قائمة المدونات الإلكترونية

الخميس، 9 يوليو 2026

أم الفحم.. قلعة المثلث ورمز الرباط بوجه التهويد داخل الخط الأخضر بقلم الناصر خشيني



تاريخ المدينة
تربض مدينة أم الفحم الشامخة فوق جبال أم الفحم والمثلث الشمالي في فلسطين المحتلة عام 1948 (داخل الخط الأخضر) كواحدة من أكبر وأعرق المدن الفلسطينية. تعود تسميتها التاريخية بوفرة أشجار الفحم الخشبي التي كانت تميز جبالها كمركز اقتصادي وتراثي أصيل. حظيت المدينة عبر التاريخ بموقع استراتيجي يشرف على مرج ابن عامر ووادي عارة التاريخي. ورغم وقوعها تحت نير الاحتلال المباشر وسياسات الحكم العسكري بعد النكبة، إلا أن أم الفحم أبت إلا أن تحافظ على هويتها العربية الإسلامية وكنعانيتها الأصيلة.
أهم معالمها
تتميز أم الفحم بمعالمها الطبيعية والروحية الفريدة، وفي مقدمتها "جبل اسكندر" الشاهق الذي يعد أعلى قمة في المنطقة ويمثل رمزاً لشموخ المدينة. وتضم المدينة مساجدها التاريخية العتيقة كمسجد المحاجنة ومسجد الملساء، و"صرح شهداء الروحة" الأثري، بالإضافة إلى معالم وادي عارة والقرى التراثية المحيطة بها التي تعكس تجذر الإنسان الفلسطيني في أرض الآباء والأجداد ورفضه للاقتلاع.
صمودها ودورها النضالي والتاريخي
تُمثل أم الفحم رأس الحربة وقلعة الصمود الباسلة لفلسطينيي الداخل المحتل عام 1948 في مواجهة الغطرسة الصهيونية؛ لتثبت للعالم أجمع أن الفلسطيني يواجه آلة الطمس والتهويد بذات البأس سواء كان في الضفة وغزة أو داخل الخط الأخضر. تجلى دورها النضالي الرائد في انتفاضة الروحة عام 1998، وهبة القدس والأقصى عام 2000، حيث قدمت المدينة مواكب من الشهداء والجرحى دفاعاً عن المسجد الأقصى المبارك وهويته العربية. إن أم الفحم هي المدرسة التي انطلقت منها شعارات "الأقصى في خطر"، وتقف اليوم بكل كبرياء سداً منيعاً ضد مشاريع الترحيل والتهجير ومحاولات طمس اللسان العربي.
خاتمة
تبقى أم الفحم قلعة المثلث النابضة بالتحدي والإباء؛ فجبالها الخضراء ومآذنها الشامخة تؤكد للاحتلال في كل يوم أن الهوية العربية الفلسطينية داخل الخط الأخضر لا تقبل التذويب أو الانكسار، وأن أم الفحم ستظل دائماً حارسة الوعي وبوصلة الرباط التي لا تحيد عن القدس وفلسطين.


 


أم قصر.. ثغر العراق الباسل وبوابة الصمود الأسطوري عام 2003 بقلم الناصر خشيني



تاريخ المدينة
تقع مدينة أم قصر في أقصى جنوب العراق بمحافظة البصرة، وهي الميناء البحري الحقيقي والوحيد للعراق على مياه الخليج العربي. تميزت المدينة تاريخياً بموقعها الجيوسياسي الحساس للغاية، حيث تمثل الرئة التي يتنفس منها الاقتصاد العراقي وبوابته الاستراتيجية نحو العالم الخارجي. ورغم أن تاريخها كميناء حديث يعود إلى منتصف القرن العشرين، إلا أن أرضها شهدت عبر العصور رباطاً عسكرياً وتجارياً لحماية ثغور بلاد الرافدين من الغزوات والأطماع البحرية، مستمدة أصالتها من تاريخ البصرة العظيم.
أهم معالمها
يتربع "ميناء أم قصر" بأرصفته الضخمة وممراته المائية كأهم معلم استراتيجي وحضاري للمدينة، وهو الشاهد على صراع الإرادة والسيادة الوطنية. وتضم المدينة "القصر التاريخي" القديم الذي نُسبت إليه التسمية (والذي بناه الشيخ أحمد بن رزق في القرن الثامن عشر)، بالإضافة إلى المنشآت البحرية العسكرية والتجارية والأحياء السكنية الأبية التي تحيط بهذا الثغر البحري المتميز.
صمودها ودورها النضالي والتاريخي
سطرت أم قصر معجزة عسكرية وصموداً أسطورياً أذهل العالم في مارس 2003 إبان الغزو الأمريكي-البريطاني للعراق. فحين ظنت قوات التحالف المدججة بأحدث آلات الموت أن الميناء والبلدة الساحلية الصغيرة سيسقطان في غضون ساعات، واجههم أبطال الميناء والجيش العراقي والمقاومة الشعبية ببأس شديد لا يخطر على بال. نجحت هذه القلة المؤمنة في إيقاف الزحف والاجتياح البري والبحري لقوات النخبة الأمريكية والبريطانية لمدة نصف شهر كامل (قرابة 15 يوماً) من القتال الشرس من بيت إلى بيت، متكبدين خسائر فادحة، ومحطمين كبرياء خطط الغزو السريع، لتصبح أم قصر رمزاً عالمياً لثبات الثغور بوجه الجيوش العظمى.
خاتمة
إن أم قصر تظل النموذج الحي للمدينة الصغيرة بجغرافيتها، العملاقة ببطولاتها وعنفوانها؛ فمياه الخليج التي تلامس أرصفتها الصامدة تحمل في طياتها حكاية الأسبوعين الخالدين اللذين أثبتا أن بوابات العراق لا تُفتح إلا بدماء الأبطال، وأن أم قصر ستبقى فخراً للأمة ومقبرة لغرور الغزاة

الأربعاء، 8 يوليو 2026

​إثيوبيا وتحدي الأمن القومي العربي بقلم: الناصر خشيني


    مقدمة

​تخوض الأمة العربية في مرحلتها الراهنة صراعاً وجودياً متعدد الجبهات، لا يقتصر على مواجهة الغزوات الخارجية المباشرة، بل يمتد إلى جبهات الإقليم وجوارنا الجغرافي الذي يجري توظيف بعض أطرافه كأدوات وظيفية لمحاصرة الأمن القومي العربي وتفتيت ركائزه. وفي هذا السياق الجيوسياسي، يبرز الدور الإثيوبي الراهن ليس كمجرد خلافات حدودية أو تنموية عابرة، بل كحلقة أساسية في استراتيجية معادية تستهدف عمق الأمة العربية، من حوض النيل إلى القرن الإفريقي، وصولاً إلى قلب السودان الشقيق.
​أولاً: إقليم الأوغادين.. تاريخ من التوسع الإمبريالي والإنكار الحضاري
​إن قراءتنا القومية والتقدمية للتاريخ تنطلق من الإيمان بحق الشعوب في تقرير مصيرها ورفض الهيمنة. ومن هذا المنطلق، يمثل إقليم الأوغادين أرضاً عربية الهوى والهوية، جرى اقتطاعها وإلحاقها بإثيوبيا في سياق التوازنات الاستعمارية القديمة التي استهدفت تمزيق الفضاء العربي والإسلامي في القرن الإفريقي. إن استمرار السيطرة الإثيوبية على هذا الإقليم يمثل إرثاً توسعياً يرفض الاعتراف بالحقوق التاريخية والحضارية لأبناء المنطقة، ويشكل خلفية أيديولوجية وسلوكية تحكم العقلية السياسية الحاكمة في أديس أبابا حتى اليوم.
​ثانياً: سد النهضة.. الإرهاب المائي وأدوات خنق دول المصب
​لم يعد العدوان يقتصر على الجغرافيا، بل تحول إلى محاولة للتحكم في شريان الحياة الوجودي للأمة. إن إصرار النظام الإثيوبي على بناء "سد النهضة" وفرض سياسة الأمر الواقع عبر عمليات الملء الأحادية، متجاوزاً الحقوق التاريخية المكتسبة لشعبي مصر والسودان، لا يمكن توصيفه إلا كـ"إرهاب مائي".
إن هذا السد، الذي يحظى بدعم وتمويل صامت من قوى الإمبريالية العالمية، لا يستهدف التنمية كما يزعم الخطاب الرسمي لأديس أبابا، بل يستهدف رهن الإرادة السياسية للقاهرة والخرطوم، وتحويل المياه إلى سلاح استراتيجي لابتزاز الدولة الوطنية العربية وخنق قدراتها الاقتصادية والبشرية.
​ثالثاً: تفكيك السودان.. دعم المليشيات كأداة لضرب الدولة الوطنية
​في إطار الرؤية القومية الشاملة، ندرك أن استهداف أي قطر عربي هو استهداف للمنظومة القومية بأسرها. ومن هنا، يأتي الدور الإثيوبي المشبوه في الأزمة السودانية عبر تقديم الدعم والغطاء لمليشيا الدعم السريع المتمردة. إن هذا التدخل السافر لا يمثل مجرد انحياز سياسي، بل هو مساهمة فعلية في تدمير مؤسسات الدولة الوطنية السودانية وتفتيت نسيجها الاجتماعي. والهدف من وراء ذلك هو إبقاء السودان في حالة سيولة أمنية وضعف دائم، بما يضمن تحييده عن معركة الدفاع عن الأمن المائي العربي، ويخلق حزاماً من الفوضى على حدود مصر الجنوبية.
​رابعاً: التحالف الإثيوبي الصهيوني.. الطوق المخترق للأمة
​يتجلى البُعد الأكثر خطورة في المشهد الاستراتيجي عند تفكيك العلاقات العضوية والمتطورة بين إثيوبيا والكيان الصهيوني. إن هذا التحالف يمثل التطبيق العملي لما يُعرف في العقيدة الأمنية الصهيونية بـ"استراتيجية المحيط" (تطويق العالم العربي من خلال بناء تحالفات مع دول الجوار غير العربية).
إن التعاون العسكري والأمني والتكنولوجي بين أديس أبابا وتل أبيب ــ خاصة في مجالات الاستخبارات وإدارة الموارد المائية وحماية المنشآت الحيوية ــ يؤكد أن النظام الإثيوبي بات يمثل منصة متقدمة للمشروع الصهيوني-الإمبريالي في منطقة البحر الأحمر وباب المندب وحوض النيل، وهو ما يجعله في خندق المجابهة المباشرة مع طموحات أمتنا في التحرر والسيادة.
​خلاصة وموقف: نحو جبهة عربية لمواجهة التحديات الإقليمية
​بناءً على هذه المعطيات التي لا تقبل التجزئة، فإن إثيوبيا بسياساتها الراهنة تضع نفسها في موقع "الجوار المعادي" للأمة العربية. وإن مجابهة هذا التهديد الوجودي تتطلب تجاوز السياسات القُطرية الضيقة بردود أفعالها المؤقتة، والذهاب فوراً نحو صياغة استراتيجية قومية موحدة وتكاملية.
إن الفكر التقدمي يفرض علينا تفعيل كافة عناصر القوة العربية ــ السياسية والاقتصادية والدبلوماسية والشعبية ــ لدعم صمود مصر والسودان، وحماية الحقوق التاريخية، والوقوف بحزم ضد مشاريع التفتيت والتحالفات المشبوهة، صوناً لكرامة الأمة ومستقبل أجيالها.


 

​السودان الجريح: الحرب المنسية ومؤامرة الحصار والتفتيت ​بقلم: الناصر خشيني

 

  مقدمة: ​بينما تتجه أنظار الإعلام العالمي والمحلي بشكل مكثف وصاخب نحو بؤر مشتعلة في الشرق الأوسط مثل غزة ولبنان، أو تتابع ارتدادات الحرب في اليمن، تقبع في الزاوية المعتمة من المشهد الدولي مأساة إنسانية وجيوسياسية تفوق في فظاعتها المادية والاجتماعية الكثير مما رصدته الكاميرات؛ إنها الحرب الأهلية في السودان. هذا الصراع المستمر لا يمثل مجرد نزاع داخلي على السلطة، بل هو مخطط ممنهج لحصار السودان، تفتيت بنيته الدولة، ومصّ مقدراته وثرواته لصالح أجندات إقليمية ودولية [1].
​فظاعة الجرائم: حرب أرقام مرعبة خلف جدار الصمت
​منذ اندلاع المواجهات، ارتكبت ميليشيات الدعم السريع، بقيادة محمد جانب دقلو (حميدتي)، فظائع ترقى إلى جرائم الحرب والتطهير العرقي. وتشير التقديرات الدولية المحدثة لعام 2026 إلى أن الحصيلة الحقيقية للضحايا قد تجاوزت 150,000 قتيل يشملون ضحايا المعارك المباشرة، والمجاعة والأوبئة الناتجة عن الحصار [2]، في حين وثقت نقابات الأطباء والمنظمات الميدانية أكثر من 40,000 جريح سقطوا بأسلحة الحرب والمقذوفات [3]. أما المفقودين والمحتجزين قسرياً فلا توجد إحصائية رسمية دقيقة تحصيهم بسبب انهيار المنظومة الأمنية، وسط توثيق آلاف الحالات من الإخفاء القسري والاختطاف [2].
​الأمر الأكثر مأساوية يتجلى في أزمة النزوح؛ حيث بات السودان يمثل أكبر أزمة نزوح داخلي وخارجي في العالم اليوم، بنزوح وتهجير ما يقرب من 14 مليون إنسان (منهم حوالي 11.5 مليون نازح داخلياً وأكثر من 3 ملايين لاجئ عبروا الحدود إلى دول الجوار) [4].
​الفاتورة التدميرية: سحق البنية التحتية والخدمية
​لم تكتفِ الميليشيات باستهداف الإنسان، بل شنت حرباً ممنهجة لتدمير مقومات الحياة، وهو ما تؤكده الأرقام والتقارير الأممية لعام 2026:
​المستشفيات والقطاع الصحي: تعرض القطاع الصحي لانهيار شبه كامل؛ حيث خرجت أكثر من 70% من مستشفيات السودان عن الخدمة نتيجة التدمير المباشر، أو القصف، أو النهب المحتوم من قبل ميليشيا الدعم السريع [5]. ووفقاً لمنظمة الصحة العالمية، تم رصد المئات من الهجمات المباشرة والمسلحة على المنشآت الطبية والعاملين فيها، مما جعل السودان يتصدر عالمياً المؤشر الجنائي لنسبة الوفيات الناتجة عن استهداف الرعاية الصحية [3].
​المدارس والتعليم: تحولت أروقة العلم إلى ساحات حرب أو ملاجئ بائسة؛ حيث تشير تقارير منظمة اليونيسف لعام 2026 إلى أن أكثر من ثلث مدارس السودان مغلقة تماماً، بينما تُستخدم 11% من المنشآت التعليمية المتبقية كمراكز إيواء مؤقتة للنازحين أو ثكنات عسكرية محتلة من قبل أطراف النزاع، مما حرم أكثر من 8 ملايين طفل سوداني من حقهم الأساسي في التعليم [6].
​المساكن والمرافق المدنية: تعرضت مدن كبرى بأكملها مثل الخرطوم، والـجنينة، والفاشر لدمار واسع جعل بعض أحيائها السكنية "غير صالحة للحياة" جراء القصف الجوي والمدفعي، واستهداف شبكات المياه ومحطات الكهرباء والأسواق المركزية كأداة لتجويع وتركيع السكان [6].
​المحور الإقليمي والدور الإماراتي: تحالف الحصار والمصّ
​لا يمكن فهم استمرارية وقوة ميليشيات الدعم السريع دون النظر إلى خطوط الإمداد والدعم اللوجستي والمالي والعسكري والسياسي المتدفقة إليها. تبرز دولة الإمارات العربية المتحدة في هذا السياق كلاعب رئيسي ومحرك أساسي خلف الكواليس؛ حيث تشير التقارير الدولية والتحقيقات الاستقصائية إلى دور أبوظبي في تزويد هذه الميليشيات بالأسلحة والعتاد المتطور (مثل المسيرات التي باتت تتسبب في 60% إلى 80% من قتلى الأطفال المدنيين مؤخراً) تحت غطاء المساعدات الإنسانية [6] [7]. الهدف من هذا الدعم يتجاوز النفوذ السياسي المباشر إلى الرغبة في السيطرة على موانئ السودان الاستراتيجية على البحر الأحمر، والاستيلاء على ثرواته الهائلة من الذهب والأراضي الزراعية الخصبة [7].
​تشاد وإثيوبيا: أدوات الاختراق الجغرافي
​لتمرير هذا المخطط، كان لا بد من وجود ممرات جغرافية وأدوات إقليمية مساعدة:
​تشاد: تحولت الأراضي التشادية، وبتواطؤ أو ضغوط على النخبة الحاكمة هناك، إلى الممر اللوجستي الأساسي والمطار الخلفي لتدفق الأسلحة الإمارتية المتجهة إلى دارفور لدعم ميليشيات حميدتي، مما جعل الحدود الغربية للسودان ثغرة برية تنزف منها سيادة الدولة [8].
​إثيوبيا: يتقاطع الموقف الإثيوبي مع أجندة إضعاف الدولة المركزية في السودان، مستغلاً الأزمة لتثبيت واقع جديد في ملفات الحدود (مثل منطقة الفشقة) وضمان تحييد السودان في ملف سد النهضة، فضلاً عن تقديم تسهيلات سياسية ودبلوماسية لقيادات الميليشيا [9].
​هذا التحالف الإقليمي يهدف بالدرجة الأولى إلى حصار السودان جغرافياً وسياسياً، ومنع قيام دولة قوية ومستقرة قادرة على حماية أمنها القومي وثرواتها، وبالتالي تسهيل عملية "مصّ" مقدرات هذا البلد العربي الأفريقي العريق [1].
​خاتمة
​إن الصمت الإعلامي والدولي المطبق تجاه ما يحدث في السودان يمثل تواطؤاً غير معلن يمنح القتلة والممولين مزيداً من الوقت لإتمام مخططهم. إن استعادة السودان لسلامته واستقراره تتطلب أولاً كسر حلقة الحصار الإقليمي، وفضح الأدوار التدميرية للقوى الخارجية التي تجعل من دماء الشعب السوداني وقوداً لأطماعها التوسعية والاقتصادية.
​الهوامش والمراجع:
​[1] المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات: تقارير تحليلية حول الأبعاد الجيوسياسية للصراع الممتد في السودان وأثر التدخلات الإقليمية على سيادة الدولة.
[2] صحيفة نيويورك تايمز (The New York Times) / شبكة بي بي سي (BBC): تقارير استقصائية وأممية محدثة تتبع الحصيلة الكلية التقديرية للوفيات الناتجة عن الصراع المباشر والمجاعة والأوبئة المصاحبة للحرب في السودان.
[3] منظمة الصحة العالمية (WHO): التقرير التحليلي للوضع الصحي العام في السودان (Public Health Situation Analysis - 2026)؛ توثيق الإصابات واستهداف الكوادر والمنشآت الطبية عبر نظام (SSA).
[4] المنظمة الدولية للهجرة (IOM) / شبكة الجزيرة الإعلامية: مرصد الحريات العامة وحقوق الإنسان - تقرير أرقام الأزمة الإنسانية للسودان (تحديثات 2026).
[5] لجنة الإنقاذ الدولية (IRC): تقرير "الأزمة في السودان: ماذا يحدث وكيف نساعد"، توثيق نسب دمار وانهيار المستشفيات والقطاع الصحي بنسبة تتخطى 70%.
[6] منظمة الأمم المتحدة للطفولة (UNICEF): البيانات الصحفية الصادرة في (أبريل ويوليو 2026) حول أعداد الأطفال الضحايا، ونسب استخدام الطائرات المسيرة، وإحصائيات إغلاق المدارس وخروجها عن الخدمة التعليمية.
[7] صحيفة وول ستريت جورنال (The Wall Street Journal): تحقيقات استقصائية موسعة كشفت بالخرائط والوثائق الدعم التسليحي الإماراتي السري لحميدتي ومسارات التهريب وشبكات الذهب.
[8] صحيفة لوموند الفرنسية (Le Monde): تقارير استقصائية ميدانية حول استخدام المطارات والحدود التشادية كممرات إمداد عسكري بدعم مالي إقليمي لصالح قوات الدعم السريع.
[9] مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية: دراسات مستفيضة حول الموقف الإثيوبي وتقاطع المصالح الإقليمية في ملفات الحدود والمياه وأثرها على تعميق الأزمة السودانية.

 

الثلاثاء، 7 يوليو 2026

سعد زغلول.. عبقرية الزعامة وهندسة ثورة الأمة ​بقلم الناصر خشيني

 



سلسلة مقالات: أعلام الأمة العربية - حركة التاريخ والوعي
​مقدمة
​لم يكن تاريخ مصر والمنطقة العربية في مطلع القرن العشرين مجرد تتابع للأحداث، بل كان مخاضاً عسيراً لولادة الوعي بالهوية الوطنية والسيادة الشعبية. وفي قلب هذا المخاض، برز اسم "سعد زغلول" ليس كقائد سياسي عابر، بل كحالة زعامة تاريخية فريدة نجحت في صهر أطياف الشعب المصري في بوتقة واحدة، محطماً جدران الانقسام الطائفي والطبقي. فكان بحق "زعيم الأمة" الذي نقل الفكر التنويري للأفغاني والشيخ محمد عبده من أروقة الجامع الأزهر وصفحات الصحف، إلى منصات القضاء، ووزارات الدولة، وأخيراً إلى بركان ثورة 1919 الشعبية العارمة.
​ بطاقة التعريف الشخصية والسياسية

 أولاً: الجذور والتعليم (تلميذ المصلحين وروابط الوعي)

​تجمع نشأة سعد زغلول بين دقة التكوين الأزهري وعصرية القانون والسياسة:

​البدايات الريفية والأزهر: نشأ سعد في أسرة ريفية مصرية بسيطة، وحفظ القرآن الكريم في كُتّاب القرية، ثم التحق بالجامع الأزهر عام 1873م، وهو التوقيت الأهم في حياته؛ حيث تلّقى العلم والنظرات الإصلاحية مباشرة على يد القطبين الكبيرين: جمال الدين الأفغاني والإمام محمد عبده. هذا التكوين غرس فيه شجاعة الكلمة، والقدرة على الخطابة، ورفض الجمود العقلي والسياسي.

​الانتقال للقانون: انفتح سعد على العلوم الحديثة، فدرس الحقوق وعمل بالمحاماة والقضاء، ولم يتوقف طموحه المعرفي حتى سافر إلى فرنسا وحصل على ليسانس الحقوق عام 1897م، مما منحه فهماً قانونياً ودستورياً عميقاً للمذاهب السياسية الغربية.

​ثانياً: التدرج الوظيفي والسياسي (رجل الدولة والمعارضة)

​قبل أن يصبح سعد زغلول قائداً شعبياً ومحركاً للثورة، صقلته خبرات وظيفية وتشريعية بالغة الأهمية داخل بنية الدولة المصرية:

​الصحافة: عمل محرراً ومشاركاً للشيخ محمد عبده في صياغة وتطوير جريدة "الوقائع المصرية"، مما أتاح له الاشتباك الباكر مع قضايا الوعي العام.

​المحاماة والقضاء: اشتغل بالمحاماة فبرز كخطيب ومجادل قانوني بارع، ثم عُين قاضياً بمحكمة الاستئناف وترقى في مدارج القضاء حتى أصبح مستشاراً، عُرف بنزاهته واستقلالية أحكامه.

​العمل الوزاري: تولى نظارة (وزارة) المعارف عام 1906م، وكان من أبرز إنجازاته خلالها مساهمته الفعالة في تأسيس الجامعة المصرية (جامعة القاهرة حالياً) كمنبر للعلم التنويري. ثم تولى وزارة الحقانية (العدل) عام 1910م.

​المواجهة التشريعية: في عام 1914م، انتُخب عضواً ثم رئيساً للجمعية التشريعية، ومن هذا المنبر قاد معارضة وطنية دستورية شرسة ضد السياسات الاستعمارية البريطانية، ليتشكل حوله التفاف وطني كبير.

​ثالثاً: ملحمة ثورة 1919 (من المنفى إلى الانفجار الشعبي)

​مع وضْع الحرب العالمية الأولى أوزارها، تحول سعد زغلول إلى الرمز المطلق للمطالبة بالاستقلال:

​تأليف الوفد: شَكَّل سعد مع رفاقه الخُلّص (أمثال عبد العزيز فهمي وعلي شعراوي) وفداً رسمياً لمقابلة المندوب السامي البريطاني، مطالبين بالسماح لهم بالسفر إلى "مؤتمر الصلح" في باريس لعرض القضية المصرية ونيل الاستقلال.

​الاعتقال والنفي الأول (الشرارة): رفضت سلطات الاحتلال البريطاني الطلب، وتوهمت أن اعتقال سعد ورفاقه ونفيهم إلى جزيرة مالطا في 8 مارس 1919م سيخمد الحركة الوطنية. لكن النتيجة جاءت عكسية؛ إذ انفجرت في اليوم التالي (9 مارس 1919م) ثورة شعبية زلزلت أركان الاحتلال. وشاركت فيها –لأول مرة بتلك الكثافة والوحدة– كافة طوائف وفئات الشعب من مسلمين وأقباط، ورجال وفلاحين وعمال، ولعبت المرأة المصرية دوراً تاريخياً بقيادة صفية زغلول.

​التراجع والنفي الثاني: تراجعت بريطانيا مرغمة وأفرجت عن الوفد وسمحت لهم بالسفر إلى باريس. ومع استمرار المناورات البريطانية وتمسك الشعب بزعيمه، أقدمت بريطانيا على نفيّه مجدداً عام 1921م إلى جزيرة سيشل، فتجدد البركان الشعبي والمقاطعة للبضائع الإنجليزية، مما أثبت لبريطانيا استحالة كسر إرادة الشعب الملتف حول زعيمه.

​رابعاً: رئاسة "وزارة الشعب" الدستورية والاستقالة الكبرياء

​أثمر الضغط الشعبي العارم والملحمة الوطنية عن مكاسب تاريخية:

​دستور 1923م: أُجبرت بريطانيا على إلغاء الحماية (ظاهرياً) وإصدار دستور جديد عام 1923م، والذي اعتُبر قفزة في الحياة النيابية والدستورية.

​وزارة الشعب (1924م): خاض حزب الوفد –الذي أسسه سعد زغلول ليمثل ضمير الحركة الوطنية– أول انتخابات برلمانية حرة، وحقق اكتساحاً وفوزاً ساحقاً. وشكل سعد زغلول أول وزارة برلمانية منتخبة في تاريخ مصر، عُرفت شعبياً وتاريخياً باسم "وزارة الشعب".

​الاستقالة والموقف المبدئي: لم تستمر الوزارة سوى شهور قليلة؛ ففي أواخر عام 1924م، عقب حادثة اغتيال السير "لي ستاك" (سردار الجيش المصري وحاكم السودان)، قدمت بريطانيا إنذاراً تعسفياً مهيناً يمس السيادة المصرية ومكانة مصر في السودان. رفض سعد زغلول كبرياءً وإيماناً بالسيادة الرضوخ للإملاءات، وفضّل تقديم استقالة حكومته على أن يوقع على صك التنازل.

​خامساً: الإرث والأثر الأكاديمي في حركة التاريخ

​ترجل الزعيم في 23 أغسطس 1927م، وشُيع في جنازة تاريخية لم تشهد البلاد لها مثيلاً، ونُقل جثمانه لاحقاً إلى ضريح ضخم في قلب القاهرة مصمم على الطراز الفرعوني، في دلالة رمزية على الهوية المصرية الضاربة في عمق التاريخ.

​الأثر التاريخي والنقدي لأطروحته:

​تأسيس مفهوم المواطنة: إن الأثر الأبقى لسعد زغلول هو ترسيخه لشعار "الدين لله والوطن للجميع"، صانعاً صيغة الوحدة الوطنية الكاملة بين المسلمين والأقباط، وهو المفهوم الذي حمى البنية الاجتماعية للبلاد لعقود طويلة.

​مأسسة الحركة الوطنية: عبر حزب الوفد، نقل سعد زغلول النضال من العمل الفردي أو السري النخبوي إلى العمل الحزبي الجماهيري المنظم.

​النقد التاريخي: يرى بعض المؤرخين والمحللين الأكاديميين أن سعد زغلول، بحكم تكوينه القانوني، كان يميل أحياناً إلى الحلول الدستورية والتفاوضية والرهان على القوانين الدولية (مثل مراهنته على مبادئ الرئيس الأمريكي ويسلون في مؤتمر الصلح)، وهي المبادئ التي صدمت الوفد بانحيازها للاستعمار، مما يوضح الفجوة بين الوعي القانوني للنخبة وواقع المصالح والموازنات الدولية الدولية.

​خاتمة المقال

​رحل سعد زغلول وظل "بيت الأمة" شاهداً على عصر من النضال والكبرياء. لقد أثبتت تجربة هذا القائد أن الزعامة الحقيقية ليست منصة تُمنح، بل هي نبض شارع وثقة شعب وإيمان مطلق بالحرية. صاغ بوطنيته الكاريزمية ملامح مصر الحديثة، ليستحق أن يظل في وجدان الأمة وعقل تاريخها: "زعيم الأمة الموحد".

​مراجع المقال للاستزادة والتوثيق:

​الرافعي، عبد الرحمن. ثورة 1919: تاريخ مصر القومي من سنة 1914 إلى سنة 1921، دار المعارف، القاهرة.

​العقاد، عباس محمود. سعد زغلول: سيرة وتحية، مؤسسة هنداوي.

​فرج، د. محمد توفيق. سعد زغلول وزعامة الأمة، دار الشروق، القاهرة.

​زغلول، سعد. مذكرات سعد زغلول (تحقيق د. عبد العظيم رمضان)، الهيئة المصرية العامة للكتاب.

​Vatikiotis, P. J. The History of Modern Egypt: From Muhammad Ali to Mubarak, Weidenfeld and Nicolson, London.


ط

النبطية.. مدينة الحسين وبوابة المقاومة وعنفوان جبل عامل بقلم الناصر خشيني



تاريخ المدينة
تُعد مدينة النبطية عاصمة جبل عامل والجنوب اللبناني، وهي حاضرة تاريخية وعلمية عريقة تمتد جذورها لقرون طويلة كمركز ديني وثقافي وتجاري أساسي في المنطقة. ارتبطت النبطية تاريخياً بروح الثورة والإباء المستمدة من الفكر الحسيني، وشهدت منذ القرن الماضي انطلاق حركات الوعي والتحرر ضد الاستعمار والمشاريع الاستسلامية. واجهت النبطية وطأة الاعتداءات الصهيونية المستمرة والغارات العنيفة منذ عام 1948، وظلت دائماً خط الدفاع الأول والحاضنة الشعبية والسياسية والفكرية الكبرى التي انطلقت منها أولى شرارات المقاومة المسلحة والمنظمة في الجنوب.
أهم معالمها
تتميز النبطية بمعالمها الحضارية والروحية الفريدة، وفي مقدمتها "النادي الحسينى الكبير" وساحة عاشوراء التي تحتضن أكبر وأقدم المراسم السنوية لذكرى استشهاد الإمام الحسين عليه السلام في لبنان لتكرس ثقافة رفض الظلم. وتضم المدينة "سوق النبطية الأثري" (سوق الإثنين) الذي يعكس أصالة العمارة التراثية والحركة التجارية التقليدية، وتحفها "قلعة الشقيف" (شقيف أرنون) التاريخية الشامخة فوق مجرى نهر الليطاني الشاهدة على تحطم الحملات الصليبية والغزوات عبر العصور.
صمودها ودورها النضالي والتاريخي
سطرت النبطية ملاحم من الصمود الأسطوري في وجه الغطرسة الإسرائيلية؛ وتجلى دورها النضالي الرائد في معركة 16 تشرين الأول 1983 الشهيرة، عندما انتفضت جماهير المدينة بصدورها العارية وزيتها المغلي ضد دورية عسكرية إسرائيلية تجرأت على تدنيس مراسم عاشوراء، لتشعل هذه المواجهة شرارة "الانتفاضة الشعبية المسلحة" التي دحرت الاحتلال عن صيدا وصور والنبطية لاحقاً. قدمت المدينة مواكب مهيبة من الشهداء القادة والاستشهاديين، ورغم المجازر الغادرة والنزيف والمستمر والألم الحاضر، ترفض النبطية الانكسار وتواصل دورها كشريان نابض للمقاومة وحارس أمين لعزة الوطن.
خاتمة
إن النبطية تظل التجسيد الحي للعلاقة الأبدية بين الفكر الحسيني الثائر وبندقية المقاوم الشريف؛ فمآذنها وقلاعها وسواعد أبطالها تؤكد للعالم أجمع أن جبل عامل لا يقبل المهانة، وأن النبطية كانت وستبقى عاصمة العنفوان، وقلعة التصدي التي لا تنحني مهما جارت عليها عواصف الأيام.


الخيام.. قلعة الصمود وسجانة الجلادين ومحطمة غطرسة المدرعات بقلم الناصر خشيني



تاريخ المدينة
تقع بلدة الخيام الشامخة في قضاء مرجعيون بمحاذاة الحدود مع فلسطين المحتلة وهضبة الجولان، وهي حاضرة جنوبية ضاربة في القدم تمتاز بموقعها الجغرافي والاستراتيجي البالغ الحساسية والجمال، حيث تشرف على سهل الخيام الخصيب ومزارع شبعا. عانت الخيام من نير الاحتلال الإسرائيلي المباشر وغير المباشر لعقود، وحاول العدو تحويلها إلى نقطة ارتكاز لكسر إرادة أهل الجنوب؛ غير أن هذه البلدة الأبية بقيت عصية على التدجين، وحافظت على روابطها العشائرية والوطنية الراسخة في عمق العروبة والإيمان.
أهم معالمها
يتربع "معتقل الخيام" الأثري كأبرز وأعظم معلم شاهد على التاريخ الأسود للاحتلال والتاريخ المجيد للمقاومة؛ حيث تحول هذا الحصن العسكري (الذي بني كأصل ثكنة فرنسية) إلى سجن رهيب ذاق فيه الأسرى الأحرار أبشع أنواع التعذيب قبل أن يحرره الشعب بأيديهم عام 2000. وتضم البلدة "تلة الحمامص" الاستراتيجية المشرفة، ومساجدها وكنائسها القديمة التي تعكس التلاحم الوطني، فضلاً عن نبع الدردارة الشهير وسهلها الأخضر الذي يروي حكاية العطاء والصمود البشري.
صمودها ودورها النضالي والتاريخي
سجلت الخيام اسمها بأحرف من نور ونار في وجدان الأمة من خلال صمودها الأسطوري ودورها النضالي الملحمي. وتجلى هذا العنفوان في حرب تموز 2006، عندما حاول العدو الصهيوني التقدم عبر آلته العسكرية الضخمة من محور الخيام باتجاه مرجعيون، فواجه أبطال المقاومة الإسلامية والشعبية البواسل المدرعات بأسلحتهم المضادة للدروع، وحولوا السهل المحيط بالبلدة إلى "مقبرة للميركافا" والآليات. قدمت الخيام قوافل تلو القوافل من الشهداء الجرحى والأسرى، ورغم التدمير المنهجي الكامل لأحيائها، بقيت البلدة واقفة تتحدى الطائرات والبوارج، ولا تزال في مواجهات اليوم جداراً دفاعياً صلباً يأبى الركوع والتركيع.
خاتمة
تظل الخيام نموذجاً للمدينة التي هزمت الجلاد وحطمت قيود الأسر؛ فركام معتقلها المدمر يحكي للأجيال كيف انتصر الدم على السيف وكيف فر المحتلون أذلاء، لتبقى الخيام دائماً قلعة للصمود العربي المشرق وبوابة للنصر النبيل على شريط الكرامة الجنوبي

بنت جبيل.. عاصمة التحرير ومقبرة "الميركافا" في تلال الجنوب بقلم الناصر خشيني

 


تاريخ المدينة
تربض مدينة بنت جبيل فوق تلال الجليل الأعلى في جنوب لبنان كواحدة من أعرق الحواضر التراثية والتاريخية في جبل عامل. تميزت المدينة عبر العصور بكونها مركزاً تجارياً وثقافياً نابضاً يربط جنوب لبنان بشمال فلسطين المحتلة، وعاشت محطات من النضال التاريخي ضد الانتداب الفرنسي والبريطاني. واجهت بنت جبيل لعقود مطامع العدو الصهيوني واحتلاله الشرس الذي بدأ عام 1978، لكنها حافظت على هويتها العربية وعقيدتها المقاوِمة، لتتحول بعد اندحار الاحتلال عام 2000 إلى "عاصمة التحرير"، والمدينة التي شهدت إعلان معادلة أن إسرائيل "أوهن من بيت العنكبوت".
أهم معالمها
يأتي "سوق الخميس" التاريخي في مقدمة المعالم التراثية والاقتصادية للمدينة، وهو سوق شعبي عريق يمتد لعمر مئات السنين ويمثل ملتقى لأبناء الجنوب وفلسطين. وتضم المدينة "صف الهوا" الأثري ومساجدها العتيقة التي تروي تجذر الإنسان العاملي في أرضه، بالإضافة إلى "ملعب المدينة البلدي" الذي شهد مهرجان الانتصار التاريخي عام 2000، وأحيائها التراثية التي أُعيد بناؤها بشكل أبهى بعد كل عدوان لتشهد على إرادة الحياة.
صمودها ودورها النضالي والتاريخي
سطرت بنت جبيل صفحات أسطورية من تاريخ الكفاح المسلح؛ وتجلى دورها النضالي الأبرز في "ملحمة بنت جبيل" خلال حرب تموز عام 2006. فحين حاولت قوات النخبة الإسرائيلية التقدم برياً لرفع علمها فوق المدينة للتعويض عن هزيمة عام 2000، تحولت أحياء بنت جبيل (مثل مربع التحرير ومثلث عيتا) إلى مصيدة ومقبرة لجنود الاحتلال ودبابات "الميركافا". قدمت المدينة مواكب من الشهداء الأبرار، ورغم الغارات التدميرية الشاملة والنزيف المستمر، بقيت بنت جبيل صخرة صلبة تحطمت عليها أوهام الغزاة، ولا تزال واقفة بكل شموخ تذود عن حياض الأمة.
خاتمة
تبقى بنت جبيل عاصمة التحرير عنواناً للبأس الحسيني الذي لا ينكسر؛ فترابها المخضب بدماء المقاومين الأبطال صاغ درساً بليغاً في أن الإرادة الحرة تصنع المعجزات، وأن بنت جبيل كانت وستبقى حصناً منيعاً على حدود فلسطين يحرس كرامة الأمة وإباءها

من القضايا المسكوت عنها:المدن والبلدات الصحراوية الخاضعة لسيطرة جبهة البوليساريو بقلم الناصر خشيني

 


مقدمة عامة عن الوضع الحالي
تسيطر جبهة البوليساريو فعليًا على الجزء من أراضي الصحراء الغربية الواقع شرق الجدار العسكري المغربي المعروف بـ"البِرْم"، وتُطلق على هذه المنطقة تسمية "المناطق المحررة" أو "المنطقة الحرة"، في حين يصفها المغرب بـ"المنطقة العازلة"¹. وهذا الخلاف في التسمية نفسه جزء من نزاع سياسي وقانوني أوسع لم يُحسم بعد حول مصير الإقليم.
تبلغ نسبة الأراضي الخاضعة لسيطرة البوليساريو نحو 30% من مساحة الصحراء الغربية الإجمالية، مقابل سيطرة مغربية على النسبة المتبقية البالغة نحو 70%، وهي نسب تكاد تكون ثابتة منذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في سبتمبر 1991². يمتد الجدار الفاصل بين الجانبين لمسافة تتراوح بين 2200 و2700 كيلومتر، وهو محاط بحقول ألغام، وتراقبه بعثة الأمم المتحدة لتنظيم الاستفتاء في الصحراء الغربية (مينورسو) على جانبيه³.
من الناحية السكانية، تُقدَّر أعداد سكان المنطقة الحرة بما بين 30 و40 ألف نسمة فقط، وهم في الغالب بدو رحّل يمارسون رعي الإبل التقليدي، إلى جانب عناصر جيش التحرير الشعبي الصحراوي، نظرًا لقسوة المناخ ووعورة المنطقة وانتشار الألغام فيها⁴. في المقابل، يعيش القسم الأكبر من اللاجئين الصحراويين، ويقدَّر عددهم بنحو 250 ألف شخص، في مخيمات تندوف بالجزائر⁵.
العاصمة المعلنة للجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية هي مدينة العيون، غير أنها تقع تحت السيطرة المغربية؛ لذلك اتُّخذت بئر لحلو عاصمة مؤقتة عند إعلان الجمهورية عام 1976، قبل أن تنتقل العاصمة المؤقتة رسميًا إلى تيفاريتي في 27 فبراير 2008، فيما تُدار الشؤون اليومية عمليًا من مخيمات تندوف⁶.
دوليًا، تعتبر الأمم المتحدة جبهة البوليساريو الممثل الشرعي للشعب الصحراوي، وتحظى الجمهورية الصحراوية باعتراف نحو 45 دولة عضوًا في الأمم المتحدة وبعضوية كاملة في الاتحاد الأفريقي⁷. غير أن مواقف عدد من الدول تطورت في الاتجاه المعاكس مؤخرًا: ففي يونيو 2025 غيّرت المملكة المتحدة موقفها لتؤيد مقترح الحكم الذاتي المغربي⁸، وفي أبريل 2025 كرر وزير الخارجية الأمريكي اعتراف الإدارة الأمريكية بالسيادة المغربية على الإقليم واعتبار مقترح الحكم الذاتي "الأساس الوحيد" لحل النزاع⁹، كما أعلنت مالي في أبريل 2026 دعمها لهذا المقترح وسحب اعترافها بالجمهورية الصحراوية¹⁰. في المقابل، أعلنت جبهة البوليساريو في نوفمبر 2020 إنهاء وقف إطلاق النار الذي كان ساريًا منذ 1991، وسجّلت الأمم المتحدة منذ ذلك الحين ما وصفته بـ"أعمال عدائية منخفضة الحدة" بين الطرفين¹¹.
ملاحظة منهجية: لا تتوفر إحصاءات سكانية أو مساحية دقيقة وحديثة لكل بلدة على حدة، كونها مناطق نائية شبه خالية من السكان المدنيين ولم تشهد تعدادًا رسميًا موثوقًا منذ عقود؛ لذا تبقى بعض الأرقام الواردة أدناه (خصوصًا الخاصة بعام 1975) أرقامًا تاريخية سابقة لاندلاع الحرب.
أكوانيت
مدينة تقع قرب الحدود الجنوبية الشرقية للصحراء الغربية مع موريتانيا، خاضعة لسيطرة جبهة البوليساريو، وتضم مقر بعثة مينورسو. استضافت احتفالات الذكرى 27 لاندلاع الكفاح المسلح في مايو 2000، وعرضًا عسكريًا في يونيو 2006، كما شهدت افتتاح مستشفى بتمويل باسكي ومحطة تحلية مياه بتمويل أندلسي ومركز اتصالات، إلى جانب وضع حجر أساس لمدرسة ومقر بلدية.
أمغالة
قرية تقع جنوب السمارة وغرب تيفاريتي، على بعد أميال من الحدود الموريتانية، من المناطق المحررة الخاضعة لسيطرة البوليساريو. شهدت مواجهات عدة بين المغرب والبوليساريو والجزائر خلال الحرب، من بينها المواجهة المباشرة الوحيدة بين الجيشين الجزائري والمغربي منذ 1963، في يناير وفبراير 1976. قُدّر عدد سكانها قبل الحرب بنحو 2000 نسمة (رقم تاريخي).
بئر لحلو (بير لحلو)
تعني تسميتها "مصدر المياه العذبة". في 27 فبراير 1976 أُعلنت منها الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية، واتُّخذت عاصمة مؤقتة حتى تحرير العيون، قبل أن تُنقل العاصمة رسميًا إلى تيفاريتي عام 2008. وهي مقر المنطقة العسكرية الخامسة، وشهدت احتفالات الذكرى 34 لتأسيس الجمهورية.
بئر تيريسيت
قرية صحراوية تحت سيطرة جبهة البوليساريو، من نقاط الوجود العسكري والمدني المحدود في المنطقة الحرة.
دوكاج
منطقة تقع جنوب الصحراء الغربية، في منتصف الطريق تقريبًا بين أكوانيت والجدار العسكري المغربي، تحت سيطرة جبهة البوليساريو.
مهيرس
منطقة تقع شمال الصحراء الغربية قرب الحدود مع موريتانيا، خاضعة لسيطرة البوليساريو، وبها مركز مراقبة تابع لمينورسو. وهي مقر المنطقة العسكرية الرابعة.
ميجك
منطقة في النصف الجنوبي من الصحراء الغربية تحت سيطرة البوليساريو وإشراف مينورسو. استضافت في مايو 2007 احتفالات الذكرى 34 لاندلاع الكفاح المسلح بحضور الرئيس الصحراوي ووفود أجنبية. وهي مقر المنطقة العسكرية الثالثة.
تيفاريتي
بلدة تقع بين السمارة (على بعد نحو 50 كم) وتندوف الجزائرية (نحو 90 كم). سمّتها البوليساريو العاصمة الثانية للجمهورية بعد بئر لحلو، ثم أصبحت رسميًا العاصمة المؤقتة منذ 27 فبراير 2008. بلغ عدد سكانها نحو 7000 نسمة عام 1975 (رقم تاريخي سابق للحرب)، تراجع بشدة بعد 1976، وتبادل الطرفان السيطرة عليها قبل أن تستقر بيد البوليساريو نهائيًا في مارس 1979. في 20 أغسطس 1991 قصف الطيران المغربي البلدة وآبار مياهها عشية وقف إطلاق النار. وهي مقر المنطقة العسكرية الثانية، ونُظّم فيها لأول مرة عرض عسكري لذكرى ميلاد الجمهورية.
زوك
منطقة تقع في الطرف الجنوبي من الصحراء الغربية قرب الحدود مع موريتانيا، ضمن أراضي البوليساريو، ومرتبطة باتفاق توأمة مع أربع مدن إسبانية. وهي مقر المنطقة العسكرية الأولى.
خلاصة
تبقى هذه البلدات جزءًا من "المنطقة الحرة" الخاضعة عمليًا لسيطرة جبهة البوليساريو منذ اتفاق وقف إطلاق النار عام 1991، وسط نزاع دولي مستمر حول الوضع القانوني للإقليم، وتحولات دبلوماسية متسارعة لصالح الطرح المغربي من جهة، وتصعيد عسكري متقطع منذ نهاية 2020 من جهة أخرى.
الهوامش
موسوعة ويكيبيديا الإنجليزية، مقال "Free Zone (region)".
موسوعة ويكيبيديا الإنجليزية، مقال "Western Sahara".
المرجع نفسه؛ وكذلك مكتبة مجلس العموم البريطاني (House of Commons Library)، ملف "Western Sahara".
منظمة حقوق الأقليات الدولية (Minority Rights Group)، صفحة "Western Sahara".
تقرير "In Limbo in the Saharan 'Free Zone'"، موقع ReliefWeb.
موسوعة ويكيبيديا الإنجليزية، مقال "Sahrawi Arab Democratic Republic".
المرجع نفسه.
مكتبة مجلس العموم البريطاني، ملف "Western Sahara" (تحديث 2026).
المرجع نفسه، نقلًا عن تصريحات وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، أبريل 2025.
راديو فرنسا الدولي (RFI)، تقرير بالفرنسية، 10 أبريل 2026.
مكتبة مجلس العموم البريطاني، ملف "Western Sahara" (تحديث 2026).

 

الإمام محمد عبده.. رائد التجديد الفقهي وهندسة الإصلاح المؤسسي ​بقلم: الناصر خشيني



سلسلة مقالات: أعلام الأمة العربية - حركة التاريخ والوعي
​مقدمة
​إذا كان الشرق قد استيقظ في القرن التاسع عشر على صيحات جمال الدين الأفغاني الثورية والسياسية، فإن تحويل تلك الصيحات إلى مشاريع عمل، ومناهج تعليم، وتجديد فقهي ومؤسسي على أرض الواقع، كان ثمرة العبقرية الهادئة لتلميذه البار الإمام الشيخ محمد عبده. فلم يكن الإمام مجرد عالم دين تقليدي، بل كان المجدد الفكري الأول الذي واجه جمود الماضي وتحديات الحداثة الغربية معاً، تاركاً أثراً عميقاً في مسار الفكر الإسلامي المعاصر عبر إصلاح التعليم، وتطوير القضاء، وتجديد مؤسسة الفتوى.
​أولاً: النشأة والتحول من الثورة إلى المؤسسة
​وُلد محمد عبده عام 1849 في دلتا مصر لأسرة فلاحية، وتلقى تعليمه في جامع السيد البدوي بطنطا ثم في الجامع الأزهر. عانى الإمام في بداياته من المناهج العقيمة القائمة على الحفظ والجمود، حتى التقى بالشيخ درويش خضر الذي حبب إليه التصوف المستنير، ثم جاء اللقاء الفاصل بالأفغاني ليفجر طاقاته العقلية.
​انخرط الإمام في العمل الحركي، وشارك أستاذه في تأسيس جريدة "العروة الوثقى" في باريس بعد نفيه إثر فشل الثورة العرابية (1882). إلا أن تجربة المنفى قادت الشيخ إلى قناعة تاريخية جديدة: "إن إصلاح الأمة لا يأتي بانقلابات سياسية فوقية، بل بإصلاح التعليم وتربية العقول وتجديد الفكر الديني من الداخل". ومن هنا، عاد إلى مصر ليبدأ رحلة الإصلاح المؤسسي الهادئ والطويل.
​ثانياً: رائد التجديد الإفتائي وعصرنة الفقه
​تجلت عبقرية الإمام محمد عبده عند توليه منصب "مفتي الديار المصرية" عام 1899م، حيث استمر في هذا المنصب ست سنوات كاملة حتى وفاته عام 1905م. ويُعد أول مفتٍ عام مستقل عن مشيخة الأزهر، محولاً الفتوى من مجرد نقل للنصوص القديمة إلى أداة لحل مشكلات العصر والتنمية الاقتصادية والاجتماعية.
​وإذا ألقينا نظرة تحليلية على تراثه الإفتائي، نجد تنوعاً هائلاً يعكس التزام الإمام بقضايا المجتمع الواقعية:
​الفتاوى المالية والاقتصادية (80% من نتاجه): بلغت فتاواه في هذا الباب 728 فتوى، شملت قضايا الوقف، والميراث، والمعاملات المالية كالبيع والشراء، والرهن، والإجارة، والوصاية، والشركة، واستقلال المرأة المالي والاقتصادي. وتميز بجراءة فقهية واقتصادية بالغة أثارت ضجة في عصره، مثل فتواه الشهيرة بتحليل أرباح وصناديق التوفير المودعة في مصلحة البريد (معتبراً إياها نوعاً من المضاربة الاستثمارية لا الربا المحرم)، فضلاً عن فتواه الجريئة بإباحة التصوير والنحت كوسيلة للعلم والفن والتوثيق لا للعبادة.
​الأحوال الشخصية وقضايا الأسرة: بلغت 100 فتوى، تناولت تنظيم الزواج، والطلاق، والنفقة، والإرضاع، والحضانة، ساعياً لحماية الأسرة والمرأة من التعسف في استخدام الحقوق الشرعية.
​الجنايات والقصاص: بلغت 29 فتوى ركزت على قضايا القود، والقتل، والقصاص بتدقيق قانوني وشرعي رفيع.
​موضوعات متنوعة: بلغت قرابة 87 فتوى أجاب فيها على نوازل العصر الفكرية والاجتماعية.
​ثالثاً: جهود إصلاح القضاء والأزهر والأثر الامتدادي
​لم يكتفِ الإمام بالفتوى، بل امتدت يده الإصلاحية إلى شرايين الدولة التعليمية والقضائية:
​إصلاح المحاكم الشرعية: قدم الإمام في عام 1899م "تقرير إصلاح المحاكم الشرعية"، وهو دراسة سوسيولوجية وقانونية عميقة لتطوير الجهاز القضائي، وتحديث صياغة القوانين، والارتقاء بأداء القضاة الشرعيين وتدريبهم.
​تحديث التعليم الأزهري: خاض معارك ضارية لإدخال العلوم الحديثة (كالجغرافيا، والتاريخ، والرياضيات، والعلوم الطبيعية) إلى مناهج الأزهر، محارباً التمذهب الضيق والجمود العقلي.
​الأثر والامتداد (مدرسة محمد عبده): ترك الإمام مدرسة فكرية تفرعت وتأثر بها نوابغ الأمة؛ فامتد أثره وتأثير تلميذه المقرب الشيخ مصطفى عبد الرازق (شيخ الأزهر لاحقاً) الذي قاد حركة تجديد الفلسفة الإسلامية والدفاع عن منهج أستاذه داخل أروقة الأزهر الشريف، كما تأثر به قادة الحركة الوطنية والاجتماعية كسعد زغلول وقاسم أمين.
​رابعاً: الثروة الفكرية والمؤلفات
​ترك الإمام محمد عبده مدرسة بيانية وفلسفية رفيعة المستوى، تجلت في مؤلفاته وتحقيقاته التي أعادت إحياء أمهات الكتب العربية بأسلوب عصري رصين، ومن أبرزها:
​في العقيدة والفلسفة والردود الحضارية:
​"رسالة التوحيد": صاغ فيها العقيدة الإسلامية بأسلوب عقلاني مبسط يبتعد عن تعقيدات المتكلمين الجافة.
​"الإسلام والنصرانية بين العلم والمدنية": صدر عام 1902م، وهو رد علمي وفلسفي عميق على أطروحات المؤرخ الفرنسي إرنست رينان وهانوتو، أثبت فيه أن الإسلام دين يحث على العلم والمدنية والتقدم.
​في البلاغة واللغة والأدب:
​تحقيق وشرح "دلائل الإعجاز" و**"أسرار البلاغة"** للإمام عبد القاهر الجرجاني (لإعادة بعث الذوق البلاغي العربي).
​شرح "نهج البلاغة" للإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه.
​شرح "مقامات بديع الزمان الهمذاني".
​في المنطق والتنظيم التنفيذي:
​تحقيق وشرح "البصائر النصيرية في علم المنطق" للطوسي.
​"تقرير إصلاح المحاكم الشرعية" سنة 1899م.
​تراثه الصحفي والوحدوي في مجلة "العروة الوثقى" بالاشتراك مع معلمه جمال الدين الأفغاني.
​الموسوعات التجميعية لأعماله:
​حظي تراث الشيخ بعناية فائقة من المحققين المعاصرين لإخراجه بدقة، ومن أهمها:
​"الأعمال الكاملة للشيخ محمد عبده" (في خمسة أجزاء)، بتحقيق المؤرخ والمفكر الدكتور محمد عمارة (نشر دار الشروق)، وهي الموسوعة الأعم التي جمعت شتات فكره وفتاواه.
​"سلسلة الأعمال المجهولة: محمد عبده"، بتحقيق الدكتور علي شلش (نشر دار رياض الريس)، والتي كشفت عن مقالات ورسائل نادرة للإمام.
​"ديوان الإمام محمد عبده"، بتحقيق الأستاذ ماجد صلاح الدين (نشر دار الفكر الإسلامي)، لتوثيق الجانب الأدبي والشعري في حياته.
​خاتمة المقال
​رحل الإمام محمد عبده عام 1905م، لكن معالمه الإصلاحية بقيت حية. لقد نجح في تقديم نموذج فريد للمسلم المعاصر: مستمسك بأصول دينه وعقيدته، ومنفتح على علوم عصره ومدنيته دون ذوبان أو تبعية. لقد أثبت بفتاواه ومواقفه أن الشريعة مرنة وقادرة على قيادة الحياة الاقتصادية والاجتماعية في كل زمان ومكان، ليظل إمام المجددين في العصر الحديث.
​مراجع المقال للاستزادة والتوثيق:
​عمارة، د. محمد. الأعمال الكاملة للإمام محمد عبده (خمسة أجزاء)، دار الشروق، القاهرة.
​شرف الدين، د. أحمد. فتاوى الإمام محمد عبده ومأثوراته الفقهية والشرعية.
​أمين، أحمد. زعماء الإصلاح في العصر الحديث، دار الكتاب العربي، بيروت.
​شلش، علي. سلسلة الأعمال المجهولة: محمد عبده، دار رياض الريس، بيروت.
​صلاح الدين، ماجد. ديوان الإمام محمد عبده، دار الفكر الإسلامي.


 



الاثنين، 6 يوليو 2026

السويس.. قلعة التصدي الباسلة ومقبرة العدوان الثلاثي بقلم الناصر خشيني



تاريخ المدينة
تُعد مدينة السويس المصرية، الرابطة بين البحر الأحمر وقناة السويس، واحدة من أعرق المدن الثغرية والاستراتيجية في العالم ومصر، وعُرفت قديماً باسم "القلزم". اكتسبت المدينة مكانة جغرافية وسياسية واقتصادية بالغة الأهمية كبوابة مصر الشرقية وملتقى للتجارة العالمية وقوافل الحجيج المتوجهة إلى الأراضي المقدسة. وتوالت عليها العصور، وظلت دائماً حجر زاوية في الدفاع عن العمق الاستراتيجي المصري، والمدينة التي صاغت بجهد أبنائها وتضحياتهم معالم السيادة والكرامة الوطنية.
أهم معالمها
يأتي "سد السويس" ومجرى "قناة السويس" العالمي كأبرز المعالم الاستراتيجية والاقتصادية للمدينة والشاهدة على صراع الإرادة والسيادة. وتضم المدينة "مسجد الغريب" الأثري (مسجد سيدي عبد الله الغريب) الذي يمثل رمزاً روحياً وتاريخياً ارتبط بحكايات الدفاع عن المدينة قديماً وحديثاً، بالإضافة إلى "بورتوفيق" التاريخية ومتاحف المدينة ومناطق الآثار الأيوبية والعثمانية التي تروي تجذر التاريخ العسكري والحضاري في هذه الأرض الطاهرة.
صمودها ودورها النضالي والتاريخي
سجلت السويس اسمها بأحرف من نار ونور في سجلات الشرف العربي عام 1956، عندما تحولت إلى قلعة عصية تكسرت عليها أوهام وغطرسة "العدوان الثلاثي" (البريطاني، الفرنسي، والإسرائيلي). انتفض أبناء السويس بـ "المقاومة الشعبية" الباسلة جنباً إلى جنب مع الجيش المصري، وخاضوا معارك فدائية شرسة في شوارع المدينة وضواحيها. وتوج هذا الصمود الأسطوري لاحقاً في معركة 24 أكتوبر 1973 الخالدة، حيث تحولت شوارع السويس إلى مقبرة لدبابات العدو وآلياته، ورفضت المدينة الاستسلام لتصنع يوماً وطنياً مجيداً يثبت أن إرادة الشعوب أصلب من الحديد.
خاتمة
إن السويس الباسلة تظل نموذجاً للمدينة التي واجهت المدافع بصدور عارية وحولت الحصار إلى انتصار؛ فمياه قناتها التي تتدفق بالخير تحمل في طياتها حكايات أبطال المقاومة الشعبية، لتظل السويس دائماً درع مصر الشرقي وحصناً منيعاً من حصون الكرامة والعروبة والإباء.

المهدية.. عاصمة الفاطميين الأولى وبانية القاهرة والمعز بقلم الناصر خشيني



تاريخ المدينة
تقع مدينة المهدية على شبه جزيرة ممتدة في شرق الجمهورية التونسية، وهي حاضرة تاريخية استثنائية أسسها الخليفة عبيد الله المهدي عام 303 هـ (916 م) لتكون العاصمة الأولى للدولة الفاطمية الناشئة في بلاد المغرب. اختير موقعها بعناية فائقة ليكون حصناً طبيعياً منيعاً وقاعدة بحرية كبرى انطلقت منها أساطيل الفاطميين لتوحيد الشمال الإفريقي. ومن رحم المهدية وبسواعد قادتها وجيوشها، رُسمت خطة التوجه شرقاً لفتح مصر وبناء مدينة "القاهرة" والجامع الأزهر على يد القائد جوهر الصقلي في عهد الخليفة المعز لدين الله الفاطمي، مما يجعل المهدية الجذع التاريخي الذي تفرعت منه قاهرة المعز.
أهم معالمها
يتربع "باب زويلة" (السقيفة الكحلة) كأعظم معلم تاريخي وحضاري للمدينة، وهو برج دفاعي وضخم يمثل المدخل الوحيد المؤدي إلى المدينة العتيقة عبر أسوارها الحصينة. وتضم المدينة "الجامع الكبير بالمهدية" الذي يتميز بهندسته الفاطمية الفريدة الخالية من المآذن التقليدية عند التأسيس، إلى جانب "البرج الكبير" (البرج العثماني) الشامخ على شواطئها، و"الميناء البونيقي القديم" الذي يحكي تاريخ الأمجاد البحرية العريقة للمدينة.
صمودها ودورها النضالي والتاريخي
شهدت المهدية تاريخاً حافلاً من الصمود الأسطوري في مواجهة الغزوات والحملات الاستعمارية الصليبية والأوروبية عبر العصور؛ وتجلى دورها النضالي في التصدي للحملات البحرية المستمرة من قِبل النورمان، والإسبان، وفرسان القديس يوحنا. ورغم الحصارات العنيفة ومحاولات التدمير والنسف التي تعرضت لها أسوارها التاريخية في بعض الفترات، رفضت المهدية الانكسار وحافظت على مكانتها كرباط بحري متقدم يحمي سواحل تونس وثغور الأمة الإسلامية، مجسدةً روح الثبات والذود عن حياض الوطن.
خاتمة
تظل المهدية عاصمة الفاطميين ومنبع المجد الشامخ عنواناً للأصالة والسيادة التي لا تزول؛ فجدران سقيفتها الكحلة تحكي للأجيال كيف تحولت شبه الجزيرة الصغيرة إلى مركز إمبراطورية كبرى بنت القاهرة ونشرت العلم، لتظل المهدية دائماً فخراً لأمتنا ومنارة للصمود عبر العصور.

جمال عبد الناصر: جدلية الوعي والممارسة في مسيرة قائد الأمة وباني نهضتها الحديثة بقلم: الناصر خشيني

نقف اليوم على أعتاب الذكرى الرابعة والسبعين لثورة الثالث والعشرين من يوليو (جويلية) 1952، وهي محطة لم تكن مجرد انقلاب عسكري تقليدي، بل كانت ...