحدي الأكبر الذي يواجه الفكر الإسلامي المعاصر هو التباس الفارق بين التشريع الإلهي المعصوم المتمثل في القرآن الكريم، وبين المنظومة الفقهية والتقاليد الاجتماعية التي هي نتاج بشري وتاريخي محكوم بسياقاته. لقد جاء القرآن برؤية عليا تعلي من شأن الإنسان كإنسان، وتؤسس لعلاقة قائمة على التساوي المطلق في الكرامة والمسؤولية بين الرجل والمرأة. ولكن بمرور الزمن، تحولت اجتهادات الفقهاء وأعراف القبائل إلى "قوانين موازية" صُبغت بصبغة الدين، مما أدى إلى تراجع مكانة المرأة وتحويل مؤسسة الزواج من "سكن ومودة" إلى "عقد تبعية وسيطرة".
أولاً: آية "المثليّة" كقانون للمساواة الربانية الكاملة
في قلب التشريع القرآني تبرز آية محورية تُعد القاعدة الذهبية والعمود الفقري للعدالة الإنسانية: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: 228].
هذه الصياغة الربانية المعجزة وضعت حداً حاسماً لكل أشكال الهوى البشري والتسلط:
  1. المثلية المطلقة: استخدام كلمة "مِثْلُ" ينسف أي ادعاء بالفوقية البيولوجية أو الروحية للرجل، ويجعل الحقوق والواجبات كفتي ميزان متعادلتين تماماً في شتى مجالات الحياة (السياسية، الاقتصادية، والاجتماعية).
  2. مرونة "المعروف": إحالة الحقوق والواجبات إلى "المعروف" تعني ربطها بالضمير الإنساني المستنير والعقل السليم الذي يتطور بتطور العصور، مما يجعل العدالة متجددة ولا تخضع لجمود تفسيرات العصور الوسطى.
  3. التساوي في أصل الخلق: يرفض القرآن النظرة الدونية للمرأة ويؤكد وحدانية الأصل الإنساني: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ} [النساء: 1].
ثانياً: الفلسفة القرآنية للزواج مقابل تسليع المنظومة الفقهية
عند مقارنة النص القرآني المحكم بالمنتج الفقهي والعادات البشرية، نجد انزياحاً خطيراً عن مقاصد الوحي:
  • في القرآن الكريم: الزواج آية كونية ورابطة روحية سامية محددة بأركان عاطفية: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً} [الروم: 21]. وهو شراكة تُدار بالتشاور والتراضي.
  • في الفقه الموروث والعادات: جرى "تسليع" عقد الزواج وتكييفه فقهياً كعقد معاوضة مالية (المهر مقابل الطاعة والتمكين)، وتحولت "القوامة" من وظيفة تكليفية ورعائية قائمة على الإنفاق والخدمة إلى سلطة مطلقة وحق في السيطرة، بينما تفرض العادات على المرأة تحمل الظلم باسم "الستر"، متناسين أمر القرآن الحاسم: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} و**{فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ}**.
ثالثاً: التطبيق الكامل للمساواة والخصوصية البيولوجية المكرمة
إن المنهج القرآني يقر بالمساواة التامة للمرأة مع الرجل في شتى الميادين؛ فلها أهليتها المالية المستقلة، وحريتها في الاختيار، وحقها في القيادة والعمل والتشريع. ومع ذلك، فإن هذا التشريع الإلهي يمتاز بالرحمة والواقعية، حيث يفرّق بين المساواة في القيمة الإنسانية والأهلية القانونية، وبين المراعاة التامة للخصوصية البيولوجية في أوقات وأعمال محددة:
  1. مراعاة فترات الحمل، والحيض، والنفاس:
    هذه الفترات الطبيعية التي تمر بها المرأة ليست نقصاً في إنسانيتها أو أهليتها كما صورتها بعض الثقافات الجاهلية والعادات القاصرة، بل هي حالات بيولوجية تستوجب تخفيف الأعباء وتوفير معاملة خاصة قائمة على الدعم والتكريم والرحمة. القرآن شرع لها إسقاط أو تأجيل بعض العبادات (كالصلاة والصيام) تقديراً لجهدها البدني والنفسي، وهو ما يجب أن ينعكس في القوانين البشرية كإجازات مدفوعة الأجر ورعاية صحية ونفسية شاملة.
  2. قدسية الرضاعة والرعاية:
    ينظر القرآن للرضاعة كعمل عظيم يُبنى على التراضي والتشاور بين الزوجين: {فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا} [البقرة: 233]. هنا تبرز المرأة كشريك كامل القرار، ويفرض التشريع مكافأة المرأة وتكريمها مادياً ومعنوياً لقاء هذا العطاء البشري.
  3. التكامل لا التناحر:
    هذه المعاملة الخاصة في الأوقات البيولوجية ليست تمييزاً ضد الرجل، ولا انتقاصاً من المرأة، بل هي تكريم رباني يضمن ألا تتحول المساواة إلى عبء إضافي يظلم طبيعتها الجسدية، بل تكون مساواة عادلة تحمي ضعفها المؤقت وتصون كرامتها الدائمة.
رابعاً: نحو صياغة "عقد الزواج القرآني" الجديد
لتطبيق هذه الرؤية القرآنية الصافية ونبضها التشريعي، يجب أن يُعاد بناء القوانين والمدونات المدنية للأحوال الشخصية، بحيث يستند البند الأول والأساسي في عقد الزواج إلى الآتي:
"تأسس هذا العقد بين الطرفين على مبدأ الشراكة الإنسانية الكاملة المتساوية في الحقوق والمسؤوليات المادية والمعنوية، إعمالاً لقوله تعالى {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ}، وتدار الحياة الأسرية بينهما على قيم السكن، والمودة، والتشاور والتراضي، مع الالتزام الكامل بالمعاشرة بالحسنى في جميع الأحوال."
خاتمة: انتصار الوحي على الهوى البشري
إن القوانين البشرية، سواء كانت أعرافاً ذكورية موروثة أو تفريعات فقهية متأثرة بزمنها، قد عجزت عن الارتقاء إلى سقف القرآن الكريم لأنها صدرت عن عقول محكومة بالصراع وموازين القوة البدنية والمادية. أما التشريع القرآني فهو عدل إلهي مطلق منزه عن الهوى.
إن العودة للمنبع القرآني وتفعيل آية "المثلية بالمعروف" هو السبيل الوحيد لتحرير مؤسسة الأسرة من قيود التاريخ، وبناء مجتمع إنساني سليم يتساوى فيه الرجل والمرأة كشريكين في استخلاف الأرض، مع كامل التكريم والرحمة للفطرة التي فطر الله الناس عليها.

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قطاع الفوسفات في تونس بعد 2011: من ريادة الإنتاج إلى متاهات الأزمة الهيكلية ​بقلم: الناصر خشيني

  ​يعتبر قطاع الفوسفات في تونس أكثر من مجرد نشاط منجمي؛ إنه الشريان الحيوي للاقتصاد الوطني والعمود الفقري للتنمية في مناطق الحوض المنجمي. إلا أن هذا القطاع دخل منذ عام 2011 في نفق مظلم من الأزمات المتراكمة التي مست مفاصل الإنتاج والتسويق والإدارة، مما حوله من قاطرة للنمو إلى عبء تقني ومالي يتطلب وقفة تحليلية جادة لفهم مكامن الخلل وسبل الاستشراف المستقبلي. ​أولاً: أزمة الإنتاج.. بين المطلب الاجتماعي والتعطل التقني ​لقد تراجع حجم الإنتاج الوطني من الفوسفات الخام بشكل حاد، حيث انحدر من سقف 8 مليون طن في سنة 2010 إلى مستويات لا تتجاوز 4 مليون طن في أفضل الحالات خلال العقد الأخير. هذا التقهقر يعود بالأساس إلى: ​الاحتقان الاجتماعي: تحول الحوض المنجمي إلى ساحة للاحتجاجات المستمرة والاعتصامات المطالبة بالتنمية والتشغيل، وهو ما أدى إلى توقف متكرر لمحركات الإنتاج في المغاسل والمناجم. ​معضلة اللوجستيك والنقل: تعاني منظومة نقل الفوسفات عبر السكك الحديدية من تهالك شديد، مما دفع نحو الاعتماد على الشاحنات الخاصة، وهو حل مكلف أدى إلى تضخم تكاليف الإنتاج وضرب نجاعة العملية اللوجستية. ​تقادم المعدات...

​طبيعة الصراع العربي الصهيوني والطريق إلى تحرير فلسطين ​بقلم: الناصر خشيني

مداخلة أُلقيت في مخيم الشباب القومي العربي – نابل، تونس ​مقدمة ​يعود الأصل النظرى لهذا البحث إلى ثمانينيات القرن الماضي، وتحديداً خلال صيف عام 1982 المحموم، إبان الاجتياح الصهيوني للبنان بقيادة السفاح "أرييل شارون". وقد قُدِّم البحث حينها على مسرح الهواء الطلق بمدينة طبرقة التونسية. ومنذ ذلك الوقت، ورغم تسارع الأحداث الإقليمية وتطورها بشكل دراماتيكي، لم يتغير شيء من طبيعة الصراع العربي الصهيوني الجوهرية. وبناءً على مقتضيات التطورات الراهنة التي تعيشها المنطقة، أُعيدت صياغة هذه الرؤية وتعديلها لتواكب الواقع المعاصر. ​لا يزال الصراع في فلسطين بين الأمة العربية والصهاينة على أشده وبلا هوادة، وتسيل الدماء يومياً غزيرة من أبناء شعبنا في فلسطين الكسيرة، ولكن دون تفريط في الحق السليب بشكل نهائي. ورغم الاعتراف المتبادل بين بعض النظم العربية والصهاينة، ورغماً عن اتفاقيات السلام الموقعة، فإن ملايين المشردين الذين أُخرجوا من ديارهم بقوة السلاح لا يزالون يحلمون بالعودة إلى أرض الوطن، يراودهم الأمل يوماً ما طال الزمان أو قصر [1]. ​إن الصهاينة الذين اعتمدوا في احتلالهم للأرض على القوة الغا...

سقوط الأقنعة وخراب الهيكل: قراءة قومية تقدمية في شهادة ثروت الخرباوي على مطبخ الإخوان بقلم: الناصر خشيني

    مقدمة في التوقيت الإقليمي والدولي الراهن، ومواجهةً لمشاريع تفتيت الجغرافيا العربية وسلب إرادتها الوطنية، تبرز الحاجة المعرفية الملحة لتفكيك البنى السرية لجماعات الإسلام السياسي التي شكلت دائماً كابحاً أمام النهوض التاريخي للأمة. من هنا، يأتي هذا المقال المرسل بالتزامن الى "الحوار المتمدن" بمنبريته التقدمية التنويرية، و"رأي اليوم" بمنبرها القومي التحرري ولمواقع اخرى ليقدم قراءة سياسية وفكرية في عمق "المطبخ الداخلي" لحركة الإخوان المسلمين، مستنداً إلى شهادة القيادي السابق ثروت الخرباوي ، كأداة تعرية لأقنعة الزيف وبوابة لإعادة الاعتبار لمشروع الدولة الوطنية التقدمية. لم تكن معركة الفكر القومي التقدمي يوماً مجرد خصومة سياسية عابرة مع جماعات الإسلام السياسي، بل هي معركة وجودية بين مشروعين لا يلتقيان: مشروع الدولة الوطنية الساعي نحو التحرر، والسيادة، والتقدم، ومشروع أممي ظلامي يستهدف تفتيت الجغرافيا وتمزيق الهوية العربية لصالح ولاءات مشبوهة عابرة للحدود. وفي هذا السياق، تكتسب الشهادات القادمة من داخل "المطبخ الداخلي" لهذه الجماعات قيمة استثنائية، ل...