قائمة المدونات الإلكترونية

الجمعة، 12 يونيو 2026

الاستسلام الأمريكي الكبير: إيران ترسم ملامح العالم الجديد- بقلم: الناصر خشيني




تتسارع الأحداث في منطقة الشرق الأوسط لترسم ملامح نظام عالمي جديد، لم تعد فيه الولايات المتحدة تلك القوة التي تملي شروطها دون رادع. اليوم، نجد أنفسنا أمام مشهد كان بالأمس القريب ضرباً من الخيال: واشنطن، بكل ثقلها العسكري والدبلوماسي، تبدو وكأنها ترفع “الراية البيضاء” أمام الثبات الإيراني، لتقبل بالشروط التي وضعتها طهران لإعادة صياغة قواعد اللعبة الدولية.

سقوط الهيمنة وتراجع القطبية

إن قبول أمريكا بالشروط الإيرانية ليس مجرد تراجع تكتيكي، بل هو اعتراف ضمني بفشل سياسة “الضغوط القصوى” وانحسار القدرة الأمريكية على التأثير المباشر. هذا الاستسلام المعلن يؤسس لتحولات جيوستراتيجية عميقة؛ فكل خطوة تتراجعها واشنطن، تتقدم في مقابلها قوى صاعدة تتربص بكرسي القيادة العالمية، مما يعلن رسمياً نهاية “القرن الأمريكي” وبداية عصر التعددية القطبية، حيث تبرز الصين كبديل اقتصادي وضامن سياسي، وتتقدم روسيا كلاعب عسكري واستراتيجي لا يمكن تجاوزه.

تصدع “عرش الدولار” وحرب العملات

ولم يكن هذا الاستسلام سياسياً فحسب، بل هو اعتراف بتآكل أقوى أسلحة واشنطن: “سلاح العقوبات المالية”. لقد أثبتت طهران، مدعومةً بحلفاء استراتيجيين، أن الهيمنة الأحادية للدولار بدأت بالانهيار. نشهد اليوم تحولاً جذرياً حيث باتت إيران وروسيا والصين تدير تجارتها البينية بالعملات المحلية (الريال، الروبل، واليوان)، متجاوزةً نظام “سويفت” الذي طالما استُخدم كمقصلة اقتصادية ضد الشعوب المتمردة. هذا المسار في “إلغاء الدولرة” (De-dollarization) يسحب البساط من تحت أقدام الاقتصاد الأمريكي القائم على الديون المطبوعة، ويمنع واشنطن من تصدير تضخمها للعالم، ويسقط “بترودولار” الشرق الأوسط، مما ينهي عصر الابتزاز المالي الدولي.

التمدد الإيراني وانكفاء “إسرائيل”

على الصعيد الإقليمي، يفتح هذا الاستسلام الباب على مصراعيه لتمدد إيراني غير مسبوق كقوة إقليمية مهيمنة صمدت لعقود تحت الحصار. هذا المشهد يضع مشروع “إسرائيل” في مأزق وجودي؛ فمع انكفاء الدعم الأمريكي المطلق وانشغال واشنطن بأزماتها الداخلية، يجد الكيان الصهيوني نفسه أمام عزلة جغرافية وسياسية. إن القوة العسكرية للكيان لا يمكنها الصمود طويلاً دون الشريان المالي والسياسي الأمريكي الذي بدأ يضيق، مما يعزز فرضية انكفائه التام، وربما بداية مسار زواله التاريخي مع تغير موازين القوى الردعية في المنطقة.

خلاصة القول

نحن أمام زلزال جيوستراتيجي أعيدت فيه كتابة التاريخ بمداد إيراني وصبر استراتيجي. إن قبول واشنطن بالشروط الإيرانية هو المسمار الأخير في نعش القطبية الواحدة، وإعلان عن ولادة نظام عالمي جديد تتوزع فيه الثروة والقرار بين أقطاب تحترم سيادة الدول، وتتعامل بعملات تعكس القيمة الحقيقية للإنتاج لا سطوة الأساطيل؛ لتكتفي أمريكا بدور المتفرج بعد أن كانت المخرج والمنتج.

 

 

​"بين صفاء الوحي وزيف الفتاوى: معركة تحرير الدين من قيد التراث وسلطة السلطان بقلم الناصر خشيني

 



​مقدمة: معضلة الغربلة في عصر الرقمنة

​حينما نلتفت بالقراءة والتحليل إلى تراثنا الفكري، نجد أنفسنا أمام مزيج معقد يختلط فيه الغث بالسمين، والصالح بالطالح، إلى حدٍّ جعل من عملية تنقيته وغربلته مهمة شاقة ومحفوفة بالمخاطر. وتكمن هذه الصعوبة في كون هذا التراث قد تحول عبر القرون إلى ركيزة بنيت عليها سياسات، وثقافات، واقتصادات، وعادات اجتماعية ترسخت في الوجدان الجمعي بوثوقية تامة. إن زحزحة هذا السائد تتطلب جهداً جهيداً، إلا أن الأمل يظل قائماً في عصرنا الراهن؛ إذ تتيح الثورة الرقمية والتسارع الآلي للمعلومات أدواتٍ تخفف العبء عن كاهل المفكرين والواعين بحقائق الأشياء.

​وفي المقابل، يصطدم هذا الجهد التنويري بمقاومة شرسة من "تجار الدين" الذين يستميتون للإبقاء على الوضع القائم حمايةً لامتيازاتهم ومكانتهم الدينية والاجتماعية والمالية. ومن هنا تندلع المعركة حامية الوطيس، لكون هؤلاء يمتلكون أذرعاً قوية من مال وإعلام وسلطة ونفوذ جماهيري. ورغم ضراوة المواجهة، فإن الذود عن مستقبل الأمة يظل واجباً مقدساً يتطلب رباطة جأش؛ لإنهاء المهزلة التاريخية التي استسلمت لمقولة "ليس في الإمكان أبدع مما كان"، ولنفض الغبار عن الخزعبلات والأباطيل التي لا يمكن لعقل سوي أن ينسبها إلى جوهر الدين.

​حدود المقدس والمدنس في النتاج البشري

​إن التراث الإسلامي يحمل -بلا شك- جوانب إيجابية ملهمة تشكل أرضية صلبة للبناء والتقدم، على غرار ما فعلته المجتمعات الغربية حين انطلقت من الفكر الإغريقي والروماني، وأخذت من إبداعات الحضارة الإسلامية لتبني نهضتها الحديثة. بيد أن الخطأ الجسيم الذي وقعنا فيه يكمن في خلطنا بين الدين والتراث؛ حيث توهمنا أن الإنتاج الفكري البشري المعبر عن ظروف تاريخية وسياسية واجتماعية معينة هو جزء من المقدس المعصوم.

​إن المقدس الحق هو الوحي الإلهي المتمثل في القرآن الكريم، والذي استند إليه الأقدمون لصياغة رؤاهم بشريةِ الطابع؛ فنشأ الفقه، والتفسير، والحديث، وأصول الفقه، وعلم الكلام، والتصوف، وعلوم اللغة، والفنون المعمارية. وكل هذه العلوم والآداب هي صياغات بشرية محكومة ببيئتها وزمانها وليست ديناً في حد ذاتها. إن تقديس هذا النتاج البشري "المدنس" (بمعنى الدنيوي الخاضع للخطأ والصواب) يجعلنا سجناء للماضي وعاجزين عن الإبداع. لذا، يفرض الواجب العلمي المعاصر تجاوز هذه الأطر التقليدية، وصناعة ثقافة دينية تواكب التطور العلمي الرهيب في العقيدة والعبادة والمعاملات والأخلاق، مستلهمةً من الوحي الثابت، لتتحرر عقولنا من أسر الماضي ومن الانبهار التام بالغرب وقيمه في آنٍ واحد، مستندين إلى المضمون العقلي الذي يزخر به القرآن الكريم.

​"حوانيت" الفتاوى وتسييس الخطاب الديني

​شهد الوطن العربي طفرة مذهلة في انتشار الفتاوى الدينية وصلت حد الابتذال، وتصدى لها من ليس أهلاً للإفتاء. وقد عمدت عدة أنظمة سياسية إلى تدشين مراكز إفتاء رسمية تهدف إلى تطويع الدين ليتناغم مع سياساتها العامة وإن كانت جائرة. إن الأصل في الفتوى أن تنبثق من القرآن الكريم ثم من السنة النبوية الشريفة الصائبة بجوامع الكلم، والتي تلزم المسلم متى صحت، امتثالاً لقوله تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا}، وقوله: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ}. وقد سار على هذا النهج فقهاء الصحابة والتابعين في مختلف الأمصار كما وثقهم الإمام ابن حزم في كتاب "الإحكام في أصول الأحكام".

​بيد أن الواقع المعاصر شهد انحرافاً صريحاً عن هذا الإجماع؛ فبينما استقر في الأذهان تاريخياً أن المؤسسات العلمية العريقة كالأزهر في مصر والزيتونة في تونس هي المرجع الشرعي، تدخلت المصالح السياسية والمالية لتستبدل هذه المنارات بمؤسسات ورموز موجهة لخدمة أجندات معينة:

  • ​النموذج القطري: توظيف الوفرة المالية لإبراز يوسف القرضاوي عبر المنصات الإعلامية (كالجزيرة) وتأسيس "الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين" لخدمة أجندات سياسية تهدف لتفتيت الأمة وإثارة الفتن، وصياغة فتاوى تبيح الفوضى والقتل في عواصم عربية كطرابلس ودمشق، في مقابل صمت مريب عن الدعوة للجهاد الحقيقي في فلسطين، وتواتر شهادات (كشهادة طليقته أسماء بن قادة) حول علاقاته ومصالحه المادية، وصمته عن القواعد العسكرية الأجنبية التي دمرت العراق.
  • ​النموذج السعودي: تأسيس هيئة الإفتاء العامة ورابطة العالم الإسلامي بمكة لتوظيف المكان والتأثير في النفوس، ونشر المذهب الوهابي كبديل للدين الحق، لخدمة حكام يفتقرون للحد الأدنى من الكفاءة العلمية أو اللغوية، وتقديم نموذج مشوه للإسلام بريء منه ومن تصرفاتهم التاريخية (كمواجهة المد القومي التحرري لعبد الناصر في اليمن ودعم الرجعية).
  • ​النموذج التونسي بعد الثورة: استبعاد العلماء المؤهلين علمياً وعقلياً، وإفساح المجال لغير المختصين لاعتلاء منصات الإفتاء؛ ليمارسوا التسطيح والابتذال الفكري عبر فتاوى هامشية (كتعدد الزوجات، وتحريم عصيدة الزقوقو في المولد، ومنع سفر المرأة دون محرم)، بهدف إلهاء الشعب عن قضاياه الجوهرية كالوضع الاقتصادي المتردي والبطالة، وإفراغ الثورة من مضامينها التحررية.

​ومن هنا، يجب تحذير الشباب العربي من "حوانيت المتاجرة بالدين" التي تدر الملايين على أصحابها، وتغلف الفتاوى السياسية المسمومة بغلاف شرعي؛ تشرعن القتل في سوريا وليبيا وتصمت صمت القبور عن فلسطين المحتلة.

​الفتاوى السلطانية: جذور تاريخية وأثمان دموية

​إن توظيف الدين لخدمة الأغراض السياسية ليس بدعاً مستحدثاً، بل تمتد جذوره إلى زمن "الفتنة الكبرى" وانحياز بعض الصحابة (كعمرو بن العاص وأبو هريرة) لمعاوية بن أبي سفيان في مواجهة علي بن أبي طالب، ووصول الخلاف السياسي إلى تبادل الاتهامات حتى بين الفريق الواحد (كخلاف علي وابن عباس حول بيت المال ودماء المسلمين). وتوالت بعد ذلك الفرق الإسلامية التي استغلت الدين قهراً للخصوم وانتصاراً للمذهب، ورغم ذلك لم تجنِ تلك الفرق سوى الخسارات الفادحة عبر الخصومات الدموية.

​أما أئمة الفقه الأربعة المشهورين لدى أهل السنة والجماعة، فقد نالوا مكانتهم المرموقة واستمر فقههم لأنهم رفضوا أن يكونوا وعاظاً للسلاطين، وتحملوا في سبيل ذلك السجن والتعذيب والمضايقة، فكانوا تعبيراً حقيقياً عن نبض الأمة.

​أما اليوم، فقد غدا فقهاء السلطان يسوقون النفاق تحت عنوان "طاعة أولي الأمر" لتمجيد حكام يفتقدون لأبسط مقومات القيادة، ضاربين بعرض الحائط الوعيد الإلهي في سورة التوبة: {قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ... أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ...}. إن ثمن هذه الفتاوى السلطانية كان باهظاً ومدمراً؛ إذ أودت بحياة مئات الآلاف في ليبيا، والعراق، وأفغانستان، وسوريا، وشرعنت استدعاء قوات "الناتو"، في مقابل حيازة هؤلاء المفتين للقصور والسيارات الفخمة والثروات المليارية، بينما يُستبعد العلماء النزهاء. ونسي هؤلاء المشايخ مفهوم التجارة الرابحة الحقيقية التي دعت إليها سورة الصف: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدلُّكُمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ...}. ورغم قتامة المشهد، لا يخلو الواقع من علماء صادقين يصدعون بالحق ويكشفون زيف وعاظ السلاطين.

​مظاهر الإضافات والبدع الدخيلة على الدين

​إن دراسة الدين دراسة علمية أكاديمية تكشف حجم الزوائد والعادات البالية التي أضيفت إليه عبر القرون نتيجة الجهل، أو الرغبة السياسية، أو العوامل الوراثية، حتى باتت هذه التراكمات تناقض مبادئ الإسلام الأساسية. ولتخليص الدين وجعله صافياً مستساغاً يقبله العقل السليم، لا بد من رصد هذه المظاهر وتجنبها:

  1. ​في العقيدة والتوحيد: أتى الإسلام بالتوحيد الخالص ونبذ الشرك والوساطة بين الخالق والمخلوق؛ لذا فإن سلوكيات طلب البركة من الأولياء والصالحين، وتقديم النذور والقرابين وإقامة المهرجانات حول أضرحتهم، تعد خروجاً عن أصل التوحيد. كما تظهر الإضافات السياسية في عقيدة الإمامة عند الشيعة، ومفهوم "ولاية الفقيه" الذي يصادر حق الأمة في اختيار حكامها ومحاسبتهم، مدعياً "التفويض الإلهي"، وكذلك الحركات المتطرفة التي تتبنى الحاكمية المطلقة وتكفر المخالفين لتوظيف الدين دنيوياً.
  2. ​في العبادات والشعائر: يبرز الخلل في تقديم السنن والمندوبات على الفرائض والواجبات؛ كالمبالغة في الإنفاق على طقوس الختان (وهو سنة) وإهمال فريضة الحج، أو تحويل المناسبات الدينية كالأعياد وشهر رمضان إلى مواسم للاستهلاك والتفاخر بالأطعمة والموائد، على حساب جوهر العبادة والتقوى.
  3. ​في العادات والتقاليد (المآتم والأعراس): تبرز البدع الدخيلة في ممارسات الموت؛ كإقامة الأربعينيات والسنويات، وتحويل المقابر إلى ساحات لطقوس غريبة يشترك فيها بعض القراء والمشايخ بغرض التكسب. وكذلك الحال في طقوس الزواج والتعقيدات الاحتفالية والهرج التي تعسر الزواج وتجعله حكراً على الأغنياء، مما يفسد المجتمع ويبعده عن قيم العفة والتيسير.

​خاتمة

​إن مواجهة هذه العادات التي تحولت إلى "سلطة قوية" تكبل وعي المجتمعات هي معركة الوعي الحقيقية، حتى لا يستبدل المسلمون جوهر دينهم النقي بدين بديل، غريب وممسوخ، وحتى يظل الإسلام كحقيقته الموضوعية ديناً عالمياً يحقق الأمن والطمأنينة للبشرية جمعاء.

​مراجع المقال (مستندة إلى المتن):

  1. ​القرآن الكريم:
    • ​سورة الحشر، الآية 7.
    • ​سورة النساء، الآية 59.
    • ​سورة التوبة، الآية 24.
    • ​سورة الصف، الآيات 10-13.
  2. ​ابن حزم الأندلسي: كتاب "الإحكام في أصول الأحكام"، الجزء الخامس، الباب الثامن والعشرون (في ذكر الصحابة والتابعين المفتين في الأمصار).
  3. ​التوثيق الفكري والتاريخي: رصد المذاهب والمدارس الفقهية (الفقهاء الأربعة لأهل السنة، ومذهب الشيعة الإمامية ونظرية ولاية الفقيه، والفكر الوهابي)، والشهادات التاريخية المعاصرة

الخميس، 11 يونيو 2026

التصعيد الأمريكي-الإيراني ومعضلة الشرق الأوسط: بقلم الناصر خشيني

 


التصعيد الأمريكي-الإيراني ومعضلة الشرق الأوسط:
لن تُحلَّ العقدة إلا بعودة الشعب الفلسطيني إلى أرضه
الناصر خشيني
كاتب وصحفي ومحلل سياسي - نابل، تونس | مؤسس "الحرية أولاً"
مدخل: جذر الأزمة
لا يمكن فهم التصعيد الأمريكي-الإيراني المتجدد في منطقة الشرق الأوسط، ولا استيعاب تشعّبات الحروب والمحاصرات التي اجتاحت دوله من العراق إلى سوريا ومن ليبيا إلى اليمن، دون الرجوع إلى الجرح الأصلي الذي لم يُضمَّد منذ أكثر من سبعة عقود: الجرح الفلسطيني. فمنذ اليوم الأول لإعلان قيام الكيان الصهيوني في مايو 1948، والمنطقة تعيش على فوهة بركان لا يهدأ، وكل محاولة لمعالجة الأعراض دون معالجة العلّة الأصلية لم تُنتج سوى مزيد من الاحتراق والدماء.¹
يطرح هذا المقال مقاربةً تحليليةً تربط التصعيد الأمريكي-الإيراني الراهن بمحوره الحقيقي، وهو ضمان بقاء الكيان الصهيوني وحمايته على حساب حقوق الشعوب العربية ومصالحها الاستراتيجية، معتمداً على قراءة تاريخية وجيوسياسية متكاملة، تتتبع المسار الدموي لتدخلات واشنطن في المشرق العربي وشمال أفريقيا منذ عام 2003 حتى اليوم.²
أولاً: القضية الفلسطينية جوهر الصراع لا هامشه
يُصرّ المنطق الغربي والصهيوني على تصوير التوترات الإقليمية بوصفها صراعات دينية-مذهبية أو صراعات نفوذ إقليمي بين قوى متنافسة، وكل ذلك في سياق ذرّ الرماد في العيون وصرف الأنظار عن المعادلة الجوهرية: أن هذه المنطقة لن تعرف استقراراً حقيقياً طالما بقيت أرض فلسطين محتلة، وطالما ظلّ الشعب الفلسطيني شريداً مهجَّراً في مخيمات البؤس واللجوء.³
منذ نكبة عام 1948، وقعت حروب كبرى متعاقبة: حرب 1956، وحرب يونيو 1967 التي ابتلعت الضفة والقطاع وسيناء والجولان، وحرب أكتوبر 1973، والاجتياح الإسرائيلي للبنان 1982، ثم الانتفاضتان الشعبيتان، وسلسلة الحروب على غزة من 2008 وحتى الإبادة الجماعية المتواصلة منذ أكتوبر 2023. هذا التسلسل ليس عرضياً، بل هو نتاج منطقي لوجود جسم غريب زُرع قسراً في القلب العربي دون موافقة أصحاب الأرض.⁴
والمعادلة بسيطة ومُرّة في آنٍ واحد: لا استقرار في المنطقة دون حل القضية الفلسطينية، ولا حل للقضية الفلسطينية دون عودة الشعب الفلسطيني إلى أرضه وإزالة الاحتلال، فكل ما عدا ذلك ليس سوى إدارة للأزمة وتدوير لها، لا علاج لها.⁵
ثانياً: أمريكا حارسة الكيان ومحرّكة التدمير
2-1: العراق.. أول الدروب
كانت حرب عام 2003 على العراق هي الفصل الأكثر جرأةً وفجاجةً في مشروع تدمير المنطقة بذريعة حماية الكيان الصهيوني. فالعراق الذي كان يمتلك ثاني أكبر احتياطي نفطي في العالم، وجيشاً وقدرات مؤسسية وعلمية لافتة، كان يُمثّل ثقلاً موازناً حقيقياً في المعادلة الإقليمية. أفضى الغزو الأمريكي إلى تدمير الدولة، وحلّ الجيش، وتفكيك المؤسسات، ثم فتح الباب واسعاً أمام الفوضى الطائفية والإرهاب المُصنَّع الذي استُخدم ذريعةً لتبرير الاحتلال الممتد.⁶
ولم يتوقف الأمر عند الغزو العسكري، بل امتد إلى حصار اقتصادي خانق سبقه منذ عام 1990 وتلاه، أودى بحياة مئات الآلاف من الأطفال وفقاً لتقارير الأمم المتحدة ذاتها. والعراق اليوم، رغم مرور عشرين سنة على الغزو، لا يزال يرزح تحت وطأة الانقسام والهشاشة المؤسسية والنفوذ الأجنبي المتشعّب.⁷
2-2: سوريا.. حرب الوكالة ومشروع التفتيت
لم تُدمَّر سوريا بجيوش أمريكية مباشرة بالضرورة، لكن واشنطن ضخّت عشرات المليارات من الدولارات في دعم الجماعات المسلحة وتنظيم شبكات التسليح عبر الأراضي التركية والأردنية، وأسبغت على ذلك غطاء خطاب «دعم الثورة الشعبية». والنتيجة التي رأيناها هي: دولة مهشّمة، وملايين من المهجّرين، وبنية تحتية دُمِّرت تدميراً منهجياً، وفوق كل ذلك حصار اقتصادي قاتل يُكرَّس عبر قانون قيصر الأمريكي الذي يستهدف الشعب السوري في رزقه وغذائه ودوائه.⁸
والهدف الاستراتيجي من وراء كل ذلك ليس خافياً: إزاحة الدولة السورية من معادلة محور المقاومة، وتأمين الجبهة الشمالية لإسرائيل، وتحقيق حلم التفتيت الذي طالما رسمه المخططون الأمريكيون والإسرائيليون في مراكز دراساتهم.⁹
وقد جاء سقوط دمشق في ديسمبر 2024 وتسلّم جماعات مسلحة ذات خلفيات جهادية مقاليد الحكم، بعد عقد كامل من الحرب الضروس، ليُؤكد مدى عمق هذا المشروع وطول نفَسه.¹⁰
2-3: ليبيا.. نموذج التدمير بالناتو
في ليبيا كان المشهد مختلفاً في أدواته لكن متشابهاً في مآلاته. استغلّت واشنطن وحلفاؤها الأوروبيون قرار مجلس الأمن رقم 1973 الخاص بحظر الطيران، لتحوّله إلى غطاء لعملية عسكرية شاملة أسقطت نظام القذافي وأجهزت على الدولة الليبية برمّتها. ليبيا التي كانت تمتلك أعلى مستوى معيشي في أفريقيا والاحتياطي النفطي الأضخم في القارة، صارت منذ 2011 دولة فاشلة مقسّمة بين حكومتين وميليشيات لا تُحصى.¹¹
والأدهى أن الفراغ الذي خلّفه التدخل الغربي فتح الأبواب أمام الإرهاب الذي تمدّد جنوباً نحو منطقة الساحل الأفريقي، في نتيجة كانت متوقَّعة لكل مراقب، وكأنها كانت مقصودة ومُبرمجة ابتداءً.¹²
2-4: اليمن.. الحرب بالوكالة على شعب جائع
أما اليمن فقد عاش واحدة من أبشع الجرائم الإنسانية في التاريخ المعاصر، إذ رأت واشنطن في التدخل العسكري السعودي-الإماراتي منذ مارس 2015 أداةً مناسبة لإخضاع الحوثيين الذين رفعوا شعار معاداة إسرائيل، فضلاً عن احتواء النفوذ الإيراني. قدّمت الولايات المتحدة الدعم اللوجستي والاستخباراتي والتسليحي الكامل لهذه الحرب، وشاركت بصورة مباشرة في تحديد بعض الأهداف. ووفقاً لتقرير الأمم المتحدة الصادر عام 2021 فإن الحرب على اليمن خلّفت نحو 377,000 ضحية بالقتل المباشر والأمراض والجوع.¹³
ثالثاً: الإمارات.. الذراع الخليجية في خدمة واشنطن
يستحق الدور الإماراتي وقفةً خاصة، إذ تحوّلت دولة الإمارات في العقد الأخير إلى أداة فاعلة لتنفيذ السياسة الأمريكية في المنطقة، وذلك في إطار تبادل المصالح: فأبوظبي توفّر الغطاء العربي وتضخّ الأموال، وواشنطن تضمن أمنها وتُمكّنها من التوسع الاقتصادي والنفوذ.¹⁴
في اليمن، قادت الإمارات عمليات برية وموّلت الميليشيات الانفصالية في الجنوب، وأدارت سجوناً سرية وفق ما وثّقته منظمات حقوق الإنسان الدولية. وفي السودان، كانت أبوظبي الداعم الرئيسي لقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو «حميدتي»، التي شنّت حرب الإبادة والنهب الممنهج منذ أبريل 2023.¹⁵
ولا يفوتنا في هذا السياق أن الإمارات هي إحدى الدول العربية الموقّعة على اتفاقيات أبراهام عام 2020، التي طبّعت علاقاتها مع الكيان الصهيوني ووفّرت له بذلك ظهيراً خليجياً ثميناً، في اللحظة التي كان مطلوباً فيها أن تكون إلى جانب القضية الفلسطينية.¹⁶
رابعاً: إيران في المعادلة.. الخصم الذي صُنع لأغراض بعينها
لا يعني التسليم بالدور الإيراني في المنطقة التبرئةَ الكاملة لسياساته أو القبول بكل ممارساته التوسعية، غير أنه لا بد من قراءة واقعية للدور الذي أدّته واشنطن في صناعة هذا الدور وتضخيمه. فمنذ الثورة الإيرانية عام 1979 والحرب العراقية-الإيرانية التي دعمتها أمريكا بالسلاح والاستخبارات، لم تتوقف واشنطن عن استخدام إيران سواءً كعدو يُبرّر الانتشار العسكري الأمريكي في الخليج أو كمنافس يُوظَّف لإرباك قوى الممانعة.¹⁷
والتصعيد الراهن بين البلدين ليس وليد عداء أيديولوجي خالص، بل هو في جوهره صراع نفوذ وإعادة رسم تموضع، يجد طريقه دائماً إلى التصعيد كلما اقتربت أطراف المفاوضات من اتفاق نووي أو تهدئة استراتيجية، ذلك أن جماعات الضغط الصهيونية واللوبيات المرتبطة بإسرائيل في واشنطن تعمل بجد لإفشال كل تقارب أمريكي-إيراني يُفضي إلى تخفيف القلق الوجودي على الكيان.¹⁸
خامساً: السودان.. ساحة التدمير الجديدة
لا يختلف الوضع في السودان عمّا شهدته الدول الأخرى في المنطقة من حيث البنية العميقة للأزمة. فبعد سنوات من الحصار الأمريكي الذي أُعلن رسمياً بتهمة دعم الإرهاب، ثم مسيرة التطبيع التي انطلقت في سياق اتفاقيات أبراهام، فُتحت الأبواب أمام نفوذ الإمارات في الخرطوم وفي العمق الأفريقي السوداني.¹⁹
حين اندلعت الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في أبريل 2023، كشفت التقارير الدولية عن دعم إماراتي مالي وتسليحي واسع لقوات «حميدتي»، في استعادة لنموذج ليبيا: تمزيق دولة ذات ثقل عربي-أفريقي وإخراجها من معادلة القرار المستقل.²⁰
سادساً: لماذا لا حل دون فلسطين؟
الإجابة تستدعي فهم طبيعة المشروع الأمريكي-الصهيوني في المنطقة. هذا المشروع لا يسعى إلى الاستقرار، بل يستثمر في عدم الاستقرار. فالمنطقة المنهكة بالحروب الأهلية والتدخلات والحصارات لا تستطيع أن تُنشئ جبهة موحّدة في مواجهة التمدد الصهيوني. وما إن تتجمّع القوى نحو شكل من أشكال التوحّد السياسي أو الاقتصادي حتى تُطلق واشنطن الفتنة أو تشعل الحرب أو تُفرض العقوبات.²¹
أما فلسطين فهي ليست قضية أخلاقية أو إنسانية فحسب، وإن كانت كذلك، بل هي أيضاً قضية استراتيجية: فطالما بقي الشعب الفلسطيني محاصراً في غزة ومطارَداً في الضفة الغربية ومُشرَّداً خارج وطنه، فإن ذلك يُغذّي مستوىً من الغضب الشعبي العربي الذي تستثمر فيه إيران والقوى الإقليمية المختلفة لتبرير تدخلاتها، ولا يُلغي هذا الغضبَ إلا زوال سببه، أي زوال الاحتلال.²²
والحل الوحيد الحقيقي هو أن يعود الشعب الفلسطيني إلى أرضه بحق تقرير المصير الكامل، وأن تتوقف الدول الغربية عن دعم الاحتلال سياسياً وعسكرياً وعن توفير الغطاء الدولي له في مجلس الأمن. أما دون ذلك، فالشرق الأوسط يسير من أزمة إلى أزمة، من حرب إلى حرب، في دوامة لا قرار لها.²³
خاتمة: الدرس الذي لا يريد أحد أن يتعلّمه
يمكن تلخيص ما سبق في حكمة واحدة مُضمَّخة بدم الشهداء العرب على امتداد سبعة عقود: لن يهدأ الشرق الأوسط ما لم يعد الشعب الفلسطيني إلى أرضه ويحقّق استقلاله وسيادته. كل الحلول الجزئية، كل التسويات المُجزّأة، كل مشاريع التطبيع التي تتقدم بها واشنطن وتروّج لها دول الخليج، ليست سوى محاولات لإرجاء الاستحقاق لا إلغائه.²⁴
أما التصعيد الأمريكي-الإيراني الراهن، فينبغي قراءته بعيون مفتوحة: إنه ليس خلافاً بين طرفين متكافئين على مصالح مشروعة، بل هو جزء من إدارة منظومة إمبريالية لصراعات مصطنعة تدور رحاها فوق رؤوس الشعوب العربية وفي أراضيها وبدمائها، بينما تُخصَّب أرباح شركات التسليح في واشنطن وباريس ولندن، وتُصان حدود الكيان الصهيوني المتمدّد بحماية أمريكية مطلقة.²⁵
إن مصلحة الامة العربية تقتضي بناء إرادة جماعية مستقلة، ترفض الاصطفاف في أي محور خارجي وخاصة مع الغرب المتصهين، وتعمل على استعادة الحق الفلسطيني بكل الوسائل المشروعة المتاحةبما في ذلك المقاومة بكل اشكالها، وان تُعيد صياغة علاقاتها الدولية على أساس السيادة والتكافؤ لا التبعية والاستزلام. فهذا هو الطريق الوحيد للخروج من مأزق الشرق الأوسط المزمن.²⁶

 المراجع والهوامش

¹ أنور عبد الملك، المجتمع الجدلي في الفكر العربي المعاصر، دار المستقبل العربي، القاهرة، 1985، ص 112-115.

² نوم تشومسكي، السيطرة على الإعلام، ترجمة نبيل صبحي، دار الكنوز الأدبية، بيروت، 1997، ص 89.

³ وليد الخالدي، «لماذا فلسطين؟» مجلة الدراسات الفلسطينية، العدد 3، صيف 1990، ص 5-17.

⁴ إيلان بابيه، التطهير العرقي في فلسطين، ترجمة أحمد خليل، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت، 2007، ص 23-57.

⁵ محمد حسنين هيكل، المفاوضات السرية بين العرب وإسرائيل، الجزء الثاني، دار الشروق، القاهرة، 1996، ص 314.

⁶ هانز بليكس، خلع سلاح العراق، ترجمة شوقي جلال، المجلس الوطني للثقافة والفنون، الكويت، 2004، ص 200-234.

⁷ تقرير اليونيسف حول وفيات الأطفال في العراق في فترة الحصار 1990-2003، نيويورك، 2000.

⁸ روبرت فيسك، البلد الكبير، دار المدى، دمشق، 2006، ص 560-590.

⁹ أوفر شيلاح، لماذا تريد إسرائيل تفكيك سوريا؟، هآرتس، يوليو 2015 (مترجم).

¹⁰ تقارير المرصد السوري لحقوق الإنسان، ديسمبر 2024.

¹¹ منظمة هيومن رايتس ووتش، ليبيا: الحرب المنسية، تقرير 2012.

¹² تقرير الأمين العام للأمم المتحدة حول الوضع في الساحل، مجلس الأمن، نوفمبر 2013.

¹³ فريق خبراء الأمم المتحدة المعني باليمن، تقرير 2021، وثيقة رقم A/HRC/48/20.

¹⁴ ديفيد كيركباتريك، طريق الإمارات إلى السلطة الإقليمية، نيويورك تايمز، أبريل 2019 (مترجم).

¹⁵ منظمة العفو الدولية، الإمارات والحرب في اليمن: السلاح وإفلات الجناة من العقاب، 2020.

¹⁶ اتفاقيات أبراهام، وثيقة البيت الأبيض، سبتمبر 2020.

¹⁷ تريتا بارسي، خيانة إيران، دار الكتاب العربي، بيروت، 2009، ص 78-105.

¹⁸ ميرشايمر وولت، اللوبي الإسرائيلي والسياسة الخارجية الأمريكية، ترجمة محمد بشارة، الدار العربية للعلوم، 2009.

¹⁹ تقرير مجموعة الأزمات الدولية حول السودان والتطبيع، يناير 2021.

²⁰ تقارير منظمة هيومن رايتس ووتش حول السودان، يوليو 2023.

²¹ نعوم تشومسكي، مصير المنطقة، خطاب في مؤتمر القضية الفلسطينية، بوسطن، 2014 (مترجم).

²² عزمي بشارة، فلسطين المسألة، المركز العربي للأبحاث، الدوحة، 2016، ص 340-380.

²³ بيان الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194 الصادر عام 1948 وإقراره بحق العودة الفلسطيني.

²⁴ سلمى الخضراء الجيوسي، «الوجدان العربي وفلسطين»، الكرمل، العدد 15، 1985، ص 3-18.

²⁵ ستيوارت إيزنستات، مصالح أمريكا في الشرق الأوسط، مجلس العلاقات الخارجية، نيويورك، 2018 (مترجم).

²⁶ الناصر خشيني، الاحتلال الثلاثي للعراق، منشورات الحرية أولاً، نابل، 2022.

هل يقرأ عشّاق البخاري كتابَه الصحيح بعقلانيّة؟ دراسة نقدية هل يقرأ عشّاق البخاري كتابَه الصحيح بعقلانيّة؟ دراسة نقدية في تشويه صورة النبي والروايات المتناقضة في الصحيح الناصر خشيني | كاتب وصحفي ومحلل سياسي ـ نابل، تونس | 2026

 


هل يقرأ عشّاق البخاري كتابَه الصحيح بعقلانيّة؟

دراسة نقدية هل يقرأ عشّاق البخاري كتابَه الصحيح بعقلانيّة؟


دراسة نقدية في تشويه صورة النبي والروايات المتناقضة في الصحيح


الناصر خشيني | كاتب وصحفي ومحلل سياسي ـ نابل، تونس | ديسمبر 2024


مدخل: مكانة البخاري في الوعي الإسلامي التقليدي


يُعدّ كتاب الجامع الصحيح للإمام محمد بن إسماعيل البخاري (194 ـ 256 هـ) في نظر جمهور أهل السنة والجماعة أصحَّ كتاب ألِّف في علم الحديث النبوي، بل ذهب كثير من العلماء إلى أنه يحتلّ المرتبة الثانية بعد القرآن الكريم في مصادر التشريع الإسلامي.[1] وقد وجد هذا الكتاب من يدافع عنه بالحجة والتأويل حتى غدا مسّه بأدنى نقد أمراً جسيماً. بيد أن التمحيص العلمي الرصين يفرض علينا إعمال العقل ومعيار الاتساق الداخلي في قراءة هذا الموروث، لا سيما حين نكتشف أن الصحيح يحتوي على روايات تُشوّه صورة النبي محمد صلى الله عليه وسلم وتتناقض مع ما يرسمه القرآن الكريم من مكانة نبوية رفيعة.


أولاً: البخاري ـ حافظة أسطورية تستوجب مساءلة أعمق


لا ينازع أحد في أن البخاري بلغ من الحفظ والدقة مبلغاً استثنائياً، إذ أفادت المصادر التراثية بأنه استوعب ما يزيد على ستمائة ألف حديث بأسانيدها.[2] والأشهر في سيرته قصة اختبار بغداد حين قلب له المحدثون مائة حديث خلطوا أسانيدها بمتونها، فردّ كل متن إلى إسناده بدقة لا تخطئ.[3] بيد أن هذه القدرة الخارقة بالذات هي التي تستدعي السؤال: كيف أفلت من هذه الذاكرة المتناهية الدقة ما نجده من تناقضات صريحة وروايات تتعارض مع صريح القرآن؟


ثانياً: التناقض العددي في قصة النبي سليمان ـ أربع روايات لحادثة واحدة


يروي البخاري قصة النبي سليمان عليه السلام في أربعة مواضع تتباين فيها أعداد النساء عن الراوي ذاته أبي هريرة:[4]


ح 7469: ستون امرأة | ح 3424: سبعون (مع تصحيح بتسعين) | ح 6639: تسعون امرأة | ح 5242: مائة امرأة


إن هذا التضارب الصريح في الكتاب ذاته عن الراوي ذاته في الحادثة ذاتها يطرح إشكالية منهجية لا يمكن تجاوزها بالتأويل.[5] فضلاً عن أن الأرقام المتصاعدة تجعل من سليمان عليه السلام قوةً جنسية تتجاوز الطاقة البشرية الممكنة، وهو ما لا يستقيم مع مقام النبوة.


ثالثاً: تشويه صورة النبي محمد في روايات الصحيح


1 ـ إسناد شبق جنسي خارق للعادة


يروي البخاري عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يطوف على نسائه التسع في ليلة واحدة بغسل واحد (ح 5068).[6] وتوسّع الطبراني في روايات تُثبت له قوة ثلاثين رجلاً أو أربعين في الجماع.[7] إن هذا التصوير يُحيل النبيَّ إلى نموذج ملوك عصر التدوين المتنافسين في اتخاذ الحظايا، لا إلى النبي الذي وصفه الله بالخلق العظيم. وتلك الأرقام تتجاوز الممكن البيولوجي وتدخل في نطاق الأسطورة.


2 ـ رواية تسحير النبي


أورد البخاري في كتاب الطب (ح 5765) أن لبيد بن الأعصم سحر النبيَّ صلى الله عليه وسلم فكان يُخيَّل إليه أنه يأتي النساء ولا يأتيهن، واستمر أثر السحر حتى أنزل الله المعوّذتين.[8] وهذه الرواية تُشكّل خطراً عقدياً بالغاً إذ تنسب إلى نبي الله فقدان السيطرة على إدراكه، في حين يُقرر القرآن: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ (المائدة: 67).[9] وقد رأى العلماء العقلانيون أن الإذعان لهذه الرواية يفتح باباً للطعن في صحة الوحي ذاته.


3 ـ رواية وفاة النبي ودرعه مرهونة عند يهودي


يروي البخاري (ح 2916) أن النبي صلى الله عليه وسلم توفي ودرعه مرهونة عند يهودي من أجل طعام اشتراه لأهله.[10] وتطرح هذه الرواية تساؤلات جوهرية: كيف يعجز سيد المسلمين وقائدهم بعد فتح خيبر عن الإنفاق على أهله دون رهن سلاحه عند أحد؟ والرواية تجعل آخر لحظات النبي مشهداً من مشاهد العَوَز، وهو ما يُراد منه ما يُراد.


4 ـ رواية المرأة التي كانت تُفلي قمل رأس النبي


وردت في بعض طرق الصحيح وشروحه روايات تذكر امرأة كانت تُفلي القمل من رأس النبي صلى الله عليه وسلم.[11] ويَبعد كل البعد أن يكون الرسول الذي كان يُعنى بالنظافة والطهارة عناية بالغة مصاباً بالقمل. وتلك الروايات وقعت في الشطط وتجاوزت الإنسانية المقبولة إلى ما فيه مسٌّ بالكرامة النبوية.


5 ـ روايات المعجزات المادية المتعارضة مع المنهج القرآني


يحفل الصحيح بروايات تصف تكليم النبي للحيوانات وتكثير الطعام القليل لجماعة كبيرة بأرقام متباينة بين الروايات.[12] وهذا يتعارض مع المنهج القرآني الذي يرفض فيه النبي اقتراح معجزات حسية: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ (الأعراف: 188).[13] ومعجزة النبي الكبرى كانت القرآن العقل لا الخارقة الحسية.


رابعاً: القرآن الكريم ـ مرجعية مغايرة لصورة الأنبياء


في مقابل تلك الصورة المُشوَّهة، يقدّم القرآن تصويراً مختلفاً جذرياً: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (القلم: 4).[14] ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ (السجدة: 24).[15] ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ﴾ (الأنبياء: 73).[16]


بهذا الإطار القرآني، تغدو الروايات التي تُنسب إلى النبي شبقاً جنسياً خارقاً أو تأثراً بالسحر أو إصابةً بالقمل روايات لا تُعبّر عن أمانة نقل، بل تكشف عن سياق أيديولوجي يُقلّص البُعد الروحي والعقلاني للرسالة النبوية.


خامساً: السياق التاريخي ـ علاقة البخاري بسلطة المتوكل العباسي


لا يمكن قراءة منهج البخاري بمعزل عن سياقه السياسي. فالخليفة المتوكل على الله (ت 247هـ) أصدر مراسيم تُغلق الجدل الكلامي وتُنهي مشروع المعتزلة والفرق العقلانية، وأطلق يد أهل الحديث في تشكيل العقل الإسلامي.[17] وهو الخليفة الذي جمع في قصوره أعداداً ضخمة من الجواري، وكان مُولَعاً بالخمر والمُلاهي، وانتهى به المطاف أن قتله ابنه طمعاً في السلطة.[18] إن تعظيم القدرة الجنسية للأنبياء في روايات الصحيح يُضفي شرعيةً دينية على ما كان يمارسه الخلفاء، وتغييب المعتزلة أفضى إلى اختزال الإسلام في الرواية دون العقل.


خاتمة: من أجل قراءة نقدية تجمع التوقير والعقلانية


لا تهدف هذه الدراسة إلى تجريح البخاري أو إسقاط مجهود العلماء الأوائل. غير أن التوقير لا يساوي التقديس، والتقديس لا يعني إسقاط الرقابة العقلية. إن الصحيح يحمل تناقضات عددية صريحة وروايات تُشوّه صورة النبي جنسياً وتنسب إليه السحر والقمل، ومعجزات تتعارض مع المنهج القرآني. وكل ذلك يستوجب وقفة نقدية علمية لا عاطفية، حكمها القرآن الكريم وصريح العقل لا سطوة النقل وحده.


الهوامش والمراجع (1 ـ 18)


[1] البخاري، الجامع الصحيح، دار طوق النجاة، 1422هـ. والنووي، شرح مسلم، 1392هـ، المقدمة.


[2] ابن حجر، هدي الساري، دار المعرفة، 1379هـ، ص8.


[3] الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد، دار الغرب الإسلامي، 2002م، ج2، ص322.


[4] ابن حجر، فتح الباري، ج1، ترجمة أبي هريرة.


[5] ابن حجر، فتح الباري، كتاب الأنبياء، باب سليمان.


[6] صحيح البخاري، كتاب النكاح، ح 5068.


[7] الطبراني، المعجم الكبير، ج20، ص222.


[8] صحيح البخاري، كتاب الطب، ح 5765 ـ 5766.


[9] القرآن الكريم، المائدة: 67. والزمخشري، الكشاف، ج1، ص658.


[10] صحيح البخاري، كتاب الرهن، ح 2916.


[11] ابن حجر، فتح الباري، كتاب المغازي.


[12] صحيح البخاري، كتاب المناقب، باب علامات النبوة.


[13] القرآن الكريم، الأعراف: 188.


[14] القرآن الكريم، القلم: 4.


[15] القرآن الكريم، السجدة: 24.


[16] القرآن الكريم، الأنبياء: 73.


[17] نصر حامد أبو زيد، الاتجاه العقلي في التفسير، دار التنوير، 1982م، ص47 ـ 65.


[18] الطبري، تاريخ الأمم، ج9، أحداث 247هـ



الأفارقة في تونس: بين ورقة الضغط الأوروبية وأزمة الهوية الوطنية الناصر خشيني كاتب وباحث سياسي — نابل، تونس




لم تكن تونس تاريخياً في دائرة الاستقطاب الكبير للهجرة القادمة من جنوب الصحراء الأفريقية. بيد أن العقد المنقضي فرض عليها انزياحاً جيوسياسياً عميقاً أعاد رسم خريطة حضورها في مشهد الهجرة المتوسطية. اليوم، باتت البلاد في قلب أزمة ثلاثية الأبعاد: ديموغرافية، وأمنية، ودبلوماسية؛ أزمة تختبر صمود الدولة الوطنية وتكشف هشاشة البنى الاجتماعية في مواجهة ضغوط متراكمة ومتشابكة لا تُحلّ بالشعارات ولا بالترقيع الأمني.
أولاً: الواقع الإحصائي — أرقام تتكلم ووقائع تصرخ
تتباين الأرقام المتداولة حول أعداد المهاجرين الأفارقة في تونس تبايناً يعكس بحد ذاته اضطراب المشهد وتعذّر إحصائه. وفق المعطيات الرسمية لوزارة الداخلية، يقيم في تونس ما يزيد على واحد وعشرين ألف مهاجر غير نظامي من دول أفريقيا جنوب الصحراء (1)، فيما تُرجّح تقديرات منظمات المجتمع المدني أن يكون الرقم الحقيقي أعلى من ذلك بكثير (2). بل ذهبت بعض التقديرات إلى أن عدد المهاجرين غير النظاميين في مناطق صفاقس ومدنين والقصرين وحدها قد ناهز مئة ألف شخص في الفترة الممتدة بين مايو 2023 ومارس 2024 (3).
وكشف يوم دراسي نظّمه مجلس نواب الشعب مطلع عام 2025 أن منطقة العامرة وحدها تأوي أكثر من عشرين ألف مهاجر يعيشون في خيام داخل الغابات وعلى أطراف المدن (4). والمفارقة المُرّة أن ثلاثة أرباع هؤلاء لم يقصدوا تونس وجهةً، بل هي لهم محطة اضطرارية نحو الشاطئ الأوروبي (5). إنهم بالمعنى الحرفي للكلمة، ضيوف غير مرغوب فيهم، وجدوا أنفسهم سجناء بلد لم يخترونه.
ثانياً: الأسباب والجذور — لماذا تونس تحديداً؟
لا تحدث هجرة بهذا الحجم من فراغ. ثمة بنى هيكلية عميقة دفعت بالساحليين والغينيين والماليين والسودانيين إلى طريق السراب عبر الصحراء. أزمات المناخ وانهيار الزراعة في الساحل الأفريقي، والحروب الأهلية المستدامة، والفقر المتوارث جيلاً بعد جيل — كل ذلك يُغذّي هذا النزيف البشري الهائل (6).
أما لماذا تونس بالذات، فللأمر أسباب مباشرة: قرار إلغاء التأشيرة الصادر إثر مؤتمر تونس-أفريقيا عام 2013 فتح أبواباً لم يكن أحد يتوقع أن تتحول إلى هذا الحجم من التدفق. يُضاف إلى ذلك تشديد الرقابة الأوروبية على المسار الليبي، مما حوّل الخريطة وجعل الشمال التونسي وصفاقس تحديداً جسراً إلزامياً نحو لامبيدوسا. ثم تفاقمت الأزمة حين وجد عشرات الآلاف أنفسهم عاجزين عن المضي قدماً وعن العودة في آن واحد، فانحشروا في فضاء تونسي لا يستوعبهم ولا يرحّب بهم.
ثالثاً: الانفجار الاجتماعي — صفاقس مختبراً للأزمة
كانت صفاقس المدينة التي احتضنت بؤرة التوتر الأكثر حدةً. في صيف 2023، تحولت أحياؤها إلى مسرح لمواجهات عنيفة راح ضحيتها مهاجر من بنين، واعتُقل على إثرها الآلاف بشكل تعسفي، ثم دُفع بهم إلى الصحراء الليبية والجزائرية في عمليات وصفها المراقبون الدوليون بالقسرية الخارجة عن أي إطار قانوني (12). وأفادت مصادر إنسانية بأن ما لا يقل عن خمسة آلاف وخمسمئة مهاجر طُردوا إلى الحدود الليبية، وثلاثة آلاف إلى الحدود الجزائرية، ولقي أكثر من مئة حتفهم في رحلة الصحراء القاتلة (6).
ما جرى في صفاقس لا يمكن اختزاله في ردود فعل عاطفية أو نزوات عنصرية آنية. هو في جوهره أزمة دولة عاجزة عن تقديم حلول، فسقطت في فخ المقاربة الأمنية التي تعالج الأعراض وتتجاهل الداء. الشعب التونسي المثقل بأزماته الاقتصادية والاجتماعية الخاصة وجد نفسه فجأة أمام منافس على الموارد الشحيحة، وهذا التقاطع المأساوي هو ما أشعل الفتيل (8).
رابعاً: خطاب السلطة — بين الحق والمزايدة
في فبراير 2023، ألقى الرئيس قيس سعيّد خطاباً وصف فيه تدفق المهاجرين بأنه "مؤامرة إجرامية" تستهدف تغيير التركيبة الديموغرافية لتونس وطمس هويتها العربية والإسلامية (9). وكان بإمكان أي مسؤول أن يستنكر تجاوزات الهجرة غير النظامية دون أن يُلقي بخطاب بهذه الشحنة التحريضية. غير أن ما صدر تجاوز حدود السياسة المعقولة إلى ما وصفه أكثر من عشرين منظمة حقوقية تونسية بـ"خطاب الكراهية" الذي يتناقض صراحةً مع الاتفاقيات الدولية وقانون مكافحة التمييز العنصري (11).
والأكثر مرارةً أن بعض المنتقدين التونسيين أنفسهم لفتوا إلى مفارقة مُربكة: هذا الخطاب الذي يصف المهاجرين بأنهم مصدر "عنف وجرائم وممارسات غير مقبولة" (10) يكاد يكون مرآةً عربية للخطاب اليميني المتطرف الأوروبي ضد المهاجرين التونسيين هناك. إن الكيل بمكيالين ليس فقط أخلاقياً مذموماً، بل هو سياسياً انتحاري.
في المقابل، ثمة وجه آخر يستوجب الإنصاف: تونس دولة هشة اقتصادياً، وليست في وضع يؤهلها لاستيعاب موجات هجرة بهذا الحجم دون أن تنعكس سلباً على خدماتها الأساسية ومنظومتها الاجتماعية. الحق الذي لا جدال فيه أن لكل دولة حق السيادة على حدودها وضبط حركة الدخول إليها؛ لكن الفرق شاسع بين ممارسة هذا الحق بأدوات القانون والتفاوض الدبلوماسي، وبين توظيفه شعلةً للتحريض الداخلي.
خامساً: التداعيات الخارجية — عاصفة دبلوماسية في خضم الأزمة
لم تمر تصريحات سعيّد دون صدى إقليمي ودولي مدوٍّ. أصدر الاتحاد الأفريقي بياناً إدانةً وصف فيه ما جرى بـ"خطاب الكراهية العنصري"، وطالب دوله الأعضاء بالامتناع عن أي خطاب يلحق الأذى بالأشخاص (13). وتابعت سفارات أفريقية عديدة أوضاع مواطنيها بقلق بالغ (14)، وكانت ردود الفعل هذه كافية لإحراج تونس في محافلها الأفريقية في وقت تسعى فيه إلى تعزيز شراكاتها القارية.
على الجهة المقابلة، وظّف الاتحاد الأوروبي هذا الملف أداةً للابتزاز الناعم. في يوليو 2023، وُقّعت مذكرة تفاهم تعهد بموجبها الاتحاد بتقديم مساعدات مالية ضخمة مشروطة بأن تضطلع تونس بدور حارس الحدود الجنوبية لأوروبا (15). وبهذا تحولت تونس من دولة مستقلة السيادة إلى ما يشبه "الشرطي المأجور" على تخوم القارة الأوروبية — وهو دور مهين يتعارض مع كرامة دولة وطنية لها تاريخها وسيادتها.
إن هذه المعادلة في جوهرها استعمار ناعم بوجه جديد: أوروبا تدفع لتونس كي تحتجز البؤساء على أبوابها، وتونس تقبل الصفقة من باب الضرورة المالية الضاغطة. أليس هذا ما كنا نُسميه في زمن مضى "الارتهان للخارج"؟
سادساً: السياسة التونسية — أين الاستراتيجية الوطنية؟
تمكّنت الأجهزة الأمنية من تقليص نسبة التدفق نحو تونس بشكل لافت خلال عام 2024 (6)، وجرى ترحيل عشرة آلاف مهاجر غير نظامي في بداية 2025 وحده (7)، مع تنفيذ برامج عودة طوعية شملت مئات من ساحل العاج وغينيا ومالي (8). غير أن هذه الإجراءات العملياتية لا ترقى إلى مستوى استراتيجية وطنية متكاملة تعالج البعد الإنساني جنباً إلى جنب مع البعد الأمني.
ثمة مفارقة صارخة: الدولة ذاتها التي أعلنت خطاباً تصعيدياً ضد المهاجرين سارعت لاحقاً إلى إعلان جملة من الإجراءات التحسينية لصالحهم، منها تسليم بطاقات إقامة سنوية للطلاب الأفارقة وتمديد وصولات الإقامة وإعفاء المهاجرين من غرامات التأخير (18). هذا التضارب بين الخطاب والممارسة يعكس غياب الرؤية الاستراتيجية وهشاشة القرار السياسي في ملف بالغ الحساسية.
خاتمة: تونس أمام مرآة الحقيقة
تقف تونس اليوم أمام ثلاثة أسئلة مصيرية تستدعي إجابات مدروسة بعيدة عن الشعبوية والارتجال: كيف تحمي سيادتها وحدودها دون أن تتحول إلى شرطي أوروبي على حساب كرامتها؟ وكيف تتعامل مع وجود آلاف البشر على أرضها دون انتهاك حقوقهم الأساسية؟ وكيف تحوّل هذه الأزمة من عبء ثقيل إلى ورقة تفاوضية تُسهم في صون مصالحها الوطنية؟
الملف الأفريقي ليس بنيةً تحتيةً تُعالَج بقرارات ترحيل ومخيمات ترقيعية. هو في عمقه امتداد لأزمة أعمق تتعلق بفلسفة الدولة وعلاقتها بمحيطها الأفريقي والمتوسطي. تونس التي تفخر بعروبتها وإسلامها وتنتمي إلى الفضاء الأفريقي بحكم الجغرافيا والتاريخ، عليها أن تبني سياسة هجرة ترتكز على القانون والكرامة الإنسانية (19)، لا على ردود الفعل الانفعالية التي تُرضي الجموع مؤقتاً وتفتح جراحاً دبلوماسية لا تُوصف.
إن خلاص تونس من هذه الورطة لن يأتي من مزيد من أسلاك الشائك على الحدود، بل من إعادة بناء شراكات أفريقية حقيقية وازنة تُعيد للدولة الوطنية هيبتها ولمواطنيها أمنهم وكرامتهم. وهذا بالضبط ما دأب الفكر التقدمي القومي على الدعوة إليه: أن تكون لنا سياسة وليس مجرد ردة فعل، وأن يكون لنا موقف وليس مجرد مزاج (20).
الهوامش والمراجع
(1) وزارة الداخلية التونسية، إحصائيات الأجانب المقيمين بتونس، 2024.
(2) المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، "دراسة ميدانية حول وضع المهاجرين في تونس"، يوليو 2024.
(3) موقع ميزان للإعلام، "كم تبلغ أعداد المهاجرين من دول أفريقيا جنوب الصحراء في تونس؟"، 25 يوليو 2024.
(4) مجلس نواب الشعب التونسي، اليوم الدراسي بشأن الهجرة غير النظامية، يناير 2025.
(5) صحيفة الصباح التونسية، "30 ألف مهاجر من إفريقيا جنوب الصحراء حاولوا التسلل إلى تونس"، 2024.
(6) مركز كارنيغي للشرق الأوسط، "تحوّل تونس إلى مركز عبور: الهجرة غير الشرعية ومعضلة السياسات"، مارس 2024، متاح على: carnegieendowment.org
(7) الجزيرة نت، "تونس رحّلت 10 آلاف مهاجر في 2025 وتتعهد بعدم التحول لمنطقة عبور"، 4 نوفمبر 2025.
(8) وكالة الأناضول، "أوضاع المهاجرين الأفارقة في تونس.. حقيقة أم افتراء؟"، 2023.
(9) رئاسة الجمهورية التونسية، بيان مجلس الأمن القومي، 21 فبراير 2023.
(10) موقع عرب ترند، "سعيّد يعتبر تدفق المهاجرين الأفارقة مؤامرة"، 22 فبراير 2023.
(11) الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان وأكثر من 20 منظمة، بيان مشترك، فبراير 2023.
(12) مركز كارنيغي للشرق الأوسط، المرجع السابق.
(13) الجزيرة نت، "الاتحاد الأفريقي يدين تصريحات سعيّد بشأن المهاجرين"، 25 فبراير 2023.
(14) سفارة مالي في تونس، بيان رسمي، فبراير 2023.
(15) السويس إنفو، "تونس تفكك مخيمات لآلاف المهاجرين"، 5 أبريل 2025.
(16) الجزيرة نت، المرجع السابق، نوفمبر 2025.
(17) مركز كارنيغي، المرجع السابق.
(18) الجزيرة مباشر، "تونس تعلن إجراءات لصالح المهاجرين من دول أفريقيا جنوب الصحراء"، 6 مارس 2023.
(19) المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، المرجع السابق.
(20) الناصر خشيني، "فتاوى تقدمية"، منشورات الحرية أولاً، 2020.

الأربعاء، 10 يونيو 2026

توظيف الدين وتزوير التراث: قراءة نقدية في ظاهرة الفتوى السلطانية بقلم الناصر خشيني





مدخل: التراث بين التقديس والنقد

حين نُقبل على التراث الفكري والديني الذي خلّفه لنا الأوائل، تستوقفنا ظاهرة لافتة تتمثل في اختلاط الجيّد بالرديء، والثابت بالمتحوّل، والديني بالبشري اختلاطًا بالغ العمق، جعل من عملية الغربلة والتمييز مهمةً شاقةً ومحفوفةً بمزالق الرفض المجتمعي، إذ تراكمت على هذا التراث طبقات من التقديس حتى كاد المساسُ به يُعدّ ضربًا من الكفر في أذهان كثيرين


.

ولا ريب أن الحضارة الإسلامية في أوج عطائها أبدعت في شتى ضروب المعرفة من تفسير وفقه وكلام وتصوف وعمارة وأدب، بيد أن هذا الإبداع – بطبيعته – صنيعُ بشر في زمان ومكان بعينهما، لا ينبغي أن يُرفع إلى مرتبة المقدّس كما نزل الوحي القرآني.(1)

وقد زاد الطينَ بِلَّةً أن استغلّ المتاجرون بالدين هذا التقديسَ ذريعةً لصون مكانتهم وامتيازاتهم، وأضحى من يجرؤ على المساءلة والنقد عُرضةً لحملات التكفير والتشهير. غير أن الواقع يُلزمنا – بحكم العقل والمسؤولية تجاه الأجيال القادمة – بتجاوز هذا الجمود، والانطلاق من الوحي الإلهي الثابت قرآنًا كريمًا نحو ثقافة دينية رشيدة تُحكّم العقل وتُصوّب المسار.

أولاً: ظاهرة الفتوى السياسية وتشوُّه مؤسسة الإفتاء

الأصل الشرعي في الفتوى أنها تنبثق من نص قرآني أو سنة نبوية ثابتة، ثم يأتي بعدها اجتهاد الفقهاء ضمن ضوابط أصول الفقه المعروفة. وقد أكد القرآن الكريم هذا المنهج بقوله تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا} (الحشر: 7)، وقوله: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} (النساء: 59).(2)

بيد أن هذا الأصل بات مخترَقًا في عالمنا العربي المعاصر، إذ تحوّلت مؤسسات الإفتاء في غير دولة إلى أدوات في خدمة السلطة السياسية، تُبرّر للحكام ما يشاؤون وتُسبغ على قراراتهم قداسةً زائفة. وقد رصد ابن حزم في كتابه "الإحكام في أصول الأحكام" مراحل تطور الإفتاء منذ عهد الصحابة والتابعين، ذلك الإفتاء الذي كان حرًّا مستقلاً قبل أن تبتلعه الأجهزة الرسمية المُسيَّسة.

وفي هذا السياق تبرز ظاهرة يوسف القرضاوي الذي منحته دويلة قطر – بثروتها النفطية الهائلة وآلتها الإعلامية المتمثلة في قناة الجزيرة – منبرًا واسعًا، فأصدر فتاوى تنسجم مع السياسة القطرية الرامية إلى تفتيت الوحدة العربية وإذكاء نار الفتنة الداخلية، في حين غابت عن فتاواه الدعوةُ إلى الجهاد في فلسطين المحتلة، ولم يصدر عنه ما يُلزم الأمة بمواجهة الاحتلال الصهيوني.(3)

ثانياً: النموذج السعودي والتوظيف الوهابي للإفتاء

أسّست المملكة العربية السعودية هيئة الإفتاء العامة ورابطة العالم الإسلامي – ومقرها مكة المكرمة توظيفًا للمكانة الرمزية – لا انطلاقًا من إرث علمي راسخ كالأزهر أو الزيتونة، بل خدمةً لأجندة سياسية ترتكز على نشر المذهب الوهابي بديلاً عن الإسلام الحق.(4)

ويتجلّى هذا التوظيف في وقوف الرياض إلى جانب نظام الإمام البدر الرجعي في مواجهة مصر عبد الناصر إبان الحرب اليمنية، وهو ما استنزف الطاقة المصرية وأسهم في إضعافها قبيل نكسة 1967. كما يظهر هذا التوظيف في تبرير الوجود العسكري الأجنبي، والصمت المريب حيال القضية الفلسطينية، بينما تُصدَّر الفتاوى التي تُحرّض على الاقتتال الداخلي بين العرب والمسلمين.

وقد تجلّت هشاشة هذا النموذج حين رأينا كيف أن بعض حكام الخليج – وهم مرجعيةُ هذه الفتاوى – يُخطئون في قراءة النصوص المكتوبة بأبسط الأساليب، ومع ذلك يُمجّدهم فقهاء السلطان ويُلبسونهم هالة القداسة الدينية تحت ذريعة طاعة أولي الأمر، متناسين قوله تعالى: {قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ} (التوبة: 24).(5)

ثالثاً: تونس ما بعد الثورة وفوضى الإفتاء

لم تسلم تونس من هذه الآفة، إذ شهدت مرحلة ما بعد 2011 تسرُّبَ أصوات إفتائية لا تستند إلى رصيد علمي معتبر؛ فبدلاً من أن تتصدر الساحةَ الكفاءاتُ المؤهَّلة من خريجي الزيتونة وأصحاب الاختصاص، برزت وجوه لا صلة لها بالعلم الشرعي تُصدر "فتاوى" حول تحريم سفر المرأة دون محرم، أو تحريم عصيدة الزقوقو في المولد النبوي، أو تعدد الزوجات في مجتمع تُنهكه البطالة والتهميش، في حين غابت عن هؤلاء القضايا الجوهرية للشعب.

وفي هذا يمكن القول إن الثورة التونسية جرى توظيفها لإفراغ مطالبها الحقيقية من مضمونها، وذلك بإشغال المجتمع بنقاشات فقهية هامشية بدلاً من التركيز على بناء دولة المواطنة وتحقيق العدالة الاجتماعية.(6)

رابعاً: الفتوى السلطانية في التاريخ الإسلامي

ليس توظيف الدين لخدمة السلطة أمرًا مستحدثًا، فقد ضرب بجذوره في أعماق التاريخ الإسلامي منذ الفتنة الكبرى، حين انحاز بعض الصحابة – كعمرو بن العاص وأبي هريرة – إلى معاوية بن أبي سفيان في مواجهة علي بن أبي طالب، فتحوّل الخلاف السياسي إلى خلاف ديني مُقوْلَب، بل وصل الأمر إلى تبادل التهم بين من كانوا في صف واحد، كما جرى بين علي وعبد الله بن عباس والي البصرة.(7)

ثم جاءت الفرق الكلامية والسياسية التي ادّعت كل منها امتلاك الحقيقة الدينية الكاملة، ووظّفت الدين لإقصاء خصومها وتكفير منافسيها، وكانت المحصّلة سنواتٍ من الاقتتال والانقسام أضرّت بالأمة أيّما ضرر.

في المقابل، وقف الأئمة الأربعة الكبار – أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد – موقفًا مشرّفًا من سلطة الحكام، فرفضوا أن يكونوا مُفتين للسلطان، وتعرّضوا لذلك للسجن والتعذيب والمضايقة، مما أكسبهم ثقةَ الأمة ومنح تراثهم الفقهي استمرارًا وحضورًا عبر القرون.(8)

خامساً: الإيجابي والسلبي في موروثنا الحضاري

ثمة ضرورة منهجية للتمييز بين مستويين في تراثنا: مستوى الوحي الإلهي الثابت المتمثل في القرآن الكريم، ومستوى الاجتهاد البشري الذي أفرز علوم التفسير والحديث والفقه وأصوله والكلام والتصوف والفنون المعمارية وآداب اللغة. فالثاني – مهما بلغ من الإتقان – يبقى صنيع عقول بشرية تأثّرت بظروف زمانها ومكانها، وليس في رُقيِّه ومكانته ما يُبيح تقديسه أو الدفاع عنه بمنطق القداسة.

وقد فعلت الحضارات الكبرى ما لم نفعله نحن؛ فالغرب انطلق من الإرث اليوناني والروماني، انتقى منه، وبنى عليه، وتجاوزه في آنٍ واحد، دون أن يُقدّسه أو يتوقف عند حدوده. أما نحن فقد آثرنا في أغلب الأحيان أن نعيش على أطلال الماضي رافضين أي تجديد، متذرّعين بمقولة "ليس في الإمكان أبدع مما كان".(9)

ومن أبرز الإشكاليات التي ينبغي معالجتها في هذا السياق:

في العقيدة: اشتاع لدى الناس التوجّه بالدعاء وطلب البركة من الأولياء وتقديم النذور لهم وإقامة المهرجانات في أضرحتهم، وهو سلوك يُفضي حتمًا إلى الشرك بالله، بعد أن أكد القرآن الكريم في آيات عديدة أنه لا واسطة بين العبد وربّه. ولا يختلف عن هذا ما ذهب إليه الشيعة من جعل الإمامة جزءًا من العقيدة، وهو ما يُصادر حق الأمة في اختيار حكامها ومحاسبتهم.

في العبادات: كثيرًا ما يُقدَّم المسنون والمندوبون على الواجبات، كمن يُنفق أموالاً طائلة على احتفالات الختان ثم يتخلّى عن أداء فريضة الحج، أو من تحفل موائده في رمضان بصنوف الطعام في حين يغيب الجوهر وهو إحياء روح العبادة.

في العادات والتقاليد: أضحت مناسبات الزواج والوفاة ساحةً لإهدار الأموال في احتفالات مُترفة لا صلة لها بالدين، بل تُثقل كاهل المجتمع وتحصر الزواج في أصحاب اليسار، مما يُفضي إلى تفشّي الفساد الاجتماعي.(10)

سادساً: الكلفة البشرية للفتاوى السياسية

إن الأثر التدميري للفتاوى السياسية لا يقتصر على المجال الفكري والثقافي، بل يمتد إلى الدماء المُراقة والأرواح المُزهَقة؛ فقد أودت فتاوى سياسية بأرواح ما يزيد على مئة وخمسين ألف مسلم في ليبيا، ومليون ونصف المليون في العراق، وتجاوز عدد ضحايا الفتاوى الحارضة على الاقتتال في سوريا نصف مليون روح، فضلاً عن آلاف آخرين في أفغانستان.(11)

وعلى المقابل الآخر، لم تصدر فتوى واحدة معتبرة تُلزم الأمة بالجهاد لتحرير فلسطين من الاحتلال الصهيوني، ولم يُصدر مُفتو السلطان أي موقف مما تتعرّض له القدس من تهويد ممنهج. وهذا الصمت المدوّي أمام القضية المركزية للأمة يفضح التناقض الصارخ في أولويات هؤلاء الفقهاء الذين يتقاضون ثروات طائلة ثمنًا لفتاواهم.

وفي هذا يُذكّرنا القرآن الكريم بالتجارة الحقيقية فيقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} (الصف: 10-11).(12)

خاتمة: نحو فقه تحرّري يُعلي قيمة الأمة

إن المشهد العام الذي رصده هذا المقال من فتاوى سلطانية ومتاجرة بالدين وتقديس للتراث البشري، لا يعني أن الساحة خلت من العلماء الربانيين الذين يجهرون بالحق ولا يخشون في الله لومة لائم. فلا يزال بين ظهرانينا مشايخ كرام يرفعون راية الحق ويعرّون المزوّرين والانتهازيين، وهذا في حد ذاته بشارة بالخير.

غير أن هذا لا يُعفينا من المضي قُدُمًا في مشروع النقد العلمي والمراجعة الحضارية الشاملة، إذ الواجب يقتضي منا:

أولاً: التمييز الصارم بين الوحي الإلهي الثابت في القرآن الكريم، وبين الاجتهادات البشرية القابلة للنقد والمراجعة في ضوء العلم ومقاصد الشريعة.

ثانياً: تجفيف منابع الفتوى السياسية بفصل المؤسسات الدينية عن السلطة السياسية وعن الثروة النفطية الخليجية.

ثالثاً: استعادة الأمة حقها في المحاسبة والمراقبة وإدارة شؤونها بعيدًا عن ذريعة التفويض الإلهي للحكام.

رابعاً: تربية الشباب العربي على منهج التفكير النقدي والتمحيص قبل الاتباع، وتحصينهم من أن يكونوا وقودًا لحروب تخدم مصالح الممولين لا مصالح الأمة.(13)

وإننا لنستحضر ههنا مسيرة علماء الأمة الصادقين عبر التاريخ ممن آثروا السجن والتعذيب على ذل الخضوع للحاكم، لعلّ في ذكراهم استلهامًا للهمة وتجديدًا للعزيمة في مواجهة هذه المحنة التي تعصف بأمتنا.

المصادر والمراجع

(1) ابن خلدون، عبد الرحمن، المقدمة، دار الفكر، بيروت، ط3، 2000، ص 444 وما بعدها.

(2) القرآن الكريم، سورة الحشر، الآية 7؛ وسورة النساء، الآية 59.

(3) الجزيرة نت، ملف يوسف القرضاوي والتحولات السياسية في منطقة الربيع العربي، www.aljazeera.net، تاريخ الاطلاع: 2018.

(4) حمادي الموسوي، الوهابية من الدعوة إلى الهيمنة، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ط1، 2010، ص 88-120.

(5) القرآن الكريم، سورة التوبة، الآية 24.

(6) برهان غليون، اغتيال العقل: محنة الثقافة العربية بين السلفية والتبعية، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط4، 2004، ص 201-230.

(7) الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الرسل والملوك، دار التراث، بيروت، ج5، ص 63-78.

(8) ابن حزم الأندلسي، علي، الإحكام في أصول الأحكام، دار الحديث، القاهرة، ج5، ص 89 وما بعدها.

(9) الجابري، محمد عابد، نقد العقل العربي: تكوين العقل العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ط8، 2009، ص 15-47.

(10) الغزالي، محمد، السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث، دار الشروق، القاهرة، ط6، 1999، ص 33-55.

(11) منظمة هيومن رايتس ووتش، تقارير حالة حقوق الإنسان في العراق وليبيا وسوريا، 2013-2017، www.hrw.org.

(12) القرآن الكريم، سورة الصف، الآيتان 10-11.

(13) غليون، برهان، المسألة الطائفية ومشكلة الأقليات، دار الطليعة، بيروت، ط2، 1992، ص 44-67.

الثلاثاء، 9 يونيو 2026

جدل الإنسان: منهج لثورة الوعي وتغيير الواقع بقلم: الناصر خشيني


   ان البحث في حركة التاريخ وقوانين تطور المجتمعات يضعنا دائماً أمام مواجهة فكرية مع النظريات الجبرية التي حاولت سلب الإنسان إرادته وفاعليته. ومن هنا، يبرز مشروع المفكر العروبي الراحل الدكتور عصمت سيف الدولة كواحد من أهم المشاريع الفكرية التي أعادت صياغة مفهوم "الجدل" ليكون إنسانياً خالصاً، وهو ما نلتقي معه في رؤيتنا المنهجية التي تسعى لتحويل الأفكار والقيم إلى طاقة عمل ملموسة قادرة على النهوض بالواقع وتحرير الذات العربية.
أولاً: تهافت الجبريات ومركزية الإنسان
لقد تأسست المناهج الفلسفية التقليدية على قطبين عاجزين عن تفسير التحرر الإنساني الكامل:
  1. الجدلية المثالية (الهيجلية): التي أعادت التطور الاجتماعي إلى الفكر المجرد المطلق، وجعلت الإنسان مجرد أداة لتجسيد هذا الفكر.
  2. الجدلية المادية (الماركسية): التي جعلت المادة هي الأصل والمحرك الأساسي للتاريخ، فسقطت في فخ الحتمية الاقتصادية والجبرية المادية التي تلغي دور الإرادة الحرة.
في مقابل ذلك، جاء منهج "جدل الإنسان" ليعلن أن الإنسان ليس نتاجاً سلبياً للمادة ولا مجرد صدى لفكر مجرد، بل هو الصانع الحقيقي للتاريخ والمحور الأساسي والغاية الأسمى لكل تطور اجتماعي.
ثانياً: التأصيل القرآني لجدل الإنسان
إن ما طرحه عصمت سيف الدولة كقاعدة لنظرية الثورة العربية، يجد امتداده الطبيعي والتأصيلي في القراءة الواعية للقرآن الكريم. فالقرآن قد كرم الإنسان وجعله الكائن الجدلي الوحيد المكلف بالخلافة وإعمار الأرض، كما جاء في محكم التنزيل: {وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا} (الكهف: 54).
هذا الجدل القرآني ليس مجرد ترف فكري أو حذلقة لغوية، بل هو حقيقة تكوينية تقوم على:
  • الجدل الفردي: وهو الصراع الداخلي الدائم في ذات الإنسان بين قيم الخير والشر، والسمو والانحطاط، والوعي والجهل، وهو أساس تشكّل الإرادة الحرة وتزكية النفس.
  • الجدل الاجتماعي: وهو حركة التفاعل والتضاد بين الإرادات الفردية داخل المجتمع، والتي يتولد عنها قانون تطور المجتمعات وسعيها الدائم نحو الحرية والعدالة والاشتراكية بمفهومها الإنساني.
ثالثاً: الحرية أولاً والجدل كمنهج عملي
لقد برهن عصمت سيف الدولة في كتابه العمدة "أسس الاشتراكية العربية" على أن تقدم الإنسان لا يسير على وتيرة واحدة؛ فبفضل الوعي والحرية أصبح الإنسان يحل في شهور معدودة ما كان يعجز عن حله في قرون طويلة. ولذلك، فإن "جدل الإنسان" ليس مجرد مقولة فلسفية تُدرس في قاعات الجامعات، بل هو منهج عملي لتغيير الواقع.
إن القيمة الحقيقية لهذا المنهج تكمن في قدرته على تحويل القيم الأخلاقية والنظرية إلى "طاقة عملية ملموسة" تفكك قيود الاستبداد والتبعية. فلا يمكن بناء مجتمع حر بأفراد مسلوبي الإرادة، ومن هنا كانت "الحرية أولاً" هي المبتدأ والمنتهى.
خاتمة
إن دمج الرؤية الفلسفية لـ "جدل الإنسان" بوعينا الرسالي والقرآني يمنح الأمة دليلاً نظرياً حاسماً لخوض معركة التحرر. إننا لا نواجه الواقع بالاستسلام للحتميات، بل بالمراهنة على وعي الإنسان وقدرته على الفعل والتغيير، مستندين إلى حقيقة أن الإنسان كائن جدلي، حر، ومسؤول عن صياغة مصيره وصناعة تاريخه.

 

الاثنين، 8 يونيو 2026

درس في الكرامة وفك الحصار من تاريخنا (قراءة متجددة في زمن الطوفان بقلم الناصر خشيني


 حين كتبتُ قبل سنوات مقالي "درس في الكرامة وفك الحصار من تاريخنا"، كنتُ أنطلق من إيمانٍ راسخ بأن الحصار المفروض على أهلنا في غزة ليس مجرد تدبير تقني أو جدار إسمنتي وأسلاك شائكة تُضرب حول بقعة جغرافية، بل هو في جوهره معركة إرادات واختبار وجودي لمفهوم الكرامة الإنسانية والسياسية لأمتنا العربية والإسلامية. واليوم، ونحن نعيش فصول ملحمة تاريخية غير مسبوقة، أجد نفسي مدفوعاً لإعادة قراءة ذلك النص واستحضار أبعاده، فالدم النازف والفعل المقاوم الأسطوري يعيدان اليوم صياغة هذا الدرس التاريخي، لينتقلا بالأمة من حيز "الدفاع عن النفس" إلى مرحلة "فرض المعادلات وصناعة السيادة".

إن الواقع الراهن قد تجاوز كل الخطوط الحمراء والشرائع الدولية؛ فلم يعد الحصار مجرد منع للإعمار والوقود والمواد الأساسية كما كان في العقود الماضية، بل إننا نعيش اليوم فصلاً مرعباً من "حرب الإبادة الجماعية"، حيث تحول التجويع الممنهج، ومنع حبة القمح وقطرة الماء الروية، ودك المستشفيات إلى سلاح عسكري مباشر ومقصود. هذا التحول البنيوي في عقلية الاحتلال الغاشم لم يعد يستهدف الضغط على الإرادة السياسية للمقاومة فحسب، بل يهدف بوضوح واعتراف علني إلى تهجير الإنسان واقتلاعه من أرضه، وتصفية القضية الفلسطينية برمتها وسط تواطؤ دولي مخزٍ وعجز إقليمي فاضح.
وفي مقارنتي التاريخية التي تمسكتُ بها، ستبقى "غزوة بدر الكبرى" الشاهد والمبرهن الأزلي على أن قلة العدد وشُح العتاد لم يكونا يوماً عائقاً أمام انتزاع النصر وفك طوق الاستضعاف، شريطة توفر القرار الشجاع والإرادة المستقلة والتوكل الصادق. واليوم، يتجسد هذا الإسقاط التاريخي في أبهى وأعقد صوره؛ فغزة التي عُزلت عن العالم وخُنقت برّاً وبحراً وجوّاً لأكثر من عقدين، لم تقف نادبة حظها على أعتاب المساعدات العسكرية الإقليمية التي لم تأتِ. بدلاً من ذلك، حفرت المقاومة في الصخر، وعجنت الركام، وأعادت تدوير مخلفات القذائف لتصنع ترسانتها المعقدة محلياً تحت الأرض. إن "معجزة التصنيع الذاتي" داخل الأنفاق هي الامتداد المعاصر لروح معركة بدر، حيث تحولت القلة المستضعفة إلى قوة اشتباك تفرض شروطها وتجابه أحدث الترسانات التكنولوجية في العالم.
وهنا، لا بد لي أن أجدد نقدي اللاذع والعميق للأنظمة الرسمية العربية، فالأمر اليوم تجاوز مجرد "التقصير" في إرسال قوافل إغاثية، بل تحول إلى عجز بنيوي مخزٍ، تقف فيه عواصم كبرى عاجزة عن فرض إدخال شاحنة طحين أو تأمين ممر إنساني لإنقاذ الأطفال من الموت جوعاً أمام شاشات البث المباشر. هذا الصمت الرسمي يعكس فجوة سحيقة بين وجدان جماهير الأمة وعواصم قرارها، ويؤكد أن الحصار المفروض على غزة هو في الوقت ذاته حصار مضروب على الإرادة السياسية العربية الرسمية المكبلة بتبعيّتها.
ومع ذلك، فإن هذا الحصار والخذلان قابله التفاف وتلاحم شعبي عارم أعاد الروح إلى الجسد العربي المنهك. وهنا نستحضر بفخر الدور التاريخي والمبدئي للشعوب المغاربية وفي مقدمتها شعبنا العربي في تونس؛ هذا الشعب الذي لم يتأخر يوماً عن نصرة الحق الفلسطيني، فانتفضت شوارعه وساحاته، وتوحدت قواه النقابية والطلابية والمدنية في هبة مستمرة ترفض التطبيع وتجعل من قضية فلسطين قضية وطنية تونسية بامتياز. إن هذا الموقف الشعبي المتأصل يعكس عمق الرابطة القومية والإسلامية، ويثبت أن نبض الجماهير في تونس والمغرب العربي يرفض الامتثال لسياسات الأمر الواقع، ويصر على أن يكون شريكاً في معركة فك الحصار وإسقاط الإبادة.
ومثلما تحرك الشارع المغاربي، حدث تحول جوهري على الصعيد الشعبي العالمي. فإذا كنتُ قد أشدتُ سابقاً بقوافل كسر الحصار التضامنية القديمة، فإننا اليوم نشهد طوفاناً شعبيّاً عالميّاً تجاوز المساعدات الرمزية إلى حراك بنيوي: انتفاضة عارمة في كبرى الجامعات الأمريكية والأوروبية (مثل كولومبيا، والهارفارد، والسوربون)، ومقاطعة اقتصادية شاملة ألحقت خسائر فادحة بالشركات الداعمة للاحتلال، وملاحقة قانونية تاريخية على منصات محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية، مما أسقط ورقة التوت الأخلاقية عن المنظومة الاستعمارية وحلفائها.
لذا، فإنني أتوجه من هنا بصرخة واستنهاض مباشر إلى النخب الفكرية والسياسية والوعي الثقافي في أمتنا العربية: إن دوركم اليوم لا يمكن أن يقف عند حدود التوصيف أو البكاء على الأطلال الإنسانية، أو الانكفاء على التنظير البارد خلف الشاشات. إن النخب مطالبة اليوم بقيادة معركة الوعي، وتفكيك السرديات الانهزامية، وبناء جبهة ثقافية وسياسية صلبة ترفض التبعية وتدعم خيار المقاومة والاعتماد على الذات كممر إجباري وحيد للتحرر. إن سقوط المفاهيم والقيم الغربية تحت أقدام أطفال غزة يفرض عليكم صياغة مشروع نهضوي عربي جديد يستمد قوته من كرامة شعبه وعمق تاريخه، لا من فتات الموائد الدولية.
ختاماً، إن الدرس الأكبر والأعمق الذي أردتُ تأكيده وأعيده اليوم بقوة، هو أن كسر الحصار ليس مطلباً إنسانيّاً يُستجدى على أعتاب المنظمات الدولية أو بالاعتماد على "حسن نوايا" المجتمع الدولي. إن كسر الحصار هو معركة سياسية وعسكرية لانتزاع الحرية والسيادة كاملة. لقد أثبتت هذه الملحمة المستمرة أن الكرامة لا تُوهب بل تُنتزع، وأن الرهان على الضمير الرسمي العالمي هو رهان خاسر وصفري. النصر والتحرير يصنعهما الصمود الأسطوري الحاضن للمقاومة على الأرض، والتلاحم الشعبي العابر للقارات، والإيمان اليقيني بأن إرادة الشعوب الحرة، متى ما تسلحت بالاعتماد على ذاتها، هي أعتى وأبقى من كل ترسانات الإبادة والخراب.

الأحد، 7 يونيو 2026

قطاع الفوسفات في تونس بعد 2011: من ريادة الإنتاج إلى متاهات الأزمة الهيكلية ​بقلم: الناصر خشيني

 



​يعتبر قطاع الفوسفات في تونس أكثر من مجرد نشاط منجمي؛ إنه الشريان الحيوي للاقتصاد الوطني والعمود الفقري للتنمية في مناطق الحوض المنجمي. إلا أن هذا القطاع دخل منذ عام 2011 في نفق مظلم من الأزمات المتراكمة التي مست مفاصل الإنتاج والتسويق والإدارة، مما حوله من قاطرة للنمو إلى عبء تقني ومالي يتطلب وقفة تحليلية جادة لفهم مكامن الخلل وسبل الاستشراف المستقبلي.
​أولاً: أزمة الإنتاج.. بين المطلب الاجتماعي والتعطل التقني
​لقد تراجع حجم الإنتاج الوطني من الفوسفات الخام بشكل حاد، حيث انحدر من سقف 8 مليون طن في سنة 2010 إلى مستويات لا تتجاوز 4 مليون طن في أفضل الحالات خلال العقد الأخير. هذا التقهقر يعود بالأساس إلى:
​الاحتقان الاجتماعي: تحول الحوض المنجمي إلى ساحة للاحتجاجات المستمرة والاعتصامات المطالبة بالتنمية والتشغيل، وهو ما أدى إلى توقف متكرر لمحركات الإنتاج في المغاسل والمناجم.
​معضلة اللوجستيك والنقل: تعاني منظومة نقل الفوسفات عبر السكك الحديدية من تهالك شديد، مما دفع نحو الاعتماد على الشاحنات الخاصة، وهو حل مكلف أدى إلى تضخم تكاليف الإنتاج وضرب نجاعة العملية اللوجستية.
​تقادم المعدات: غياب الرؤية الاستثمارية لتحديث الآليات ووسائل الاستخراج جعل المردودية الفنية لشركة فسفاط قفصة في تراجع مستمر أمام المنافسين الدوليين.
​ثانياً: التسويق وفقدان السمعة الدولية
​تسببت حالة عدم الاستقرار في الإمدادات في ضرب "صورة" تونس كشريك تجاري موثوق. فبعد أن كانت تونس من بين الخمسة الكبار عالمياً، وجدت نفسها تخسر أسواقاً استراتيجية (مثل الهند والبرازيل) لصالح منافسين إقليميين ودوليين استثمروا في الفراغ التونسي. والأدهى من ذلك، هو اضطرار المجمع الكيميائي في بعض الفترات لاستيراد الفوسفات من الخارج لضمان استمرارية إنتاج الأسمدة، وهو ما يمثل مفارقة اقتصادية مؤلمة تستنزف احتياطي العملة الصعبة.
​ثالثاً: الإدارة والحوكمة.. ضغوط التوازنات المالية
​من الناحية الإدارية، واجه القطاع منذ 2011 ضغوطاً سياسية واجتماعية هائلة أدت إلى:
​تضخم الكلفة الأجرية: إدماج آلاف العمال في شركات البيئة والبستنة دون وجود دورة إنتاجية فعلية واضحة، مما أثقل موازنة شركة فسفاط قفصة والمجمع الكيميائي.
​البيروقراطية وغياب الاستقرار: تعاقب الإدارات حال دون تنفيذ استراتيجية إصلاح شاملة بعيدة المدى، حيث طغت الحلول "الترقيعية" لمواجهة الأزمات اللحظية على حساب التخطيط الاستراتيجي.
​رابعاً: التحدي البيئي والمائي
​لا يمكن فصل أزمة الفوسفات عن محيطها البيئي؛ فاستنزاف الموارد المائية في عمليات الغسل بجهة قفصة، وتفاقم مشكلة التلوث بالـ "فوسفوجيبس" في خليج قابس، يضع الدولة أمام تحدي الموازنة بين ضرورة الإقلاع الاقتصادي وبين الحق الدستوري في بيئة سليمة ومستدامة.
​خاتمة واستشراف
​إن إنقاذ قطاع الفوسفات يتطلب إرادة سياسية تتجاوز المعالجة الأمنية والاجتماعية نحو رؤية اقتصادية شاملة، تبدأ بتطوير البنية التحتية للسكك الحديدية، وتحديث وسائل الإنتاج، وصولاً إلى صلح حقيقي مع أهالي المناطق المنجمية يضمن توزيعاً عادلاً للثروة والتنمية. إن استعادة تونس لمكانتها العالمية ليست مستحيلة، لكنها تمر حتماً عبر بوابة الحوكمة الرشيدة والشفافية.
​المراجع:
​تقارير وزارة الصناعة والمناجم والطاقة التونسية (2011-2024).
​التقارير السنوية لشركة فسفاط قفصة والمجمع الكيميائي التونسي.
​دراسات المعهد التونسي للدراسات الاستراتيجية حول قطاع الطاقة والمناجم.
​تقارير المنظمات الدولية (البنك الدولي والاتحاد الأوروبي) حول الاقتصاد التونسي.
​متابعات صحفية وتقارير ميدانية من الحوض المنجمي وقابس

جمال عبد الناصر: جدلية الوعي والممارسة في مسيرة قائد الأمة وباني نهضتها الحديثة بقلم: الناصر خشيني

نقف اليوم على أعتاب الذكرى الرابعة والسبعين لثورة الثالث والعشرين من يوليو (جويلية) 1952، وهي محطة لم تكن مجرد انقلاب عسكري تقليدي، بل كانت ...