قائمة المدونات الإلكترونية

السبت، 4 يوليو 2026

المشروع العروبي في تونس: مسار من الثعالبي إلى اليوم بقلم الناصر خشيني



مدخل
منذ تأسيس الدولة التونسية الحديثة، لم يكن الصراع السياسي فيها ثنائيًا بسيطًا بين "حداثة" و"تقليد"، بل كان صراعًا ثلاثي الأطراف: تيار حداثوي فرنكفوني تبنّى الدولة الوطنية القُطرية كإطار نهائي، وتيار إسلاموي رفع راية "الأصالة" كرد فعل هوياتي، وتيار عروبي-قومي رأى في تونس جزءًا من مشروع أوسع للأمة العربية، ودفع ثمن هذا الخيار دمًا وسجنًا وتغييبًا عبر عقود.
من الثعالبي إلى قصر هلال: التأسيس والانقسام الأول
أسّس عبد العزيز الثعالبي الحركة الوطنية التونسية على مرجعية عربية-إسلامية واضحة. لكن مؤتمر قصر هلال في مارس 1934 مثّل نقطة تحوّل حاسمة، حين شكّل الحبيب بورقيبة "الدستور الجديد" منفصلًا عن خط الثعالبي، ليؤسس تدريجيًا لمشروع أكثر ميلًا إلى النموذج الفرنسي في الإدارة واللغة والتعليم، مع احتفاظه بخطاب وطني في الشكل.
الصراع اليوسفي-البورقيبي: حين انقسمت الحركة الوطنية على نفسها
بعد اتفاقيات "الحكم الذاتي الداخلي" في يونيو 1955، رفض صالح بن يوسف، الأمين العام للحزب، ما اعتبره استقلالًا منقوصًا، ودعا إلى مواصلة المقاومة والالتحام بالثورة الجزائرية، مستندًا إلى خطاب عروبي ناصري صريح. تحوّل الخلاف إلى ما يشبه حربًا أهلية مصغّرة بين 1955 و1956، انتهت بطرد ابن يوسف من الحزب في مؤتمر صفاقس، ثم اغتياله في فرانكفورت عام 1961 وسط اتهامات وُجّهت لأجهزة الدولة التونسية بالتدبير.
المفارقة أن بعض من قمعوا اليوسفيين في البداية، كالمقاوم الأزهر الشرايطي الذي كُلّف بمواجهة أنصار ابن يوسف، انقلبوا لاحقًا على النظام نفسه بعد خيبة أمل من التهميش، فانضم الشرايطي إلى محاولة الانقلاب المكتشفة في ديسمبر 1962، وأُعدم رميًا بالرصاص في 24 جانفي 1963 مع اثني عشر آخرين. هذا يكشف أن دائرة القمع لم تكن محصورة في معسكر واحد، بل امتدت لتشمل حتى من ساندوا بورقيبة أولًا.
الجامعة التونسية: ساحة المواجهة الفكرية في السبعينات
مع بداية السبعينات، شكّل تيار الطلبة العرب التقدميين الوحدويين، المتبنّي لأدبيات "فلسفة الثورة والميثاق" الناصرية و"نظرية الثورة العربية" لعصمت سيف الدولة، القوة الفكرية والتنظيمية الأبرز في الجامعة التونسية. أمام هذا الحضور المسلّح بمنظومة نظرية متكاملة، وجدت الحركة الإسلامية الناشئة (حركة الاتجاه الإسلامي، ثم النهضة لاحقًا) نفسها في موقع الرد الهوياتي المضاد، لتبدأ مواجهة فكرية وتنظيمية طويلة داخل أسوار الجامعة انعكست لاحقًا على المشهد السياسي العام.حيث فشلت النهضة. في مواجهة هذا التيار فكريا فاتجهت للعنف 
قفصة 1980: حين انفجر الهامش
مثّل الهجوم المسلح على مدينة قفصة في جانفي 1980 لحظة كاشفة عن عمق التهميش الذي عاشته الجهات الداخلية منذ الاستقلال، رغم دورها التاريخي في المقاومة المسلحة، انتهت بإعدام عدد من المشاركين، وبقيت تعبيرًا عن غضب داخلي حقيقي وجد في الشعارات القومية والوحدوية إطارًا للتعبير عنه وقد وصف القوميون نظام بورقيبة وابن علي في ادبياتهم بكونه نظاما اقليميا رجعيا عميلا والثورة عليهما مشروعة 
من الاغتيالات إلى اليوم: استمرار الاستهداف
لم يتوقف استهداف الرموز القومية عند ستينيات وسبعينيات القرن الماضي. اغتيال محمد البراهمي، القيادي في حركة الشعب والمؤسس للتيار الشعبي ذات المرجعية الناصرية، في 25 يوليو 2013 على يد تنظيم متشدد، جاء في سياق موجة عنف سياسي طالت أيضًا الشخصيات اليسارية، وأعاد إلى الواجهة  موقع التيار القومي بين مطرقة الدولة العميقة وسندان التشدد الديني بحيث كان الحل الامثل لمشاكل تونس باعتبارها قطرا عربيا لا يمكن حل مشاكلها بمعزل عن امتها العربية الواحدة فمن الطبيعي ان يتم التركيز على القضية الفلسطينية فكانت مركزيتها وحضورها لدى العرب التونسيين من تاثير ذلك التيار القومي التقدمي العريق
بعد 2011: بين خيبة الثورة وتجربة قيس سعيّد
أفضت الفوضى التي اجتاحت المنطقة بعد 2011 (العراق، سوريا، ليبيا، اليمن، السودان) إلى مراجعة داخل التيار القومي نفسه لمسلّمات قديمة كانت تنظر بريبة إلى "الدولة القُطرية" كعائق أمام الوحدة. الخلاصة التي بلورتها هذه التجربة المريرة: الحفاظ على حدٍّ أدنى من تماسك الدولة الوطنية أفضل من مغامرة تفكك شامل لا يقود بالضرورة إلى مشروع وحدوي بديل، بل إلى فراغ يُستغل خارجيًا وداخليًا.
من هذا المنطلق، نظر جزء من التيار القومي التونسي إلى إجراءات 25 جويلية 2021 بعين إيجابية نسبيًا، باعتبارها كسرت هيمنة حركة النهضة دون الانزلاق إلى حرب أهلية. لكن التجربة تركت أيضًا علامات استفهام: غياب سند تنظيمي وشعبي منظّم لمسار الإصلاح، واستمرار قوة لوبيات المال والتهريب والاحتكار التي يوصف نفوذها بأنه أعمق وأكثر تجذرًا من أي حكومة أو رئيس عابر.
خاتمة: قراءة بين قراءات أخرى
هذا السرد يعكس بالأساس القراءة التي يتبناها التيار القومي العروبي لتاريخه الخاص، وهي قراءة لها سياقها ومنطقها الداخلي المتماسك. لكنها ليست القراءة الوحيدة الممكنة: فالتيار الفرنكفوني الحداثوي يرى في تجربة بورقيبة تحديثًا ضروريًا حمى تونس من مصير أنظمة عسكرية عربية أخرى، بينما يرى التيار الإسلاموي في نفسه ضحية قمع مزدوج من دولة "علمانية" ومن خصومه القوميين، لا شريكًا في مشروع واحد معهما. كما أن ربط التيارين الفرنكفوني والإسلاموي بمشروع يميني واضح المعالم بحيث ظهر ان هذين التيارين بعد الصدام مع الرئيس قيس سعيد لم يحاولا الالتحام بالجماهير العريضة للتغيير والعودة لاسطوانة العشرية السوداء والديمقراطية العرجاء التي راينا فصولا منها في تزوير الانتخابات بالمال والاعلام والاغتيالات للامنيين والعسكريين والسياسيين والمهزلة الكبرى التي كانت قائمة في مجلس النواب والتي راينا مخرجاتها المقززة بالصوت والصورة والنقل الحي المباشر  وانما اتجها للغرب قصد المساعدة على التخلص من اجراءات 25 جويلية وعودتهم للحكم وهذا ما لا يقبله القوميون في تونس ولا الجماهير الشعبية المتطلعة للتحرر من الهيمنة الاجنبية بكل اشكالها.

 

الاسكندرية.. عروس المتوسط ومنارة الفكر ومقبرة الحملات الاستعمارية بقلم الناصر خشيني



تاريخ المدينة
تأسست مدينة الاسكندرية على يد الإسكندر الأكبر عام 331 قبل الميلاد لتكون عاصمة لمصر ومحوراً للحضارة الهيلينيستية، والمدينة التي ربطت بين الشرق والغرب ثقافياً وتجارياً. حظيت المدينة بمكانة علمية وتاريخية عالمية لا مثيل لها عبر العصور، وفُتحت في عهد الخليفة عمر بن الخطاب على يد القائد عمرو بن العاص، لتتحول إلى ثغر إسلامي بحري عظيم، ومنارة للعلم والتجارة، والمدينة التي ألهمت الشعراء والكتاب وعُرفت دائماً بـ "عروس البحر الأبيض المتوسط".
أهم معالمها
تتربع "قلعة قايتباي" الشامخة على شاطئ البحر كأعظم شاهد عسكري وحضاري إسلامي، حيث بُنيت في مكان منارة الاسكندرية القديمة (إحدى عجائب الدنيا السبع). وتضم المدينة "مكتبة الاسكندرية الحديثة" التي أحيت مجد المكتبة القديمة كمركز إشعاع فكري عالمي، إلى جانب "عمود السواري" والمسرح الروماني، وتحفها مساجد أولياء الله الصالحين مثل جامع المرسي أبو العباس الذي يزين سماء الثغر بعمارته الأندلسية البديعة.
صمودها ودورها النضالي والتاريخي
شهدت الاسكندرية تاريخاً حافلاً من المقاومة الشعبية الشرسة ضد الغزاة؛ وتجلى دورها البطولي في التصدي للحملة الفرنسية عام 1798 بقيادة حاكمها المناضل محمد كُريّم الذي رفض الاستسلام ودافع عن مدينته حتى الشهادة. كما سطرت المدينة ملحمة صمود أسطورية في مواجهة القصف والعدوان البريطاني عام 1882، وانطلقت من شوارعها وجامعاتها حركات التحرر الوطني والعمالي ضد الاستعمار، لتؤكد الاسكندرية دائماً أنها ليست مجرد مصيف أو مدينة جمال، بل هي قلعة عسكرية وسياسية صلبة تحمي بوابة مصر الشمالية.
خاتمة
تبقى الاسكندرية مدينة تجمع بين رقة البحر وصلابة الحجر؛ أمواجها التي تداعب الشواطئ تحمل في طياتها قصص تحطم أساطيل الغزاة، ومكتبتها وقلاعها تؤكدان للعالم أن عروس المتوسط كانت وستظل منارة للفكر والحرية، وعصية على الانكسار أمام طغيان المستعمرين

 

حمص.. مدينة ابن الوليد وعنفوان التاريخ الشامخ في قلب الشام بقلم الناصر خشيني



 المدينة
تتربع مدينة حمص في منتصف الجمهورية العربية السورية كواحدة من أقدم المدن التاريخية في بلاد الشام والعالم، حيث تمتد جذورها إلى العهد الإيميسي والروماني عندما كانت مركزاً حضارياً ودينياً عظيماً أنجب أباطرة لروما. ومع الفتح الإسلامي بقيادة خالد بن الوليد، دخلت المدينة عهداً جديداً من المجد، وتوالت عليها العصور الأموية والعباسية والمملوكية، وظلت دائماً حجر الزاوية في الدفاع عن قلب الشام وعقدة المواصلات الاستراتيجية والتجارية التي تربط أطراف العالم العربي.
أهم معالمها
يأتي "جامع خالد بن الوليد" بمآذنه الشامخة وقبابه البيضاء وتصميمه المملوكي الفريد ليمثل الرمز والقلب النابض للمدينة، حيث يضم ضريح القائد الإسلامي الفذ. وتكتمل معالم حمص بـ "البلدة القديمة" وأسواقها التراثية المسقوفة مثل سوق القيصرية، و"كنيسة أم الزنار" الأثرية التي تعد من أقدم كنائس العالم، بالإضافة إلى "قلعة حمص" التاريخية الشاهدة على تعاقب الحضارات وصد الهجمات عبر القرون.
صمودها ودورها النضالي والتاريخي
سطرت حمص ملاحم بطولية في مواجهة الغزاة والمستعمرين عبر تاريخها الطويل؛ وتجلى دورها النضالي الحديث في مواجهة الاستعمار الفرنسي، حيث شارك أبناؤها ببسالة في الثورة السورية الكبرى، وقدمت المدينة قوافل من الشهداء دفاعاً عن استقلال وسورية وحريتها أولاً. وتاريخ حمص القديم والحديث مبني على عقيدة الثبات؛ فمثلما صمدت أمام حصارات التتار والمغول قديماً، بقيت في الوجدان العربي رمزاً للمدينة التي تمتلك قدرة أسطورية على التحدي، والحفاظ على هويتها العربية والإسلامية بوجه كل محاولات الطمس والكسر.
خاتمة
تبقى حمص "مدينة ابن الوليد" عنواناً للإقدام والأصالة التي لا تشيخ؛ فمآذنها العتيقة التي تعانق كنائسها تروي حكاية مدينة ترفض الانحناء، وتؤكد للأجيال أن حمص كانت وستبقى حصناً منيعاً من حصون الكرامة والعروبة في بلاد الشام.

الأنبار.. عرين الأسود وموطن العراقة والجهاد على ضفاف الفرات بقلم الناصر خشيني



تاريخ المدينة
تُعد محافظة الأنبار وعاصمتها التاريخية أكبر أقاليم العراق مساحة، وهي بقعة ضاربة في عمق الحضارات الإنسانية من العهد البابلي والآشوري، وتسميتها مشتقة من "الأنبار" باللغة العربية والتي تعني مخازن الحبوب والعتاد في العهد الساساني والعباسي. اتخذها الخليفة العباسي الأول أبو العباس السفاح عاصمة للخلافة الإسلامية قبل بناء بغداد. والأنبار هي موطن القبائل والعشائر العربية الأصيلة التي حفظت شيم النخوة والكرم وحمت البوابة الغربية للعراق وبلاد الرافدين عبر التاريخ.
أهم معالمها
تتميز الأنبار بمعالمها الحضارية والطبيعية الساحرة، وفي مقدمتها "نهر الفرات" الذي يشق أرضها ويروي بساتينها، و"نواعير حديثة" الأثرية الشامخة التي تمثل تحفة هندسية فريدة اخترعها الأجداد منذ آلاف السنين لرفع المياه. كما تضم المنطقة "قلعة هيت" التاريخية المبنية فوق تلة مرتفعة لحماية المدينة، بالإضافة إلى المساجد العتيقة والقصور الأثرية كقصر شمعون التي تروي تجذر الإنسان الأنباري في أرض الرافدين.
صمودها ودورها النضالي والتاريخي
سجلت الأنبار بمدنها وعشائرها صفحات من الفخر والبطولة في مواجهة الاحتلال الأمريكي منذ عام 2003؛ فكانت المحافظة بأكملها منبعاً شرساً للمقاومة الشعبية والمسلحة. من الفلوجة إلى الرمادي والقائم وهيت، انتفض أبناء الأنبار بأسلحتهم البسيطة وإيمانهم العقائدي ليزلزلوا الأرض تحت أقدام القوات الغازية في معارك طاحنة تفتتت فيها هيبة الجيش الأمريكي وتكبد فيها الخسائر الأكبر. هذا الدور النضالي التاريخي يثبت أن التركيبة العشائرية والوطنية لأهل الأنبار تمثل صمام أمان للأمة ورفضاً مطلقاً لسياسات الهيمنة والتركيع.
خاتمة
تظل الأنبار نموذجاً للشموخ العربي والأصالة القبلية التي لا تقبل المهانة؛ فصحراؤها الواسعة وبساتينها الخضراء تخفي خلف سكونها بأسا شديداً على الأعداء، لتبقى الأنبار دائماً سياج العراق المنيع وحصن العروبة والإباء

حادثة صنعاء وجنازة خامنئي: مؤشرات تصعيد أم إعادة ترتيب لموازين قائمة؟ بقلم الناصر خشيني


 أولاً: الوقائع كما جرت

فجر الجمعة 3 يوليو 2026، حطّت طائرة تابعة لشركة "ماهان الإيرانية" (رحلة IRM1199) في مطار صنعاء الدولي، في أول رحلة معلنة من طهران إلى العاصمة اليمنية منذ سنوات الحرب. الطائرة كانت تنقل، حسب بيان الحوثيين، أكثر من 200 يمني عالق ومريض، إلى جانب وفد لحضور جنازة المرشد الإيراني علي خامنئي، الذي اغتيل في ضربة أمريكية-إسرائيلية مشتركة بتاريخ 28 فبراير 2026.

أعلنت القوات المسلحة اليمنية (الحوثيون) أن تشكيلاً من الطيران الحربي السعودي حاول عند الساعة 5:20 فجراً منع هبوط الطائرة، وأنها ردت باستخدام صواريخ دفاع جوي أجبرت المقاتلات على مغادرة المجال الجوي. المتحدث العسكري يحيى سريع هدد بـ"رد شامل" يستهدف مطارات ومصالح سعودية حيوية في البر والبحر إذا تكرر أي "خرق" مماثل. هذه هي أول مواجهة جوية مباشرة منذ هدنة أبريل 2022 التي بقيت هشة لكنها صمدت نسبياً حتى الآن.

بالتوازي، تشهد طهران وبغداد والنجف وكربلاء ومشهد مراسم جنازة تمتد من 4 إلى 9 يوليو، وصفتها تقارير غربية بأنها "رسالة تحدٍ" لواشنطن، مع توقعات إيرانية رسمية بحضور ملايين المشيعين ومشاركة وفود من نحو 90 دولة.

ثانياً: كيف تقرأ إيران والحوثيون هذا المشهد

من زاوية طهران وصنعاء، حادثة صنعاء تمثل اختباراً للهيبة: طائرة مدنية إيرانية تهبط رغم اعتراض سعودي، والحوثيون يقدّمون ذلك كدليل على أن "الحصار" لم يعد مطلقاً، وأن الجهة التي تتحكم بالمجال الجوي اليمني هي صنعاء لا الرياض. تصريحات مسؤولين إيرانيين سابقة، مثل حديث علي أكبر ولايتي عن قدرة "المقاومة" على التأثير في مضيقي هرمز وباب المندب، تندرج في نفس المنطق: تحويل ممرات الطاقة والتجارة إلى أداة ردع لا تتطلب مواجهة عسكرية مباشرة مع القوى الكبرى.

ثانياً (ب): لكن الصورة أكثر تعقيداً من "انتصار كامل"

الحذر هنا ضروري، لأن السردية القائلة بأن "محور المقاومة" أصبح "مسيطراً على المضائق" و"فرض أجندته" وأن أمريكا وإسرائيل "خابت وذهبت قوتهما" تتجاوز ما تدعمه الوقائع المتاحة حتى الآن، لأسباب عدة:

حادثة واحدة لا تعني سيطرة: هبوط طائرة واحدة تحت حماية دفاع جوي، وسط تهديد بالتصعيد، هو حدث رمزي مهم لكنه ليس إغلاقاً فعلياً لباب المندب ولا لمضيق هرمز. التحليلات المتخصصة تصف "الورقة" الحوثية بأنها أداة ردع قائمة على التهديد أكثر منها إغلاقاً منفذاً بالفعل، وأن حتى التلويح بها يكفي لإرباك أسواق التأمين والشحن دون تنفيذ كامل.

كلفة إيران وحلفائها باهظة: خامنئي نفسه اغتيل، وإيران خسرت، بحسب تقديرات محللين عسكريين، بنية عسكرية وأمنية كبيرة في الحرب التي بدأت أواخر فبراير. هذا لا يتوافق مع صورة "قوة أمريكية وإسرائيلية ذهبت بالكامل".

رد الفعل السعودي لم يُحسم: "التحالف" توعّد برد "حازم وغير مسبوق" على أي تهديد لسيادته، وهذا يعني أن المواجهة لا تزال مفتوحة على التصعيد المتبادل، لا أنها انتهت لصالح طرف واحد.

قرارات دولية قائمة: مجلس الأمن سبق أن أدان أي تهديد لحرية الملاحة في هرمز أو باب المندب بأغلبية كبيرة (135 دولة راعية)، ما يعني أن أي إغلاق فعلي سيقابل بضغط دولي واسع، لا فقط أمريكي-إسرائيلي.

جنازة خامنئي نفسها تعكس هشاشة لا قوة مطلقة: التقارير تشير إلى تأجيلات متكررة لأسباب أمنية، وقلق من تكرار سابقة اغتيال إسماعيل هنية في ظروف مشابهة، وتردد وفود حزب الله والحوثيين في الحضور خوفاً من استهدافها. هذا مؤشر على أن الطرف الإيراني وحلفاءه ما زالوا يتصرفون من موقع حذر أمني شديد، لا من موقع تفوق ساحق.

ثالثاً: قراءات متعددة للمشهد الإقليمي

يمكن رؤية ما يجري من زاويتين متنافستين على الأقل، وكل واحدة لها من يدافع عنها:

الزاوية الأولى (رواية "محور المقاومة"): كل حادثة – هبوط طائرة، تهديد بإغلاق مضيق، ضربة صاروخية – تُراكم "معادلة ردع" جديدة تُقيّد حرية حركة السعودية وإسرائيل وأمريكا في المنطقة، وتُظهر أن التفوق التكنولوجي الغربي لا يترجم بالضرورة إلى حسم سياسي أو عسكري كامل.

الزاوية الثانية (رواية "التصعيد المحدود والمكلف"): هذه أحداث تصعيد تكتيكي ورمزي في صراع أطول وأكثر استنزافاً لجميع الأطراف، بما فيها إيران وحلفاؤها، الذين خسروا قيادات كبرى (خامنئي، سليماني سابقاً، وقادة آخرون) وبنية عسكرية مهمة. "التهديد" بإغلاق المضائق أداة ضغط تفاوضي أكثر من كونه إعلان سيطرة فعلية، ووجود حاملات طائرات أمريكية وحشد عسكري في المنطقة يعني أن موازين القوة التقليدية لم تُقلب.

الأرجح، بحسب متابعين للملف، أن الحقيقة تقع بين الروايتين: صنعاء وطهران تمكنتا من فرض تكلفة وحضور رمزي لا يمكن تجاهله، بينما لا تزال واشنطن والرياض وتل أبيب تحتفظ بقدرات عسكرية واقتصادية وازنة، والمواجهة أقرب إلى حرب استنزاف متعددة الجبهات مفتوحة النتائج، لا إلى معركة محسومة لأي طرف.

رابعاً: ما يستحق المتابعة القادمة

هل تتكرر الرحلات الإيرانية إلى صنعاء؟ الحوثيون أعلنوا أنهم سيواصلونها "مهما كانت النتائج"، وهذا سيحدد إن كانت الحادثة استثناءً أم بداية نمط.

رد السعودية العملي: هل يقتصر على تصريحات التهديد أم يتطور إلى إجراءات عسكرية أو دبلوماسية فعلية؟

مآل خلافة خامنئي: التسريبات تشير إلى مجتبى خامنئي كخيار مرجّح، وهذا سيؤثر على منهج إيران القادم في التعامل مع الملفات الإقليمية.

مسار المضائق: أي حادثة استهداف فعلي لسفن أو ناقلات في باب المندب أو هرمز، بخلاف التهديدات اللفظية، ستكون نقطة تحول اقتصادية عالمية حقيقية،

نواق الشط.. منارة الشناقطة وصحراء العلم والرباط الأبدي بقلم الناصر خشيني



تاريخ المدينة
رغم أن نواكشوط اختيرت عاصمة حديثة للجمهورية الإسلامية الموريتانية عام 1957 قبيل الاستقلال عن الاحتلال الفرنسي، إلا أن أرضها وجذورها ضاربة في عمق التاريخ العربي والإسلامي. فهذه البقعة الجغرافية المطلة على المحيط الأطلسي كانت مهد حركة "المرابطين" التاريخية بقيادة عبد الله بن ياسين في القرن الحادي عشر الميلادي، تلك الحركة التي انطلقت من رباطها الشهير لتوحيد بلاد المغرب ونصرة الأندلس. نواكشوط هي ابنة "بلاد الشناقطة"، الأرض التي حفظت الهوية العربية والإسلامية في قلب الصحراء الكبرى، وظلت همزة الوصل الحضارية بين شمال إفريقيا وجنوبها.
أهم معالمها
تتزين نواكشوط بـ "الجامع السعودي" (الجامع الكبير) بمآذنه الشامخة كمركز إشعاع ديني وروحي في قلب العاصمة. وتضم المدينة "سوق الصناعة التقليدية" الذي يختزل عبقرية الإنسان الموريتاني في صياغة الفضة والجلود، إلى جانب "المتحف الوطني" الشاهد على المخطوطات النادرة وتاريخ الشناقطة. وتكتمل اللوحة بـ "شاطئ الصيادين" النابض بالحياة، والذي يروي قصة التحدي والصمود البشري في مواجهة أمواج المحيط العاتية.    

صمودها ودورها النضالي والتاريخي
تجلت عبقرية الصمود في نواكشوط وأرض موريتانيا في معركة الدفاع عن الهوية العربية واللسان الفصيح ضد سياسات "الفرنسة" والطمس الثقافي التي مارسها الاستعمار الفرنسي لعقود. خاضت المحاظر (الجامعات الصحراوية التقليدية) في محيط نواكشوط معركة نضالية وفكرية شرسة، حيث قاوم العلماء والشعراء بالقرآن والوعي واللغة العربية، وحافظوا على عروبة هذه الأرض حتى أُعلنت نواكشوط عاصمة لدولة مستقلة استعادت مكانتها كمنارة علمية شامخة تأبى التبعية والانكسار.
خاتمة
تبقى نواكشوط مدينة تمزج بين شموخ الخيمة وأصالة العمارة الحديثة؛ فمن رمالها الساحرة انطلقت جحافل الفاتحين والمرابطين، وفي أزقتها يتردد صدى المليون شاعر، لتظل منارة للرباط العقائدي والعربي الذي لا تغيره عواصف الزمان.


فاس.. الحاضنة الإدريسية والمنارة العلمية الخالدة للأمة بقلم الناصر خشيني



تاريخ المدينة
تأسست مدينة فاس عام 182 هـ (789 م) على يد المولى إدريس الأول، لتكون عاصمة للدولة الإدريسية وأول عاصمة إسلامية في بلاد المغرب الأقصى. نمت المدينة وتطورت سريعاً لاسيما بعد وفود العائلات العربية من القيروان والأندلس (عدوة القرويين وعدوة الأندلس)، مما منحها طابعاً حضارياً وثقافياً فريداً. تعاقبت على حكمها الدول الإسلامية الكبرى كالمرابطين، والموحدين، والمرينيين، وظلت فاس لقرون طويلة المركز السياسي، والروحي، والعلمي للمغرب، وقلب العروبة النابض في شمال غرب إفريقيا.
أهم معالمها
يتربع "جامع وجامعة القرويين" كأعظم معلم حضاري وعلمي في فاس، وهي الجامعة الأقدم في العالم التي ما زالت تعمل حتى اليوم، وأسستها السيدة الفاضلة فاطمة الفهرية عام 254 هـ. وتضم المدينة "فاس البالي" (المدينة القديمة) المصنفة كأكبر منطقة مشاة في العالم بدون سيارات، بأزقتها الضيقة الملتوية ومدارسها التاريخية البديعة مثل المدرسة البوعنانية ومدرسة العطارين، فضلاً عن "باب بوجلود" الشهير والمصانع التقليدية لدباغة الجلود التي تعود لقرون مضت.
صمودها ودورها النضالي والتاريخي
لعبت فاس دوراً نضالياً وتاريخياً محورياً في قيادة المقاومة ضد الاستعمار الفرنسي والبلد يعيش تحت وطأة الحماية عام 1912؛ فحين انتفضت ساكنة المدينة في "أيام فاس الدامية" تنديداً بالاحتلال، تحولت شوارعها إلى ساحات مواجهة ورفض للاستعمار. وغدت جامعة القرويين معقلاً للحركة الوطنية وفكراً تنويرياً قاد معركة الدفاع عن الهوية العربية والإسلامية للمغرب، ومن أسوار فاس ورجالاتها صيغت "وثيقة المطالبة بالاستقلال" عام 1944، لتؤكد المدينة دورها التاريخي كقاطرة للحرية والسيادة الوطنية ورفض التبعية.
خاتمة
تبقى فاس رمزاً حياً لأصالة الأمة وعمقها المعرفي والديني؛ فمآذنها التي نشرت نور العلم في إفريقيا وأوروبا، هي ذاتها الحصون التي حمت الهوية العربية من الذوبان والفرنسة، لتظل فاس دائماً عاصمة الروح والعلم التي تثبت أن قوة الفكر والعقيدة أقوى من كل قوى الاستعمار.


طرابلس الغرب.. عروس البحر ومقبرة الغزاة الطامعين بقلم الناصر خشيني



تاريخ المدينة
تُعد طرابلس الغرب واحدة من أقدم المدن المأهولة في شمال إفريقيا، حيث أسسها الفينيقيون في الألفية الأولى قبل الميلاد لتكون محطة تجارية كبرى، وعُرفت تاريخياً بـ "أويا". تعاقب عليها الرومان، والبيزنطيون، وفُتحت في عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه لتتحول إلى ثغر إسلامي بحري عظيم. شهدت المدينة محطات صراع مريرة مع القوى الاستعمارية كفرسان القديس يوحنا والإسبان، وصولاً إلى العهد العثماني، حيث برزت كإحدى أقوى القواعد البحرية في حوض البحر الأبيض المتوسط وأكثرها مهابة.
أهم معالمها
تتربع "السرايا الحمراء" (قلعة طرابلس) كأعظم شاهد تاريخي وحضاري في قلب المدينة، وهي القلعة الحصينة التي عاصرت كل التحولات السياسية والعسكرية. وتضم المدينة "البلدة القديمة" بأسواقها المسقوفة والتقليدية مثل سوق المشير، وتحفها مساجد أثرية رائعة كجامع أحمد باشا القره مانلي وجامع الناقة الأقدم تاريخياً، بالإضافة إلى "قوس ماركوس أوريليوس" الروماني الشاهد على عراقة المدينة وضخامة تاريخها.
صمودها ودورها النضالي والتاريخي
سطرت طرابلس الغرب ملاحم بطولية أسطورية في مواجهة الغزو الإيطالي الغاشم عام 1911. فحين نزلت القوات الفاشية على شواطئها، انتفض أهل طرابلس وعشائرها جنباً إلى جنب مع رجال المقاومة الشعبية في معارك خالدة مثل "معركة الهاني" و"شارع الشط"، حيث واجهوا البوارج والمدفعية الإيطالية ببنادقهم البسيطة وإيمانهم العميق. وشكلت العاصمة الحاضنة السياسية والجهادية التي دعمت المجاهد عمر المختار وحركة الجهاد الليبي، وظلت صخرة صلبة تحطمت عليها أوهام الاستعمار الفاشي في تحويل ليبيا إلى "الشاطئ الرابع" لإيطاليا.
خاتمة
إن طرابلس الغرب ستظل دائماً "عروس البحر" الشامخة التي يغسل المتوسط شواطئها وتتغنى أزقتها بأناشيد الحرية؛ فجدران سراياها الحمراء كتبت بدم الشهداء الأبرار أن الأرض العربية لا تقبل الغاصبين، وأن طرابلس كانت وستبقى مقبرة للغزاة ومنارة للإباء

جمال عبد الناصر: جدلية الوعي والممارسة في مسيرة قائد الأمة وباني نهضتها الحديثة بقلم: الناصر خشيني

نقف اليوم على أعتاب الذكرى الرابعة والسبعين لثورة الثالث والعشرين من يوليو (جويلية) 1952، وهي محطة لم تكن مجرد انقلاب عسكري تقليدي، بل كانت ...