قائمة المدونات الإلكترونية

السبت، 4 يوليو 2026

ملخص كتاب: "مشروع مخطط التنمية 2026-2030 – التوجهات العامة والأهداف التنموية" بقلم هشام اللهيوي


  قبل الخوض في تفاصيل مشروع مخطط التنمية 2026-2030.   (708 صفحة) ، لا بد من التأكيد على أن أي قراءة اقتصادية وسياسية جادة لا ينبغي أن تكتفي بتقييم الأهداف المعلنة، وإنما عليها أن تتناول الأسس الفكرية للنموذج التنموي، ومدى قدرته على تحقيق الاستقلال الاقتصادي والسيادة الوطنية والعدالة الاجتماعية. فالتاريخ الاقتصادي يعلمنا أن التنمية ليست مجرد ارتفاع في نسب النمو أو زيادة في حجم الاستثمارات، بل هي مشروع حضاري متكامل يعيد صياغة علاقة الدولة بالاقتصاد والمجتمع، ويحدد موقع الأمة في موازين القوى الإقليمية والدولية 


1)  ملخص كتاب: "مشروع مخطط التنمية 2026-2030 – التوجهات العامة والأهداف التنموية"

يمثل هذا الكتاب الوثيقة المرجعية لمشروع مخطط التنمية التونسي للفترة 2026-2030، الصادر عن وزارة الاقتصاد والتخطيط، ويهدف إلى رسم التوجهات الكبرى للتنمية الاقتصادية والاجتماعية خلال السنوات الخمس المقبلة، انطلاقًا من رؤية تقوم على العدالة الاجتماعية والتنمية الجهوية والسيادة الوطنية والتعويل على الذات. 


ينطلق المخطط من تشخيص شامل للواقع التنموي، فيقر بأن تونس حققت مكاسب مهمة منذ الاستقلال في مجالات البنية الأساسية والتعليم والصحة، غير أن الخيارات التنموية السابقة لم تنجح في الحد من التفاوت بين الجهات ولا في معالجة البطالة وضعف الاستثمار وتراجع أداء المؤسسات العمومية، مما أفرز اختلالات اقتصادية واجتماعية وهيكلية. 


ويقدم المخطط رؤية جديدة للتنمية تقوم على التخطيط التشاركي التصاعدي، حيث تنطلق الأولويات من المجالس المحلية والجهوية ومجالس الأقاليم، ثم تُدمج في رؤية وطنية، بما يجعل المواطن شريكًا في تحديد المشاريع والسياسات العمومية، ويكرس اللامركزية في صياغة القرار التنموي. 


ويرتكز المشروع على خمسة توجهات استراتيجية كبرى هي:

ضمان تنمية اجتماعية عادلة وشاملة.

تحقيق تنمية مجالية متوازنة بين مختلف الجهات.

تعصير الاقتصاد الوطني وتطوير البنية التحتية.

تحقيق الأمن المائي والغذائي والطاقي مع المحافظة على البيئة.

تحديث الإطار المؤسساتي وتحسين نجاعة المرفق العام. 


كما يرسم المخطط أهدافًا اقتصادية طموحة، من أبرزها:

رفع معدل النمو الاقتصادي إلى نحو 4.2% خلال الفترة 2026-2030.

التحكم في التضخم في حدود 5%.

تقليص عجز الميزانية إلى أقل من 3%.

المحافظة على نسبة الدين العمومي في حدود 80%.

تحسين القدرة الشرائية وخلق مواطن شغل جديدة، مع دعم الاستثمار والإنتاج الوطني. 


ويولي المخطط أهمية خاصة لتنمية رأس المال البشري عبر إصلاح التعليم والتكوين المهني والتعليم العالي، وتحسين الخدمات الصحية، ودعم الحماية الاجتماعية، والرفع من نسب الإدماج الاقتصادي للشباب والنساء، إلى جانب تعزيز الاقتصاد الاجتماعي والتضامني والشركات الأهلية. 


وفي الجانب الاقتصادي، يدعو إلى تحديث النسيج الصناعي، وتحفيز الاستثمار، وتطوير البنية التحتية، وتسريع الانتقال الرقمي، ودعم الابتكار، وتحقيق الأمن الطاقي والمائي والغذائي، بما يعزز قدرة الاقتصاد الوطني على مواجهة الأزمات الخارجية. 


كما يتضمن المخطط محفظة واسعة من المشاريع العمومية، تم اختيارها بعد آلاف الجلسات التشاورية مع المجالس المنتخبة، مع إعطاء الأولوية للمشاريع ذات الأثر المباشر على حياة المواطنين، وخاصة في النقل والطرقات والمياه والطاقة والخدمات الأساسية. 


ويؤكد الكتاب أن نجاح المخطط يبقى رهينًا بتحقيق إصلاحات هيكلية، ومقاومة الفساد، وتحسين الحوكمة، ورفع إنتاجية المؤسسات العمومية، وتعزيز التمويل الذاتي، مع متابعة دورية لمؤشرات الإنجاز وإمكانية مراجعة الأهداف وفق المتغيرات الاقتصادية الدولية. 


الخلاصة: يطرح مخطط التنمية 2026-2030 تصورًا جديدًا للتنمية في تونس يقوم على العدالة الاجتماعية، والتنمية الجهوية، والتخطيط التشاركي، وتعزيز السيادة الاقتصادية، مع السعي إلى تحقيق نمو مستدام وتحسين مستوى عيش المواطنين. وفي الوقت نفسه، فإن بلوغ أهدافه يبقى مرتبطًا بمدى نجاح الإصلاحات، وتوفير التمويلات اللازمة، ونجاعة التنفيذ والمتابعة خلال سنوات المخطط.


2) دراسة اقتصادية سياسية للكتاب الأول: 


مخطط التنمية 2026-2030: هل يمثل بداية لاقتصاد وطني منتج أم مجرد إعادة صياغة لخطاب الدولة؟

قراءة اقتصادية سياسية من منظور عروبي قومي تقدمي 


إن مشروع مخطط التنمية 2026-2030 يمثل، في جوهره، محاولة لإعادة الاعتبار للدولة الوطنية كفاعل مركزي في قيادة التنمية بعد عقود من هيمنة المقاربات الليبرالية التي أضعفت وظيفة الدولة الاقتصادية، وفتحت المجال أمام اقتصاد ريعي واستهلاكي أكثر منه اقتصادًا منتجًا. ومن هذا المنطلق، فإن المخطط يستحق التوقف عنده بوصفه وثيقة سياسية بقدر ما هو وثيقة اقتصادية، لأنه يعكس صراعًا بين نموذجين متناقضين: نموذج الدولة الاجتماعية المنتجة، ونموذج السوق الذي يخضع لمنطق العولمة والمؤسسات المالية الدولية.


ومن منظور الفكر العروبي القومي التقدمي  فإن التنمية ليست مجرد تحسين لمؤشرات الاقتصاد الكلي، بل هي مشروع للتحرر الوطني، لأن الأمة التي لا تنتج غذاءها ولا طاقتها ولا دواءها ولا تكنولوجيتها، تبقى أسيرة لإرادة الخارج مهما رفعت من شعارات السيادة السياسية. فالسيادة الاقتصادية ليست شعارًا دعائيًا، بل هي الشرط الموضوعي للاستقلال الوطني.


لقد شخص المخطط بدقة عددا من الاختلالات البنيوية التي راكمتها السياسات السابقة، وفي مقدمتها التفاوت الجهوي، وتراجع الاستثمار العمومي، وتدهور الإنتاجية، واتساع الاقتصاد الموازي، وارتفاع المديونية، وانكماش دور المؤسسات العمومية. غير أن تشخيص الأزمة، مهما بلغت دقته، لا يكفي ما لم يقترن بإرادة سياسية تمتلك الجرأة على مراجعة الخيارات الاقتصادية التي كرست التبعية للخارج منذ نهاية ثمانينيات القرن الماضي.


إن الاقتصاد التونسي لا يعاني من أزمة موارد، بل من أزمة خيارات. فقد تحولت البلاد تدريجيًا من اقتصاد يسعى إلى بناء قاعدة إنتاجية وطنية إلى اقتصاد يعتمد بصورة متزايدة على الاستيراد، والاقتراض، والخدمات منخفضة القيمة المضافة، مما أدى إلى تآكل النسيج الصناعي، وإضعاف الفلاحة، وارتفاع العجز التجاري، واستنزاف احتياطي العملة الصعبة. لذلك فإن أي مخطط تنموي لا يضع إعادة بناء الاقتصاد المنتج في صدارة أولوياته سيظل عاجزًا عن إحداث التحول التاريخي المنشود.


ومن هنا، فإن الرهان الحقيقي لا يكمن في رفع نسبة النمو إلى 4 أو 5 بالمائة، وإنما في تغيير طبيعة النمو نفسه. فالنمو الذي تصنعه المضاربات العقارية أو الاستهلاك أو الخدمات الهامشية لا يبني اقتصادًا قويًا، بينما النمو القائم على الصناعة، والفلاحة، والاقتصاد المعرفي، والبحث العلمي، والتكنولوجيا، هو وحده القادر على خلق الثروة المستدامة، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وتعزيز السيادة الوطنية.


ومن المنظور القومي ، فإن الدولة ليست مراقبًا محايدًا للسوق، بل هي قاطرة التنمية. ولذلك فإن إعادة الاعتبار للمؤسسات العمومية الاستراتيجية ليست مسألة أيديولوجية، وإنما ضرورة اقتصادية وأمن قومي. فالماء والطاقة والنقل والسكك الحديدية والموانئ والصناعات الأساسية يجب أن تبقى أدوات بيد الدولة، لأنها تمثل مفاتيح القرار الاقتصادي الوطني، ولا يجوز أن تخضع لمنطق الربح أو لإملاءات الخصخصة.


وفي المقابل، فإن القطاع الخاص الوطني المنتج يمثل شريكًا أساسيًا في معركة التنمية، شرط أن يكون استثماره موجهًا نحو الإنتاج والتصدير والتشغيل، لا نحو الاحتكار والريع والمضاربة. فالدولة الوطنية لا تعادي المبادرة الخاصة، لكنها ترفض أن تتحول السوق إلى سلطة فوق الدولة، أو أن يصبح رأس المال المالي هو المتحكم في القرار السياسي.


كما أن الحديث عن الأمن الغذائي والمائي والطاقي يجب ألا يبقى في حدود البرامج القطاعية، بل ينبغي أن يتحول إلى عقيدة اقتصادية وطنية. فالأرض الزراعية ليست مجرد وسيلة إنتاج، بل هي عنصر من عناصر السيادة. والمياه ليست مورداً طبيعياً فحسب، بل قضية أمن قومي. والطاقة ليست سلعة، وإنما أساس للاستقلال الاقتصادي. ولذلك فإن الاستثمار المكثف في الفلاحة العصرية، والسدود، وتحلية مياه البحر، والطاقات المتجددة، والصناعات الغذائية، يمثل الخيار الاستراتيجي الذي يجب أن يحظى بالأولوية المطلقة.

غير أن المخطط، رغم طموحه، يظل مطالبًا بالإجابة عن أسئلة جوهرية. فمن أين ستأتي الموارد المالية اللازمة لإنجاز آلاف المشاريع المبرمجة؟ وهل يمكن الجمع بين تقليص العجز المالي، والحد من المديونية، وزيادة الإنفاق العمومي دون إصلاح جبائي جذري يستعيد الأموال المنهوبة، ويكافح التهرب الضريبي، ويُخضع الاقتصاد الموازي لمنظومة الدولة؟


إن الإصلاح الجبائي، في الرؤية التقدمية، ليس مجرد إجراء محاسبي، بل هو أداة لإعادة توزيع الثروة وتحقيق العدالة الاجتماعية. فلا يمكن أن تستمر الأجراء والطبقة الوسطى في تحمل العبء الأكبر من الضرائب، بينما تبقى قطاعات واسعة من الاقتصاد خارج المنظومة الجبائية أو تستفيد من امتيازات غير مبررة.


كما أن نجاح المخطط يظل رهينًا بإصلاح الإدارة العمومية، لأن الإدارة هي الذراع التنفيذية للدولة. فلا قيمة لأفضل المخططات إذا بقيت المشاريع حبيسة التعقيدات الإدارية، وتضارب الصلاحيات، وضعف المتابعة، والفساد، وغياب ثقافة الإنجاز. فالمعركة ضد البيروقراطية ليست أقل أهمية من المعركة ضد الفساد، لأن كليهما يستنزف مقدرات الدولة ويقوض ثقة المواطن.


ومن زاوية قومية عربية، فإن المخطط كان يمكن أن يكون أكثر جرأة في طرح مشروع للتكامل الاقتصادي المغاربي والعربي. فالسوق التونسية وحدها محدودة، بينما يشكل الفضاء العربي، بما يمتلكه من موارد بشرية وطبيعية ومالية، مجالًا استراتيجيًا لبناء سلاسل إنتاج مشتركة، وتحقيق الأمن الغذائي، وتوطين التكنولوجيا، وتعزيز الاستقلال الاقتصادي الجماعي. إن المشروع القومي لا ينفصل عن المشروع التنموي، لأن وحدة المصير الاقتصادي هي أحد أعمدة النهضة العربية.

إن التحدي الحقيقي الذي يواجه تونس اليوم ليس فقط تجاوز الأزمة الاقتصادية، وإنما الانتقال من اقتصاد التبعية إلى اقتصاد السيادة، ومن اقتصاد الاستهلاك إلى اقتصاد الإنتاج، ومن دولة إدارة الأزمة إلى دولة صناعة المستقبل.

وعليه، فإن مخطط التنمية 2026-2030 يمثل خطوة إيجابية في اتجاه استعادة دور الدولة الوطنية، لكنه لن يحقق أهدافه إلا إذا تحول إلى مشروع نهضوي شامل يقوم على إعادة الاعتبار للتخطيط الاقتصادي، وإحياء القطاع العام المنتج، وتحفيز الاستثمار الوطني، وتعبئة الكفاءات العلمية، وربط الجامعة بالصناعة، وإرساء عدالة جبائية، وتعزيز التكامل المغاربي والعربي، مع تحرير القرار الاقتصادي من كل أشكال الارتهان للخارج.

إن المشروع القومي التقدمي  يؤمن بأن التنمية ليست غاية اقتصادية فحسب، بل هي فعل تحرري يعيد للإنسان كرامته، وللدولة سيادتها، وللأمة قدرتها على صنع مستقبلها. وعندما تصبح العدالة الاجتماعية، والسيادة الاقتصادية، والوحدة الوطنية، والتكامل العربي مكوناتٍ متلازمة في السياسة العامة، آنذاك فقط يمكن الحديث عن ميلاد نموذج تنموي جديد، يقطع مع إرث التبعية، ويؤسس لجمهورية الإنتاج والعمل والكرامة الوطنية.


3) ملخص كتاب: "مخطط التنمية – التنمية المجالية 2026-2030"

يمثل هذا الكتاب الوثيقة المرجعية لسياسة التنمية المجالية في تونس خلال الفترة 2026-2030، ويطرح تصورا جديدا للتخطيط التنموي يقوم على الانتقال من المركزية التقليدية إلى التخطيط التصاعدي الذي ينطلق من المستوى المحلي، ثم الجهوي، فالإقليمي، وصولا إلى المستوى الوطني، بما يجعل المواطن والمجالس المنتخبة شريكا مباشرا في تحديد الأولويات التنموية. 


أولاً: فلسفة التنمية المجالية

يرتكز المخطط على بناء نموذج تنموي جديد يهدف إلى:

تحقيق العدالة المجالية وتقليص الفوارق بين الجهات.

تعزيز الاندماج الاقتصادي والاجتماعي.

تثمين الخصوصيات والموارد المحلية لكل إقليم.

تحسين جودة الحياة والخدمات الأساسية.

إرساء تكامل بين السياسات القطاعية والسياسات الترابية. 


ثانياً: التقسيم الترابي الجديد

اعتمدت الدولة تقسيم البلاد إلى خمسة أقاليم تنموية، تضم مختلف الولايات وفق منطق اقتصادي وجغرافي جديد يهدف إلى:

خلق أقطاب تنموية متكاملة.

تعزيز التضامن بين الولايات.

تجاوز الحدود الإدارية التقليدية.

رفع القدرة التنافسية للأقاليم. 


ثالثاً: تشخيص الواقع التنموي

يعرض المخطط تشخيصا شاملا للوضع التنموي أبرز من خلاله:

استمرار التفاوت التنموي بين الجهات.

ضعف إنجاز المشاريع العمومية مقارنة بالمبرمج.

تمركز الاستثمار الخاص في الأقاليم الساحلية.

ضعف البنية الأساسية في العديد من المناطق الداخلية.

ارتفاع نسب البطالة والهجرة الداخلية.

تفاوت واضح في النفاذ إلى الماء الصالح للشراب والتطهير والخدمات الأساسية.

استمرار الفوارق في مؤشر التنمية الجهوية بين الولايات والمعتمديات. 


رابعاً: أهم الإشكاليات

حدد المخطط خمس مجموعات كبرى من التحديات:

إشكاليات تنموية: استمرار الفوارق المجالية.

إشكاليات اجتماعية: تفاوت الخدمات، السكن، الانقطاع المدرسي، والهجرة.

إشكاليات اقتصادية: ضعف الاستثمار، نقص المناطق الصناعية، هشاشة اللوجستيك، محدودية تثمين الموارد.

إشكاليات بيئية: الجفاف، التصحر، الفيضانات، تدهور الموارد الطبيعية والتلوث.

إشكاليات مؤسساتية: تعدد المتدخلين، ضعف التنسيق، بطء إنجاز المشاريع وضعف الحوكمة. 


خامساً: مقومات التنمية

يرى المخطط أن تونس تمتلك رصيدا مهما يمكن البناء عليه، ويتمثل في:

ثروة بشرية شابة وكفاءات علمية.

تنوع الموارد الفلاحية والمنجمية والبحرية.

شبكة نقل وموانئ ومطارات قابلة للتطوير.

تراث ثقافي وسياحي غني.

إمكانات كبيرة في الاقتصاد الرقمي والطاقات المتجددة.

إطار مؤسساتي جديد يدعم اللامركزية والتخطيط الترابي. 


سادساً: التوجهات الاستراتيجية الخمسة

يعتمد المخطط خمسة محاور كبرى هي:

مجالات ترابية قادرة على إدارة شؤونها التنموية.

مجالات تحقق العدالة الاجتماعية وتنمية رأس المال البشري.

مجالات صامدة أمام التغيرات المناخية والبيئية.

مجالات دافعة للحركية الاقتصادية والاستثمار.

مجالات متكاملة ومتضامنة فيما بينها وطنيا وإقليميا. 


سابعاً: المخططات الإقليمية والجهوية

يخصص الجزء الثاني من الكتاب عرضا لكل إقليم ثم لكل ولاية، ويتضمن:

التشخيص التنموي.

نقاط القوة والضعف.

المشاريع ذات الأولوية.

البرامج القطاعية.

آفاق الاستثمار.

مؤشرات التنمية المستهدفة إلى سنة 2030. 


الخلاصة

يمثل مخطط التنمية المجالية 2026-2030 تحولا نوعيا في الفكر التنموي التونسي، إذ يسعى إلى جعل التنمية منطلقة من القاعدة المحلية، مع إعادة توزيع الاستثمار وفق حاجيات الجهات، وتحقيق تنمية أكثر توازنا وعدالة. ويؤكد أن نجاح هذا التوجه يبقى رهينا بقدرة الدولة على تجاوز العراقيل الإدارية، وتسريع إنجاز المشاريع، وتعبئة الموارد المالية، وتحقيق تنسيق فعّال بين مختلف مستويات الحكم، حتى تتحول الأهداف المعلنة إلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطن في مختلف مناطق البلاد.


4) قراءة اقتصادية سياسية استراتيجية في "مخطط التنمية المجالية 2026-2030" من منظور عروبي قومي تقدمي 


ليس من قبيل الصدفة أن تعود الدولة التونسية، بعد أكثر من عقد ونصف من الاضطرابات السياسية والاقتصادية، إلى الحديث عن التخطيط والتنمية المجالية والأقاليم الاقتصادية. فهذا التحول يعكس، بصورة ضمنية، اعترافا بأن العقيدة الاقتصادية التي هيمنت خلال العقود الماضية، والقائمة على تحرير الأسواق، والانفتاح غير المنضبط، وتقليص الدور الاجتماعي للدولة، قد وصلت إلى حدودها التاريخية، وعجزت عن إنتاج التنمية العادلة أو ضمان الاستقرار الاجتماعي.


غير أن السؤال الجوهري الذي ينبغي أن يطرحه كل مفكر اقتصادي قومي هو: هل يمثل هذا المخطط قطيعة حقيقية مع النموذج الاقتصادي النيوليبرالي الذي عمّق التبعية والاختلالات، أم أنه مجرد إعادة تنظيم ترابي لسياسات اقتصادية لم تتغير في جوهرها؟


إن التنمية ليست عملية هندسية لإعادة توزيع المشاريع بين الجهات، وإنما هي مشروع سياسي سيادي يعيد تشكيل الاقتصاد الوطني على أسس الإنتاج والعدالة والاستقلال. ولذلك فإن أي مخطط تنموي لا يجيب بوضوح عن سؤال من ينتج؟ ولمن ينتج؟ ومن يملك وسائل الإنتاج؟ ومن يتحكم في القرار الاقتصادي؟ يبقى معرضا لأن يتحول إلى وثيقة إدارية مهما بلغت دقتها الفنية.


لقد أصاب المخطط في تشخيصه لاختلالات التنمية المجالية، لكنه لم يذهب بعيدا في تشخيص الأسباب البنيوية التي أفرزت تلك الاختلالات. فالتفاوت بين الساحل والداخل لم يكن قدرا جغرافيا، وإنما كان نتيجة خيارات اقتصادية وسياسية متراكمة، قامت على تركيز الاستثمار والبنية الأساسية والخدمات في مناطق محددة، وربط الاقتصاد الوطني بالمراكز الرأسمالية الخارجية، مقابل تهميش فضاءات واسعة تحولت إلى خزانات للبطالة والهجرة والفقر.


ومن المنظور القومي، فإن القضية ليست قضية "تنمية جهوية" فحسب، بل هي قضية تحرير اقتصادي وطني. فلا يمكن الحديث عن عدالة مجالية في ظل اقتصاد يعتمد بصورة متزايدة على الاقتراض الخارجي، ويخضع لشروط المؤسسات المالية الدولية، ويستورد معظم احتياجاته الصناعية والغذائية، بينما تتراجع مساهمة الصناعة التحويلية والإنتاج الفلاحي ذي القيمة المضافة في الناتج الوطني.

إن الدولة الوطنية ليست مجرد منظم للسوق، بل هي قائد للتنمية، ومخطط للاستثمار، وحام للقطاعات الاستراتيجية. ولذلك فإن أي مخطط تنموي يفصل بين التنمية والسيادة الاقتصادية يبقى ناقصا، لأن القرار الاقتصادي المستقل هو الشرط الأول لنجاح أي مشروع تنموي.


كما أن التقسيم الجديد إلى أقاليم تنموية يمكن أن يشكل فرصة تاريخية إذا تم تحويله إلى أداة لبناء أقطاب إنتاج متكاملة، لا مجرد وحدات إدارية جديدة. فكل إقليم ينبغي أن يمتلك قاعدة إنتاجية متخصصة، ترتكز على موارده الطبيعية، وكفاءاته البشرية، وموقعه الجغرافي، ضمن رؤية وطنية تجعل الأقاليم متكاملة لا متنافسة، ومتضامنة لا متصارعة على الموارد.


ومن هذا المنطلق، فإن الجنوب التونسي، بثرواته النفطية والطاقية، لا يجوز أن يبقى مجرد مصدر للمواد الأولية، بل ينبغي أن يتحول إلى قطب للصناعات البتروكيميائية والطاقات المتجددة. كما يجب أن يصبح الوسط الغربي مركزا للصناعات الغذائية والتحويلية، وأن يستعيد الشمال الغربي مكانته كخزان للأمن الغذائي الوطني، بينما يتحول الساحل إلى منصة صناعية ولوجستية تخدم الاقتصاد الوطني بأكمله، لا أن يحتكر الاستثمار والثروة.


وفي المقابل، فإن التنمية الحقيقية لا يمكن أن تتحقق دون إعادة الاعتبار للقطاع العام. فقد أثبتت التجارب العالمية، من الصين إلى فيتنام، ومن ماليزيا إلى العديد من الاقتصادات الصاعدة، أن الدولة عندما تقود الاستثمار الاستراتيجي، وتوجه رأس المال نحو القطاعات المنتجة، تصبح التنمية أكثر استدامة وعدالة. أما ترك مصير الاقتصاد لقوى السوق وحدها، فقد أدى في عديد الدول إلى اتساع الفوارق الاجتماعية، وتآكل الطبقة الوسطى، وازدياد التبعية للخارج.


إن الرهان الحقيقي لا يكمن في مضاعفة عدد المشاريع، وإنما في تغيير طبيعتها. فتونس ليست بحاجة إلى اقتصاد يقوم على الاستهلاك والخدمات وحدها، بل إلى اقتصاد منتج يرتكز على التصنيع، والبحث العلمي، والاقتصاد الرقمي، والصناعات الدوائية، والطاقات المتجددة، والصناعات العسكرية المدنية، والتكنولوجيا الزراعية، حتى تتحول من اقتصاد تابع إلى اقتصاد منتج قادر على المنافسة.


كما أن الاستثمار الأجنبي، مهما كانت أهميته، يجب أن يبقى مكملا للاستثمار الوطني، لا بديلا عنه. فالسيادة الاقتصادية تقتضي أن يكون رأس المال الوطني، العام والخاص، هو المحرك الأساسي للتنمية، مع إخضاع الاستثمارات الأجنبية لأولويات الاقتصاد الوطني، ونقل التكنولوجيا، وتكوين الكفاءات، وتحقيق القيمة المضافة داخل البلاد، لا الاكتفاء بدور المناولة منخفضة القيمة.


ولا يمكن إغفال البعد العربي والإفريقي في هذا السياق. فمن منظور قومي ناصري، لا ينبغي أن تنغلق التنمية التونسية داخل حدودها الضيقة، بل يجب أن تكون جزءا من مشروع تكامل اقتصادي عربي وإفريقي، يقوم على تحرير المبادلات، وإنشاء سلاسل إنتاج مشتركة، وتنسيق السياسات الصناعية والغذائية والطاقية، بما يخفف من الارتهان للأسواق الأوروبية ويمنح الاقتصاد التونسي فضاءات أوسع للنمو.


إن أخطر ما يواجه هذا المخطط ليس نقص الأفكار، وإنما غياب الإرادة السياسية القادرة على مواجهة شبكات الريع والاحتكار والفساد، وإعادة الاعتبار للتخطيط الاستراتيجي طويل المدى. فالتنمية لا تصنعها التقارير، بل تصنعها الدولة الوطنية القوية، والإدارة الكفؤة، والقيادة السياسية التي تمتلك رؤية حضارية تجعل الإنسان المنتج محور العملية التنموية، لا مجرد مستهلك أو رقم في الإحصاءات.


وفي الختام، فإن مخطط التنمية المجالية 2026-2030 يمثل خطوة تستحق التقدير من حيث تشخيص الاختلالات واعتماد المقاربة الترابية، لكنه لن يبلغ أهدافه إلا إذا ارتبط بمراجعة شاملة للنموذج الاقتصادي الوطني، تقوم على استعادة الدولة لدورها القيادي، وبناء اقتصاد إنتاجي مستقل، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وصون السيادة الاقتصادية، وتوجيه التنمية نحو خدمة المشروع الوطني والقومي. فالأمة التي لا تملك قرارها الاقتصادي لا تستطيع أن تملك قرارها السياسي، والدولة التي لا تنتج ثروتها بيدها ستظل رهينة لإملاءات الخارج مهما حسنت وثائقها وخططها.


5) ملخص كتاب: "السياسات التنموية – مشروع مخطط التنمية 2026-2030"

يقدم هذا الكتاب الإطار العام للسياسات العمومية التي تعتزم الدولة التونسية اعتمادها خلال الفترة 2026-2030، ويترجم رؤية تنموية شاملة تستند إلى الدستور وإلى منهج التخطيط التصاعدي المنطلق من احتياجات الجهات والأقاليم، بهدف بناء نموذج تنموي أكثر عدالة ونجاعة واستدامة. 


ويرتكز المخطط على أربعة محاور استراتيجية كبرى:


أولاً: ضمان تنمية اجتماعية عادلة وشاملة

يضع المخطط الإنسان في صدارة العملية التنموية، من خلال الاستثمار في رأس المال البشري، والارتقاء بمنظومات التربية والتعليم العالي والتكوين المهني والصحة والثقافة والشباب والرياضة. كما يركز على:

تحسين جودة الخدمات الاجتماعية.

توسيع الحماية الاجتماعية.

دعم التشغيل والعمل اللائق.

تمكين المرأة والشباب.

رعاية الأسرة والطفولة وكبار السن وذوي الإعاقة.

توفير السكن اللائق وتعزيز العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص. 


ثانياً: تعصير النسيج الاقتصادي وتطوير البنية التحتية

يستهدف المخطط تحديث الاقتصاد الوطني عبر:

إعادة تأهيل القطاعات الإنتاجية.

دعم المؤسسات الصغرى والمتوسطة.

تحسين مناخ الاستثمار.

رقمنة الاقتصاد والإدارة.

توظيف الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحديثة.

تطوير الموانئ والطرقات والمطارات والمناطق الصناعية واللوجستية لرفع تنافسية الاقتصاد الوطني واستقطاب الاستثمار. 


ثالثاً: تحقيق الأمن الغذائي والمائي والطاقي والمحافظة على البيئة

يعتبر المخطط الأمن الغذائي والمائي والطاقي جزءاً من الأمن القومي، ولذلك يدعو إلى:

تطوير الإنتاج الفلاحي وتحسين مردوديته.

حسن استغلال الموارد المائية ومواجهة ندرتها.

التوسع في الطاقات المتجددة.

تقليص التبعية الطاقية للخارج.

مكافحة التلوث.

حماية التنوع البيولوجي.

تشجيع الاقتصاد الأخضر والدائري والأزرق باعتباره محركاً جديداً للتنمية وخلق مواطن الشغل. 


رابعاً: تحديث الإطار المؤسساتي وتكريس نجاعة المرفق العام

يركز هذا المحور على إصلاح الإدارة والدولة عبر:

تعميم الرقمنة.

تبسيط الإجراءات.

تعزيز الحوكمة والشفافية.

مكافحة البيروقراطية.

إصلاح الوظيفة العمومية.

تطوير المنظومة الأمنية والعدلية.

دعم الدور التنموي للدفاع الوطني.

توظيف الدبلوماسية الاقتصادية لفتح الأسواق واستقطاب الاستثمارات وتنويع الشراكات الدولية. 


أبرز التوجهات الاستراتيجية للمخطط

يراهن المشروع على:

جعل المواطن محور التنمية.

تقليص الفوارق بين الجهات.

تحقيق تنمية مجالية متوازنة.

تعزيز السيادة الوطنية اقتصادياً وغذائياً وطاقياً.

الاستثمار في المعرفة والبحث العلمي والابتكار.

رقمنة الإدارة والخدمات العمومية.

تحسين مناخ الأعمال.

خلق اقتصاد أكثر تنافسية وقدرة على الصمود أمام الأزمات. 


خلاصة عامة

يعد هذا الكتاب وثيقة توجيهية شاملة ترسم ملامح السياسات العمومية للدولة التونسية خلال الفترة 2026-2030. ويجمع بين الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية والبيئية والمؤسساتية، واضعاً نصب عينيه بناء اقتصاد منتج، ومجتمع أكثر عدالة، وإدارة أكثر نجاعة، وتنمية جهوية متوازنة.

وفي المجمل، يقدم المخطط رؤية طموحة لإعادة هيكلة النموذج التنموي التونسي، غير أن نجاحه سيظل رهيناً بمدى توفر التمويلات اللازمة، ونجاعة الحوكمة، وسرعة تنفيذ الإصلاحات، والقدرة على تحويل الأهداف المعلنة إلى مشاريع وإنجازات ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية.


6) قراءة اقتصادية سياسية للكتاب الثالث: 


قبل الخوض في تفاصيل مشروع مخطط التنمية 2026-2030، لا بد من التأكيد على أن أي قراءة اقتصادية وسياسية جادة لا ينبغي أن تكتفي بتقييم الأهداف المعلنة، وإنما عليها أن تتناول الأسس الفكرية للنموذج التنموي، ومدى قدرته على تحقيق الاستقلال الاقتصادي والسيادة الوطنية والعدالة الاجتماعية. فالتاريخ الاقتصادي يعلمنا أن التنمية ليست مجرد ارتفاع في نسب النمو أو زيادة في حجم الاستثمارات، بل هي مشروع حضاري متكامل يعيد صياغة علاقة الدولة بالاقتصاد والمجتمع، ويحدد موقع الأمة في موازين القوى الإقليمية والدولية.


ومن هذا المنطلق، فإن مشروع مخطط التنمية 2026-2030 يمثل عودة مهمة إلى فكرة التخطيط الوطني بعد عقود من هيمنة اقتصاد السوق المنفلت وسياسات التكييف الهيكلي التي فرضتها المؤسسات المالية الدولية منذ ثمانينيات القرن الماضي، والتي أفضت إلى تراجع دور الدولة الإنتاجي، وبيع عدد من المؤسسات العمومية، وتهميش القطاع الفلاحي، واتساع الفوارق الاجتماعية والجهوية، وارتفاع المديونية، وتآكل السيادة الاقتصادية.


إن الفكر القومي العربي التقدمي، المستلهم لتجربة الزعيم الراحل جمال عبد الناصر، ينطلق من مسلمة أساسية مفادها أن التنمية ليست نشاطاً اقتصادياً معزولاً، وإنما هي أداة لتحرير الإرادة الوطنية. فالأمة التي لا تنتج غذاءها، ولا تتحكم في طاقتها، ولا تمتلك قرارها المالي والنقدي، تبقى رهينة مراكز القرار الخارجية مهما رفعت من شعارات الاستقلال.

وفي هذا السياق، يحسب للمخطط أنه أعاد الاعتبار لمفاهيم الأمن الغذائي، والأمن المائي، والأمن الطاقي، وربطها بالتنمية المستدامة. غير أن هذه المفاهيم لا ينبغي أن تبقى مجرد عناوين في وثيقة رسمية، بل يجب أن تتحول إلى خيارات استراتيجية ملزمة، تُترجم في سياسات عمومية تجعل من القطاع الفلاحي والصناعات الغذائية والطاقات المتجددة والصناعات التحويلية أولويات مطلقة في الاستثمار العمومي.


لكن القراءة النقدية تكشف في المقابل أن المخطط، رغم لغته السيادية، لم يحسم بصورة واضحة طبيعة النموذج الاقتصادي الذي سيقود هذه المرحلة. فهل ستقود الدولة عملية التنمية بنفسها باعتبارها المستثمر الاستراتيجي والمخطط والمنظم؟ أم سيظل القطاع الخاص، المحلي والأجنبي، هو المحرك الرئيسي، بينما تكتفي الدولة بدور المنظم؟ إن هذا السؤال ليس تقنياً، بل هو جوهر الصراع بين نموذج الدولة التنموية ونموذج الدولة الحارسة للسوق. 


ومن منظور قومي لا يمكن بناء اقتصاد وطني قوي دون استعادة الدولة لدورها القيادي في القطاعات الاستراتيجية؛ كالنقل، والطاقة، والمياه، والموانئ، والاتصالات، والصناعات الأساسية، والمؤسسات المالية العمومية. فهذه القطاعات ليست مجرد أدوات لتحقيق الأرباح، بل هي ركائز للأمن القومي، ولا يجوز أن تخضع لمنطق الربح السريع أو لضغوط الخصخصة.


كما أن الحديث عن تحسين مناخ الاستثمار يجب ألا يتحول إلى مرادف لتقديم التنازلات الجبائية والمالية للمستثمرين الأجانب. فالاستثمار الحقيقي هو الذي يخلق قيمة مضافة داخل البلاد، وينقل التكنولوجيا، ويكوّن الكفاءات الوطنية، ويزيد من نسبة الإدماج الصناعي المحلي، ويعزز الصادرات، لا الاستثمار الذي يحول البلاد إلى سوق استهلاكية أو منصة لتجميع المنتجات الأجنبية.


وفي الجانب المالي، يلاحظ أن المخطط يتحدث عن تعبئة الموارد دون أن يقدم تصوراً واضحاً لإصلاح المنظومة الجبائية، أو لاسترجاع الأموال المنهوبة، أو لمراجعة السياسات النقدية، أو لإعادة توجيه الجهاز البنكي نحو تمويل الاقتصاد المنتج. فالتنمية لا يمكن أن تقوم على الاقتراض المستمر، لأن المديونية، مهما كانت مبرراتها، تظل قيداً على القرار الوطني، وتمنح الدائنين أدوات للتأثير في السياسات الاقتصادية والاجتماعية.


إن التجارب الدولية، سواء في شرق آسيا أو في عدد من الاقتصادات الصاعدة، تؤكد أن التنمية الناجحة قامت على ثلاثة أعمدة مترابطة: دولة قوية، وإنتاج وطني تنافسي، واستثمار كثيف في المعرفة والبحث العلمي. ولم تحقق أي دولة نهضتها اعتماداً على الخدمات وحدها أو على الاستهلاك أو على التمويلات الخارجية.


ومن الزاوية الجيوسياسية، لا يمكن فصل التنمية عن التحولات الكبرى التي يشهدها العالم، حيث تتشكل موازين قوى جديدة مع صعود تكتلات اقتصادية ومالية خارج الهيمنة الغربية التقليدية. ومن ثم فإن تونس مطالبة بانتهاج دبلوماسية اقتصادية متعددة الأبعاد، تنفتح على الفضاء العربي والإفريقي والمتوسطي، وتستثمر في الشراكات مع الاقتصادات الصاعدة، بما يوسع هوامش استقلال القرار الوطني ويقلل من الارتهان لمصدر واحد للتمويل أو التجارة.


كما أن التنمية الجهوية لا ينبغي أن تقتصر على توزيع المشاريع، وإنما يجب أن تؤسس لاقتصادات إقليمية متكاملة، تستثمر الخصوصيات الطبيعية والبشرية لكل جهة، وتربطها بشبكات النقل واللوجستيك والأسواق الداخلية والخارجية. فالعدالة المجالية ليست شعاراً سياسياً، بل هي شرط للاستقرار الاجتماعي والوحدة الوطنية.


ويبقى الرهان الأكبر هو التنفيذ. فقد أثبتت التجربة التونسية أن الأزمة ليست في نقص التشخيص أو غياب الرؤى، وإنما في ضعف الإدارة، وتعقد الإجراءات، وتداخل الصلاحيات، وغياب منظومة صارمة للمساءلة وربط المسؤولية بالنتائج. لذلك فإن نجاح مخطط التنمية لن يقاس بعدد المشاريع المبرمجة، بل بنسبة الإنجاز الفعلية، وقدرته على تحسين الإنتاجية، ورفع الدخل الوطني، وتقليص البطالة، وتحقيق التوازن بين الجهات.


إن المشروع القومي العربي التقدمي يرى أن الاقتصاد ليس غاية في ذاته، بل وسيلة لبناء دولة قوية، ومجتمع عادل، وإنسان حر. ولذلك فإن التنمية الحقيقية تبدأ عندما يصبح الإنتاج الوطني أساس الثروة، والعلم أساس القوة، والعدالة أساس الاستقرار، والسيادة الاقتصادية أساس الاستقلال السياسي.


وعليه، فإن مشروع مخطط التنمية 2026-2030 يمثل فرصة تاريخية لإعادة بناء الدولة التنموية، لكنه سيظل معرضاً لأن يتحول إلى وثيقة نظرية إذا لم يُدعم بإصلاحات هيكلية جريئة، وبإرادة سياسية مستقلة، وبمشروع اقتصادي وطني يقطع مع اقتصاد الريع والتبعية، ويؤسس لاقتصاد إنتاجي سيادي يجعل من تونس دولة فاعلة في محيطها العربي والإفريقي، لا مجرد متلقية لتقلبات الاقتصاد العالمي. ففي نهاية المطاف، لا تُقاس قوة الدول بحجم استهلاكها، بل بقدرتها على الإنتاج والابتكار وصناعة القرار المستقل، وهي الغاية التي ينبغي أن تظل البوصلة الحقيقية لأي مشروع تنموي وطني.


بقلم هشام اللهيّوي 

3 جويلية 2026

Hichem Lihioui مكتب هشام اللهيوي

الإسلام والدولة المدنية بقلم الناصر خشيني



أولاً: حوار الأديان — تطور الرسالات تبعًا لتطور المجتمع
تشير الأديان السماوية، في نشأتها وتتابعها، إلى تطور مواكب للتطور الاجتماعي للإنسان: من الأسرة إلى العشيرة فالقبيلة فالأمة، وصولًا إلى المجتمع الإنساني الجامع كآخر أطوار هذا التطور. لذلك جاءت الديانات السابقة على الإسلام محكومة بحدود اجتماعية ضيقة، إذ كانت خطابات قبلية أو عشائرية تناسب البنية الاجتماعية السائدة آنذاك. ويؤكد القرآن الكريم هذه الحقيقة حين يخاطب كل قوم برسولهم منهم: «ولقد أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحًا» (النمل: 45)، و«وإلى مدين أخاهم شعيبًا» (هود: 81)، و«وإلى عاد أخاهم هودًا» (الأعراف: 65). وكانت معجزات هؤلاء الرسل، تبعًا لذلك، معجزات مادية ملموسة تناسب المستوى الفكري البسيط لأقوامهم، كما كانت معالجاتهم لمشكلات مجتمعاتهم محدودة النطاق. فلم تكن دعوات الرسل قبل الإسلام عامة شاملة، بل محدودة زمانًا ومكانًا وهدفًا، في إطار تدرج إلهي يساير تطور المجتمعات.
وقد مثّل موسى عليه السلام طورًا وسيطًا بين النزعة القبلية القديمة والتكليف الإلهي بالتوجه إلى غير قومه، فطلب من ربه أن يؤازره بأخيه هارون، مصداقًا لقوله تعالى: «سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطانًا» (القصص: 35)، وقوله: «اذهبا إلى فرعون إنه طغى» (طه: 43). وبذلك دشّن موسى عهدًا جديدًا بالخروج عن النطاق القبلي الضيق.
ثم جاءت رسالة عيسى عليه السلام لتفتح بعدًا أكثر شمولًا قوامه الرحمة والتسامح، تمهيدًا للدور الأعظم المنوط بخاتم الرسالات: رسالة محمد صلى الله عليه وسلم، وهي رسالة عامة لكافة الناس، لا تخص جنسًا أو أمة أو قبيلة، مصداقًا لقوله تعالى: «وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرًا ونذيرًا» (سبأ: 28).
ويتميز الإسلام كذلك بشموله لجوانب الحياة الدنيوية والأخروية معًا: «اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا» (المائدة: 3)، فلا يفصل بين الدين والدنيا، بل يجعل العمل عبادة، والبحث العلمي عبادة. وهو أيضًا دين اليسر لا العسر: «لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي» (البقرة: 256).
وقد فهم السلف هذه الحقيقة القائمة على الحرية، فانطلقوا فاتحين لا مستعمرين، مجتهدين لا متعسفين، فاختلفوا في العقيدة والشريعة اجتهادًا بشريًا دون خروج عن قاعدة الاحتكام إلى القرآن وصحيح السنة، وبنوا حضارة لا تزال آثارها قائمة.
ثانيًا: الدين الخاتم
جاء الإسلام في مرحلة بلغت فيها الإنسانية نضجها العقلي. ومثّلت الهجرة النبوية منعطفًا حاسمًا: ففي حين كان الله يتدخل مباشرة في العصور السابقة لنصرة رسله، جاءت الرسالة المحمدية لتقرر أن يتحمل المؤمنون مسؤولية التغيير بأنفسهم: «إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم» (الرعد: 11). ووُصفت هذه الأمة بأنها خير الأمم لقيمها لا لعرقها: «كنتم خير أمة أخرجت للناس» (آل عمران: 110).
ثالثًا: الهجرة النبوية — فعل إنساني بامتياز
لم تكن الهجرة نتاج معجزة مادية، بل إعدادًا بشريًا عقلانيًا محكمًا رغم ضعف الإمكانيات المادية للمسلمين. سبقتها سنوات الدعوة المكية الثلاث عشرة، ثم بيعتا العقبة الأولى والثانية. ويُلاحظ أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يغامر بأصحابه، وأن القيادة النبوية لم تنسحب قبل أتباعها بل ظلت معهم حتى آخر لحظة.
رابعًا: قيام دولة المدينة
من أبرز منجزات الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة تأسيس أول كيان سياسي عربي إسلامي قائم على التعاقد، عبر وثيقة عُرفت باسم «الصحيفة». ينقل ابن هشام عن ابن إسحاق أن رسول الله كتب كتابًا (1) بين المهاجرين والأنصار، ووادع فيه يهود المدينة وعاهدهم على دينهم وأموالهم.
أبرز بنود الصحيفة (بتصرف، مع مواضع الهوامش الأصلية):
إنهم أمة واحدة من دون الناس، وكل طائفة من المهاجرين والأنصار على ربعتهم (2) تتعاقل وتفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.
لا يترك المؤمنون مُفرَحًا (3) بينهم دون إعانته بالمعروف في فداء أو عقل (4).
المؤمنون المتقون يد واحدة على من بغى منهم أو ابتغى دسيعة (5) ظلم، ولو كان على ولد أحدهم.
لا يقتل مؤمن مؤمنًا بسبب كافر، ولا ينصر مؤمن كافرًا على مؤمن، والمؤمنون يُـبيء (6) بعضهم على بعض بما نال دماءهم في سبيل الله.
من اعتبط (7) مؤمنًا قتلًا عن بيّنة فعليه القِصاص إلا أن يرضى ولي المقتول.
لليهود دينهم وللمسلمين دينهم، إلا من ظلم وأثم فإنه لا يوتغ (8) إلا نفسه وأهل بيته — وينسحب هذا على سائر القبائل اليهودية المذكورة.
ما اختلف فيه أهل هذا العهد فمردّه إلى الله وإلى محمد، ويثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة.
من خرج آمنًا ومن قعد آمنًا بالمدينة إلا من ظلم أو أثم، والله جار لمن برّ واتقى، ومحمد رسول الله.
خامسًا: دلالة الصحيفة وأركان الدولة في المدينة
يرى أغلب الباحثين، قدامى ومحدثين، أن الصحيفة كما وصلتنا وحدة مجمّعة من أقسام صدر كل منها في وقت مختلف: فالأقسام المتعلقة بتنظيم العرب المسلمين تُرجَّح عند بدر، والمتعلقة بتنظيم القتال عند الخندق أو بعده بقليل. وقد أشار القرآن إلى وجوب الوفاء بالعهود: «وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولًا» (الإسراء: 34)، و«الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق» (الرعد: 20)، في مقابل الذم الشديد لناقضي العهود في آيات آل عمران والبقرة.
وبالنظر إلى الفقه القانوني المعاصر، استوفت دولة المدينة أركان الدولة الثلاثة:
الشعب — تؤكده الصحيفة الصادرة عن جميع سكان المدينة وضواحيها.
الإقليم — وإن لم تكن للدول حينها حدود دولية بالمعنى الحديث.
السلطة — أي ممارسة السيادة على الأرض دون تسلط أجنبي.
واخلص نهاية  أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يؤسس "دولة دينية" بالمعنى الذي يتصوره من يحلم بدولة تحكم بحق إلهي مقدس.
خاتمة: الترابط الاستراتيجي
ارى الربط بين حماية يثرب وإسقاط الشرك في مكة، وبين حماية الجزيرة وتحرير الشام من الروم، وبين استقرار الشام وإزاحة النفوذ الروماني عن مصر، ثم شمال إفريقيا — وهو ترابط اراه تعبيرًا عن فهم استراتيجي مبكر لما يُعرف اليوم بالجغرافيا السياسية.
قائمة الهوامش والمراجع
(1) اختُلف في تسمية هذا النص بين الوثيقة والدستور والصحيفة والكتاب، وقد ناقش د. جاسم محمد راشد العيساوي هذه المسألة بإسهاب في بحثه «الوثيقة النبوية»، ص27 وما بعدها.
(2) أي حالهم وشأنهم الذي كانوا عليه. انظر: ابن الأثير، النهاية، 2/189.
(3) المُفرَح: من أثقله الدَّين والغُرم (النهاية، 3/424).
(4) العَقل: الدية. انظر: النهاية، 2/117.
(5) الدسيعة: العطية، والمراد طلب عطية على سبيل الظلم. انظر: النهاية، 2/117.
(6) يُبيء: يلتزم. انظر: النهاية، 1/159.
(7) اعتبط: قتله بغير جناية ولا جريرة. انظر: النهاية، 3/172.
(8) يوتغ: يُهلك. انظر: النهاية، 5/149.
(9) المصدر الأصلي لنص الصحيفة كاملًا: ابن هشام، السيرة النبوية، 3/31-35.

الجمعة، 3 يوليو 2026

المدينة المنورة.. دار الهجرة النبوية وثبات الحُرمة أمام عواصف السياسة بقلم الناصر خشيني



تاريخ المدينة
المدينة المنورة، أو "يثرب" القديمة، هي دار الهجرة النبوية المباركة وعاصمة الإسلام الأولى التي احتضنت النبي محمد ﷺ والمهاجرين، وآواهم أهلها الأنصار بنخوة وإيمان صاغ نواة الدولة الإسلامية ومنطلق فتوحاتها. شهدت أرضها كتابة "وثيقة المدينة" التي أسست لأول مفهوم للمواطنة والعدالة في التاريخ. حظيت المدينة بمكانة دينية فريدة ولقبت بـ "طابة" و"طيبة"، وظلت طوال تاريخها واحة للأمن والعلم والسكينة، ومحط أنظار الخلفاء والحكام لعظم مكانتها في قلوب الأمة.
أهم معالمها
يعد "المسجد النبوي الشريف" المعلم الأبرز والأعظم في المدينة، ويضم الحجرة النبوية الشريفة والروضة المشرفة. كما تضم المدينة "مسجد قباء" وهو أول مسجد أُسس على التقوى، و"مسجد القبلتين"، بالإضافة إلى المعالم الطبيعية والتاريخية المرتبطة بالسيرة النبوية مثل "جبل أحد" الشاهد على الملحمة الإسلامية الكبرى، وبقيع الغرقد الذي يضم رفات الآلاف من الصحابة الأجلاء وآل البيت الأطهار.
صمودها ودورها النضالي والتاريخي
واجهت المدينة المنورة واحدة من أقسى الفجائع التاريخية في صدر الإسلام إبان العهد الأموي، وتحديداً في عام 63 هـ خلال "واقعة الحرة" الشهيرة. فحين انتفض أهل المدينة والصحابة ضد حكم يزيد بن معاوية دفاعاً عن كرامة المدينة وحرمتها، أرسل الأمويون جيشاً جراراً بقيادة مسلم بن عقبة، الذي استباح المدينة المنورة لثلاثة أيام قتلاً ونهباً وتنكيلاً بأهلها من المهاجرين والأنصار. صمدت المدينة أمام هذه الهجمة الشرسة التي نالت من دماء خيرة رجالاتها، ورغم مرارة المعاناة، بقيت دار الهجرة ثابتة على مبادئها، رافضة لسياسات القمع الأموية ومحافظة على هويتها الروحية كمعقل للحق والعدل.
خاتمة
تظل المدينة المنورة واحة السكينة التي لا تدنسها المظالم وإن جارت عليها الأيام؛ فعبر التاريخ أثبتت طيبة الطيبة أن جسدها يلفظ الخبث، وأن دماء شهدائها في واقعة الحرة وأحد صاغت سياجاً من النور يحمي عاصمة المصطفى، لتبقى منارة للثبات والوفاء والكرامة الإسلامية.

مكة المكرمة.. مهبط الوحي وقدسية الأرض في وجه محن التاريخ بقلم الناصر خشيني

 


مكة المكرمة هي أم القرى وقبلة المسلمين، البقعة الطاهرة التي اصطفاها الله سبحانه وتعالى لتكون منطلقاً للرسالة الخاتمة ومهبطاً للوحي الإلهي على النبي محمد ﷺ. تمتد جذورها التاريخية إلى عهد النبي إبراهيم وابنه إسماعيل عليهما السلام اللذين رفعا قواعد البيت العتيق. حظيت مكة بمكانة مقدسة مطلقة في قلوب العرب والمسلمين عبر العصور، وتوالت عليها العهود الإسلامية، ورغم مكانتها الروحية العالية، إلا أنها لم تسلم من التجاذبات السياسية والصراعات العسكرية القاسية التي أثرت في تاريخها السياسي.
أهم معالمها
يأتي "المسجد الحرام" و"الكعبة المشرفة" كأعظم بقعة على وجه الأرض، وتحيط بهما المشاعر المقدسة كـ "جبل عرفات"، ومزدلفة، ومنى، التي يقصدها الملايين من كل فج عميق. وتضم مكة "غار حراء" في جبل النور حيث نزلت أولى آيات القرآن الكريم، و"غار ثور" الشاهد على الهجرة النبوية الشريفة، بالإضافة إلى بئر زمزم المبارك والمعالم التاريخية التراثية المحيطة بالبلد الحرام والتي تروي قصة التوحيد.
صمودها ودورها النضالي والتاريخي
عاشت مكة المكرمة محطات تاريخية بالغة القسوة والألم إبان العهد الأموي، حيث واجهت المدينة حصارات عسكرية انتهكت حرمتها المقدسة نتيجة الصراع على الخلافة؛ وتجلى ذلك في حصار جيوش يزيد بن معاوية للمدينة عام 64 هـ بقيادة الحصين بن نمير، وحصار الحجاج بن يوسف الثقفي الشهير عام 73 هـ في عهد عبد الملك بن مروان. صمدت مكة وأهلها بزعامة عبد الله بن الزبير في وجه تلك الآلات العسكرية التي لم تتورع عن ضرب الكعبة المشرفة بالمنجنيق وإحراق أجزاء منها، لتبقى هذه الأحداث شاهداً تاريخياً على المعاناة المريرة التي تحملتها العاصمة الروحية للأمة دفاعاً عن شرعيتها وحرمتها.
خاتمة
إن قدسية مكة المكرمة استمدت ثباتها من أمر إلهي لا تزعزعه محن التاريخ ولا غطرسة الحكام؛ فرغم الدماء والحروب التي حاصرت أسوارها في بعض العهود، ظلت مكة مهوى الأفئدة وحصن الإسلام الحصين الذي يغسل أوجاع التاريخ ويبقى شامخاً بروحانيته إلى قيام الساعة

قسنطينة.. عاصمة الجسور المعلقة وعنفوان الصمود الأسطوري بقلم الناصر خشيني


تاريخ المدينة

تُعد مدينة قسنطينة، أو "سيرتا" القديمة، واحدة من أعرق الحواضر التاريخية في المغرب العربي، حيث تمتد جذورها إلى العهد الفينيقي والنوميدي لتكون عاصمة للملك ماسينيسا. بنيت المدينة فوق صخرة عاتية يشقها وادي الرمال، مما منحها حصانة طبيعية فريدة جعلتها عصية على الغزاة عبر العصور. ومع دخول الإسلام، تحولت إلى منارة علمية وثقافية رائدة. ورغم سقوطها في يد الاستعمار الفرنسي عام 1837 بعد مقاومة شرسة قادها الحاج أحمد باي، إلا أن قسنطينة ظلت قلعة للهوية العربية والإسلامية وعاصمة للعلم والعلماء بقيادة الإمام عبد الحميد بن باديس.
أهم معالمها
تتميز قسنطينة بـ "الجسور المعلقة" الشاهقة التي تربط ضفتي صخرتها العتيقة في مشهد هندسي وطبيعي ساحر، ومن أشهرها جسر سيدي مسيد وجسر ملاح سليمان. كما تضم المدينة "مسجد الأمير عبد القادر" الذي يعد تحفة معمارية إسلامية فريدة ومنارة علمية كبرى، إلى جانب "قصر الحاج أحمد باي" الذي يعكس أوج العمارة الإسلامية في العهد العثماني، فضلاً عن أحيائها العتيقة وحاراتها الضاربة في عمق التاريخ التي تفوح بعبق الأصالة.
صمودها ودورها النضالي والتاريخي
سطرت قسنطينة صفحات مجيدة من الصمود الأسطوري في وجه محاولات الطمس والفرنسة؛ وتجلى دورها النضالي بأبهى وأقسى صوره في "مجازر 8 ماي 1945" النكراء. فحين خرج أبناء المدينة بصدور عارية يطالبون بالحرية، واجههم الاستعمار الفرنسي بوحشية مفرطة وحملات إبادة جماعية لم تزد المدينة إلا إصراراً على الثورة. وشكلت قسنطينة الحاضنة الفكرية لـ "جمعية العلماء المسلمين الجزائريين"، التي قادت معركة الدفاع عن لغة الضاد والدين الإسلامي، وكانت ركيزة أساسية انطلقت منها قوافل الثوار في ثورة التحرير المظفرة.
خاتمة
تبقى قسنطينة مدينة لا تنحني للعواصف؛ فجسورها الشامخة ليست مجرد ممرات بين الصخور، بل هي صلة وصل بين ماضٍ مجيد وحاضر حر، لتظل دائماً عاصمة الفكر والصمود التي تثبت أن إرادة الشعوب الحرة أقوى من جدران السجون والآلات العسكرية

الصمت المغربي تجاه سبتة ومليلية والجزر المحتلة مقابل معركة الصحراء بقلم: الناصر خشيني



منذ أكثر من عقد من الزمان، كتبتُ محذراً من خطورة الموقف العربي والمغربي المهادن تجاه أقدم استعمار أوروبي مباشر ما زال جاثماً على الأراضي الإفريقية والعربية. واليوم، ونحن في عام 2026، أجد نفسي مضطراً لإعادة قراءة هذا الملف الشائك على ضوء تطورات دراماتيكية غيّرت وجه الدبلوماسية في المنطقة. إن المشهد الراهن لم يعد مجرد قصة احتلال مستمر منذ قرون لمدينتي سبتة ومليلية، بل تحول إلى معادلة سياسية معقدة تُقايَض فيها الجغرافيا، وتتأجل فيها معارك التحرير السيادي في الشمال مقابل تثبيت المكاسب في الصحراء بالجنوب (1).
جغرافيا أسيرة في طي النسيان
عندما نتحدث عن الاحتلال الإسباني، فإن الذاكرة الرسمية والإعلامية غالباً ما تختزل القضية في سبتة ومليلية، مغفلةً أرخبيلاً كاملاً من الجزر الصخرية المغربية الاستراتيجية التي تطوقها البوارج الإسبانية (2). إنها الجزر الجعفرية (شفاريناس) الثلاث القابعة قبالة سواحل الناظور، وجزر الحسيمة (النكور والبرهان ونوبيس)، وشبه جزيرة باديس (صخرة قميرة) التي تحولت بفعل الطبيعة إلى أرض متصلة باليابس المغربي ويفصلها عن السيادة المغربية سياج حدودي واهن، وصولاً إلى جزيرة ليلى (تورا) التي شهدت آخر استعراض عسكري لفرض الأمر الواقع عام 2002.
هذه الأراضي ليست مجرد صخور في البحر، بل هي ثغور مستعمرة تمثل خرقاً صارخاً لسيادة الأمة العربية، ومع ذلك، يلفها اليوم صمت رسمي مغربي مطبق يعكس تحولاً جذرياً في أولويات الرباط.
معيار "النظارة السوداء": رهن الشمال من أجل الجنوب
لقد حدد المغرب بوضوح قاعدته الدبلوماسية الجديدة حين أعلن أن "ملف الصحراء هو النظارة التي ينظر بها إلى العالم". هذا التوجه جعل الدبلوماسية المغربية تضع كل بيضها في سلة ملف الصحراء الغربية، جاعلةً منه المعيار الوحيد لتقييم الشراكات والصداقات الدولية (3).
هذا التركيز المكثف أنتج "العصر الذهبي" الراهن في العلاقات بين الرباط ومدريد، خاصة بعد اعتراف حكومة "بيدرو سانشيز" الإسبانية بمبادرة الحكم الذاتي المغربية للصحراء (4). ولكن، ما هو الثمن الذي دُفع في المقابل؟ الثمن كان واشياً وصادماً: إدخال ملف سبتة ومليلية والجزر المحتلة في "ثلاجة" التجميد الدبلوماسي (5). لقد اختفت المطالبة السيادية المغربية بهذه الثغور من منابر الأمم المتحدة والاتفاقيات الثنائية، وحلّ مكانها صمت رسمي مريب يُفسَّر على أنه مقايضة ضمنية: "اعتراف إسباني بمغربية الصحراء مقابل سكوت مغربي عن إسبانية سبتة ومليلية" (1).
ملف الصحراء وتأثيره السلبي على المنطقة: شلل مغاربي وسباق تسلح
إن هذا التمسك الحاد والتمحور الكامل للمغرب حول ملف الصحراء الغربية لم يقتصر أثره على تجميد ملف الثغور الشمالية المحتلة فحسب، بل امتد ليعصف بالاستقرار الإقليمي لمنطقة المغرب العربي برمتها. لقد تحولت قضية الصحراء إلى حجر عثرة حقيقي أفسد العلاقات الثنائية بين الرباط والجزائر بشكل غير مسبوق، ووصل بالبلدين الجارين إلى قطيعة دبلوماسية تامة (6).
هذا التوتر المزمن أدى مباشرة إلى عواقب وخيمة على المستويين السياسي والعسكري:
  • توقف عجلة الاتحاد المغاربي: أُصيب مشروع "الاتحاد المغرب العربي" بشلل تام وموت سريري، وضاعت على شعوب المنطقة فرص التكامل الاقتصادي والوحدة بسبب تباين المواقف الحاد حول الصحراء.
  • سباق محموم نحو التسلح: اندفع الجاران الشقيقان نحو استنزاف ثرواتهما في سباق تسلح غير مسبوق؛ حيث تخصص ميزانيات ضخمة لشراء أحدث المنظومات الدفاعية والطائرات والأسلحة الهجومية، وهو ما كان أولى أن يُوجّه نحو التنمية والتعليم والصحة. هذا التسلح حوّل المنطقة إلى برميل بارود يهدد السلم الأهلي الإقليمي بدلاً من توجيه القوة دفاعاً عن قضايا الأمة المشتركة.
تحويل التحرير إلى ملف "تقني" واستخدام الهجرة
في ظل هذا الواقع، تراجعت لغة التحرير والسيادة الوطنية تجاه الاحتلال الإسباني، وتحول الصراع التاريخي إلى مجرد تفاوض حول ملفات "تقنية" وإجراءات حدودية، مثل فتح الجمارك التجارية، ومكافحة الهجرة غير النظامية، والربط البحري (7).
ومع ذلك، يمارس المغرب ضغطاً ناعماً بطرق غير مباشرة؛ فبدلاً من المواجهة الدبلوماسية العلنية، أصبحت "أوراق الضغط" بديلة. نرى ذلك بوضوح في موجات الهجرة غير النظامية المتلاحقة التي تشهدها حدود المدينتين المحتلتين، والتي تُستخدم كرسائل سياسية مبطنة لمدريد لتذكيرها بأن استقرار أمنها الجنوبي مرهون باستمرار موقفها الإيجابي من قضية الصحراء (8). يضاف إلى ذلك سياسة "الخنق الاقتصادي" عبر إنهاء التهريب المعيشي، بهدف تحويل هذه الثغور إلى عبء مالي على الخزينة الإسبانية دون الحاجة لصدام عسكري مباشر.
خاتمة: السيادة كلّ لا يتجزأ
إن رهن السيادة الوطنية في الشمال لانتزاع اعترافات بملف الجنوب هو مناورة سياسية محفوفة بالمخاطر؛ فالأوراق الدولية متقلبة، والحكومات في إسبانيا وأوروبا تتبدل، وما يمنحه اليمين اليوم قد يتراجع عنه اليسار غداً.
إن موقفنا كأصحاب فكر قومي ومبدئي يظل ثابتاً لا يتزحزح: السيادة لا تتجزأ، والاستعمار لا يمكن تصنيفه إلى مقاطعات مقبولة وأخرى مرفوضة. إن التفريط أو السكوت عن احتلال سبتة ومليلية والجزر المغربية هو طعنة في خاصرة التحرر العربي، وإن الاستقرار الحقيقي في حوض المتوسط لن يتحقق عبر سياسات المقايضة وتأجيل الأزمات، بل بالإنهاء الكامل وغير المشروط لآخر المعاقل الاستعمارية الأوروبية في قارتنا الإفريقية.

الهوامش والمراجع:
(1) د. عبد الحكيم أبو اللوز، المقايضات السياسية في العلاقات المغربية الإسبانية، مركز دراسات الوحدة العربية.
(2) الناصر خشيني، الثغور المغربية المحتلة وجذور الاستعمار الحديث، مقالات الفكر القومي العربي.
(3) مقتطف من الخطاب الملكي الرسمي للعاهل المغربي محمد السادس بمناسبة ثورة الملك والشعب.
(4) تقرير السياسة الخارجية الإسبانية، التحول في موقف مدريد من ملف الصحراء وتداعياته الجيوسياسية، معهد إل كانو الملكي.
(5) د. حسن طارق، المغرب وإسبانيا: من صراع السيادة إلى الشراكة الأمنية والتقنية، المجلة العربية للعلوم السياسية.
(6) تقارير مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، العلاقات الجزائرية المغربية: أزمة الصحراء والانسداد المغاربي.
(7) يوسف جلال، سباق التسلح في شمال إفريقيا وتأثيره على التنمية المستدامة، مجلة الدفاع الإستراتيجي.
(8) تقرير المنظمة الدولية للهجرة (IOM)، ملف الهجرة غير النظامية عبر ثغور سبتة ومليلية 

الخميس، 2 يوليو 2026

دعاة على ابواب الجحيم : الرد على 500 عالم و 70 جمعية عندما افتوا بالجهاد في سوريا بديلا عن فلسطين

 


مقال نشرته عند وقوع الاجتماع للتنديد بمخرجاته المخزية

رد التقدمية على فتوى الحشد العلمائي السلطاني بالقاهرة بقلم أستاذ الدراسات الاسلامية الناصر خشيني


اجتمع تحت عنوان ” موقف علماء الأمة من أحداث سوريا ” حشد علمائي سلطاني غير مسبوق بحيث لم يحصل ذلك عند اشتداد الغزو الصهيوني لفلسطين أو لبنان أو غيرها من الدول العربية ولم يقع مثل ذلك الاجتماع الرهيب في التقتيل الوحشي لمسلمي بورما ولا عند التطهير العرقي لمسلمي البوسنة وقد شارك في المؤتمر أكثر من70 جمعية ورابطة للعلماء في العالم الإسلامي، وعلى رأسها: الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، رابطة علماء أهل السنة، رابطة علماء الشام، وبعض علماء السعودية ، الإخوان المسلمون , وناقش المؤتمرون سبل نصرة الشعب السوري وكل هذا الحشد سلطاني بامتياز أي انه يأتمر بأوامر دول الناتو والقوى الرجعية في المنطقة هي التي تدعم وتمول وتحرض هؤلاء العلماء وتدفع لهم الرواتب السخية والامتيازات لكي يصدروا مثل هذا الموقف ومن غرائب هذا المؤتمر أن يقرأ بيانه الختامي شيخ مثل الشيخ حسان الذي ثبت عليه الثراء الفاحش بطريقة مذهلة من خلال قصره المنيف أو سيارته الفارهة التي تساوي أكثر من مليون ونصف مليون دولار وآلاف من المسلمين في أصقاع العالم يتضورون جوعا فكيف له أن يخالف أولياء نعمته من الحكام الفاسدين ومنهم حكام أقرب منهم للأمية بحيث لا يحسنون قراءة نص فكيف لهذا المجمع أن يكون نزيها وموضوعيا في أحكامه .

ولنا العديد من الملاحظات على بيانهم هذا بحيث أقروا منذ البداية وجوب النفرة والجهاد لنصرة اخواننا في سوريا بالنفس والمال والسلاح وكل أنواع الجهاد والنصرة وما من شأنه انقاذ الشعب السوري من قبضة القتل والإجرام ونسوا أن مقاتلين من عشرات الجنسيات وقع التغرير بهم لممارسة شتى أنواع الجرائم كالذبح والاغتصاب والسرقة وتدمير الممتلكات فهؤلاء يتم التسهيل لهم واغراؤهم بالأموال والدعم اللوجستي والاعلامي فضلا عن الفتاوى المانحة لهم حور العين عند الموت على أيدي الجيش العربي السوري وهم في الغالب الأعم من الشباب العاطل عن العمل ومحدودي التعليم من الناحية السوسيولوجية فيسهل التأثير فيهم تبعا لذلك .

استعمال حشد من الآيات والأحاديث النبوية في غير محلها وفي سياق غير سياقها وذلك أن الذي يجري في سوريا كان في بدايته مطالب شعبية للديمقراطية وحقوق الانسان ولكن الدوائر الغربية والصهيونية والقوى الرجعية في المنطقة استغلت الموقف لتجهز على سوريا الدولة والتاريخ والحضارة وآخر قلاع المقاومة للمشروع الصهيوني في المنطقة بحيث ان سوريا ليست الا أرض دعوة بالتي هي أحسن وليست أرض جهاد ان أخطأ الحاكم .ولم يستعملوا هذه النصوص الشرعية في مواجهة الصهاينة الذين يحتلون كامل فلسطين ومن دول عربية أخرى فالصهاينة أولى أن يجاهدوا وفقا لتلك النصوص ذاتها

ورد في البيان ضورة الحرص على على الألفة والاتفاق، وتوحيد الجهود نحو العدو وحفظ القوة والغلبة والبعد عن الفشل بترك التفرق والاختلاف قال تعالى: (وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ).وهذا بتقديري كلام لا يستقيم وحالة سوريا العربية المسلمة حيث ان الكثير من حكام البلدان التي ينتمي اليها هؤلاء العلماء يتعاملون بالمكشوف ودون خفية مع الكيان الصهيوني فعن أي ألفة واتفاق يتحدثون وعن أي عدو يجاهدونه هل أصبح الجيش العربي السوري الذي ينتمي اليه أكثر من ثلثي منتسبيه من السنةويملك صناعة عسكرية وجهها أساسا لدعم المقاومة في فلسطين ولبنان وقيادات المقاومة هناك يشهدون بذلك ولكن الله تعالى يقول في محكم آياته يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُواْ لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُّبِينًا إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا ). سورة النساء بحيث ان الموالاة في حالة سوريا للقوى المعادية للأمة حقيقة وواقعا وأي اصطفاف وراءها يؤدي ختما الى الوقوع في المحظور وعلى علماء الأمة الحذر الشديد من وطأة الحساب أمام الله أولا والتاريخ والأمة بأجيالها المتعاقبة فالتاريخ لا يرحم وأشد منه عذاب الله يوم القيامة .

ورد في النص ايضا الاشادة بموقف كل من تركيا وقطر وهما بلدان فيهما قواعد عسكرية أمريكية ضخمة انطلقت منها الطائرات الأمريكية لتدمير العراق وقتل وجرج وتهجير الملايين من شعبه ثم ان لهما علاقات طبيعية مع الكيان الصهيوني اضافة الى كونهما ضمن الجوقة الرأسمالية الطاغية في العالم فقطر توظف معظم عائداتها من النفط والغاز في دول الغرب في حين تقدم قروضا مجحفة للبلدان العربية والاسلامية اضافة الى أن نظامها ملكي وراثي غير ديمقراطي أما تركيا فاضافة الى اقامتها علاقات ديبلوماسية مع الكيان الصهيوني وتقيم علاقات تعاون وثيق معه في كافة المجالات الاقتصادية والعسكرية والاستخبارية وصولا الى المناورات العسكرية المشتركة كما أن نظامها رأسمالي بحيث هناك تفاوت طبقي وجهوي على مستوى البلاد ومن جراء ذلك ثار الشعب التركي على أوردوغان فكيف يشيد المجتمعون بهذا النظام الذي سرق أكثر من ألف مصنع من حلب وحولها الى تركيا اضافة الى كون تركيا تحتل منطقة لواء الاسكندرونة السورية فان الاشادة هنا اعانة الظالم لشعبه وجيرانه على ظلمه .

أما بالنسبة للتنديد بايران ومقاطعة بضائعها واعتبارها عدوا مبينا فهذا الكلام لا يستقيم رغم مشاكلنا كعرب مع ايران فهي أولا جارة جغرافيا ولها نفس ديننا الاسلامي وبالرغم من احتلالها للأحواز وبعض الجزر السعودية والاماراتية وتدخلها في العراق لكن كل هذه الاشكاليات يمكن فضها بالحوار البناء عندما تكون الأمة موحدة وقادرة على مواجهة تحديات الصهاينة والغرب ثم ان ايران تدعم الجهود العربية لمقاومة الصهاينة فنؤجل الصراع معها حول المشاكل العالقة ونهتم بالتحدي الأكبر.

ورد في البيان أيضا تذكير مجلس الأمن وهيئات الأمم المتحدة بمسئولياتهم الدولية و الإنسانية بإدانة و تجريم وإيقاف ما يحدث فى سوريا وبيان أن عدم مؤاخذة النظام الطائفي بجرائمه والسعي في محاكمته ومحاكمة حلفائه من حزب الله والنظام الإيرانى بحيث يبدو أن حضرات العلماء الأجلاء يستدعون المجتمع الدولي والأمم المتحدة ومنظماتها التي نعرف جيدا ازدواجية معاييرها في التعامل مع القضايا العربية والاسلامية عموما بحيث تخدم الغرب وتضر بمصالح العرب والمسلمين والدليل على ذلك ماهو حاصل في فلسطين من جراء اعتراف الأمم المتحدة بالكيان الصهيوني على حساب حق الشعب العربي الفلسطيني لذا فان هذا الموقف لا يمكن قبوله بالمرة لاننا نسلم عدونا ليذبحنا من الوريد الى الوريد .

بحيث تناسى العلماء مسألة الحشد العسكري الأمريكي في المنطقة وذهبوا للقتال في غير ما موضع للجهاد سوى ضد مصالح أمتهم ويقول تعالى في سورة المائدة (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ(51)و قال تعالى ( ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون. ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء ولكن كثيرا منهم فاسقون” )[المائدة:80، 81 وهكذا يتأكد لنا من القرآن الكريم تحريم التعامل العسكري معهم بحيث ان هذه الأيات واضحة انها تتحدث عن الولاء السياسي والعسكري في حين ان هناك ايات أخرى تجيز التعامل معهم في مجال العهود والاتفاقيات الى حد السماح بالزواج من نسائهم ومؤاكلتهم تاكيدا على ضرورة التعايش السلمي ولكن في حالة القواعد الأمريكية نطبق عليها الآيات التي أوردناها لأنها المناسبة لوضعية امريكا التي تظهر العداء للعرب والمسلمين بشكل واضح وتؤكد ولاءها للعدو الصهيوني ولا تتردد في تقديم كل اشكال الدعم المادي عسكريا واقتصاديا واعلاميا وسياسيا في المحافل الدولية واننا نعتقد جازمين ان الحروب التي تشنها امريكا على العرب والمسلمين ليس دفاعا عن مصالح امريكا وانما دفاعا عن الصهاينة وابقاؤهم محتلين لارضنا ومهيمنين على المنطقة كما ان وجود هذه القاواعد مخالف مخالفة صريحة لقوله صلى الله عليه وسلم: ( أخرجوا المشركين من جزيرة العرب ) [ أخرجه البخاري (3053) ومسلم ( 1637) من حديث ابن عباس

حيث ان الثابت بكل مقاييس المنطق فان الصراع في سوريا داخلي لا يجوز فيه التدخل الا على الحياد لدرء الفتنة ولكن الواضح أن هناك تدخلات دولية واقليمية ومنها ايحاءات صهيونية معادية لذا لا يصح أن نعتبر سوريا أرض جهاد لأنها مستقرة في معظم شعبها على دين الاسلام فهي بالتعريف الفقهي الكلاسيكي ليست دار حرب وانها دار اسلام فلا يجوز فيها فتاوى التحريض على الاقتتال الداخلي بين الفرقاء المختلفين سياسيا ولنا في الوطن العربي تجارب في القضاء على الأنظمة الفاسدة بالتظاهر السلمي فقط دون عسكرة الثورة كما حدث في تونس ومصر ولكن عسكرتها في سوريا وليبيا أدت الى نتائج كارثية جدا ودمار وخراب كبيرين ومقتل عشرات الآلاف من شعبي البلدين فكيف للشيخ القرضاوي ان كان مؤمنا بالله حقا أن تسمح له نفسه بمواصلة الافتاء لمزيد من القتل

يقول تعالى في سورة غافر أيضا

• وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ 

• يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ

• وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ

• أَوَ لَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ اللَّهِ مِن وَاقٍ


لذا فاننا نحذر المشايخ و ممن تسول لهم أنفسهم الولوغ في دماء المسلمين تحت أي ذريعة ومهما كانت تحذيرا من ( يَوْمَ لا يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ) ونوجههم أن الجهاد الحقيقي والذي تجوز فيه الفتيا هو الجهاد تحريرا لفلسطين والانتصار لشعبها الذي هجر قسرا وقتل منه الآلاف عدوانا وظلما وأما ما يحصل في سوريا فانها فتنة بين المسلمين لابد من العمل على اطفاء أوارها وذلك أن الفتنة كما هو وارد في القرآن أشد من القتل وتأتي على الأخضر واليابس واذا كانت هناك ديكتاتورية يا شيوخ الدين فلماذا لم تفتوافي ديكتاتورية مشايخ النفط الذين يسرفون ظلما وجبروتا واستقداما للجيوش الأجنبية تدنس الأرض العربية الطاهرة في العيديد والسيلية وهما قاعدتان أمريكيتان انطلق منهما العدوان على العراق وغيرهما من القواعد ومن مظاهر الظلم والجبروت سجن شاعر مدى الحياة من أجل قصيدة تغنى فيها بالثورة التونسية ونقد الحاكم هناك أو لم تفتوا في هذه أيضا يا شيوخنا الا تعلموا قول الله تعالى( إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلاَّ كِبْرٌ مَّا هُم بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) سورة غافر

وفي هذا الصدد نذكر شيوخنا بما ورد في سورة البقرة ان كان لا يزالون يذكرونها (( واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم والفتنة أشد من القتل ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين ( 191 ) فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم ( 192 ) وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين ( 193 ) المسجد الحرام مدنس بالقواعد الأجنبية التي تطلق طائراتها من قاعدة الظهران لقتل العراقيين فلماذا لم تفتوا بضرورة تحرير أرض الحرمين


وبناء على تقدم نقرر أن هذه البيان باطل وغير جائزشرعا لانه يؤدي الى قتل الملايين من الشعب السوري ونقرر بدلا منها أن الجهاد المشروع يكون أساسا في فلسطين لدحر الصهاينة عن احتلال فلسطين ليعود اليها أهلها وكذلك ان الجهاد يصح شرعا لتحرير الأرض العربية من القواعد الأجنبية في الخليج العربي كما يصح ضد كل الحكام الخونة لامتهم الذين يتواصلون مع العدو الصهيوني ويعترفون به ويتعاملون معه على جميع الصعد كما لا يتورعون عن ترويع شعوبهم بكل صنوف المظالم التي لم تعد خافية على أحد.

http://www.taqadoumiya.net/2013/06/14/رد-التقدمية-على-فتوى-الحشد-العلمائي-ال/

بنزرت التونسية.. مدينة الجلاء ومعركة الشرف الأخير بقلم الناصر خشيني



تاريخ المدينة
تقع مدينة بنزرت في أقصى شمال القارة الإفريقية، وهي حاضرة تاريخية عريقة أسسها الفينيقيون قبل قرابة ثلاثة آلاف عام لتكون مرفأً تجارياً واستراتيجياً فريداً يربط شرق البحر المتوسط بغربه. تعاقب عليها الرومان والقرطاجيون، واكتسبت في العهد الإسلامي مكانة متميزة كرباط بحري متقدم لحماية السواحل التونسية من الغزوات. ونظراً لموقعها الجغرافي الحساس الذي يتحكم في الملاحة الدولية، طمع فيها الاستعمار الفرنسي وجعل منها آخر القواعد العسكرية التي تمسك بها حتى بعد إعلان استقلال تونس عام 1956.
أهم معالمها
تتميز بنزرت بـ "المرسى القديم" (الميناء العتيق) الذي يمثل قلب المدينة التاريخي وتحيط به المقاهي البيضاء والأسوار القديمة في مشهد ساحر يمزج التاريخ بالطبيعة. كما تبرز "الحصون الأثرية" مثل الحصن الإسباني وحصن سيدي الحني لتشهد على المعارك البحرية التي خاضتها المدينة، بالإضافة إلى "قناة بنزرت" الشهيرة والجسور المتحركة، وأحيائها العتيقة ومساجدها القديمة مثل الجامع الكبير الذي يعكس الطابع المعماري الأندلسي والتونسي الأصيل.
صمودها ودورها النضالي والتاريخي
خلدت بنزرت اسمها في وجدان الأمة العربية عبر "معركة الجلاء" البطولية في جويلية (يوليو) 1961؛ فحين رفض الاحتلال الفرنسي إخلاء قاعدته البحرية الاستراتيجية في المدينة، انتفض الشعب التونسي بقيادة المتطوعين والمقاومين وجيشه الفتي في مواجهة عسكرية غير متكافئة ضد الجيش الفرنسي المدجج بالسلاح. سقط في شوارع بنزرت المئات من الشهداء والجرحى في ملحمة فداء كبرى، أثمرت في النهاية جلاء آخر جندي فرنسي عن التراب التونسي في 15 أكتوبر 1963، ليكون هذا الصمود إعلاناً للسيادة الوطنية الكاملة.
خاتمة
تبقى بنزرت عنواناً للسيادة والكرامة الوطنية التي لا تقبل التجزئة؛ فدماء شهدائها التي روت أرض الشمال التونسي صاغت درساً بليغاً في أن الاستقلال لا يكتمل إلا بزوال آخر معاقل المحتل، لتظل بنزرت دائماً منارة للجلاء والنصر في وجدان الأحرار.


جمال عبد الناصر: جدلية الوعي والممارسة في مسيرة قائد الأمة وباني نهضتها الحديثة بقلم: الناصر خشيني

نقف اليوم على أعتاب الذكرى الرابعة والسبعين لثورة الثالث والعشرين من يوليو (جويلية) 1952، وهي محطة لم تكن مجرد انقلاب عسكري تقليدي، بل كانت ...