قائمة المدونات الإلكترونية

الثلاثاء، 14 يوليو 2026

د. هدى صالح مهدي عماش: ناصية العلم في مواجهة العواصف الرقمية بقلم: الناصر خشيني ضمن سلسلة: أعلام العرب

 


مقدمة 
إن الكتابة عن قامات أمتنا العربية في أوقات المحن والمواجهات الكبرى ليست مجرد تدوين للتاريخ، بل هي فعل مقاومة بالكلمة واسترداد للوعي. في هذه السلسلة "أعلام العرب"، نفتح ملفات الرموز الذين تعرضوا لمحاولات التغييب والشيطنة لأنهم رفضوا التبعية واختاروا طريق السيادة العلمية. ومن واجبنا تجاه القارئ العربي أن نعيد تسليط الضوء على هذه العقول المهاجرة والمحاصرة، لنستلهم من مسيرتها قيم العطاء والصمود في زمن التحديات المصيرية.
في تاريخ أمتنا العربية الحديث، ارتبط اسم العديد من الكفاءات العلمية بساحات النضال والصمود، ولم يقتصر دورهم على غرف المختبرات وقاعات الجامعات، بل أصبحوا خط الدفاع الأول عن مقدرات أوطانهم وسيادتها. ومن بين هذه القامات السامقة، تبرز العالمة والأكاديمية العراقية الدكتورة هدى صالح مهدي عماش، كنموذج للمرأة العربية التي جمعت بين أعلى الدرجات العلمية والالتزام القومي بقضايا أمتها.
سليلة النضال والتميز الأكاديمي
ولدت هدى عماش في بغداد عام 1953، ونشأت في كنف بيئة وطنية؛ فهي ابنة القائد والمؤرخ العسكري المعروف صالح مهدي عماش. لم تركن هدى إلى إرث عائلتها السياسي، بل شقت طريقها بجد واجتهاد في ميدان العلم. بعد تخرجها من جامعة بغداد، توجّهت إلى الولايات المتحدة الأمريكية لتنهل من علوم العصر، فحصلت على الماجستير من جامعة تكساس، ثم الدكتوراه في علم الأحياء المجهرية (الميكروبيولوجي) من جامعة ميسوري عام 1983.
عادت الدكتورة هدى إلى وطنها العراق محملة بخبرات علمية نادرة، وسخرت علمها لخدمة الأجيال الصاعدة، فتدرجت في المناصب الأكاديمية حتى أصبحت عميدة لكلية العلوم بجامعة بغداد، ورئيسة لجمعية علم الأحياء الدقيقة العراقية، لتقود مسيرة تطوير البحث العلمي في أحلك الظروف التي مر بها العراق.
النضال البحثي: معركة اليورانيوم المنضب والأثر البيئي
لم يكن دور الدكتورة عماش مجرد عمل وظيفي أكاديمي؛ بل كان نضالاً علمياً حقيقياً لحماية بلدها من آثار الحروب والحصار الجائر الذي فُرض على العراق في تسعينيات القرن الماضي. فبينما كانت المختبرات تعاني شح الإمكانيات، قادت الدكتورة هدى جبهة بحثية لدراسة الأثر البيئي والصحي الخطير الناتجة عن استخدام القوات الغربية للأسلحة المحرمة دولياً، وعلى رأسها ذخائر اليورانيوم المنضب خلال حرب عام 1991.
أعدت الدكتورة عماش ونشرت سلسلة من الأبحاث وأوراق العمل الدقيقة التي وثقت علمياً الارتفاع الحاد في معدلات الإصابة بالأمراض السرطانية، والتشوهات الخلقية لدى المواليد الجدد، وتلوث التربة والمياه الجوفية في جنوب العراق. لم تكن هذه الأبحاث مجرد أرقام، بل كانت وثيقة إدانة دولية وصوت استغاثة علمي أطلقته للعالم لكشف حجم الكارثة البيئية والإنسانية التي حلت بالبلاد، معتبرة أن الدفاع عن سلامة البيئة والمواطن هو أسمى درجات الواجب القومي.
الاستهداف الغربي والصمود والإنصاف
بسبب مكانتها العلمية المرموقة وصعودها السياسي كأول امرأة تنال عضوية القيادة القطرية، وضعتها دوائر الاستهداف الغربي في قفص الاتهام. ومع غزو العراق عام 2003، شنت وسائل الإعلام الأمريكية حملة تشويه ممنهجة ضدها، مطلقة عليها ألقاباً تحريضية بهدف تبرير تدمير البنية التحتية العلمية للعراق، وتم إدراجها ضمن قائمة المطلوبين الـ 55.
رغم الاحتجاز الظالم الذي تعرضت له لقرابة عامين ونصف، ثبتت الدكتورة هدى على مواقفها، ورفضت كل محاولات الابتزاز السياسي. وجاء النصر الأخلاقي والعلمي لها في ديسمبر 2005، عندما أُجبرت القوات الأمريكية واللجان المشتركة على إطلاق سراحها دون توجيه أي تهمة رسمية، واعترافهم صراحة بخلو سجلها من أي برامج تسليحية محظورة، ليكون الإفراج عنها بمثابة وثيقة براءة وشهادة صمود لعالمة عربية واجهت آلة الدعاية الحربية بعزة وكرامة.
خاتمة: درس للأجيال وثبات على المبدأ
إن مسيرة الدكتورة هدى عماش تظل صفحة مضيئة في سجل أعلام العرب. إنها تثبت أن العلم في عالمنا العربي ليس ترفاً فكرياً، بل هو أداة تحرر وسلاح لحماية الهوية والوجود. ورغم استقرارها الحالي في عمان واعتزالها العمل العام بعد رحلة عطاء مريرة، تظل قصتها وبحوثها درساً حياً للأجيال الجديدة؛ درس يؤكد أن العقل العربي قادر على التفوق، وأن العالم الحقيقي هو من يربط مصيره بمصير أمته، مدافعاً عن حقها في التطور والعيش الكريم والسيادة على أرضها.

أحمد فارس الشدياق: صعلوك النهضة ومفكك النص الرجعي بقلم: الناصر خشيني (ضمن سلسلة أعلام الأمة )



إن قراءة تاريخ النهضة العربية من منظور قومي تقدمي تفرض علينا الانعتاق من أسر القوالب التمجيدية الجاهزة، والذهاب مباشرة إلى محاكمة النصوص والمواقف لاستجلاء البعد المقاصدي في حركة التنوير العربية. وفي هذا السياق، يبرز أحمد فارس الشدياق (1804-1887) كحالة استثنائية عصية على التصنيف التقليدي. إنه يمثل المفكر والمثقف العضوي الذي خاض معركة وجودية ضد قوى الارتداد الداخلي، متمثلة في المؤسسات الدينية الإقطاعية، وضد الاختراق التغريبي الخارجي.
أولاً: المأزق الوجودي والتحرر من سياج التقليد
لم تكن التحولات العقائدية والمذهبية في حياة الشدياق مجرد تقلبات فكرية عبثية، بل كانت تعبيراً صارخاً عن أزمة الوعي العربي في القرن التاسع عشر. إن نشأته المارونية وانتقاله إلى البروتستانتية ثم استقراره النهائي في رحاب الإسلام، توازت مع صدمة كبرى هزت كيانه؛ وهي مأساة تصفية شقيقه "أسعد الشدياق" على يد السلطة الكنسية الرجعية بسبب خياراته الفكرية.
هذا الحادث المفصلي شكّل نقطة انطلاق لوعي الشدياق بضرورة التحرر من أيديولوجيا "الحاكمية" الدينية الضيقة وصورتها النصية المظلمة. لقد أدرك مبكراً أن مواجهة الاستعمار الخارجي لا يمكن أن تنجح دون تفكيك البنى الفكرية المتكلسة في الداخل، والتي تحرم الإنسان العربي من طاقته التحريرية الشاملة.
ثانياً: "الفارياق" والتورية الإصلاحية كأداة نضالية
في رائعتة "الساق على الساق في ما هو الفارياق"، لم يكتب الشدياق مجرد رواية أو سيرة ذاتية للتسلية، بل صاغ بياناً ثورياً متقدماً. وفقاً للمنهج المقاصدي والتحليلي، نجد أن الشدياق اعتمد بوعي كامل أسلوب "التورية والترميز" بدلاً من التصريح والصدام المباشر.
كان هذا الخيار التكتيكي ناتجاً عن إدراك عميق لحجم البطش الذي يمكن أن تمارسه القيادات الرجعية ضد الفكر التنويري. ومن خلال شخصية "الفارياق"، وجّه انتقادات لاذعة وهدامة للمجتمعات الإقطاعية وسلوكيات رجال الدين، داعياً إلى إعادة بناء الإنسان على قيم الحرية، والكرامة، والعدالة المستدامة. كما تميز بوعي تقدمي سابق لعصره عندما نادى بتحرير المرأة والعبيد، واضعاً أسس النهوض المجتمعي الشامل قبل عقود من دعوات المصلحين اللاحقين.
ثالثاً: لسان الضاد والمعركة اللغوية والحضارية
إن نضال الشدياق لم ينفصل يوماً عن الدفاع عن الهوية العربية. لقد رأى في اللغة العربية المرتكز الأساسي للأمن الثقافي القومي. من هنا جاءت معاركه اللغوية الطاحنة وكتابه "الجاسوس على القاموس" لنقد المعاجم القديمة، وتطهير اللغة من قوالب الجمود.
لم يكن دفاعه عن الفصحى وغناها -في مواجهة دعوات التبسيط المفرط أو التغريب- ترفاً لغوياً. بل كان إيماناً منه بأن اللغة هي وعاء العقل الجمعي العربي؛ وحمايتها وتطويرها بالنحت والتجديد هي السبيل الأمثل لاسترداد الذات الحضارية والوقوف بندية أمام المد التغريبي والاستشراقي.
رابعاً: الاستغراب المبكر والصحافة الملتزمة
عبر بوابتي مالطا وأوروبا، قدّم الشدياق في "كشف المخبأ عن فنون أوروبا" قراءة نقدية واعية لـ"الآخر" الغربي. لم يسقط في فخ الانبهار الأعمى، بل شرّح البنية الاجتماعية والنفسية للمجتمعات الأوروبية، ممارساً "علم الاستغراب" في وقت مبكر.
وعندما أسس جريدة "الجوائب" في الآستانة، نقل المعركة الفكرية إلى فضاء الصحافة الحرة المستقلة. فكانت الجريدة منبراً سياسياً وثقافياً عروبياً بامتياز، يربط قضايا التنوير الأدبي بوعي سياسي يهدف إلى إيقاظ الأمة ودفعها نحو التنمية ومواجهة مخططات الحصار الاستعماري.
خاتمة ومقاصد
إن أحمد فارس الشدياق، في حسابات الوعي القومي التقدمي، يمثل طاقة تحريرية رائدة لم ترهن نفسها للمؤسسات التقليدية. لقد أثبتت سيرته أن الفكر الإصلاحي الحقيقي هو الذي يربط التحرر الفكري بالسيادة القومية والعدالة الاجتماعية. سيبقى "صعلوك النهضة العظيم" ملهماً لكل المحاولات المعاصرة التي تسعى لكسر أطواق النصوصية الحنبلية والرجعية الدينية، من أجل بناء مستقبل عربي حر وكريم.

الهوامش والمراجع الفكرية:
  1. الشدياق، أحمد فارس. الساق على الساق في ما هو الفارياق. (تحليل البعد التنويري والترميزي).
  2. أرشيف سلسلة أعلام الأمة، القراءات الفكرية في استرداد الذات الحضارية والنهوض العربي.
  3. دراسات في الفكر العربي الحديث: معارك التنوير والتحرر من التقليد.

من صراع الإرادات إلى نيران المواجهة: ملامح العالم الجديد تولد من فوهة البنادق بقلم: الناصر خشيني

 


لم تعد منطقة الشرق الأوسط مجرد مسرح لحرب باردة بين قوى إقليمية ودولية؛ بل تحولت إلى بركان عسكري منفجر يغلي بالمواجهات المباشرة. المشهد الراهن لم يعد يحتمل قراءة التراجعات الدبلوماسية التكتيكية، فالتصعيد العسكري الأخير والضربات المتبادلة بين واشنطن وطهران، جنباً إلى جنب مع تجدد اشتعال الجبهة بين السعودية والحوثيين، يدشنان مرحلة كسر عظم حقيقية تعيد رسم الخارطة الجيوستراتيجية للعالم بأسره.
صدام الأصلاء: أمريكا وإيران في حافة الهاوية
إن لجوء الولايات المتحدة إلى خيار القصف العسكري المباشر لمواقع في الداخل الإيراني، والرد الفوري من قبل طهران باستهداف القواعد والمصالح الأمريكية في المنطقة وممرات الملاحة، يؤكد أن سياسة "الردع" الأمريكية التقليدية وصلت إلى طريق مسدود. لم يعد المحور الإيراني يكتفي بالصبر الاستراتيجي؛ بل يواجه التهديدات الأمريكية بندية ميدانية غير مسبوقة تفرض معادلات اشتباك جديدة في مضيق هرمز ومحيطه. هذا التصعيد يبرز انحسار القدرة الأمريكية على فرض إرادتها المنفردة، ويثبت أن "الغطرسة القطبية" لواشنطن تصطدم اليوم بجدار صلب من التحدي الردعي.
جبهة اليمن وجنوب المملكة: تجدد حروب الوكالة واستنزاف التحالفات
على التوازي، جاء قصف مطار صنعاء والرد الحوثي السريع بإطلاق الصواريخ الباليستية نحو جنوب السعودية ليعلن انهيار سنوات الهدوء النسبي في الملف اليمني. إن هذا الاشتعال المتزامن ليس معزولاً عن المعركة الكبرى؛ فالجماعة اليمنية، كجزء من محور المقاومة، تسعى إلى شلّ حلفاء واشنطن والضغط على العصب الحيوي للطاقة العالمية. تجد السعودية نفسها اليوم مستنزفة بين محاولات حماية عمقها الاستراتيجي، وبين ارتدادات صراع أمريكي-إيراني لم تختر توقيته، مما يضع الشراكات الدفاعية التقليدية تحت اختبار الوجود.
تصدع "عرش الدولار" والتحول نحو الشرق
هذا الانفجار العسكري يتغذى على زلزال اقتصادي لا يقل خطورة؛ وهو التآكل المتسارع لسلاح العقوبات المالية الأمريكية. لقد نجحت طهران، مدعومة بمحور صاعد يضم الصين وروسيا، في تحويل حرب العملات لصالحها من خلال إدارة تجارتها البينية بالعملات المحلية (الريال، الروبل، واليوان)، متجاوزة نظام "سويفت" الاحتكاري ومسقطة لسطوة "البترودولار" في الشرق الأوسط. كل صاروخ يسقط في ممرات الطاقة، يسحب معه غطاء الأمان عن الاقتصاد الأمريكي القائم على الديون، مانعاً واشنطن من تصدير تضخمها، ومعززاً مشروع "إلغاء الدولرة" (De-dollarization) الذي تقوده دول البريكس دولياً.
ملء الفراغ الدولي وانكفاء مشروع "إسرائيل"
بينما تنشغل أمريكا بحروب الاستنزاف المباشرة وبحصار بحري مكلف، تبرز الصين وروسيا كقوى مستفيدة تملأ الفراغ الاستراتيجي؛ فالصين تتقدم كضامن سياسي وعملاق اقتصادي، وروسيا كلاعب عسكري فاعل. هذا التراجع في المكانة الأمريكية يترك مشروع "إسرائيل" في مأزق وجودي حقيقي؛ فالكيان الصهيوني، الذي يراقب بتوجس شديد حدود الاشتباك الأمريكي-الإيراني، يعلم أن انشغال واشنطن بأزماتها وتراجع سطوتها الردعية والمالية يعني حتماً عزلة الكيان جغرافياً وسياسياً، وبداية مسار لانكفائه التاريخي التام مع تغير موازين القوى في المنطقة.
خلاصة القول
نحن لا نشهد مجرد جولة قتال عابرة، بل زلزالاً جيوستراتيجيًا يعيد كتابة التاريخ من مياه الخليج إلى جبال اليمن. إن فجر النظام متعدد الأقطاب يولد اليوم من وسط النيران؛ نظام ينتهي فيه عصر "البلطجة المالية" والأحادية القطبية، وتتحول فيه أمريكا تدريجياً إلى دور المتفرج المربك، بعد أن كانت لقرن كامل المخرج والمنتج الأوحد لأزمات العالم.

الاثنين، 13 يوليو 2026

تونس الخضراء بين أمجاد الماضي وتحديات الاستدامة ​بقلم: الناصر خشيني



​لطالما ارتبط اسم تونس بصفة "الخضراء"، وهي تسمية لم تأتِ من فراغ، بل كانت انعكاساً لواقع جغرافي وتاريخي يؤكد أن المسافر كان يقطع البلاد من شمالها إلى وسطها تحت ظلال الأشجار الكثيفة [1]. إلا أن هذا الرداء الأخضر بات اليوم يواجه تهديدات جسيمة حولت مساحات شاسعة من الغابات إلى أراضٍ تعاني من الهشاشة وفقدان التنوع البيولوجي.

​تشخيص الواقع: عوائق في طريق التعافي

​على الرغم من وجود ترسانة قانونية متمثلة في مجلة الغابات، إلا أن الفجوة بين النص القانوني والتطبيق الميداني لا تزال واسعة. ويمكن تلخيص المعوقات الأساسية في:

​البيروقراطية المقيدة: التي تعيق مبادرات التشجير الخاص والاستثمار الرشيد.

​الاحتطاب العشوائي والصيد غير القانوني: مما أدى إلى استنزاف أصناف نادرة واختلال التوازن البيئي [2].

​كابوس الحرائق الصيفية: الجرح النازف

​باتت حرائق الغابات، خاصة في فصل الصيف مع هبوب رياح "الشهيلي"، تمثل التهديد الأكبر الذي يلتهم آلاف الهكتارات سنوياً. هذه الحرائق ليست مجرد كارثة طبيعية في كثير من الأحيان، بل هي نتاج تداخل عوامل بشرية ومناخية [3].         


​كيف يمكن تلافي خطر الحرائق؟

إن مواجهة الحرائق تتطلب استراتيجية استباقية بعيداً عن الحلول الدفاعية المؤقتة، وذلك عبر:

​الإنذار المبكر والرقابة الذكية: ركزت التجارب الدولية الناجحة على وضع أبراج مراقبة مجهزة بكاميرات حرارية مرتبطة بالأقمار الصناعية، واستخدام "الدرون" لمسح الغابات في الأيام عالية المخاطر لضبط أي بؤرة حريق في دقائقها الأولى [4].

​تهيئة الغابات (المصدات النار): يجب تفعيل صيانة المسالك الغابية وفتح "مصدات النار" (Tranchées pare-feu) بصفة دورية، وهي مساحات خالية من الأعشاب تحول دون انتقال النيران من منطقة إلى أخرى.

​إشراك المتساكنين في "الحراسة الشعبية": لا يمكن للدولة وحدها حماية كل شبر. إن تمكين سكان الغابات وتدريبهم على التدخل الأولي وتوفير معدات بسيطة لهم يجعل منهم خط الدفاع الأول.

​التوعية والردع القانوني: تشديد العقوبات على المتسببين في الحرائق (سواء بالإهمال أو العمد) مع حملات إعلامية مكثفة للمصطافين والمجاورين للغابات حول مخاطر إشعال النار [3].

​السبيل نحو العودة إلى "تونس الخضراء"

​إن استعادة الغطاء النباتي تتطلب أيضاً:

​المقاربة التشاركية: تحويل سكان المناطق الغابية إلى شركاء عبر "الاقتصاد الأخضر".

​تحديث التشريعات: تبسيط الإجراءات لتشجيع التشجير الخاص [2].

​إعادة التوطين الحيواني: لضمان دورة بيئية متكاملة.

​خا

​إن إعادة تونس إلى سابق عهدها، حيث يسير المسافر في ظل الأشجار، ليست حلماً مستحيلاً، بل هي واجب وطني. إن حماية غاباتنا من النيران ومن اليد العابثة هي معركة وجود في ظل التغيرات المناخية، فكل شجرة نحميها اليوم هي رئة لأجيال الغد.

​المراجع والهوامش:

​[1] المنصف بن سالم، تاريخ تونس الخضراء: الجغرافيا والمناخ عبر العصور، منشورات المعهد الوطني للتراث.

[2] الجمهورية التونسية، مجلة الغابات (نصوص قانونية محينة)، المطبعة الرسمية، تونس.

[3] الحماية المدنية التونسية، التقرير السنوي حول حرائق الغابات: الأسباب وسبل التوقي، (2023).

[4] وزارة الفلاحة والموارد المائية، الاستراتيجية الوطنية لحماية الغابات من الحرائق (2015-2024).

[5] الجمعية التونسية لحماية الطبيعة والبيئة، دراسات حول التنوع البيولوجي في المرتفعات الشمالية.

الأحد، 12 يوليو 2026

​خنجر في خاصرة الأمة: المظلومية الوظيفية وانحراف البوصلة عند الإخوان ​بقلم: الناصر خشيني



​إن قراءة المسار التاريخي لحركة الإخوان المسلمين تكشف عن آليّة نسقية مبكرة في تزييف الوعي الجمعي، تقوم على إحلال "السيكولوجية العاطفية" محل القراءة العقلانية والسياسية الملتزمة بقضايا الأمة. لم تكن المظلومية مجرد نتاج عارض للاصطدام مع الدولة الوطنية، بل هي استراتيجية "هندسة أيديولوجية" مبرمجة ومقصودة، تهدف إلى الحفاظ على تماسك التنظيم الداخلي وتبرير التحول نحو العنف والإرهاب ضد المجتمع. وتبدأ هذه الهندسة بعزل الأتباع عن سياق حركة التحرر الوطني العربي؛ ففي اللحظة التي كان يخوض فيها الفكر القومي التقدمي معارك الوجود ضد الاستعمار التقليدي والأحلاف العسكرية، كان التنظيم يغذّي عناصره برواية مفادها أن الدولة الوطنية وجيشها الباسل هما "العدو القريب". من هنا، يتم تحويل كل إجراء قانوني أو أمني تتخذه الدولة لحماية أمنها القومي إلى "محنة دينية"؛ وصناعة "غيتو" نفساني يُعمي العضو عن رؤية الجريمة الإرهابية ليرى بدلاً منها "جهاداً في وجه الطغيان". إن هذه السلطة الأخلاقية المزيفة هي الغطاء الأيديولوجي الذي يُشرعن ضرب بنية المجتمع العربي من الداخل، وإشغال الدولة المعاصرة بمعارك استنزاف داخلية مجانية تخدم بالضرورة القوى المتربصة بالأمة.

​ومن هنا تبرز المفارقة الأكثر فجاجة وصدمة في مسيرة هذا التيار، وهي "انحراف بوصلة العداء"؛ فعلى مدار عقود من الصراع، لم تُوجَّه رصاصة واحدة من ترسانة هذا التنظيم نحو القوى الاستعمارية الكبرى، أو نحو قواعد الإمبريالية الغربية، أو في مواجهة الكيان الصهيوني المغتصب لأرض فلسطين. في المقابل، نجد أن كامل رصيدهم "الجهادي" والعملياتي جرى صبه وتوجيهه حصراً نحو الجيوش الوطنية العربية، والنخب الفكرية التقدمية، والمؤسسات التنموية والمجتمعات العربية والمسلمة. ومن منظور قومي تقدمي، لا يمكن تفسير هذا السلوك باعتباره خطأً في التقدير، بل هو تعبير عن عقيدة وظيفية جوهرها معاداة مشروع النهوض العربي. ففي حين كانت البندقية الوطنية والقومية تقاوم على خطوط المواجهة، كان الخنجر الإخواني يُطعن الدولة في الظهر عبر فتاوى التكفير والتفجير وعمليات التخريب تحت ذريعة "جاهلية المجتمع". لقد تحولت المجتمعات العربية لديهم إلى ساحة مفتوحة للاستباحة والقتل بدعوى تطبيق "الحاكمية"، بينما تحول العدو الصهيو-أمريكي في أدبياتهم وممارساتهم العملية إلى كيان مَهيب يُهادن، وتُبرر التوافقات معه تحت لافتة "المصالح والسياسة". إن توجيه السهام للداخل العربي حصراً هو الدليل القاطع على أن هذا الفكر يمثل قوة ارتداد تدميرية تمنع الأمة من تحقيق وحدتها واستقلالها الإستراتيجي.

​وراء هذا الستار الكثيف لشعارات "الجهاد"، تختبئ حقيقة سياسية شديدة السواد: علاقات غرف الظل والاتصالات المشبوهة مع الدوائر الاستعمارية الغربية التي بدأت منذ التأسيس ولم تنقطع. من التمويل البريطاني الأول لشركة قناة السويس في الإسماعيلية عام 1928، وصولاً إلى التنسيق مع المخابرات الأمريكية في الخمسينات والستينيات لضرب المد القومي التقدمي الناصري، يظهر التنظيم كأداة وظيفية مفضلة لدى الإمبريالية العالمية لتقسيم المقسم وتفتيت نسيج الأمة. إن هذه المهادنة والتحالف السري يكشفان أن القوى الاستعمارية والصهيونية هما في الحقيقة "أحباب الخفاء" لهذا الفكر. فالغرب الإمبريالي أدرك مبكراً أن الفكر القومي الجامع يمثل التهديد الحقيقي لمصالحه النفطية والإستراتيجية ولأمن ربيبته إسرائيل، ولذلك وجد في تنظيم الإخوان الحليف الموضوعي؛ فالتنظيم يفتت الهوية القومية لصالح هويات أممية هلامية، ويستبدل الصراع ضد المستعمر بالصراع ضد الحاكم والجيش العربي. لم يكن غريباً إذن أن تحتضن العواصم الغربية (كلندن وميونخ وواشنطن) قيادات التنظيم الهاربة، وتوفر لهم المنصات الإعلامية والدعم المالي والسياسي، ليتحول هؤلاء إلى أدوات ضغط وتخريب تُشْهَر في وجه الأنظمة الوطنية والتقدمية المتمسكة بالسيادة وبثروات الأمة والرافضة للتطبيع والتبعية.

​الهوامش والتوثيق الرقمي:

​ريتشارد ميتشل، كتاب "تاريخ الإخوان المسلمين" (The Society of the Muslim Brothers)، ترجمة عبد الفتاح الميرغني، ص 180-195: يوثق التكوين البنيوي للنظام الخاص (الجهاز السري المسلح) ودوره في تسييس فكرة الضحية لتبرير الاغتيالات السياسية داخلياً كقضيتي الخازندار والنقراشي.

​عبد الحليم قنديل، مؤلف "عبد الناصر والإخوان"، ص 45-60: تحليل نقدي من منظور قومي ناصري يوضح تفوق البوصلة الوطنية لعبد الناصر في مواجهة الاستعمار، مقابل ارتباك وانحراف بوصلة التنظيم نحو قمع الداخل وتكفير المجتمع.  

​مارك كيرتس، كتاب "الشؤون السرية: تواطؤ بريطانيا مع الإسلام الراديكالي" (Secret Affairs: Britain's Collusion with Radical Islam)، ص 72-98: يعتمد بالكامل على وثائق الخارجية البريطانية المفرج عنها، ويوثق الاتصالات السرية والتمويل والدعم الوظيفي الذي قدمته بريطانيا للتنظيم لضرب المد القومي العربي واليساري في الشرق الأوسط.

​إيان جونسون، كتاب "مسجد في ميونيخ" (A Mosque in Munich)، ص 115-140: يكشف بالوثائق التاريخية والأرقام كيف قامت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (CIA) خلال الحرب الباردة برعاية وتوظيف القيادات الإخوانية الهاربة لبناء شبكات نفوذ أيديولوجي تخدم المصالح الأمريكية وتواجه الأنظمة التحررية.

​الملف الرقمي للأرشيف الوطني البريطاني (The National Archives): ملف المراسلات الدبلوماسية السرية PRO FO 371/108502، حول لقاءات السفير البريطاني ومستشاريه مع قيادات الإخوان في القاهرة خلال عامي 1953 و1954، والذي يوضح طبيعة النقاشات لترتيب مرحلة ما بعد التخلص من الاتجاه القومي العروبي التحرري.

​وثيقة المخابرات المركزية الأمريكية (CIA) المنشورة إلكترونياً رقم: CIA-RDP80R01731R003000170003-9، وتتضمن تقريراً حول "التيارات الإسلامية في مصر" يؤكد فيه المحللون الأمريكيون أن عداء التنظيم الأساسي موجه للنظام القومي واليساري التقدمي وليس للغرب.


أيام من الكذب: زينب الغزالي وأسطورة "المظلومية النسوية" في خدمة الإرهاب ​بقلم: الناصر خشيني



​في هندسة البروباغندا الإخوانية، لا يقتصر بناء "الرمز الأسطوري" على الرجال؛ بل يتم جلب المرأة وتوظيفها لتأدية دور عاطفي محكم يستدر دموع الأتباع ويغسل جرائم التنظيم السرية. وإذا كان سيد قطب قد مُنح "رمزية المشنقة" للتغطية على تنظيره التكفيري، فإن زينب الغزالي قد صُنعت لها هالة "المجاهدة المعذبة" عبر كتابها الشهير "أيام من حياتي"، لتغطية مسار طويل من العمل السري المسلح والاعتداء الممنهج على أمن الدولة الوطنية.

​في القراءة السطحية التي يروّجها تنظيم الإخوان، تُقدَّم زينب الغزالي كضحية لاعتقالات عام 1965، وكرمز للصمود النسائي في وجه الدولة التقدمية. غير أن القراءة الوطنية والتقدمية تفكك هذه المسرحية العاطفية لتكشف حقيقة دورها: لم تكن الغزالي مجرد داعية أو صاحبة رأي، بل كانت بمثابة "الدينامو المالي واللوجيستي" والأب الروحي الحركي لإعادة بناء تنظيم 1965 المسلح.

​إن الحقائق التاريخية واعترافات قادة ذلك التنظيم السري تكشف بوضوح الآتي:

​حلقة الوصل والتمويل: كانت زينب الغزالي هي همزة الوصل الرئيسية بين سيد قطب داخل سجنه، وبين القواعد الشابة للتنظيم في الخارج. ومن خلال بيتها، كانت تُمرر الرسائل، وتُدار الأموال، وتُحاك خطط تسليح الخلايا التي كانت تستهدف تفجير القناطر، ومحطات الكهرباء، واغتيال القيادات الوطنية.

​تأسيس تيار العنف المستقبلي: لم يتوقف دورها عند تنظيم 65؛ بل إن التحقيقات وشهادات رفاقها أكدت تورطها اللاحق في دعم وتوجيه تنظيمات العنف والتكفير التي خرجت من عباءتها، مثل التنسيق مع صالح سرية وقادة عملية "الفنية العسكرية" عام 1974 للاعتداء على الجيش المصري ومؤسسات الدولة.

​استغلال المرأة في العمل السري: وظفت الجماعة زينب الغزالي وشقيقات سيد قطب (مثل حميدة وأمينة) لنقل أدبيات التكفير (مثل كتاب "معالم في الطريق") وتجنيد الخلايا، في استغلال رخيص وممنهج للمرأة لخدمة أجندة تدميرية ترفض في الأصل الاعتراف بالحقوق المدنية والتقدمية للمرأة نفسها.

​لقد صاغت زينب الغزالي في كتابها روايات تعذيب أسطورية وخيالية (كشفت التحقيقات والشهادات التاريخية زيفها ومبالغاتها الفجة)، ليس لتوثيق الحقيقة، بل لصناعة مظلومية مقدسة تحجب الرؤية عن الجريمة الأصلية. فالهدف من هذه السردية العاطفية هو جعل القارئ يتعاطف مع "الضحية المفترضة" وينسى تماماً أن هذه "الضحية" كانت تدير بيوتاً آمنة لإخفاء السلاح والمتفجرات وتخطط لنسف استقرار المجتمع وإسقاط الدولة لصالح وهم "التمكين والحاكمية".

​إن الفكر القومي والتقدمي يرى في هذه الممارسات دليلاً دامغاً على تهافت المشروع الإخواني؛ فهو مشروع لا يتورع عن استخدام الدين، وعواطف الناس، وتوظيف النساء، لضرب صمام أمان الشعوب وهو الدولة الوطنية. إن كشف حقيقة زينب الغزالي هو نزع لآخر أقنعة المظلومية التي يتستر خلفها تنظيم وظّف العنف والتفجيرات كأدوات ثابتة في عقيدته السياسية.

مشنقة سيد قطب: كيف تُصنع أسطورة "المظلومية" للتغطية على الإرهاب؟ ​بقلم: الناصر خشيني



​ليست المشنقة في التاريخ السياسي مجرد أداة عقاب، بل كثيراً ما تحاول التنظيمات الأيديولوجية تحويلها إلى آلة رمزية، تعيد تشكيل الوعي الجمعي، وتمنح المهزوم سلطة أخلاقية مزيفة تتجاوز لحظة السقوط نفسها. هكذا جرى التعامل مع إعدام سيد قطب سنة 1966، حيث عُزل الحدث عمداً عن سياقه الجنائي والوطني، ليُفتح على مصراعيه داخل الذاكرة الإخوانية الحركية كـ "مظلومية تأسيسية" تخفي وراءها حقيقة المخطط الدموي.
​في البروباغندا الإخوانية البسيطة، يُقدَّم الإعدام بوصفه ذروة الظلم الناصري واستبداد الدولة. غير أن القراءة التقدمية والقومية الأعمق تكشف أن هذه اللحظة جرى انتزاعها عمداً من سياقها الحقيقي، وإعادة إنتاجها كرمز مقدّس يُراد منه إغلاق ملف إدانة التنظيم، والتغطية على حقيقة صادمة يتناساها الكثيرون: أن هذا الإعدام جاء بعد كشف مخطط إرهابي كامل الأركان كان يستهدف تفجير ركائز الدولة الوطنية والاعتداء على أمنها وسيادتها.
​منذ الأيام الأولى بعد الإعدام، بدأت تتشكّل رواية واحدة، شبه رسمية داخل التنظيمات: رواية الثبات، والابتسامة، والانتصار الأخلاقي. لا تعدد في الزوايا، ولا نقاش في الوقائع. وهذا أول مؤشر على الانتقال من الحدث الجنائي والتاريخي إلى النص الأسطوري، لتعطيل العقول عن السؤال الجوهري: ماذا كان يفعل تنظيم 1965 السري؟ ولماذا كانت مخازن السلاح والمتفجرات تُعد لاستهداف المنشآت الحيوية وقادة الدولة؟
​في هذه النقطة تحديداً، أخرج الفكر الإخواني هذا الإعدام من كونه نهاية قانونية مستحقة لصراع أمني وعنيف أشعله التنظيم، ليدخله مجال “التقديس الرمزي”. لم يعد سيد قطب متهماً بالتنظير لتفجير الدولة والمجتمع، بل أصبح شهيد فكرة، وكل فكرة للشهيد تكتسب -في عرفهم- حصانة تلقائية من النقد أو المساءلة.
​الخطير في هذه العملية ليس مجرد التعاطف، بل إلغاء المسافة بين الفكر التدميري والرمز. فحين يتحوّل صاحب الفكر التكفيري إلى أيقونة، تُجمَّد نصوصه الاستئصالية، وتُرفع فوق التاريخ، وكأنها وحي سياسي عابر للقوانين والدول.
​لقد كُتبت أفكار قطب الأكثر خطورة تحت شعار "المفاصلة وعزلة المجتمع"، ونتج عنها تنظيم سري مسلح لم يكن يرى في الدولة الوطنية إلا "جاهلية" يجب تقويضها بالتفجيرات والاغتيالات. وهنا يبرز التناقض الصارخ: كيف يُطلب من الدولة التقدمية أن تقف عاجزة أمام تنظيم يخطط لنسف كيانها من الداخل، ثم يُتباكى على القانون حين يُطبق العدل؟
​غير أن الأسطورة الإخوانية لا تحب هذه الحقائق. فهي تحتاج إلى يقين صافٍ، وإلى نهاية مأساوية تُغلق باب المراجعة، لكي لا يُساءل أحد مفاهيم مثل “الحاكمية” أو “تكفير المجتمع”، أو يُحاسب التنظيم على توظيفه الفظيع للعنف والقتل.
​هنا بالضبط، بدأت المشنقة تؤدي وظيفتها الأخطر في الأدبيات الحركية: منح الفكر الإرهابي سلطة الدم. وباسم هذا الدم، جرى تعليق العقل، وتأجيل السياسة، وتحويل الاعتداء على أمن الدولة من جريمة إرهابية موصوفة إلى اصطفاف مطلق وانقسام وجودي بين "إيمان وكفر".
​إن الإعدام القانوني المبرر لحماية الوطن لا يحوّل الأفكار التكفيرية إلى حقائق، ولا يمنح التنظيم صك براءة. فالقضاء أدان تنظيماً خطط للتفجير والقتل والاعتداء على السيادة الوطنية، ولم يكن الأمر مجرد خصومة فكرية. الفرق اليوم يكمن في ضرورة كشف هذا التزييف، وإعادة الاعتبار للدولة الوطنية في مواجهة مشروع إخواني وظّف المظلومية لصناعة السرديات، بينما كانت يداه تخطط لتدمير الوطن.

السبت، 11 يوليو 2026

تشاد والمنظومة العربية: قراءة تقدمية في أدوار الجوار الإفريقي وصراع المحاور بقلم: الناصر خشيني



تُمثل تشاد جغرافياً وحضارياً نقطة التماس والالتقاء الأكثر حساسية بين العالم العربي وإفريقيا جنوب الصحراء. بالنسبة للفكر القومي التقدمي، لا يمكن قراءة العلاقات التشادية العربية بمعزل عن "إستراتيجية حزام الجوار الإفريقي" التي وظفتها القوى الإستعمارية الغربية والصهيونية لعزل الأمة العربية، وتطويق أمنها القومي من الخاصرة الجنوبية، مستغلة التنوع العرقي والقبلي لتغذية الصراعات واستهداف دول العمق العربي المركزية [1].

1. الجذور التاريخية: هندسة "التناقض العرقي" بأيادٍ استعمارية
تاريخياً، لم تكن تشاد غريبة عن الهوية العربية والإسلامية؛ فاللغة العربية هي لغة التواصل اليومي للأغلبية الساحقة من السكان، والعرب جزء أصيل من النسيج الديموغرافي للبلاد [1]. ومع ذلك، جرى هندسة "جدار جيو-ثقافي" عازل عبر محطتين رئيسيتين:
  • الهندسة الفرنسية للتناقض العرقي: عمل الاستعمار الفرنسي (1900-1960) على طمس العروبة والإسلام. ومارس سياسة تفضيل النخب المسيحية والإفريقية في الجنوب وتوليتها مقاليد الحكم عند الاستقلال، مقابل تهميش الشمال والشرق ذي الغالبية المسلمة والعربية، مما خلق بذور "مظلومية متبادلة" وتوترات عرقية استمرت لعقود [5].
  • إستراتيجية الطرف الثالث (الاختراق الغربي والصهيوني): سعت الدوائر الإمبريالية منذ ستينيات القرن الماضي إلى اختراق دول الطوق الإفريقي (مثل تشاد، وإثيوبيا) لإنشاء حزام معادٍ للمشروع القومي العربي. وكان الهدف التكتيكي هو إشغال الدول العربية المواجهة (مصر، ليبيا، السودان) بصراعات استنزافية حدودية دائمة [2].

2. سلسلة دول الجوار والتنافس مع الأمن القومي العربي
تتحرك تشاد في بيئة إقليمية بالغة التعقيد، وتتداخل علاقاتها مع ثلاث دول جوار عربي أساسية، متأرجحة بين الصدام العسكري المباشر والتوظيف الإقليمي:
أ. الجبهة الليبية: صراع السيادة والمد الإقليمي
شهدت العقود الماضية (السبعينيات والثمانينيات) صداماً دموياً حول شريط أوزو الحدودى [5]. من المنظور الجيوسياسي، كان الصراع مواجهة بين محاولات المد القومي الليبي لتأمين العمق الإفريقي وحماية أمنه، وبين نخب تشادية حظيت بدعم عسكري فرنسي وأمريكي مباشر لكسر النفوذ العربي في الصحراء الكبرى، وهو الصراع الذي حُسم لاحقاً في محكمة العدل الدولية عام 1994 لصالح إنجامينا [4].
ب. الجبهة السودانية: خاصرة التفتيت واستهداف الاستقرار
يعد السودان المتضرر الأكبر من الهشاشة الأمنية لهذا الجوار. لسنوات طويلة، مثّلت الحدود التشادية-السودانية المشتركة معبراً لتصدير التمرد وعدم الاستقرار، نظراً للتداخل القبلي والاتصال الديموغرافي المعقد بين البلدين [3].
ج. الجبهة المصرية: عمق إستراتيجي مخترق
تنظر القاهرة إلى تشاد كجزء من الأمن القومي المرتبط بملف مياه النيل واستقرار حوض الصحراء. وتاريخياً، كان التخوف المصري يكمن في تحول هذا الجوار الإفريقي إلى منطلق لإستراتيجيات غربية تستهدف عزل مصر عن عمقها القاري [2].

3. الدور التشادي المعاصر: التورط في تفتيت السودان (محور حميدتي)
في المشهد الراهن (2026)، يتجلى التهديد التشادي للأمن القومي العربي في أوضح صوره عبر الأزمة السودانية، وهو ما يقف أمامه الفكر التقدمي كدليل على استمرار مشروع "تفكيك الدول المركزية":
  • جسر الإمداد اللوجستي المفتوح: توثق التقارير الدولية والأممية تحول الأراضي التشادية (تحديداً مطار أم جرس ومناطق الشرق) إلى ممر إستراتيجي لتدفق السلاح والعتاد العسكري الخارجي الموجه لصالح قوات الدعم السريع بقيادة حميدتي، مما يساهم بشكل مباشر في إطالة أمد الحرب وتدمير الدولة السودانية [8].
  • تناقضات النخبة الحاكمة وعقدة الزغاوة: يعيش النظام التشادي برئاسة محمد إدريس ديبي معضلة حادة؛ فبينما يستفيد من المحاور الخارجية الداعمة لحميدتي، يواجه ضغوطاً داخلية شرسة من قبيلته (الزغاوة) التي خاضت مواجهات دموية ضد قوات الدعم السريع والميليشيات المتحالفة معها في إقليم دارفور (مثل معارك الفاشر) [6, 7]. هذا التوظيف الخارجي يوضح كيف تُساق النخب الحاكمة في دول الجوار الإفريقي لخدمة مشاريع تدمير الكيانات العربية [6].

4. الاختراق الصهيوني لتشاد: الطوق الجنوبي الجديد
لا يمكن صياغة تحليل قومي تقدمي دون الإشارة إلى الإنجاز الإستراتيجي الخطير للعدو الصهيوني في هذه المنطقة. ففي عام 2019، أُعيدت العلاقات الرسمية بين تشاد وإسرائيل، وتوّجت بافتتاح سفارة تشادية في تل أبيب [9]. هذا الاختراق لا يستهدف تشاد لذاتها، بل يهدف إلى:
  1. تأمين موطئ قدم استخباري متقدم لمراقبة حدود ليبيا، والسودان، ومصر [2].
  2. كسر العزلة الدبلوماسية للكيان الصهيوني في القارة الإفريقية [9].
  3. إعاقة أي تمدد أو تكامل "عربي-إفريقي" مستقبلي مبني على التحرر والسيادة [1].

خلاصة واستشراف: رؤية تقدمية للمواجهة
إن "معاداة الأمة العربية" من بوابة تشاد ليست كراهية شعبية نابعة من المكونات التشادية الواسعة التي تتقاطع مع العروبة ديناً ولغةً وجواراً؛ بل هي معاداة وظيفية تصنعها الأنظمة المرتبطة بالدوائر الإمبريالية والمحاور الإقليمية التفتيتية.
لمجابهة هذا التهديد في الخاصرة الإفريقية، يتطلب الأمر من القوى التقدمية العمل على:
  • دعم استعادة الدولة الوطنية والجيش المركزي في السودان لإغلاق ثغرات التآمر والتهريب العسكري [7].
  • بناء مشروع عربي تقدمي موحد يمتلك أدوات جذب اقتصادي وثقافي حقيقي لإفريقيا، يقطع الطريق على المال المشبوه والنفوذ الصهيوني [1].
  • تفعيل الدبلوماسية الشعبية مع القوى الوطنية داخل تشاد لإدراك أن تحرر إفريقيا الحقيقي لا يمر عبر التحالف مع قتلة الشعب الفلسطيني، أو التورط في تمزيق وحدة السودان الشقيق [1].

الكاتب: الناصر خشيني
مفكر وقومي تقدمي

المراجع والمصادر (References):
  1. الأطلس التعليمي لجمهورية تشاد (باللغة العربية)، دراسات جيو-ثقافية وديموغرافية حول المكون العربي والإسلامي في تشاد، جامعة إنجامينا بالتعاون مع خبراء أفارقة وفرنسيين.
  2. معهد الشرق الأوسط (Middle East Institute - MEI)، تقرير: "ماذا يعني الانتقال في تشاد بالنسبة للقوى الإقليمية في الشرق الأوسط؟" (التحالفات مع الإمارات، الاختراق الصهيوني، والتنافس المصري التركي في الساحل والصحراء).
  3. مجلة ريحان للنشر العلمي، دراسة بحثية معمقة حول: "العلاقات التشادية السودانية المعاصرة: التداخل القبلي وأمن الحدود المشتركة".
  4. محكمة العدل الدولية (International Court of Justice)، الحكم الصادر بتاريخ 3 فبراير 1994 بشأن النزاع الإقليمي والحدودي حول شريط أوزو بين الجماهيرية العربية الليبية وجمهورية تشاد.
  5. مؤسسة البحوث العلمية (ResearchGate)، دراسة تاريخية: "قضية تشاد والنزاع الليبي التشادي 1976-1992 وأثر الاستعمار الفرنسي في صناعة التوترات العرقية".
  6. مشروع التقييم والاستخبارات الإقليمية (Critical Threats Project)، تقرير التهديدات الأفريقية: "توترات تشاد والسودان وسلاسل الإمداد اللوجستية والضغوط العرقية لقبيلة الزغاوة الحاكمة".
  7. مركز إفريقيا للدراسات الإستراتيجية (Africa Center for Strategic Studies)، تقرير تقدير موقف: "تشاد تواجه مخاطر عدم استقرار متزايدة نتيجة الانخراط في النزاع السوداني وتداعيات هجمات الحدود".
  8. مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة (UN Security Council)، تقرير لجنة الخبراء المعنية بالسودان الصادر بشأن الجسر الجوي السري لنقل المعدات العسكرية واللوجستية عبر مطاري إنجامينا وأم جرس في تشاد.
  9. معهد اتفاقيات أبراهام للسلام (Abraham Accords Peace Institute)، التوثيق الرسمي لافتتاح السفارة التشادية في تل أبيب وتطور العلاقات الأمنية بين إنجامينا وإسرائيل.

 


الأغواط.. بوابة الصحراء وعاصمة الصمود الأسطوري ومحرقة الغزاة بقلم الناصر خشيني



تاريخ المدينة
تربض مدينة الأغواط فوق السفوح الجنوبية للأطلس الصحراوي في قلب الجزائر كبوابة حقيقية وحارسة أمينة للصحراء الكبرى. تمتد جذورها التاريخية إلى عهود قديمة حيث سكنتها قبائل مغراوة وبنو هلال العربية الأصيلة، وعُرفت تاريخياً بكونها مركزاً تجارياً وعشائرياً وعلمياً استراتيجياً يربط الشمال الجزائري بالجنوب الإفريقي. اكتسبت المدينة اسمها من "الأغواط" (جمع غوط وهو الأرض المنخفضة الخصبة)، وظلت لقرون طويلة معقلاً للأنفة، وعزة النفس، وقيم الفروسية العربية التي جعلتها عصية على التدجين وحصناً منيعاً يحمي هوية الجزائر وثغورها.
أهم معالمها
تتميز الأغواط بمعالم تجمع بين سحر الواحات وتاريخ الكفاح؛ وفي مقدمتها "المدينة العتيقة" (زقاق الحجاج) وعمارتها الطينية التقليدية الرائعة ومساجدها التاريخية القديمة مثل مسجد سيدي الحاج بحوص. وتضم الولاية فوهة "مادنا" النيزكية العالمية، وقصر كوردان التاريخي الذي يروي حكايات الطريقة التجانية ومكانتها الروحية التي امتدت إلى عمق إفريقيا، بالإضافة إلى "جبال الأغواط" والواحات الخضراء المحيطة بالمدينة التي تروي حكاية العطاء والصمود البشري.
صمودها ودورها النضالي والتاريخي
سجلت الأغواط اسمها بأحرف من نار ونور في سجلات الكرامة الإنسانية عام 1852، عندما سطرت معجزة صمود أسطوري ضد الغزو الفرنسي الشرس فيما عُرف تاريخياً بـ "مجزرة الخلية" أو "عام الخلية". فحين حاصرها جيش الاحتلال الفرنسي بقيادة ثلاثة جنرالات مدججين بالمدفعية الحديثة، انتفض أهالي الأغواط من المقاومين والمتطوعين ببنادقهم البسيطة وخاضوا معركة بطولية من بيت إلى بيت. وأمام هذا الصمود المستميت، استخدم الاحتلال الفرنسي "الغازات السامة" (الكلور) لأول مرة في تاريخه الاستعماري لإبادة ثلثي سكان المدينة (أكثر من 2500 شهيد)، وتحولت الأغواط إلى محرقة ومقبرة للغزاة الذين تكبدوا خسائر فادحة، مجسدةً أبشع صور الوحشية الفرنسية وأبهى صور الفداء الجزائري.
خاتمة
تظل الأغواط عاصمة الصمود الأسطوري وبوابة الأحرار التي رفضت الانكسار والركوع؛ فصخور جبالها الشامخة وجدران واحاتها العتيقة تروي للأجيال كيف تعمدت الأرض بدماء الشهداء الأبرار الذين رفضوا الاستسلام واختاروا الحرية أولاً، لتبقى الأغواط دائماً فخراً للأمة ومنارة للثبات في وجه الطغيان والاستعمار.

جمال عبد الناصر: جدلية الوعي والممارسة في مسيرة قائد الأمة وباني نهضتها الحديثة بقلم: الناصر خشيني

نقف اليوم على أعتاب الذكرى الرابعة والسبعين لثورة الثالث والعشرين من يوليو (جويلية) 1952، وهي محطة لم تكن مجرد انقلاب عسكري تقليدي، بل كانت ...