قائمة المدونات الإلكترونية

الأربعاء، 1 يوليو 2026

دعاة على ابواب جهنم القرضاوي نموذجا

 




فتوى التقدمية تنسخ فتوى يوسف القرضاوي للناتو بقصف طرابلس ودمشق وتسفهها وتعتبرها باطلة شرعا. بقلم الأستاذ الناصر خشيني

تاريخ النشر 2011

التقدمية / خاص / بقلم الأستاذ الناصر خشيني / مما لا شك فيه أن الشيخ القرضاوي له مكانة علمية مرموقة في العالم الإسلامي إلى درجة أنه يترأس حاليا الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين نظرا للهالة الإعلامية التي اكتسبها من خلال قناة الجزيرة وما أدراك ما هي هذه القناة العملاقة التي توظف جيشا من الصحفيين والموظفين والعمال قوامه ستة آلاف فرد علاوة على ميزانية سخية في حدود المليار دولار سنويا فمن الطبيعي أن تعطيه إطلالته عليها ومنذ سنوات وفي برنامجه الشهير الشريعة والحياة الأسبوعي والذي يستحوذ فيه على نصيب الأسد إضافة إلى خطبة الجمعة التي تنقلها قنوات عديدة مباشرة من قطر فمن الطبيعي أن يكون له شأن عظيم في المجال الديني خاصة وهو متخرج من المدرسة الإخوانية بمصر ولكن عندما يتحول هذا الداعية الكبير في مجال تخصصه الديني إلى سياسي محترف فمن الطبيعي أن يدخل مجالا آخر هو غير الديني المقدس وهنا تنطبق عليه مواصفات السياسي الذي يقع تحت طائلة الخطأ والصواب فلا مجال هنا للقبول بفتاواه باعتبارها مواقف سياسية أملتها عليه مصلحته السياسية بحكم وجوده في دولة قطر وتبني مواقفها والدعوة إليها إضافة إلى كون مرجعيته السياسية الإخوانية ذات الميول اليمينية فمن الطبيعي أن تكون مواقفه مندرجة في هذا الإطار وغير خارجة عنه وبالتالي فان فتاواه الدينية تسقط تبعا لذلك .

وانطلاقا من هذا نتناول ما تداولته وسائل الإعلام مؤخرا من فتاواه السياسية غير المقدسة والتي شجع فيها على إمكانية الاستعانة بالأجنبي لضرب ليبيا وسوريا كما ورد على لسانه في الشريط المأخوذ عن الجزيرة وقد أربكه المذيع بالسؤال صراحة عن الاستعانة بالناتو وهذا رابط الشريط

وقد نقلت العديد من وسائل الإعلام إصدار الشيخ يوسف القرضاوي فتوى يرى فيها أن من حق السوريين الطلب من دول أجنبية التدخل في بلادهم في حال فشلت الدول العربية وقف ما أسماه القرضاوي حمام الدم في سورية. وقال القرضاوي، في مقابلة مع صحيفة فايننشال تايمز البريطانية، إنه كان ممن دعوا للثورات العربية » قبل أن تبدأ وبعد أن بدأت.

يذكر أن القرضاوي، الذي أعلن عن دعمه للثورات في العالم العربي وانتفاض الشعوب ضد الأنظمة الديكتاتورية، كان من الداعمين للنظام البحريني في قمعه للمتظاهرين، مشيراً إلى أن هؤلاء يثورون انطلاقاً من خلفية مذهبية وأنهم على علاقة مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية. ومن هنا يتبين لنا مدى الانتقائية في مواقفه السياسية فلماذا الصمت إزاء ما يحدث في البحرين أم أنها من دول الخليج المشمولة بصمته عما يحدث هناك من قمة الديكتاتورية وبخاصة أنه يقطن غير بعيد عن أكبر قاعدتين أمريكيتين في قطر لهما دور كبير في قتل أكثر من مليوني عراقي أم أن الدم العراقي رخيص إلى هذا الحد عند شيخنا ألم تستفزه الدماء التي سالت أنهارا في العراق .

ولا يسعنا هنا قبل أن نؤصل استعانة المسلمين بغيرهم نذكر الشيخ القرضاوي بالبعض من التاريخ سواء المظلم أو المنير ضمن مواقف لا يزال التاريخ يذكرها لأخذ العبرة منها ونظرة سريعة إلى التاريخ الإسلامي في عهد الدولة العباسية نتيجة استنصار المسلمين على بعضهم بأعداء الدين كما ذكر الخضري في محاضراته عن الدولة العباسية :

فقد أرسل خلفاء الدولة العباسية إلى بني بويه ليخلصوهم من استبداد الأتراك البغداديين وتحكمهم فيهم وأرسلوا إلى طغربلك شاه السلجوقي ليخلصهم من تحكم البساسيري وأرسلوا إلى خوارزمشاه ليخلصهم من السلاجقه وكان من نتيجة ذلك الاستبداد والتفرق وضياع شمل المسلمين وطغيان عدوهم عليهم من أجل الحفاظ على دنياهم

ولكن الأمر أعظم عندما كان من هؤلاء من استعان بالمغول المشركين من أجل تخليص ملكهم فقد قام الناصر لدين الله بطلب العون من جنكيز خان يحرضه على الخروج إلى خوارزمشاه لما خالف الناصر لدين الله وطلب من جنكيز خان التعرض لمملكته من أجل أن تنكسر شوكة خوارزمشاه ويشتغل عنه بنفسه وظن الناصر لدين الله أن جنكيزخان لن يصل إليه لبعد المسافة بينهما ولحميم الصداقة ولم يكن ليظن أن يصل الضعف به ما يجعله يجفل أمام جنكيز خان كالحمامة تجفل من صقرها. وكانت هذه المقدمة سبيلا إلى جنكيز خان ليجد طريقه إلى بلاد الإسلام والمسلمين وبمعاونة الشيعة ومن ثم القضاء على الخلافة الإسلامية آنذاك وتدمير عاصمة الإسلام بغداد وقيل أنه قتل أكثر من مليون شخص خلال أربعين يوما وكان هذا سببا لجنكيزخان من أجل أن يجتاح بلاد المسلمين ولكن لم يكن كافيا لوحده بل فتح الباب على المسلمين بذلك الطلب وفتح باب الحرب على خوارزم شاه ومن ثم اجتياح بلاد المسلمين .

ولا ننسى سقوط الأندلس ودور المأمون وتحالفه مع فرناندو الثالث ملك قشتاله حتى قدم المأمون عددا من الحصون والبلاد الأندلسية ثمنا للنصارى ليساندوه ضد أخيه حفاظا على عرشه وكرسيه ومن صور الغدر والخيانة ممن استعان بالنصارى : وقوف ابن الأحمر بقواته مع النصارى في سقوط اشبيلية تنفيذا لتعهداته معهم ضد المسلمين ليمكن لنفسه من السيطرة على غرناطة حتى سقطت اشبيلية ولم يبق من معالم الإسلام فيها شيئا يذكر ومن الجدير بالذكر أن نذكر هنا موقفا تاريخيا للمعتمد بن عباد عندما أراد محاربة ألفنسو السادس وأراد أن يستعين بيوسف بن تاشفين رحمه الله فنصحه مستشاروه أن لا يفعل ذلك خوفا أن يملك يوسف بن تاشفين الأندلس على أن يستعين ببعض النصارى بدلا منه فأجابهم بمقولته المشهورة :رعي الجمال خير من رعي الخنازير « فهذه المواقف من تاريخنا الا تشير الى خطورة الاستعانة بالأجنبي وتؤكد منذ القديم أن الأجنبي يخدم مصالحه دون غيرها ويسيطر ويهيمن على الأمة ويذل الحكام المستعينين به كما هو حاصل اليوم في الخليج العربي وخاصة ما تقوم به دولة قطر التي يتخذ منها شيخنا مقرا لاقامته اليس الأجدر به أن يغادرها ويتخذ أي مكان آخر ليواصل رسالته الجهادية ان كان حاملا لها هل يصل الأمر بشيخ له مكانة مرموقة أن يحتمي بحكام يتعاملون صراحة مع العدو الصهيوني وقناتهم الجزيرة تطبع مع العدو الصهيوني وتستضيف المسؤولين الصهاينة ثم يأتي شيخنا ويتكلم ربما في نفس المصدح الذي تكلم منه صهيوني مغتصب لأرض فلسطدين أم ان شيخنا الجليل يفهم الاسلام أكثر مما نفهمه نحن الناس العاد يين والذين لا يمتلكون أموالا ولا وسائل اعلامية مثلما هو في قطر.

هذا وقد رأى الإمام الشوكاني وبعض أهل العلم قديما عدم جواز الاستعانة بالكافر في القتال مطلقا. أما جمهور الفقهاء فقد أجازوا الاستعانة بالكافر على الكافر بشرط أن يكون فرداً وتحت راية المسلمين.

وبالعودة إلى سيرة رسول الله، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله، نجد أن هناك روايات، تكلم فيها بعض أهل العلم، تشير إلى جواز الاستعانة بأفراد مشركين في قتال الكفار. إلا أن الثابت أن الله حرم الاستعانة بالكفار حال كونهم طائفة مستقلة تحت راية الكفر.

– كما يستدل بأن قبيلة خزاعة خرجت مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عام الفتح لمحاربة قريش، وكانت حينئذ لا تزال مشركة، حتى قال لها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: « يا معشر خزاعة ، ارفعوا أيديكم عن القتال، فقد كثر القتل ان نفع، لقد قتلتم قتلاً لأدينّه » فهذه الأحاديث كلها صحيحة، تدل دلالة صريحة على جواز الاستعانة بالكفار أفرادا، أي على جواز أن يكون الكافر في جيش المسلمين يقاتل العدو مع المسلمين

والرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، سكت عن مشاركة الكفار بأحد، واستعان بهم في فتح مكة، ورفض الاستعانة في بدر، ورفض الاستعانة بخبيب والرجل الذي معه حتى أسلما، فكون الرسول ثبت عنه أنه استعان بأفراد من الكفار وهم على كفرهم، وثبت أنه رفض الاستعانة بأفراد حتى أسلموا، دليل على الاستعانة بأفراد في القتال جائزة وأنها موكولة لرأي الحاكم، إن شاء قبل الاستعانة وإن شاء رفضها، بل إن استعانته بأفراد من المشركين في فتح مكة متأخر على رفضه مشاركتهم في بدر فلو قال قائل أن عدم الاستعانة بأفراد الكفار كان في أول الأمر محرماً ثم نسخ بعد ذلك لما كان بعيداً عن الصواب

والموالاة: مصدر من (وَالَى)، يوالي، موالاة. والولاء هو الدنو والقرب. و(الموالاة) أعم من (التَوَلِّي)، حيث أن الموالاة هي المحبة، بغض النظر عن مرتبة هذا الحب ودرجته، فكل من أحببته، وأعطيته، ابتداء من غير مكافأة، فقد أَوْلَيْتَه، ووَالَيْتَه. والمعنى: أحببته، وقربته، وأدنيته إلى نفسك! والموالاة ضد المعاداة. والولاء ضد العداء. والولاية ضد العداوة. والوَلِيّ ضد العدو. والموالاة تدور حول معاني: المودة، والمحبة، والمتابعة، والقرابة، والصداقة، والحلف، والنصرة.

و(التولِّي) أخص من الموالاة، وهي: «الانقطاع التام في نصرة المتبوع، وتقريبه وتأييده»، أو هي: «تقديم كامل النصرة والمحبة للمتولي، بحيث يكون المتولِّي مع المتولي كالظل مع الجسم»، أو هي: «الموالاة المطلقة العامة»، فالتولي هو أعلى مراتب الموالاة، ومعنى النصرة والحلف جوهري فيها.

و«التولي»، أو بلفظ آخر «الموالاة المطلقة العامة»، للكفار يستلزم الدفاع عنهم، وإعانتهم بالمال، والنفس، والرأي. وهذا يقتضي بالضرورة الشك في صدق الإسلام، أو جحوده، أو بغضه، أو احتقاره والسخرية منه، أو نبذه والإعراض عنه إعراضاً كلياً. وكل ذلك كفر صريح يخرج من الملة الإسلامية، لا محالة. أما موالاة الكفار لغرض دنيوي، وغلبة شهوة، مع سلامة أصل الاعتقاد، وعدم إضمار الكفر، أو انشراح الصدر به، فجريمة نكراء، وكبيرة من كبائر الذنوب، بالأدلة التالية:

وقال:

لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان التوبة؛ 9:23).

* وقال:

لا تجد قومًا يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله، ولو كانوا آباءهم، أو أبناءهم، أو إخوانهم، أو عشيرتهم، أولئك كتب في قلوبهم الإيمان ..

(المجادلة؛ 58:22).

* وقال:

لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين، ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء، إلا أن تتقوا منهم تقاة ، ويحذركم الله نفسه، وإلى الله المصير

(آل عمران؛ 3:28).

* وجعل تباركت أسماؤه، اتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين الصفة الرئيسية المميزة للمنافقين نفاقاً اعتقادياً مخرجاً من الملة، أهل الدرك الأسفل من النار، فقال:

بشر المنافقين بأن لهم عذاباً أليماً * الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين، أيبتغون عندهم العزة؟! فإن العزة لله جميعاً، إلى قوله، جل من قائل: يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين! أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطاناً مبيناً ؟! * إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار، ولن تجد لهم نصيراً

(النساء؛ 4:138-145).

* وقال، جل من قائل، مثنياً على إبراهيم وصحبه: قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه، إذ قالوا لقومهم: إنا برءاء منكم، ومما تعبدون من دون الله، كفرنا بكم، وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبداً حتى تؤمنوا بالله وحده

(الممتحنة؛ 60:4).

* وقوله تعالى:

يا أيها الذين آمنوا، لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء

(المائدة؛ 5:51).

* وقال تعالى:

ولو كانوا يؤمنون بالله، والنبي، وما أنزل إليه، ما اتخذوهم أولياء

المائدة؛ 5:81).

* وقوله:

لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء

(الممتحنة؛ 60:1).

* وقال:

وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض، والله ولي المتقين

(الجاثية؛ 45:19)

* وأخرج الإمام أبو بكر عبد الله بن أبي شيبة، بإسناد حسن عن رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، قال: «أوثق عرى الإيمان: الحب في الله، والبغض في الله». وأخرجه الطبراني في الكبير عن عبد الله بن مسعود، كما رواه أحمد في مسنده.

* كما روى الطبراني في الكبير، بإسناد حسن، عن عبد الله بن عباس، رضي الله عنهما، أن رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، قال: «أوثق عرى الإيمان: الموالاة في الله، والمعاداة في الله، والحب في الله، والبغض في الله».

* أخرج الإمام ابن جرير الطبري، والإمام محمد بن نصر المروزي بأسانيدهم من كلام ابن عباس: (من أحب في الله، وأبغض في الله، ووالى في الله، وعادى في الله، فإنما تنال ولاية الله بذلك! ولن يجد عبد طعم الإيمان، وإن كثرت صلاته وصومه، حتى يكون كذلك! وقد صارت مؤاخاة الناس على أمر الدنيا، وذلك لا يجدي على أهله شيئاً).

لاحظ أن الأثر السابق من كلام ابن عباس، لله دره، ليس إلا إتباعاً للحديث قبله وعملاً بالفهم الصحيح له، ولغيره من نصوص الكتابوالسنة المتضافرة، لم يكتف بذكر «الحب»، و«البغض»، بل أكد على «الموالاة»، و«المعاداة». فلا يكفي مجرد «الحب»، و«البغض» القلبيين المجردين، بل لا بد من «الموالاة» وهي الإكرام، والاحترام، والانتماء، والإعانة، والتحالف، والنصرة، والكينونة مع المحبوبين ظاهراً، وباطناً، ولا بد من ضدها وهو «المعاداة»: الشاملة للمقت، والتحقير، والمفاصلة، والهجر، والخذلان، والمنبذة، والمقاتلة بالسلاح، والبراءة من المبغوضين، والكفر بهم، ونبذهم، والبعد عنهم ظاهراً، وباطناً!

* والموالاة لا تنقطع بما يقع بين المؤمنين من تظالم ،وقتال، وشر، قال تعالى: وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما، فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله، فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا! إن الله يحب المقسطين * إنما المؤمنون إخوة، فأصلحوا بين أخويكم! واتقوا الله لعلكم ترحمون، (الحجرات؛ 49:9).

، قال تعالى: وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما

…، فجعلهم إخوة مع وجود القتال والبغي، وأمر بالإصلاح بينهم. فليتدبر المؤمن: أن المؤمن تجب موالاته، وإن ظلمك واعتدى عليك؛ والكافر تجب معاداته، وإن أعطاك وأحسن إليك.

* وقال اللّه تعالى : لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ، ومن يفعل ذلك فليس من اللّه في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة و يحذركم اللّه نفسه و إلى الله المصير

وكذلك قوله تعالى: بشر المنافقين بأن لهم عذابًا أليمًا الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين وقوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين

وقوله تعالى: لا تجد قومًا يؤمنون باللّه واليوم الآخر يوادون من حادَّ اللّه ورسوله

وقوله:

لا تتخذوا اليهود و النصارى أولياء وقوله: لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء

إلى غير ذلك من الآيات.

وقوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين

وقوله تعالى: لا تجد قومًا يؤمنون باللّه واليوم الآخر يوادون من حادَّ اللّه ورسوله

وقوله: لا تتخذوا اليهود و النصارى أولياء وقوله: لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء

إلى غير ذلك من الآيات. فالموضوع موضوع موالاة المؤمنين للكافرين، فقط لا غير، وباقي الآية تفصيل للموضوع. وذلك لأن اللّه تعالى نهى المؤمنين عن اتخاذ الكافرين أولياء لهم، وقرن هذا النهي بالجزم القاطع بأن من يفعل ذلك فيتخذ الكافرين أولياء فإن اللّه بريء منه، وقد انقطعت صلته بالله. وهذا تحريم بات، مطلق، أبدي، لكل موالاة للكفار، أي لكل معنى من معاني الموالاة في اللغة العربية، ثم استثنى من هذا النهي الجازم حالة واحدة: وهي أن يحذر المؤمن من الكافر أذىً فإنه يجوز له موالاة الكافر دفعًا لهذا الأذى، وهذا لا يتصور إلا إذا كان المسلم تحت سلطان الكافر مغلوبًا على أمره، أي أن الحذر من الكافر يجيز موالاته، فإذا ذهب الحذر حَرُمت الموالاة بجميع أشكالها ومظاهرها مطلقاً.

ومعنى الآية هو نهي مغلظ جازم للمؤمنين عن أن يتخذوا الكافرين أولياء لهم، وأن يدخلوا معهم في حلف عسكري، أو يؤجروهم قواعد عسكرية، وأن يستعينوا بهم، ويلتجئوا إليهم، وأن يصادقوهم، وأن ينصروهم، وأن تكون بينهم وبينهم محبة أو مودة ظاهرة. فحرّم على المؤمنين موالاة الكافرين من دون المؤمنين ثم استثنى من ذلك حالة واحدة فقط: وهي أنه في حالة وجود خوف منهم عندما يكون المسلمون مقهورين من الكفار وتحت سلطانهم فإنه يجوز إظهار المحبة لهم ومصادقتهم لدفع شرهم وأذاهم. أي يجوز أن يُتَّخَذوا أولياء، أي أصدقاء، وحلفاء، في حالة وجود خوف منهم عندما يكون المسلمون تحت حكمهم، وما عدا ذلك فلا يجوز مطلقًا. وهذا بالنسبة للكفار فقط مع المؤمنين، فإن الآية نزلت في شأن المؤمنين الذين كانت لهم صلات بالمشركين في مكة فهي تنهى الذين في المدينة عن موالاة المشركين في مكة، وتنهى جميع المؤمنين، وتستثني من ذلك المؤمنين الذين كانوا في مكة فإنهم كانوا مغلوبين على أمرهم، فاستثنتهم لوجود حالة خوف لديهم من أذى الكافرين.

هذا هو موضوع الآية وهذا هو معناها وهذا هو الحكم الشرعى الذي يُستنبط منها، وهو تحريم موالاة المؤمنين للكفار بجميع أنواع الموالاة من تحالف، ونصرة، وصداقة، واستعانة، وغير ذلك، لأن كلمة أولياء في الآية جاءت عامة فتشمل جميع معانيها في لغة العرب، وجواز موالاتهم في حالة حذرهم، أي خوف بطشهم وأذاهم، عندما يكون الكفار غالبين على المسلمين، ويكون المسلمون مغلوبين على أمرهم، تمامًا كحالة المسلمين في مكة مع المشركين، ولا يوجد للآية معنى آخر، ولا يستنبط منها أي حكم سوى هذا الحكم.

وتتضاعف الجريمة، ويتأكد الإثم، إذا كانت القواعد العسكرية الأجنبية في جزيرة العرب، التي حكم الله، ولا أحسن من حكمه، على لسان رسول الله، بأبي هو وأمي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهو على فراش الموت، في السياق الأخير: «أخرجوا اليهود والنصارى من جزيرة العرب!»، وكذلك، في أيامه الأخيرة: «أن لا يجتمع فيها دينان»، و«أن يخرج منها اليهود، والنصارى، حتى لا يبقى فيها إلا مسلماً»، و«أن يُخْرَج منها المشركون»!

لكن حكام الخليج ومن سولت لهم انفسهم من علماء الدين الذين أفتوا لهم بذلك خلافا لمقاصد الشرع الحكيم أبوا إلا أن يضربوا بذلك عرض الحائط، فتصادقوا وتحالفوا مع الدول الاجنبية، وقاتلوا تحت رايتها وها هم هناك: يحاصرون العراق، ويدمرون بنيته التحتية، ويقتلون أهله، ويذلونهم، ويبيضون ويفرخون، ويلاوطون، ويزنون، ويساحقون، ويتسافدون تسافد الحُمُر، وما من حسيب أو رقيب!

وهكذا اذن نستنتج أن المصطلحات التي استعملها القدماء من علماء الأمة هي مصطلحات الكفر والايمان ودار الحرب ودار الاسلام ونجد أنفسنا اليوم نحاول تجنبها باستعمال مصطلحات أخرى تتناسب مع ظروف عصرنا وهي من قبيل مصطلح طلب التدخل الأجنبي وهو بطبعه معاد للأمةخاصة الغرب بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية التي تدعم بلا حدود العدو الصهيوني وتستهدف من خلال تدخلها في معظم شؤوننا ضمان تدفق النفط وضمان أمن واستقرار الكيان الصهيوني وبذطلك فان أي استعانة بها تدخل ضمن النهي الذي أشارت اليه الآيات السابقة وكذلك السنة النبوية التي نستثني منها في حالات فردية استعانته ببعض الكفار في مهام محدودة ولا يمكن أن نقيس عليها فتوى الشيخ القرضاوي والتي أشرنا في البداية أنه قد خرج من الاجتهاد الديني المحض الذي لو أخطأ فيه ما كنا لنعتبره مذنبا اعتمادا على مبدإ من اجتهد وأصاب فله أجران ومن اجتهد ولم يصب فله أجر واحد ولكنه في حال الوضع في ليبيا وسوريا ما كان له أن يفتي بجواز التدخل الأجنبي وكان عليه أن يدعو إلى تظاهرات سلمية كما حصل في تونس ومصر وكما يحصل في اليمن ومع ذلك وقع التغيير المنشود وان كان في الحالة اليمنية السلاح متوفر ولكن شعبنا هناك أثبت وأنه جدير بالحرية والانعتاق ولم يقبل التدخل الأجنبي رغم جسامة التضحيات وبناء عليه فان فتاوى القرضاوي في مثل هذه الأمور لا تعدو كونها مجرد تنظير سياسي نعتبره خاطئا تماما ولا علاقة له بالاسلام الدين الذي يرفض الاستعانة بالأجنبي في مواجهة من يخالفك سياسيا وقد رأينا مواقف من بغض المسلمين قديما رفضهم الاستعانة بالغير لما في ذلك من المخاطر على الاستقلال الوطني وحتى على الدين نفسه وبناء عليه ندعو لشيخنا بالهداية عن هذا الخطأ الجسيم الذي ارتكبه وبقية حكام الخليج في حق الأمة والوضع في العراق وفلسطين خير شاهد على ذلك ..

آفة المخدرات في تونس: خطر يتهدد مستقبل الشباب ويقوّض الأمن والاقتصاد بقلم: الناصر خشيني

 


مقدمة
لم تعد ظاهرة المخدرات في تونس مجرد قضية أمنية عابرة، بل تحوّلت إلى أزمة مجتمعية شاملة تنخر في جسد الدولة والمجتمع معًا. فمن بلد كان يُعتبر تقليديًا محطة عبور للمواد المخدرة نحو أوروبا، أصبحت تونس اليوم، بحسب تحذيرات أممية حديثة، سوقًا استهلاكية متنامية بذاتها، يطال خطرها الشباب في المدارس والجامعات والأحياء الشعبية على حد سواء.
الظاهرة بالأرقام: تصاعد مقلق
تكشف بيانات وزارة الداخلية التونسية، التي عُرضت خلال جلسة استماع بلجنة التشريع العام بمجلس نواب الشعب في جوان 2026، عن حجم الظاهرة وتفاقمها:
سُجّلت خلال سنة 2025 وحدها نحو 15,253 قضية مخدرات، تورّط فيها ما يقارب 27,338 شخصًا، من بينهم أكثر من 10 آلاف مروّج.
الفئة العمرية بين 19 و40 سنة تمثل حوالي 89% من مجموع المتورطين، وهو ما يعني أن الظاهرة تستهدف بامتياز شريحة الشباب والقوى المنتجة في المجتمع.
على مدى العشرية الأخيرة، بلغ عدد قضايا المخدرات في تونس نحو 86,599 قضية، شملت أكثر من 156 ألف متورط و104 آلاف مستهلك.
في مجال الحجوزات، تم ضبط أكثر من 2.5 مليون قرص مخدر خلال سنة 2025 وحدها، إضافة إلى نحو 132 كيلوغرامًا من الكوكايين، و408 أطنان من القنب الهندي، وكميات من الهيروين.
جغرافيًا، تتركز الظاهرة في تونس الكبرى والشريط الساحلي وبعض مناطق الشمال الغربي، فيما يبقى الشريط الحدودي الغربي بؤرة رئيسية لعمليات التهريب.
هذه الأرقام لا تعكس فقط اتساع رقعة الاستهلاك، بل تشير أيضًا إلى تحوّل نوعي خطير: فتونس التي كانت "بلد عبور" أصبحت، وفق تصريحات مسؤولين أمنيين وجمركيين، "مركزًا للاستهلاك" بحد ذاته. كما يحذّر التقرير العالمي للمخدرات لسنة 2026 الصادر عن مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة من اختراق الكوكايين لأسواق البيع بالتجزئة في شمال إفريقيا بما فيها تونس، وظهور مؤشرات على تصنيع مادة الكبتاغون إقليميًا بعد تفكيك مختبراته في سوريا أواخر 2024.
الانعكاسات على مستقبل الشباب
استهداف الفئة العمرية الشابة ليس صدفة، بل نتيجة استراتيجية ممنهجة تعتمدها شبكات الترويج التي تستغل:
الهشاشة الاجتماعية والاقتصادية: البطالة، خاصة بين حاملي الشهادات، والفقر في المناطق الداخلية والأحياء الشعبية، يخلقان بيئة خصبة للانجذاب نحو الترويج كمصدر رزق أو نحو الاستهلاك كهروب من الواقع.
التفكك الأسري والانقطاع المبكر عن الدراسة: يشير مختصون في علم الاجتماع إلى أن غياب الرقابة الأسرية والمدرسية يزيد من قابلية الوقوع في دائرة الإدمان.
وسائل التواصل الاجتماعي: أصبحت منصة رئيسية للاستقطاب وإبرام صفقات البيع بعيدًا عن الرقابة التقليدية.
الفضاءات الترفيهية الصيفية: تتحول الشواطئ والمنتجعات خلال الموسم السياحي إلى فضاءات تستغلها الشبكات نظرًا لكثافة الحضور وصعوبة المراقبة.
النتيجة هي جيل كامل مهدد في صحته النفسية والجسدية، وطاقاته العلمية والمهنية، ما ينذر بخسارة استراتيجية على المدى البعيد لرأس المال البشري الذي تحتاجه تونس لنهوضها الاقتصادي.
الدور التخريبي على المجتمع والاقتصاد
لا تقتصر أضرار المخدرات على الأفراد المتعاطين، بل تمتد لتشمل:
تصاعد الجريمة المصاحبة: من سرقات وعنف وجرائم مالية مرتبطة بتمويل شبكات الترويج.
تآكل النسيج الاجتماعي: انتشار ثقافة "الزطلة" كـ"منشط" مقبول اجتماعيًا لدى بعض فئات الشباب، ما يصعّب جهود التوعية.
الكلفة الاقتصادية غير المباشرة: تكاليف العلاج والإدماج الاجتماعي، وتراجع الإنتاجية، وأعباء إضافية على المنظومة الأمنية والقضائية والصحية.
تسييل الاقتصاد الموازي: ارتباط تجارة المخدرات بشبكات تهريب أوسع تشمل السلاح والعملة، ما يغذي اقتصادًا غير رسمي يوازي الاقتصاد الوطني ويستنزف موارده.
كما تحذر تقارير دولية، منها مؤشر الجريمة المنظمة العالمي، من أن التقاء "ثلاثية المال والمخدرات والإرهاب" يشكل خطرًا مركّبًا يهدد استقرار الدول ويفكك مجتمعاتها من الداخل.
جهود الدولة: أمنية، قضائية، وتشريعية
على الجبهة الأمنية، تسجل وحدات الحرس الوطني والأمن الوطني والديوانة إنجازات ملموسة تتمثل في تفكيك شبكات ترويج وحجز كميات كبيرة من المواد المخدرة سنويًا، إلى جانب حملات أمنية واسعة تستهدف محيط المؤسسات التربوية والجامعية ومحطات النقل العمومي.
أما على الصعيد التشريعي، فتشهد تونس حاليًا نقاشًا جوهريًا حول مراجعة شاملة للقانون عدد 52 لسنة 1992 المتعلق بمكافحة المخدرات، وقد أحدثت لجنة تضم ممثلين عن مختلف الوزارات لإعداد نص قانوني جديد يواكب التحولات التي تشهدها الظاهرة، خاصة أن القانون الحالي طالما وُصف بالصرامة المفرطة تجاه المستهلك دون تمييز كافٍ بينه وبين المروّج، وهو ما أثار جدلاً مجتمعيًا وحقوقيًا واسعًا على مدى سنوات.
كما تنظم السلطات الصحية حملات توعية موسمية، خاصة خلال فصل الصيف، تستهدف الشباب عبر أنشطة تثقيفية وورشات تعبيرية، لكن مختصين يرون أن هذه الجهود تبقى غير كافية في غياب خطة وطنية شاملة ومندمجة لمكافحة الظاهرة تجمع بين البعد الأمني والوقائي والعلاجي والتربوي.
دور اللوبيات والعصابات في تقزيم دور الدولة
رغم الجهود الأمنية، تواجه الدولة تحديات بنيوية تحد من فعالية تدخلها:
الطابع العابر للحدود للجريمة المنظمة: الموقع الاستراتيجي لتونس يجعلها معبرًا مفضلاً لشبكات دولية، ما يصعّب المراقبة الكاملة للحدود البرية والبحرية.
تطور أساليب الشبكات: تحوّلت العصابات إلى بنى تنظيمية معقدة تعتمد وسائل تشفير واتصال متطورة، ما يفرض على أجهزة الدولة مواكبة تقنية مستمرة.
إغراق السوق بمواد مستوردة: كشفت مصادر أمنية عن تدفق أقراص مخدرة (مثل مادة البريغابالين) مصنّعة خصيصًا لشبكات التهريب، حتى أن أسعارها تُطبع بالدينار التونسي أو الجزائري مباشرة من بلد المنشأ، وهو مؤشر على درجة التنظيم التي بلغتها هذه الشبكات.
الفساد وتقاطع المصالح: يربط عدد من المحللين بين اقتصاد المخدرات وشبكات فساد أوسع، حيث تشكل الأرباح الطائلة أداة نفوذ يمكن أن تخترق مفاصل إدارية أو تُستخدم للضغط والإفلات من العقاب، ما "يقزّم" أحيانًا قدرة الدولة على المواجهة الحاسمة.
هذا التشابك بين المال والجريمة المنظمة يجعل من معركة مكافحة المخدرات معركة مركبة، تتجاوز الجانب الأمني الصرف لتشمل الحوكمة، والشفافية، والتعاون الدولي.
خاتمة: نحو مقاربة شاملة
إن مواجهة آفة المخدرات في تونس تستدعي مقاربة متكاملة لا تكتفي بالحل الأمني والزجري، بل تشمل:
تسريع مراجعة الإطار التشريعي (القانون عدد 52) بما يوازن بين الردع والحماية الاجتماعية للمستهلك.
تعزيز برامج الوقاية والتوعية في المؤسسات التربوية بشكل دائم لا موسمي.
توفير فرص اقتصادية واجتماعية حقيقية للشباب في المناطق الأكثر هشاشة.
تكثيف التعاون الدولي والإقليمي لمواجهة الطابع العابر للحدود لهذه الجريمة.
الحزم في مواجهة أي تقاطع بين شبكات المخدرات ومنظومات الفساد.
فالمعركة ضد المخدرات ليست معركة أمنية فحسب، بل معركة وجود تتعلق بمستقبل جيل كامل وباستقرار الدولة والمجتمع في آن واحد.
المصادر: بيانات وزارة الداخلية التونسية المعروضة أمام لجنة التشريع العام بمجلس نواب الشعب (جوان 2026)، التقرير العالمي للمخدرات 2026 الصادر عن مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، مؤشر الجريمة المنظمة العالمي، وتصريحات مسؤولين أمنيين وجمركيين تونسيين.

 


البصرة.. ثغر العراق الباسم ومستودع الفكر والعروبةبقلم الناصر خشيني



البصرة هي فيء العراق الباسم، ورئة بلاد الرافدين على الخليج العربي. هي أول مدينة إسلامية بُنيت خارج شبه الجزيرة العربية، لتتحول سريعاً إلى خزان فكري وعلمي واقتصادي هائل أثرى الثقافة العربية والإسلامية، ومثلت دائماً الثغر الحصين والحارس الشرقي للهوية العربية.
 التأسيس والنشأة: منطلق الفتوحات والعلم
تأسست البصرة عام 14 للهجرة (636 ميلادي) بأمر من الخليفة عمر بن الخطاب وبتنفيذ من القائد عتبة بن غزوان:
  • الهدف الاستراتيجي: بُنيت لتكون معسكراً ومرتكزاً للجيوش العربية الإسلامية المنطلقة نحو المشرق، وميناءً تجارياً يربط العراق بالعالم عبر شط العرب والخليج.
  • عاصمة النحو والأدب: شهدت البصرة ولادة أرقى المدارس الفكرية والعلمية، فظهرت مدرسة البصرة النحوية التي أسسها أبو الأسود الدؤلي وبلورها الخليل بن أحمد الفراهيدي وتلميذه سيبويه. كما كانت مهد "إخوان الصفا" والجاحظ، ومسقط رأس الحسن بن الهيثم.
 شواهد الحضارة والمعالم الأثرية والعمرانية
تمتلك البصرة طابعاً مائياً وتراثياً خاصاً جعلها تُلقب بـ "فينيسيا الشرق":
  • شط العرب: الملتقى الأسطوري لنهري دجلة والفرات، وهو الشريان الحيوي للمدينة ومصدر خيرها وجمالها، وعلى ضفافه تمتد كورنيشات البصرة النابضة بالحياة.
  • البيوت الشناشيل (الشناشيل البصرية): من أجمل الشواهد المعمارية التقليدية في العراق. وهي بيوت خشبية ممتدة فوق الشوارع بزخارف مشبكة دقيقة تعكس الخصوصية الاجتماعية والجمال العمراني العراقي.
  • مسجد البصرة القديم (مسجد خطوة الإمام علي): أول مسجد بني في العراق وخارج الجزيرة العربية، وكان مركزاً علمياً وقضائياً بارزاً تلقى فيه كبار الصحابة والتابعين علومهم.
  • نهر العشار والأسواق التراثية: كـ "سوق الهنود" و"سوق المغايز"، التي تختزل تاريخ البصرة التجاري العريق كمركز للتبادل البحري مع الهند وشرق آسيا.
 المكانة القومية والرمزية السياسية
ظلت البصرة عبر التاريخ الصخرة الحامية للبوابة الشرقية للأمة العربية:
  • الحارس القومي: في شتى المحطات الفاصلة، وخصوصاً في الحرب الحامية بالقرن الماضي، دافعت البصرة ببسالة عن عروبة الخليج والعراق، وتصدت للأطماع الإقليمية والتوسعية التي حاولت النفاذ إلى العمق العربي.
  • عاصمة الاقتصاد والصمود: عانت البصرة من ويلات الحروب والحصار، لكنها بقيت المغذي الرئيسي لموازنة العراق بثرواتها النفطية والزراعية (حيث تشتهر بملايين أشجار النخيل وإنتاج أفضل أنواع التمور).
 الخاتمة
تبقى البصرة ثغر العراق وعنوان عزته الأصيل، ومستودعاً لا ينضب للفكر القومي واللغوي العربي. إن قلم الكاتب العروبي ينظر للبصرة اليوم كرافعة حقيقية لنهضة العراق واستعادة دوره الريادي في المنظومة العربية، متجاوزاً جراح الماضي وتحديات الحاضر، لتظل البصرة دائماً كما كانت: منطلقاً للعروبة، وحارساً للهوية، وشرياناً يربط قلب الرافدين بنبض الأمة بأسرها.


حلب الشهباء.. عاصمة المجد الكنعاني وقاهرة الإرهاب بقلم الناصر خشيني



حلب ليست مجرد مدينة أثرية، بل هي سفر ضخم من أسفار الحضارة الإنسانية. هي "الشهباء" التي طالما تغنى الشعراء بجمالها وعزتها. وفي التاريخ الحديث، واجهت حلب واحدة من أخطر المؤامرات في العصر الحديث، لتثبت مجدداً أنها صخرة صلبة تتحطم عليها قوى البغاة وقطعان الإرهاب التي حاولت سلخها عن حضنها القومي السوري والعروبي.
التأسيس والعراقة: أقدم الحواضر المستمرة
تتنافس حلب مع دمشق على لقب أقدم مدينة مأهولة في العالم، حيث يعود تاريخها إلى أكثر من 8000 عام:
  • الأصل والتسمية: تعود تسمية حلب إلى العصور الأمورية والكنعانية القديمة (وتعني الحديد أو النحاس)، بينما تروي الذاكرة الشعبية أن اسم "الشهباء" يعود إلى لون بقرة كان يحلبها النبي إبراهيم عليه السلام في قلعتها لإطعام الفقراء.
  • عاصمة الحمدانيين: عاشت حلب عصرها الذهبي في العهد الحمداني (القرن الرابع الهجري) بقيادة سيف الدولة الحمداني، الذي جعل منها عاصمة سياسية وعلمية وعسكرية فذة، وضمت بلاطه عباقرة كالمتنبي وأبي الفراس الحمداني والفارابي.
 شواهد الحضارة والمعالم الأثرية
تتميز حلب القديمة بتلاصق أسواقها وعمرانها، وهي مسجلة بالكامل كإرث عالمي:
  • قلعة حلب: أعظم القلاع العسكرية في العصور الوسطى وأكثرها مناعة. تتربع على تلة دائرية تشرف على المدينة كاملة، وتضم أبواباً حديدية معقدة وممرات سرية، وظلت عبر التاريخ عصية على السقوط أمام أعتى الجيوش.
  • الجامع الأموي الكبير بحلب: صرح ديني ومعماري عريق بناه الأمويون ويضم ضريح النبي زكريا عليه السلام. اشتهر بمئذنته المربعة البديعة التي تعود للعهد السلجوقي قبل أن تطالها يد الغدر والتخريب.
  • أسواق حلب القديمة: أطول الأسواق المغطاة في العالم (تمتد لعدة كيلومترات)، وتتميز بأسقفها المعقودة ورائحة الزعتر وصابون الغار الحلبي الشهير، وتضم خانات عريقة كخان الشونة وخان الحرير.
 دورها في دحر قطعان الإرهاب والأجندات المعادية
شهدت حلب في العقد الماضي مأساة حقيقية عندما تعرضت لهجوم كاسح من جماعات وقطعان إرهابية مسلحة، مدعومة وممولة من قوى إقليمية ودولية عملت وفق أجندات معادية لتقسيم سوريا وكسر عمودها القومي:
  • ملحمة الصمود: حوصرت المدينة وعانت من القصف والتدمير الممنهج لآثارها وبنيتها التحتية واقتصادها الصناعي العريق. لكن أهلها وجيشها العربي السوري سطروا ملحمة صمود أسطورية.
  • التحرير والسيادة: في أواخر عام 2016، نجحت حلب في دحر الإرهاب وإعلان تطهيرها بالكامل، في انتصار استراتيجي أعاد كتابة توازنات القوى وصان وحدة الأراضي السورية وهويتها العروبية، مفشلاً المشاريع الاستعمارية التي أرادت تحويل حلب إلى بؤرة للتفتيت والتبعية.
 الخاتمة
تظل حلب الشهباء منارة للحضارة وعنواناً للانتصار على قوى الظلام والمؤامرات الأجنبية. إن التأمل في واقع حلب اليوم وهي تنفض عنها غبار الحرب وتبدأ مرحلة إعادة الإعمار، يؤكد أن هذه المدينة التي هزمت التتار قديماً، قادرة دائماً على قهر المعتدين. واسجل لها هذا الصمود بإجلال، متطلعاً إلى تعافي كامل الجسد السوري والعربي واستعادة السيادة والكرامة ومقاومة كل أشكال الإملاءات والاحتلالات

جنين.. قاطرة المقاومة وعاصمة الصمود الفلسطيني بقلم الناصر خشيني

 


لا يمكن ذكر مدينة جنين دون أن يتبادر إلى الأذهان العنفوان، والإباء، والفزعة التي لا تلين. جنين ليست مجرد نقطة على خريطة فلسطين الشمالية، بل هي قلعة نضالية استثنائية امتزج تاريخها الكنعاني القديم بالدم والشهادة، لتصبح عبر العصور الكابوس الأكبر لكل المحتلين، وعاصمة الصمود والتحدي في وجه آلة الحرب الصهيونية.
 التأسيس والعراقة التاريخية
تعتبر جنين من المدن الموغلة في القدم، ولها عمق تاريخي وجغرافي متميز:
  • الجذور الكنعانية: أسسها الكنعانيون في الألف الثاني قبل الميلاد، وعُرِفت تاريخياً باسم "عين جنيم" (وتعني عين الجنان أو البساتين)، نظراً لوفرة مياهها وينابيعها وخضرتها الدائمة.
  • الموقع الاستراتيجي: تقع المدينة على مرتع القوافل التجارية والعسكرية، حيث تربط بين مرج ابن عامر (أخصب أراضي فلسطين) وجبال نابلس، مما جعلها تاريخياً محط أنظار الغزاة وبوابة الدفاع عن عمق فلسطين.
 شواهد الحضارة والمعالم الأثرية
رغم ما تعرضت له من تدمير، تضم جنين ومحيطها معالم حضارية بارزة:
  • كنيسة برقين: رابع أقدم كنيسة في العالم، وتُعرف باسم كنيسة العشراء، حيث يُعتقد أن المسيح عليه السلام مرّ بها وشفى المقعدين العشرة، وهي شاهدة على تجذر المسيحية العربية في هذه الأرض.
  • نفق بلعمة الأثري: نفق مائي كنعاني منحوت في الصخر يُعد من أطول الأنفاق المائية الأثرية في العالم، واستُخدم قديماً لتأمين المياه للمدينة المحصنة أثناء الحصار.
  • الجامع الكبير (مسجد فاطمة خاتون): صرح معماري عثماني بارز بني في القرن السادس عشر على يد السيدة فاطمة خاتون، ويمتاز بقبته الضخمة ومئذنته الشامخة، ويمثل مركز الحركة الدينية والثقافية في المدينة القديمة.
  • مقبرة شهداء الجيش العراقي: تضم رفات الجنود العراقيين الأبطال الذين استُشهدوا عام 1948 على أرض جنين دفاعاً عن عروبتها، وهي وثيقة دم خالدة على اللحمة القومية.
 التاريخ النضالي: معقل الثورة والشهادة
ارتبط اسم جنين بالثورة منذ فجر الصراع العربي الصهيوني، وجسدت مفهوم المقاومة في أبهى صوره:
  • ثورة عز الدين القسام: في جبال وأحراش يعبد التابعة لجنين، أعلن الشيخ المجاهد عز الدين القسام ثورته المسلحة ضد الانتداب البريطاني والصهيونية، واستُشهد هناك عام 1935، لتصبح جنين منبع الكفاح المسلح.
  • معركة 1948: نجح أهالي جنين بالتعاون مع الجيش العراقي الباسل في دحر العصابات الصهيونية وتحرير المدينة بعد أن احتلوها لأيام، في ملحمة قومية خالدة.
  • ملحمة مخيم جنين وحاضرها المقاوم: في عام 2002، سطر مخيم جنين أسطورة صمود بطولية شهد لها العالم ضد الاجتياح الصهيوني. وظلت جنين ومخيمها وقراها (مثل قباطية وبارقين) حتى يومنا هذا، خزان الثورة المتدفق، وعاصمة "كتائب المقاومة" التي تقهر أعتى الترسانات العسكرية، مقدمةً قوافل من الشهداء الأبرار دون المساومة على ذرة تراب.
 الخاتمة
تبقى جنين شوكة حادة في حلق المشروع الصهيوني، وراية خفاقة تذكر الأمة بأن الحق المنتزع لا يُسترد إلا بالمقاومة. إن قلم ابن الأمة ينظر إلى جنين وفلسطين بكل فخر واعتزاز، مؤكداً أن هذه الحاضرة المناضلة ستبقى منارة للأحرار، وقاطرة للتحرير الكامل، حتى تندحر قوى البغي والاحتلال، وتعود فلسطين عربية من نهرها إلى بحرها

الثلاثاء، 30 يونيو 2026

دعاة على. ابواب جهنم العريفي وملائكته التي تقاتل في سوريا وجهاد النكاح بقلم الناصر خشيني

 


 هذا المقال صدر عني سنة 2013 عندما قرر محمد العريفي ان هناك ملائكة تقاتل مع الارهابيين في سوريا ضد الجيش العربي السوري ولم يرها الى جانب الفلسطينيين تقاتل الصهاينة بل راها ايضا في افغانستان تقاتل السوفيات وبالرغم من تكذيبه وقتها ان يكون اصدر مثل هذه الفتوى لكن حسابه بتويتر وقتها اثبت حقيقة ما اقترفه من اغبى واحقر فتوى في تاريخ العرب والمسلمين  وقد تناقلت مقالتي وقتها عديد المواقع والصحفواليكم المقال كما صدر سنة 2013.                                                          فتوى التقدمية بخصوص ابطال فتوى زواج المناكحة في الجهاد واعتبارها مخالفة للشرع بقلم استاذ الدراسات الاسلامية الناصر خشيني

بسم الله الرحمان الرحيم الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد رسول الله وبعد تواترت الأنباء وعبر مواقع التواصل الاجتماعي عن فتوى صدرت من قبل الشيخ محمد العريفي مدعمة بصورة من تغريدة له على تويتر ، ورجال دين اخرون ممن يدعمون الحركات الإسلامية المقاتلة في سورية، ما سمي بـ”جهاد المناكحة” في سورية. وتنص هذه الفتوى على إجازة أن يقوم المقاتلون ضد النظام السوري من غير المتزوجين أو من المتزوجين الذين لا يمكنهم ملاقاة زوجاتهم بإبرام عقود نكاح شرعية مع بنات أو مطلقات لفترة قصيرة لا تتجاوز الساعة أحياناً يتم بعدها الطلاق وذلك لإعطاء الفرصة إلى مقاتل آخر بالمناكحة. وذكر رجال الدين الذين أفتوا بهذه الفتوى “إن الهدف منها هو تمكين المقاتلين من حقهم الشرعي بالمعاشرة وهو ما يزيد من عزائمهم ويرفع من معنوياتهم القتالية.

ومن بين الشروط المطلوب توافرها في الفتيات المجاهدات بالنكاح هو “أن تتم الـ14 من العمر أو مطلقة ترتدي النقاب أو الزي الشرعي” وقد اعتبروا أن هذا الجهاد هو “جهاد في سبيل الله وفق الصيغ الشرعية يخول للقائمة به دخول الجنة”.

ومما يجدر بنا التاكيد عليه أن مثل هذه الفتوى لا نستغرب صدورها عن رجل شديد التخلف والرجعية الى ابعد حد مثل محمد العريقي الذي تحدث عن ملائكة تقاتل في سوريا ولكنها غابت عن الفلسطينيين اثناء مواجهتهم مع الصهاينة

وبالتالي فانها فتوى لترويج وإجازة وتسويق الدعارة باسم الدين والدين منها براء، وهذه الفتاوى التي صدرت لا بد من أن تكون صادرة عن أناس يعانون من اضطرابات شخصية تجعلهم غير قادرين على التعبير عن عدوانيتهم وحقدهم وحسدهم للآخرين بسبب الفشل والضعف الذي يلاحقهم, فيلجئون لأساليب وطرق ملتوية لإثارة الأحقاد والضغائن والفتن، إضافة إلى أنهم أناس يبحثون عن طريق للشهرة وحسب وجهة نظرهم فإن اقصر الطرق للشهرة هو الترويج لفتاوى لا تمت بالصلة إلى الدين للتغرير بالشباب وإيقاعهم فريسة سهلة للشهوة مستغلين جهل البعض بأحكام الدين الحنيف وغياب الوعي السياسي والثقافي لدى البعض الآخر.

قال الله تعالى: ( وَلاَ تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ).

وصدق رسولنا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم حينما قال : (إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من صدور العلماء , ولكن يقبض العلم بقبض العلماء , حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤوساء جهالا , فسئلوا , فأفتوا بغير علم , فضلوا وأضلوا).

ونؤكد ان مثل هذه الفتوى لا يمكن القبول بها شرعيا لانها عبارة عن اشاعة الفساد ومخالفة صريحة لما عرف من الدين بالضرورة من حيث استعمال كل الوسائل المشروعة في الزواج من اشهار واشهاد فضلا عن تسجيله ضمن عقود موثقة بشكل قانوني لضمان الحقوق الزوجية والميراث وألبنوة وما الى ذلك من الاستحقاقات ثم ان الطلاق اذا تم فانه يتطلب شروطا عسيرة في الشرع الاسلامي تكاد تجعل منه امرا عسير الحدوث في الشريعة الاسلامية لا كما يتوهم مفتيو الجهل بالدين انه يمكن ان يحدث بكلمة من الرجل فمن شروطه ان لا يطلقها في طهر مسها فيه وعلى المرأة بعد الطلاق أن تعتد حتى يسمح لها بالزواج من جديد وتتطلب العملية أشهرا ليتحقق ذلك فكيف يسمحون بالزواج لساعة من زمن ثم تطلق ليتزوجها آخر ان مثل هذا الافتاء ما سمعنا به لا في الأولين ولا في الآخرين انه افتاء واضح انه في خدمة الأجندات الصهيونية والأمريكية والرجعيات العربية المرعوبة من عدوى الثورات العربية التي تعمل على دك حصونها فتستبق هذه القوى هذه الثورات لتخريبها ومن جملة الوسائل المستعملة للتخريب مثل هذه الفتاوى الباطلة .

لذا فاننا في التقدمية آلينا على أنفسنا الحكم ببطلان هذه الفتاوى واعتبارها تدخل في خانة الخيانة للدين والأخلاق والقيم ونعتبرها في خدمة الصهيونية العالمية وقوى الاستعمار والرجعية العربية ونقضي تبعا لذلك ببطلانها وعدم العمل بها واكتفاء شبابنا بالزواج الشرعي المتعارف عليه في ديننا ومجتمعنا ووفق القوانين المرعية والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

كفاءات تونس بالخارج: من نزيف الاستنزاف إلى الشراكة التنموية المستدامة ​بقلم: الناصر خشيني


 ​تُعدّ الجالية التونسية بالخارج (التي تتجاوز اليوم 1.8 مليون مغترب) أحد أهم الروافد الاقتصادية والاجتماعية للبلاد. وفي حين تُثمن الدولة دورهم التقليدي عبر التحويلات المالية التي توفر العملة الصعبة، إلا أن المقاربة الرسمية ما زالت قاصرة عن استيعاب "الثروة اللامادية" التي تمثلها الكفاءات العالية. إن تونس اليوم لا تصدّر فائض عمالة، بل تنزف نخبتها العلمية والتقنية.

​أولاً: تشخيص الإشكاليات (أرقام تترجم حجم النزيف)

​الواقع الحالي يكشف عن فجوة عميقة بين ما تنفقه الدولة وما تستفيده في المقابل، وتتلخص الأزمات في النقاط التالية:

​كلفة التعليم العالية وهدر الاستثمار: وفقاً لتقديرات المعهد التونسي للدراسات الإستراتيجية، تكلف تنشئة وتعليم مهندس واحد في تونس (منذ الابتدائي حتى التخرج) ما يقارب 100 ألف دينار تونسي. عندما يغادر هذا المهندس فور تخرجه، فإن تونس تقدم هبة مجانية للدول المستقطبة تقدر بمليارات الدينارات سنوياً.

​أرقام مفزعة في قطاعات حيوية:

​الأطباء: تشير تقارير عمادة الأطباء التونسيين إلى أن أكثر من 80% من الأطباء الشبان (المسجلين الجدد) يغادرون البلاد سنوياً، وخاصة نحو فرنسا وألمانيا، مما تسبب في شغورات حادة في مستشفيات المناطق الداخلية.

​المهندسون وخبراء الرقمنة: غادر تونس في السنوات الأخيرة أكثر من 40 ألف مهندس، بمعدل يقارب 20 مهندساً يومياً، مما يخلق عجزاً كبيراً في الشركات المحلية التي تحاول قيادة الانتقال الرقمي.

​قصور المنظومة الحالية:

​الدبلوماسية التقليدية: لا تزال البعثات القنصلية والدبلوماسية تركز على الجوانب الإدارية (جوازات سفر، حال مدنية) وعاجزة عن خلق "شبكات كفاءات" (Networking) لربط الطيور المهاجرة بالمشاريع الوطنية.

​البيروقراطية المقيتة: عند رغبة أي كفاءة بالخارج في الاستثمار أو نقل التكنولوجيا لتونس، يصطدم بجدار من الإجراءات الإدارية المعقدة وقوانين الصرف البالية (قانون الصرف التونسي يُعد من أكبر العوائق).

​ثانياً: البدائل التشريعية والإجرائية المقترحة (الحلول المثلى)

​لم يعد من الممكن منع الهجرة في عصر العولمة، ولكن الحل يكمن في تحويل "نزيف الأدمغة" إلى "تلاقح الأدمغة" (Brain Gain) عبر إجراءات ثورية وشجاعة:

​1. إصلاحات تشريعية واقتصادية جريئة

​مراجعة جذرية لقانون الصرف: السماح للكفاءات التونسية بفتح حسابات بالعملة الأجنبية في تونس دون قيود بيروقراطية، لتسهيل تمويل المشاريع الناشئة والبحث العلمي.

​قانون "استقطاب الطيور المهاجرة": سن تشريع يمنح امتيازات ضريبية وجمركية كبرى (مثل الإعفاء الضريبي للسنوات الخمس الأولى) لكل كفاءة تونسية تقرر العودة لإنشاء شركة مبتكرة أو مركز بحث وتطوير بالبلاد.

​مفهوم "المواطنة الرقمية" (Digital Citizenship): إتاحة الفرصة للمغتربين لإدارة معاملاتهم القانونية، العقارية، والاستثمارية في تونس إلكترونياً بنسبة 100% عبر الهوية الرقمية، دون الحاجة للتنقل العطل السنوية لإتمام ورقة إدارية.

​2. بدائل إجرائية ومؤسساتية

​إعادة هيكلة الدبلوماسية التونسية: تحويل السفارات والمستشاريات إلى "مكاتب ذكاء اقتصادي". يجب أن يكون لكل سفارة ملحق خاص بالكفاءات والابتكار تكون مهمته حصر الكفاءات التونسية في بلد الاعتماد وتسهيل تواصلهم مع الجامعات ومراكز الابتكار التونسية.

​التعاقد عن بُعد (Outsourcing): إذا كان الكفاءة التونسية لا يريد العودة للعيش في تونس لأسباب مادية أو عائلية، فلماذا لا تستفيد منه الدولة وهو في الخارج؟ يمكن إبرام عقود استشارية معهم عن بُعد لتدريس طلبة الدكتوراه، أو الإشراف على مشاريع وطنية (مثل الطاقات المتجددة أو التحول الرقمي للإدارة) بعقود مرنة.

​صندوق الابتكار السيادي للمغتربين: إنتاج آلية استثمارية (صندوق استثماري) يشرف عليه البنك المركزي، يُسمح للتونسيين بالخارج بالاكتتاب فيه بالعملة الصعبة، وتُوجه هذه الأموال حصراً لتمويل المشاريع البنيوية الكبرى والشركات الناشئة في تونس، مع ضمان أرباح مجزية لهم.

​خاتمة:إن وطناً كتونس، ضحى آباؤه وأمهاته بقوت يومهم لتعليم أبنائهم، لا يجب أن يكتفي بدور "المُصدِّر المجاني للذكاء". الحل ليس في لوم المهاجر، بل في تغيير البيئة الطاردة داخل الوطن وتحويل المقاربة من "رعاية شؤون الجالية التقليدية" إلى "شراكة إستراتيجية بين كفاءات الخارج ومشاريع الداخل". بدون هذه الثورة التشريعية، سنظل ننتج العقول لتستهلكها اقتصاديات الغرب.

جمال عبد الناصر: جدلية الوعي والممارسة في مسيرة قائد الأمة وباني نهضتها الحديثة بقلم: الناصر خشيني

نقف اليوم على أعتاب الذكرى الرابعة والسبعين لثورة الثالث والعشرين من يوليو (جويلية) 1952، وهي محطة لم تكن مجرد انقلاب عسكري تقليدي، بل كانت ...