مقدمة
حين تُسأل الجغرافيا عن أصل العرب، تُشير إلى اليمن. وحين يُسأل التاريخ عن أول حضارة نهضت في الجزيرة، يُشير إلى سبأ ومعين وحِمير. ومن هذا اليمن، الذي قدّم للعرب أصلهم الأول، أرادت عواصم النفط أن تجعل ساحة للتجريب العسكري ومختبراً للهيمنة، فما أفلحت في الأولى ولا في الثانية.
أولاً: حرب بلا سند أخلاقي
منذ مارس 2015 تقود السعودية تحالفاً عربياً تحت لافتة "إعادة الشرعية". لكن أي شرعية هذه التي لا تعيش إلا في فنادق الرياض؟ وأي شرعية تحتاج إلى مئات الآلاف من الغارات لتستعيد بلداً من أهله؟ الشرعية الحقيقية تنبع من الناس لا من الطائرات، ومن الأرض لا من الفنادق.
وقد دفع اليمنيون الثمن كاملاً: مدنيون قُتلوا في الأسواق والأعراس والمدارس، وحصار خنق الموانئ والمطارات، ومجاعة صنّفتها الأمم المتحدة مراراً من أسوأ الكوارث الإنسانية في العصر الحديث، وأوبئة نهشت الأجساد التي أنهكها الجوع. هذا هو الإنجاز الأخلاقي الوحيد الذي يمكن أن ينسبه التحالف لنفسه.
ثانياً: غزة تكشف الحقيقة
جاء طوفان الأقصى ثم حرب الإبادة على غزة، فانكشفت المواقف كما تنكشف الصخور حين ينحسر الماء. أغلقت أنظمة كثيرة حدودها وصمتت، وأخرى مضت في التطبيع كأن شيئاً لم يكن، وأخرى اكتفت ببيانات القلق.
أما اليمن، المحاصر والجائع والمثخن بسنوات الحرب، فقد أغلق البحر الأحمر في وجه سفن الاحتلال وأخرج الكيان من حساباته الملاحية. ومهما اختلف المرء مع الحوثيين سياسياً وأيديولوجياً، فمن العمى ألا يرى أن هذا الموقف لامس وجدان الشارع العربي من المحيط إلى الخليج. وأن يصمد بلد منهك أمام تحالف خليجي سنوات طويلة، ثم أمام ضربات أمريكية وإسرائيلية، فتلك حقيقة سيسجلها التاريخ ولن تمحوها البيانات الرسمية.
ثالثاً: من فشل في الإخضاع إلى الرهان على الفتنة
حين عجزت القوة العسكرية المباشرة، تتجه الأنظار، بحسب ما يتردد من معطيات وتحذيرات، إلى خيار أخطر: خيار الفتنة. فهناك مخاوف جدية من محاولة إعادة تدوير المقاتلين المتطرفين الذين خرجوا من الساحة السورية ودفعهم إلى الجبهة اليمنية، وقد يُستعان في ذلك بتحالفات إقليمية مع أنقرة وإسلام آباد. وهو سيناريو إن صحّ، فإنه ينقل اليمن من حرب سياسية وعسكرية إلى حرب طائفية.
والطائفية هي السلاح الذي لا يُغمد بعد أن يُشهر. هي الحريق الذي يبدأ بحساب وينتهي بلا حساب، ولا ينجو منه من أشعله. وقد رأينا في العراق وسوريا ولبنان كيف تتحول الفتنة من أداة إلى قدر، ومن ورقة ضغط إلى مقبرة جماعية.
رابعاً: من المستفيد؟
سؤال بسيط جوابه أبسط: لا أحد في المنطقة يربح من حرب طائفية في اليمن سوى الكيان الصهيوني وراعيه الأمريكي. فكل رصاصة تُطلق بين عربيين هي رصاصة لا تُطلق على الاحتلال، وكل مليار يُنفق على تدمير صنعاء هو مليار حُرم منه بناء الإنسان العربي. وكل جبهة تُفتح بين المسلمين تُغلق جبهة عن العدو.
إن الكيان لا يحتاج أن يحارب اليمن بجيشه ما دام هناك من يحاربه نيابة عنه، وبأموال العرب، ودماء العرب، وعلى أرض العرب.
خامساً: حرب بلا أفق
لقد جرّبوا القصف فلم يُركِع، وجرّبوا الحصار فلم يُجوِّع الإرادة، وجرّبوا التحالفات فتشظّت. والتاريخ يعلّمنا أن الحروب التي لا أفق سياسياً لها لا تنتهي بانتصار أحد، بل بإنهاك الجميع. وكل هدف رُفع شعاراً لهذه الحرب سقط واحداً بعد الآخر: لا شرعية عادت، ولا أمن تحقق، ولا خطر زال. بقي شيء واحد فقط: أطلال تتسع، وأجيال تُهدر، واقتصاد ينزف.
سادساً: الطريق الوحيد
الحل ليس في مزيد من الدم ولا في استيراد المقاتلين ولا في تحريك الفتن، بل في طاولة حوار يمنية يمنية، برعاية عربية صادقة، وبغطاء لا يتخذ من الطائفة غطاءً ولا من المذهب سلاحاً. حوار يعترف بأن اليمن لأهله جميعاً، وأن لا غالب ولا مغلوب حين تكون الأرض واحدة والمصير واحداً.
وعلى الأنظمة التي أنفقت المليارات في تدمير اليمن أن تنفق جزءاً منها في إعماره، فذلك أنفع لها وأصون لمستقبلها. فمن يزرع الخراب في جواره لا يأمن أن يحصده على عتبة بيته.
خاتمة
اليمن لن يُكسر، فهو أقدم من الحروب التي شُنّت عليه، وأصلب من الحصار الذي ضُرب حوله. وستمضي هذه الحرب كما مضت غيرها، وسيبقى السؤال معلقاً في عنق من أشعلوها: بأي ذنب قُتل هؤلاء؟ وماذا جنت الأمة من كل هذا الدم؟

تعليقات
إرسال تعليق