التخطي إلى المحتوى الرئيسي

المشاركات

د. هدى صالح مهدي عماش: ناصية العلم في مواجهة العواصف الرقمية بقلم: الناصر خشيني ضمن سلسلة: أعلام العرب

  مقدمة  إن الكتابة عن قامات أمتنا العربية في أوقات المحن والمواجهات الكبرى ليست مجرد تدوين للتاريخ، بل هي فعل مقاومة بالكلمة واسترداد للوعي. في هذه السلسلة "أعلام العرب"، نفتح ملفات الرموز الذين تعرضوا لمحاولات التغييب والشيطنة لأنهم رفضوا التبعية واختاروا طريق السيادة العلمية. ومن واجبنا تجاه القارئ العربي أن نعيد تسليط الضوء على هذه العقول المهاجرة والمحاصرة، لنستلهم من مسيرتها قيم العطاء والصمود في زمن التحديات المصيرية. في تاريخ أمتنا العربية الحديث، ارتبط اسم العديد من الكفاءات العلمية بساحات النضال والصمود، ولم يقتصر دورهم على غرف المختبرات وقاعات الجامعات، بل أصبحوا خط الدفاع الأول عن مقدرات أوطانهم وسيادتها. ومن بين هذه القامات السامقة، تبرز العالمة والأكاديمية العراقية الدكتورة هدى صالح مهدي عماش ، كنموذج للمرأة العربية التي جمعت بين أعلى الدرجات العلمية والالتزام القومي بقضايا أمتها. سليلة النضال والتميز الأكاديمي ولدت هدى عماش في بغداد عام 1953، ونشأت في كنف بيئة وطنية؛ فهي ابنة القائد والمؤرخ العسكري المعروف صالح مهدي عماش. لم تركن هدى إلى إرث عائلتها السياسي، بل...

أحمد فارس الشدياق: صعلوك النهضة ومفكك النص الرجعي بقلم: الناصر خشيني (ضمن سلسلة أعلام الأمة )

إن قراءة تاريخ النهضة العربية من منظور قومي تقدمي تفرض علينا الانعتاق من أسر القوالب التمجيدية الجاهزة، والذهاب مباشرة إلى محاكمة النصوص والمواقف لاستجلاء البعد المقاصدي في حركة التنوير العربية. وفي هذا السياق، يبرز أحمد فارس الشدياق (1804-1887) كحالة استثنائية عصية على التصنيف التقليدي. إنه يمثل المفكر والمثقف العضوي الذي خاض معركة وجودية ضد قوى الارتداد الداخلي، متمثلة في المؤسسات الدينية الإقطاعية، وضد الاختراق التغريبي الخارجي. أولاً: المأزق الوجودي والتحرر من سياج التقليد لم تكن التحولات العقائدية والمذهبية في حياة الشدياق مجرد تقلبات فكرية عبثية، بل كانت تعبيراً صارخاً عن أزمة الوعي العربي في القرن التاسع عشر. إن نشأته المارونية وانتقاله إلى البروتستانتية ثم استقراره النهائي في رحاب الإسلام، توازت مع صدمة كبرى هزت كيانه؛ وهي مأساة تصفية شقيقه "أسعد الشدياق" على يد السلطة الكنسية الرجعية بسبب خياراته الفكرية. هذا الحادث المفصلي شكّل نقطة انطلاق لوعي الشدياق بضرورة التحرر من أيديولوجيا "الحاكمية" الدينية الضيقة وصورتها النصية المظلمة. لقد أدرك مبكراً أن مواجهة ا...

من صراع الإرادات إلى نيران المواجهة: ملامح العالم الجديد تولد من فوهة البنادق بقلم: الناصر خشيني

  لم تعد منطقة الشرق الأوسط مجرد مسرح لحرب باردة بين قوى إقليمية ودولية؛ بل تحولت إلى بركان عسكري منفجر يغلي بالمواجهات المباشرة. المشهد الراهن لم يعد يحتمل قراءة التراجعات الدبلوماسية التكتيكية، فالتصعيد العسكري الأخير والضربات المتبادلة بين واشنطن وطهران، جنباً إلى جنب مع تجدد اشتعال الجبهة بين السعودية والحوثيين، يدشنان مرحلة كسر عظم حقيقية تعيد رسم الخارطة الجيوستراتيجية للعالم بأسره. صدام الأصلاء: أمريكا وإيران في حافة الهاوية إن لجوء الولايات المتحدة إلى خيار القصف العسكري المباشر لمواقع في الداخل الإيراني، والرد الفوري من قبل طهران باستهداف القواعد والمصالح الأمريكية في المنطقة وممرات الملاحة، يؤكد أن سياسة "الردع" الأمريكية التقليدية وصلت إلى طريق مسدود. لم يعد المحور الإيراني يكتفي بالصبر الاستراتيجي؛ بل يواجه التهديدات الأمريكية بندية ميدانية غير مسبوقة تفرض معادلات اشتباك جديدة في مضيق هرمز ومحيطه. هذا التصعيد يبرز انحسار القدرة الأمريكية على فرض إرادتها المنفردة، ويثبت أن "الغطرسة القطبية" لواشنطن تصطدم اليوم بجدار صلب من التحدي الردعي. جبهة اليمن وجنوب ...

تونس الخضراء بين أمجاد الماضي وتحديات الاستدامة ​بقلم: الناصر خشيني

​لطالما ارتبط اسم تونس بصفة "الخضراء"، وهي تسمية لم تأتِ من فراغ، بل كانت انعكاساً لواقع جغرافي وتاريخي يؤكد أن المسافر كان يقطع البلاد من شمالها إلى وسطها تحت ظلال الأشجار الكثيفة [1]. إلا أن هذا الرداء الأخضر بات اليوم يواجه تهديدات جسيمة حولت مساحات شاسعة من الغابات إلى أراضٍ تعاني من الهشاشة وفقدان التنوع البيولوجي. ​تشخيص الواقع: عوائق في طريق التعافي ​على الرغم من وجود ترسانة قانونية متمثلة في مجلة الغابات، إلا أن الفجوة بين النص القانوني والتطبيق الميداني لا تزال واسعة. ويمكن تلخيص المعوقات الأساسية في: ​البيروقراطية المقيدة: التي تعيق مبادرات التشجير الخاص والاستثمار الرشيد. ​الاحتطاب العشوائي والصيد غير القانوني: مما أدى إلى استنزاف أصناف نادرة واختلال التوازن البيئي [2]. ​كابوس الحرائق الصيفية: الجرح النازف ​باتت حرائق الغابات، خاصة في فصل الصيف مع هبوب رياح "الشهيلي"، تمثل التهديد الأكبر الذي يلتهم آلاف الهكتارات سنوياً. هذه الحرائق ليست مجرد كارثة طبيعية في كثير من الأحيان، بل هي نتاج تداخل عوامل بشرية ومناخية [3].          ​كيف يمكن تلافي خطر الحرائ...

​خنجر في خاصرة الأمة: المظلومية الوظيفية وانحراف البوصلة عند الإخوان ​بقلم: الناصر خشيني

​إن قراءة المسار التاريخي لحركة الإخوان المسلمين تكشف عن آليّة نسقية مبكرة في تزييف الوعي الجمعي، تقوم على إحلال "السيكولوجية العاطفية" محل القراءة العقلانية والسياسية الملتزمة بقضايا الأمة. لم تكن المظلومية مجرد نتاج عارض للاصطدام مع الدولة الوطنية، بل هي استراتيجية "هندسة أيديولوجية" مبرمجة ومقصودة، تهدف إلى الحفاظ على تماسك التنظيم الداخلي وتبرير التحول نحو العنف والإرهاب ضد المجتمع. وتبدأ هذه الهندسة بعزل الأتباع عن سياق حركة التحرر الوطني العربي؛ ففي اللحظة التي كان يخوض فيها الفكر القومي التقدمي معارك الوجود ضد الاستعمار التقليدي والأحلاف العسكرية، كان التنظيم يغذّي عناصره برواية مفادها أن الدولة الوطنية وجيشها الباسل هما "العدو القريب". من هنا، يتم تحويل كل إجراء قانوني أو أمني تتخذه الدولة لحماية أمنها القومي إلى "محنة دينية"؛ وصناعة "غيتو" نفساني يُعمي العضو عن رؤية الجريمة الإرهابية ليرى بدلاً منها "جهاداً في وجه الطغيان". إن هذه السلطة الأخلاقية المزيفة هي الغطاء الأيديولوجي الذي يُشرعن ضرب بنية المجتمع العربي من ال...

أيام من الكذب: زينب الغزالي وأسطورة "المظلومية النسوية" في خدمة الإرهاب ​بقلم: الناصر خشيني

​في هندسة البروباغندا الإخوانية، لا يقتصر بناء "الرمز الأسطوري" على الرجال؛ بل يتم جلب المرأة وتوظيفها لتأدية دور عاطفي محكم يستدر دموع الأتباع ويغسل جرائم التنظيم السرية. وإذا كان سيد قطب قد مُنح "رمزية المشنقة" للتغطية على تنظيره التكفيري، فإن زينب الغزالي قد صُنعت لها هالة "المجاهدة المعذبة" عبر كتابها الشهير "أيام من حياتي"، لتغطية مسار طويل من العمل السري المسلح والاعتداء الممنهج على أمن الدولة الوطنية. ​في القراءة السطحية التي يروّجها تنظيم الإخوان، تُقدَّم زينب الغزالي كضحية لاعتقالات عام 1965، وكرمز للصمود النسائي في وجه الدولة التقدمية. غير أن القراءة الوطنية والتقدمية تفكك هذه المسرحية العاطفية لتكشف حقيقة دورها: لم تكن الغزالي مجرد داعية أو صاحبة رأي، بل كانت بمثابة "الدينامو المالي واللوجيستي" والأب الروحي الحركي لإعادة بناء تنظيم 1965 المسلح. ​إن الحقائق التاريخية واعترافات قادة ذلك التنظيم السري تكشف بوضوح الآتي: ​حلقة الوصل والتمويل: كانت زينب الغزالي هي همزة الوصل الرئيسية بين سيد قطب داخل سجنه، وبين القواعد الشابة للتنظ...

مشنقة سيد قطب: كيف تُصنع أسطورة "المظلومية" للتغطية على الإرهاب؟ ​بقلم: الناصر خشيني

​ليست المشنقة في التاريخ السياسي مجرد أداة عقاب، بل كثيراً ما تحاول التنظيمات الأيديولوجية تحويلها إلى آلة رمزية، تعيد تشكيل الوعي الجمعي، وتمنح المهزوم سلطة أخلاقية مزيفة تتجاوز لحظة السقوط نفسها. هكذا جرى التعامل مع إعدام سيد قطب سنة 1966، حيث عُزل الحدث عمداً عن سياقه الجنائي والوطني، ليُفتح على مصراعيه داخل الذاكرة الإخوانية الحركية كـ "مظلومية تأسيسية" تخفي وراءها حقيقة المخطط الدموي. ​في البروباغندا الإخوانية البسيطة، يُقدَّم الإعدام بوصفه ذروة الظلم الناصري واستبداد الدولة. غير أن القراءة التقدمية والقومية الأعمق تكشف أن هذه اللحظة جرى انتزاعها عمداً من سياقها الحقيقي، وإعادة إنتاجها كرمز مقدّس يُراد منه إغلاق ملف إدانة التنظيم، والتغطية على حقيقة صادمة يتناساها الكثيرون: أن هذا الإعدام جاء بعد كشف مخطط إرهابي كامل الأركان كان يستهدف تفجير ركائز الدولة الوطنية والاعتداء على أمنها وسيادتها. ​منذ الأيام الأولى بعد الإعدام، بدأت تتشكّل رواية واحدة، شبه رسمية داخل التنظيمات: رواية الثبات، والابتسامة، والانتصار الأخلاقي. لا تعدد في الزوايا، ولا نقاش في الوقائع. وهذا أول مؤش...

تشاد والمنظومة العربية: قراءة تقدمية في أدوار الجوار الإفريقي وصراع المحاور بقلم: الناصر خشيني

تُمثل تشاد جغرافياً وحضارياً نقطة التماس والالتقاء الأكثر حساسية بين العالم العربي وإفريقيا جنوب الصحراء. بالنسبة للفكر القومي التقدمي، لا يمكن قراءة العلاقات التشادية العربية بمعزل عن "إستراتيجية حزام الجوار الإفريقي" التي وظفتها القوى الإستعمارية الغربية والصهيونية لعزل الأمة العربية، وتطويق أمنها القومي من الخاصرة الجنوبية، مستغلة التنوع العرقي والقبلي لتغذية الصراعات واستهداف دول العمق العربي المركزية [1]. 1. الجذور التاريخية: هندسة "التناقض العرقي" بأيادٍ استعمارية تاريخياً، لم تكن تشاد غريبة عن الهوية العربية والإسلامية؛ فاللغة العربية هي لغة التواصل اليومي للأغلبية الساحقة من السكان، والعرب جزء أصيل من النسيج الديموغرافي للبلاد [1]. ومع ذلك، جرى هندسة "جدار جيو-ثقافي" عازل عبر محطتين رئيسيتين: الهندسة الفرنسية للتناقض العرقي: عمل الاستعمار الفرنسي (1900-1960) على طمس العروبة والإسلام. ومارس سياسة تفضيل النخب المسيحية والإفريقية في الجنوب وتوليتها مقاليد الحكم عند الاستقلال، مقابل تهميش الشمال والشرق ذي الغالبية المسلمة والعربية، مما خلق بذور "...

الأغواط.. بوابة الصحراء وعاصمة الصمود الأسطوري ومحرقة الغزاة بقلم الناصر خشيني

تاريخ المدينة تربض مدينة الأغواط فوق السفوح الجنوبية للأطلس الصحراوي في قلب الجزائر كبوابة حقيقية وحارسة أمينة للصحراء الكبرى. تمتد جذورها التاريخية إلى عهود قديمة حيث سكنتها قبائل مغراوة وبنو هلال العربية الأصيلة، وعُرفت تاريخياً بكونها مركزاً تجارياً وعشائرياً وعلمياً استراتيجياً يربط الشمال الجزائري بالجنوب الإفريقي. اكتسبت المدينة اسمها من "الأغواط" (جمع غوط وهو الأرض المنخفضة الخصبة)، وظلت لقرون طويلة معقلاً للأنفة، وعزة النفس، وقيم الفروسية العربية التي جعلتها عصية على التدجين وحصناً منيعاً يحمي هوية الجزائر وثغورها. أهم معالمها تتميز الأغواط بمعالم تجمع بين سحر الواحات وتاريخ الكفاح؛ وفي مقدمتها "المدينة العتيقة" (زقاق الحجاج) وعمارتها الطينية التقليدية الرائعة ومساجدها التاريخية القديمة مثل مسجد سيدي الحاج بحوص. وتضم الولاية فوهة "مادنا" النيزكية العالمية، وقصر كوردان التاريخي الذي يروي حكايات الطريقة التجانية ومكانتها الروحية التي امتدت إلى عمق إفريقيا، بالإضافة إلى "جبال الأغواط" والواحات الخضراء المحيطة بالمدينة التي تروي حكاية العطاء ...