قائمة المدونات الإلكترونية

الخميس، 11 يونيو 2026

هل يقرأ عشّاق البخاري كتابَه الصحيح بعقلانيّة؟ دراسة نقدية هل يقرأ عشّاق البخاري كتابَه الصحيح بعقلانيّة؟ دراسة نقدية في تشويه صورة النبي والروايات المتناقضة في الصحيح الناصر خشيني | كاتب وصحفي ومحلل سياسي ـ نابل، تونس | 2026

 


هل يقرأ عشّاق البخاري كتابَه الصحيح بعقلانيّة؟

دراسة نقدية هل يقرأ عشّاق البخاري كتابَه الصحيح بعقلانيّة؟


دراسة نقدية في تشويه صورة النبي والروايات المتناقضة في الصحيح


الناصر خشيني | كاتب وصحفي ومحلل سياسي ـ نابل، تونس | ديسمبر 2024


مدخل: مكانة البخاري في الوعي الإسلامي التقليدي


يُعدّ كتاب الجامع الصحيح للإمام محمد بن إسماعيل البخاري (194 ـ 256 هـ) في نظر جمهور أهل السنة والجماعة أصحَّ كتاب ألِّف في علم الحديث النبوي، بل ذهب كثير من العلماء إلى أنه يحتلّ المرتبة الثانية بعد القرآن الكريم في مصادر التشريع الإسلامي.[1] وقد وجد هذا الكتاب من يدافع عنه بالحجة والتأويل حتى غدا مسّه بأدنى نقد أمراً جسيماً. بيد أن التمحيص العلمي الرصين يفرض علينا إعمال العقل ومعيار الاتساق الداخلي في قراءة هذا الموروث، لا سيما حين نكتشف أن الصحيح يحتوي على روايات تُشوّه صورة النبي محمد صلى الله عليه وسلم وتتناقض مع ما يرسمه القرآن الكريم من مكانة نبوية رفيعة.


أولاً: البخاري ـ حافظة أسطورية تستوجب مساءلة أعمق


لا ينازع أحد في أن البخاري بلغ من الحفظ والدقة مبلغاً استثنائياً، إذ أفادت المصادر التراثية بأنه استوعب ما يزيد على ستمائة ألف حديث بأسانيدها.[2] والأشهر في سيرته قصة اختبار بغداد حين قلب له المحدثون مائة حديث خلطوا أسانيدها بمتونها، فردّ كل متن إلى إسناده بدقة لا تخطئ.[3] بيد أن هذه القدرة الخارقة بالذات هي التي تستدعي السؤال: كيف أفلت من هذه الذاكرة المتناهية الدقة ما نجده من تناقضات صريحة وروايات تتعارض مع صريح القرآن؟


ثانياً: التناقض العددي في قصة النبي سليمان ـ أربع روايات لحادثة واحدة


يروي البخاري قصة النبي سليمان عليه السلام في أربعة مواضع تتباين فيها أعداد النساء عن الراوي ذاته أبي هريرة:[4]


ح 7469: ستون امرأة | ح 3424: سبعون (مع تصحيح بتسعين) | ح 6639: تسعون امرأة | ح 5242: مائة امرأة


إن هذا التضارب الصريح في الكتاب ذاته عن الراوي ذاته في الحادثة ذاتها يطرح إشكالية منهجية لا يمكن تجاوزها بالتأويل.[5] فضلاً عن أن الأرقام المتصاعدة تجعل من سليمان عليه السلام قوةً جنسية تتجاوز الطاقة البشرية الممكنة، وهو ما لا يستقيم مع مقام النبوة.


ثالثاً: تشويه صورة النبي محمد في روايات الصحيح


1 ـ إسناد شبق جنسي خارق للعادة


يروي البخاري عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يطوف على نسائه التسع في ليلة واحدة بغسل واحد (ح 5068).[6] وتوسّع الطبراني في روايات تُثبت له قوة ثلاثين رجلاً أو أربعين في الجماع.[7] إن هذا التصوير يُحيل النبيَّ إلى نموذج ملوك عصر التدوين المتنافسين في اتخاذ الحظايا، لا إلى النبي الذي وصفه الله بالخلق العظيم. وتلك الأرقام تتجاوز الممكن البيولوجي وتدخل في نطاق الأسطورة.


2 ـ رواية تسحير النبي


أورد البخاري في كتاب الطب (ح 5765) أن لبيد بن الأعصم سحر النبيَّ صلى الله عليه وسلم فكان يُخيَّل إليه أنه يأتي النساء ولا يأتيهن، واستمر أثر السحر حتى أنزل الله المعوّذتين.[8] وهذه الرواية تُشكّل خطراً عقدياً بالغاً إذ تنسب إلى نبي الله فقدان السيطرة على إدراكه، في حين يُقرر القرآن: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ (المائدة: 67).[9] وقد رأى العلماء العقلانيون أن الإذعان لهذه الرواية يفتح باباً للطعن في صحة الوحي ذاته.


3 ـ رواية وفاة النبي ودرعه مرهونة عند يهودي


يروي البخاري (ح 2916) أن النبي صلى الله عليه وسلم توفي ودرعه مرهونة عند يهودي من أجل طعام اشتراه لأهله.[10] وتطرح هذه الرواية تساؤلات جوهرية: كيف يعجز سيد المسلمين وقائدهم بعد فتح خيبر عن الإنفاق على أهله دون رهن سلاحه عند أحد؟ والرواية تجعل آخر لحظات النبي مشهداً من مشاهد العَوَز، وهو ما يُراد منه ما يُراد.


4 ـ رواية المرأة التي كانت تُفلي قمل رأس النبي


وردت في بعض طرق الصحيح وشروحه روايات تذكر امرأة كانت تُفلي القمل من رأس النبي صلى الله عليه وسلم.[11] ويَبعد كل البعد أن يكون الرسول الذي كان يُعنى بالنظافة والطهارة عناية بالغة مصاباً بالقمل. وتلك الروايات وقعت في الشطط وتجاوزت الإنسانية المقبولة إلى ما فيه مسٌّ بالكرامة النبوية.


5 ـ روايات المعجزات المادية المتعارضة مع المنهج القرآني


يحفل الصحيح بروايات تصف تكليم النبي للحيوانات وتكثير الطعام القليل لجماعة كبيرة بأرقام متباينة بين الروايات.[12] وهذا يتعارض مع المنهج القرآني الذي يرفض فيه النبي اقتراح معجزات حسية: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ (الأعراف: 188).[13] ومعجزة النبي الكبرى كانت القرآن العقل لا الخارقة الحسية.


رابعاً: القرآن الكريم ـ مرجعية مغايرة لصورة الأنبياء


في مقابل تلك الصورة المُشوَّهة، يقدّم القرآن تصويراً مختلفاً جذرياً: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (القلم: 4).[14] ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ (السجدة: 24).[15] ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ﴾ (الأنبياء: 73).[16]


بهذا الإطار القرآني، تغدو الروايات التي تُنسب إلى النبي شبقاً جنسياً خارقاً أو تأثراً بالسحر أو إصابةً بالقمل روايات لا تُعبّر عن أمانة نقل، بل تكشف عن سياق أيديولوجي يُقلّص البُعد الروحي والعقلاني للرسالة النبوية.


خامساً: السياق التاريخي ـ علاقة البخاري بسلطة المتوكل العباسي


لا يمكن قراءة منهج البخاري بمعزل عن سياقه السياسي. فالخليفة المتوكل على الله (ت 247هـ) أصدر مراسيم تُغلق الجدل الكلامي وتُنهي مشروع المعتزلة والفرق العقلانية، وأطلق يد أهل الحديث في تشكيل العقل الإسلامي.[17] وهو الخليفة الذي جمع في قصوره أعداداً ضخمة من الجواري، وكان مُولَعاً بالخمر والمُلاهي، وانتهى به المطاف أن قتله ابنه طمعاً في السلطة.[18] إن تعظيم القدرة الجنسية للأنبياء في روايات الصحيح يُضفي شرعيةً دينية على ما كان يمارسه الخلفاء، وتغييب المعتزلة أفضى إلى اختزال الإسلام في الرواية دون العقل.


خاتمة: من أجل قراءة نقدية تجمع التوقير والعقلانية


لا تهدف هذه الدراسة إلى تجريح البخاري أو إسقاط مجهود العلماء الأوائل. غير أن التوقير لا يساوي التقديس، والتقديس لا يعني إسقاط الرقابة العقلية. إن الصحيح يحمل تناقضات عددية صريحة وروايات تُشوّه صورة النبي جنسياً وتنسب إليه السحر والقمل، ومعجزات تتعارض مع المنهج القرآني. وكل ذلك يستوجب وقفة نقدية علمية لا عاطفية، حكمها القرآن الكريم وصريح العقل لا سطوة النقل وحده.


الهوامش والمراجع (1 ـ 18)


[1] البخاري، الجامع الصحيح، دار طوق النجاة، 1422هـ. والنووي، شرح مسلم، 1392هـ، المقدمة.


[2] ابن حجر، هدي الساري، دار المعرفة، 1379هـ، ص8.


[3] الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد، دار الغرب الإسلامي، 2002م، ج2، ص322.


[4] ابن حجر، فتح الباري، ج1، ترجمة أبي هريرة.


[5] ابن حجر، فتح الباري، كتاب الأنبياء، باب سليمان.


[6] صحيح البخاري، كتاب النكاح، ح 5068.


[7] الطبراني، المعجم الكبير، ج20، ص222.


[8] صحيح البخاري، كتاب الطب، ح 5765 ـ 5766.


[9] القرآن الكريم، المائدة: 67. والزمخشري، الكشاف، ج1، ص658.


[10] صحيح البخاري، كتاب الرهن، ح 2916.


[11] ابن حجر، فتح الباري، كتاب المغازي.


[12] صحيح البخاري، كتاب المناقب، باب علامات النبوة.


[13] القرآن الكريم، الأعراف: 188.


[14] القرآن الكريم، القلم: 4.


[15] القرآن الكريم، السجدة: 24.


[16] القرآن الكريم، الأنبياء: 73.


[17] نصر حامد أبو زيد، الاتجاه العقلي في التفسير، دار التنوير، 1982م، ص47 ـ 65.


[18] الطبري، تاريخ الأمم، ج9، أحداث 247هـ



الأفارقة في تونس: بين ورقة الضغط الأوروبية وأزمة الهوية الوطنية الناصر خشيني كاتب وباحث سياسي — نابل، تونس




لم تكن تونس تاريخياً في دائرة الاستقطاب الكبير للهجرة القادمة من جنوب الصحراء الأفريقية. بيد أن العقد المنقضي فرض عليها انزياحاً جيوسياسياً عميقاً أعاد رسم خريطة حضورها في مشهد الهجرة المتوسطية. اليوم، باتت البلاد في قلب أزمة ثلاثية الأبعاد: ديموغرافية، وأمنية، ودبلوماسية؛ أزمة تختبر صمود الدولة الوطنية وتكشف هشاشة البنى الاجتماعية في مواجهة ضغوط متراكمة ومتشابكة لا تُحلّ بالشعارات ولا بالترقيع الأمني.
أولاً: الواقع الإحصائي — أرقام تتكلم ووقائع تصرخ
تتباين الأرقام المتداولة حول أعداد المهاجرين الأفارقة في تونس تبايناً يعكس بحد ذاته اضطراب المشهد وتعذّر إحصائه. وفق المعطيات الرسمية لوزارة الداخلية، يقيم في تونس ما يزيد على واحد وعشرين ألف مهاجر غير نظامي من دول أفريقيا جنوب الصحراء (1)، فيما تُرجّح تقديرات منظمات المجتمع المدني أن يكون الرقم الحقيقي أعلى من ذلك بكثير (2). بل ذهبت بعض التقديرات إلى أن عدد المهاجرين غير النظاميين في مناطق صفاقس ومدنين والقصرين وحدها قد ناهز مئة ألف شخص في الفترة الممتدة بين مايو 2023 ومارس 2024 (3).
وكشف يوم دراسي نظّمه مجلس نواب الشعب مطلع عام 2025 أن منطقة العامرة وحدها تأوي أكثر من عشرين ألف مهاجر يعيشون في خيام داخل الغابات وعلى أطراف المدن (4). والمفارقة المُرّة أن ثلاثة أرباع هؤلاء لم يقصدوا تونس وجهةً، بل هي لهم محطة اضطرارية نحو الشاطئ الأوروبي (5). إنهم بالمعنى الحرفي للكلمة، ضيوف غير مرغوب فيهم، وجدوا أنفسهم سجناء بلد لم يخترونه.
ثانياً: الأسباب والجذور — لماذا تونس تحديداً؟
لا تحدث هجرة بهذا الحجم من فراغ. ثمة بنى هيكلية عميقة دفعت بالساحليين والغينيين والماليين والسودانيين إلى طريق السراب عبر الصحراء. أزمات المناخ وانهيار الزراعة في الساحل الأفريقي، والحروب الأهلية المستدامة، والفقر المتوارث جيلاً بعد جيل — كل ذلك يُغذّي هذا النزيف البشري الهائل (6).
أما لماذا تونس بالذات، فللأمر أسباب مباشرة: قرار إلغاء التأشيرة الصادر إثر مؤتمر تونس-أفريقيا عام 2013 فتح أبواباً لم يكن أحد يتوقع أن تتحول إلى هذا الحجم من التدفق. يُضاف إلى ذلك تشديد الرقابة الأوروبية على المسار الليبي، مما حوّل الخريطة وجعل الشمال التونسي وصفاقس تحديداً جسراً إلزامياً نحو لامبيدوسا. ثم تفاقمت الأزمة حين وجد عشرات الآلاف أنفسهم عاجزين عن المضي قدماً وعن العودة في آن واحد، فانحشروا في فضاء تونسي لا يستوعبهم ولا يرحّب بهم.
ثالثاً: الانفجار الاجتماعي — صفاقس مختبراً للأزمة
كانت صفاقس المدينة التي احتضنت بؤرة التوتر الأكثر حدةً. في صيف 2023، تحولت أحياؤها إلى مسرح لمواجهات عنيفة راح ضحيتها مهاجر من بنين، واعتُقل على إثرها الآلاف بشكل تعسفي، ثم دُفع بهم إلى الصحراء الليبية والجزائرية في عمليات وصفها المراقبون الدوليون بالقسرية الخارجة عن أي إطار قانوني (12). وأفادت مصادر إنسانية بأن ما لا يقل عن خمسة آلاف وخمسمئة مهاجر طُردوا إلى الحدود الليبية، وثلاثة آلاف إلى الحدود الجزائرية، ولقي أكثر من مئة حتفهم في رحلة الصحراء القاتلة (6).
ما جرى في صفاقس لا يمكن اختزاله في ردود فعل عاطفية أو نزوات عنصرية آنية. هو في جوهره أزمة دولة عاجزة عن تقديم حلول، فسقطت في فخ المقاربة الأمنية التي تعالج الأعراض وتتجاهل الداء. الشعب التونسي المثقل بأزماته الاقتصادية والاجتماعية الخاصة وجد نفسه فجأة أمام منافس على الموارد الشحيحة، وهذا التقاطع المأساوي هو ما أشعل الفتيل (8).
رابعاً: خطاب السلطة — بين الحق والمزايدة
في فبراير 2023، ألقى الرئيس قيس سعيّد خطاباً وصف فيه تدفق المهاجرين بأنه "مؤامرة إجرامية" تستهدف تغيير التركيبة الديموغرافية لتونس وطمس هويتها العربية والإسلامية (9). وكان بإمكان أي مسؤول أن يستنكر تجاوزات الهجرة غير النظامية دون أن يُلقي بخطاب بهذه الشحنة التحريضية. غير أن ما صدر تجاوز حدود السياسة المعقولة إلى ما وصفه أكثر من عشرين منظمة حقوقية تونسية بـ"خطاب الكراهية" الذي يتناقض صراحةً مع الاتفاقيات الدولية وقانون مكافحة التمييز العنصري (11).
والأكثر مرارةً أن بعض المنتقدين التونسيين أنفسهم لفتوا إلى مفارقة مُربكة: هذا الخطاب الذي يصف المهاجرين بأنهم مصدر "عنف وجرائم وممارسات غير مقبولة" (10) يكاد يكون مرآةً عربية للخطاب اليميني المتطرف الأوروبي ضد المهاجرين التونسيين هناك. إن الكيل بمكيالين ليس فقط أخلاقياً مذموماً، بل هو سياسياً انتحاري.
في المقابل، ثمة وجه آخر يستوجب الإنصاف: تونس دولة هشة اقتصادياً، وليست في وضع يؤهلها لاستيعاب موجات هجرة بهذا الحجم دون أن تنعكس سلباً على خدماتها الأساسية ومنظومتها الاجتماعية. الحق الذي لا جدال فيه أن لكل دولة حق السيادة على حدودها وضبط حركة الدخول إليها؛ لكن الفرق شاسع بين ممارسة هذا الحق بأدوات القانون والتفاوض الدبلوماسي، وبين توظيفه شعلةً للتحريض الداخلي.
خامساً: التداعيات الخارجية — عاصفة دبلوماسية في خضم الأزمة
لم تمر تصريحات سعيّد دون صدى إقليمي ودولي مدوٍّ. أصدر الاتحاد الأفريقي بياناً إدانةً وصف فيه ما جرى بـ"خطاب الكراهية العنصري"، وطالب دوله الأعضاء بالامتناع عن أي خطاب يلحق الأذى بالأشخاص (13). وتابعت سفارات أفريقية عديدة أوضاع مواطنيها بقلق بالغ (14)، وكانت ردود الفعل هذه كافية لإحراج تونس في محافلها الأفريقية في وقت تسعى فيه إلى تعزيز شراكاتها القارية.
على الجهة المقابلة، وظّف الاتحاد الأوروبي هذا الملف أداةً للابتزاز الناعم. في يوليو 2023، وُقّعت مذكرة تفاهم تعهد بموجبها الاتحاد بتقديم مساعدات مالية ضخمة مشروطة بأن تضطلع تونس بدور حارس الحدود الجنوبية لأوروبا (15). وبهذا تحولت تونس من دولة مستقلة السيادة إلى ما يشبه "الشرطي المأجور" على تخوم القارة الأوروبية — وهو دور مهين يتعارض مع كرامة دولة وطنية لها تاريخها وسيادتها.
إن هذه المعادلة في جوهرها استعمار ناعم بوجه جديد: أوروبا تدفع لتونس كي تحتجز البؤساء على أبوابها، وتونس تقبل الصفقة من باب الضرورة المالية الضاغطة. أليس هذا ما كنا نُسميه في زمن مضى "الارتهان للخارج"؟
سادساً: السياسة التونسية — أين الاستراتيجية الوطنية؟
تمكّنت الأجهزة الأمنية من تقليص نسبة التدفق نحو تونس بشكل لافت خلال عام 2024 (6)، وجرى ترحيل عشرة آلاف مهاجر غير نظامي في بداية 2025 وحده (7)، مع تنفيذ برامج عودة طوعية شملت مئات من ساحل العاج وغينيا ومالي (8). غير أن هذه الإجراءات العملياتية لا ترقى إلى مستوى استراتيجية وطنية متكاملة تعالج البعد الإنساني جنباً إلى جنب مع البعد الأمني.
ثمة مفارقة صارخة: الدولة ذاتها التي أعلنت خطاباً تصعيدياً ضد المهاجرين سارعت لاحقاً إلى إعلان جملة من الإجراءات التحسينية لصالحهم، منها تسليم بطاقات إقامة سنوية للطلاب الأفارقة وتمديد وصولات الإقامة وإعفاء المهاجرين من غرامات التأخير (18). هذا التضارب بين الخطاب والممارسة يعكس غياب الرؤية الاستراتيجية وهشاشة القرار السياسي في ملف بالغ الحساسية.
خاتمة: تونس أمام مرآة الحقيقة
تقف تونس اليوم أمام ثلاثة أسئلة مصيرية تستدعي إجابات مدروسة بعيدة عن الشعبوية والارتجال: كيف تحمي سيادتها وحدودها دون أن تتحول إلى شرطي أوروبي على حساب كرامتها؟ وكيف تتعامل مع وجود آلاف البشر على أرضها دون انتهاك حقوقهم الأساسية؟ وكيف تحوّل هذه الأزمة من عبء ثقيل إلى ورقة تفاوضية تُسهم في صون مصالحها الوطنية؟
الملف الأفريقي ليس بنيةً تحتيةً تُعالَج بقرارات ترحيل ومخيمات ترقيعية. هو في عمقه امتداد لأزمة أعمق تتعلق بفلسفة الدولة وعلاقتها بمحيطها الأفريقي والمتوسطي. تونس التي تفخر بعروبتها وإسلامها وتنتمي إلى الفضاء الأفريقي بحكم الجغرافيا والتاريخ، عليها أن تبني سياسة هجرة ترتكز على القانون والكرامة الإنسانية (19)، لا على ردود الفعل الانفعالية التي تُرضي الجموع مؤقتاً وتفتح جراحاً دبلوماسية لا تُوصف.
إن خلاص تونس من هذه الورطة لن يأتي من مزيد من أسلاك الشائك على الحدود، بل من إعادة بناء شراكات أفريقية حقيقية وازنة تُعيد للدولة الوطنية هيبتها ولمواطنيها أمنهم وكرامتهم. وهذا بالضبط ما دأب الفكر التقدمي القومي على الدعوة إليه: أن تكون لنا سياسة وليس مجرد ردة فعل، وأن يكون لنا موقف وليس مجرد مزاج (20).
الهوامش والمراجع
(1) وزارة الداخلية التونسية، إحصائيات الأجانب المقيمين بتونس، 2024.
(2) المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، "دراسة ميدانية حول وضع المهاجرين في تونس"، يوليو 2024.
(3) موقع ميزان للإعلام، "كم تبلغ أعداد المهاجرين من دول أفريقيا جنوب الصحراء في تونس؟"، 25 يوليو 2024.
(4) مجلس نواب الشعب التونسي، اليوم الدراسي بشأن الهجرة غير النظامية، يناير 2025.
(5) صحيفة الصباح التونسية، "30 ألف مهاجر من إفريقيا جنوب الصحراء حاولوا التسلل إلى تونس"، 2024.
(6) مركز كارنيغي للشرق الأوسط، "تحوّل تونس إلى مركز عبور: الهجرة غير الشرعية ومعضلة السياسات"، مارس 2024، متاح على: carnegieendowment.org
(7) الجزيرة نت، "تونس رحّلت 10 آلاف مهاجر في 2025 وتتعهد بعدم التحول لمنطقة عبور"، 4 نوفمبر 2025.
(8) وكالة الأناضول، "أوضاع المهاجرين الأفارقة في تونس.. حقيقة أم افتراء؟"، 2023.
(9) رئاسة الجمهورية التونسية، بيان مجلس الأمن القومي، 21 فبراير 2023.
(10) موقع عرب ترند، "سعيّد يعتبر تدفق المهاجرين الأفارقة مؤامرة"، 22 فبراير 2023.
(11) الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان وأكثر من 20 منظمة، بيان مشترك، فبراير 2023.
(12) مركز كارنيغي للشرق الأوسط، المرجع السابق.
(13) الجزيرة نت، "الاتحاد الأفريقي يدين تصريحات سعيّد بشأن المهاجرين"، 25 فبراير 2023.
(14) سفارة مالي في تونس، بيان رسمي، فبراير 2023.
(15) السويس إنفو، "تونس تفكك مخيمات لآلاف المهاجرين"، 5 أبريل 2025.
(16) الجزيرة نت، المرجع السابق، نوفمبر 2025.
(17) مركز كارنيغي، المرجع السابق.
(18) الجزيرة مباشر، "تونس تعلن إجراءات لصالح المهاجرين من دول أفريقيا جنوب الصحراء"، 6 مارس 2023.
(19) المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، المرجع السابق.
(20) الناصر خشيني، "فتاوى تقدمية"، منشورات الحرية أولاً، 2020.

الأربعاء، 10 يونيو 2026

توظيف الدين وتزوير التراث: قراءة نقدية في ظاهرة الفتوى السلطانية بقلم الناصر خشيني





مدخل: التراث بين التقديس والنقد

حين نُقبل على التراث الفكري والديني الذي خلّفه لنا الأوائل، تستوقفنا ظاهرة لافتة تتمثل في اختلاط الجيّد بالرديء، والثابت بالمتحوّل، والديني بالبشري اختلاطًا بالغ العمق، جعل من عملية الغربلة والتمييز مهمةً شاقةً ومحفوفةً بمزالق الرفض المجتمعي، إذ تراكمت على هذا التراث طبقات من التقديس حتى كاد المساسُ به يُعدّ ضربًا من الكفر في أذهان كثيرين


.

ولا ريب أن الحضارة الإسلامية في أوج عطائها أبدعت في شتى ضروب المعرفة من تفسير وفقه وكلام وتصوف وعمارة وأدب، بيد أن هذا الإبداع – بطبيعته – صنيعُ بشر في زمان ومكان بعينهما، لا ينبغي أن يُرفع إلى مرتبة المقدّس كما نزل الوحي القرآني.(1)

وقد زاد الطينَ بِلَّةً أن استغلّ المتاجرون بالدين هذا التقديسَ ذريعةً لصون مكانتهم وامتيازاتهم، وأضحى من يجرؤ على المساءلة والنقد عُرضةً لحملات التكفير والتشهير. غير أن الواقع يُلزمنا – بحكم العقل والمسؤولية تجاه الأجيال القادمة – بتجاوز هذا الجمود، والانطلاق من الوحي الإلهي الثابت قرآنًا كريمًا نحو ثقافة دينية رشيدة تُحكّم العقل وتُصوّب المسار.

أولاً: ظاهرة الفتوى السياسية وتشوُّه مؤسسة الإفتاء

الأصل الشرعي في الفتوى أنها تنبثق من نص قرآني أو سنة نبوية ثابتة، ثم يأتي بعدها اجتهاد الفقهاء ضمن ضوابط أصول الفقه المعروفة. وقد أكد القرآن الكريم هذا المنهج بقوله تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا} (الحشر: 7)، وقوله: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} (النساء: 59).(2)

بيد أن هذا الأصل بات مخترَقًا في عالمنا العربي المعاصر، إذ تحوّلت مؤسسات الإفتاء في غير دولة إلى أدوات في خدمة السلطة السياسية، تُبرّر للحكام ما يشاؤون وتُسبغ على قراراتهم قداسةً زائفة. وقد رصد ابن حزم في كتابه "الإحكام في أصول الأحكام" مراحل تطور الإفتاء منذ عهد الصحابة والتابعين، ذلك الإفتاء الذي كان حرًّا مستقلاً قبل أن تبتلعه الأجهزة الرسمية المُسيَّسة.

وفي هذا السياق تبرز ظاهرة يوسف القرضاوي الذي منحته دويلة قطر – بثروتها النفطية الهائلة وآلتها الإعلامية المتمثلة في قناة الجزيرة – منبرًا واسعًا، فأصدر فتاوى تنسجم مع السياسة القطرية الرامية إلى تفتيت الوحدة العربية وإذكاء نار الفتنة الداخلية، في حين غابت عن فتاواه الدعوةُ إلى الجهاد في فلسطين المحتلة، ولم يصدر عنه ما يُلزم الأمة بمواجهة الاحتلال الصهيوني.(3)

ثانياً: النموذج السعودي والتوظيف الوهابي للإفتاء

أسّست المملكة العربية السعودية هيئة الإفتاء العامة ورابطة العالم الإسلامي – ومقرها مكة المكرمة توظيفًا للمكانة الرمزية – لا انطلاقًا من إرث علمي راسخ كالأزهر أو الزيتونة، بل خدمةً لأجندة سياسية ترتكز على نشر المذهب الوهابي بديلاً عن الإسلام الحق.(4)

ويتجلّى هذا التوظيف في وقوف الرياض إلى جانب نظام الإمام البدر الرجعي في مواجهة مصر عبد الناصر إبان الحرب اليمنية، وهو ما استنزف الطاقة المصرية وأسهم في إضعافها قبيل نكسة 1967. كما يظهر هذا التوظيف في تبرير الوجود العسكري الأجنبي، والصمت المريب حيال القضية الفلسطينية، بينما تُصدَّر الفتاوى التي تُحرّض على الاقتتال الداخلي بين العرب والمسلمين.

وقد تجلّت هشاشة هذا النموذج حين رأينا كيف أن بعض حكام الخليج – وهم مرجعيةُ هذه الفتاوى – يُخطئون في قراءة النصوص المكتوبة بأبسط الأساليب، ومع ذلك يُمجّدهم فقهاء السلطان ويُلبسونهم هالة القداسة الدينية تحت ذريعة طاعة أولي الأمر، متناسين قوله تعالى: {قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ} (التوبة: 24).(5)

ثالثاً: تونس ما بعد الثورة وفوضى الإفتاء

لم تسلم تونس من هذه الآفة، إذ شهدت مرحلة ما بعد 2011 تسرُّبَ أصوات إفتائية لا تستند إلى رصيد علمي معتبر؛ فبدلاً من أن تتصدر الساحةَ الكفاءاتُ المؤهَّلة من خريجي الزيتونة وأصحاب الاختصاص، برزت وجوه لا صلة لها بالعلم الشرعي تُصدر "فتاوى" حول تحريم سفر المرأة دون محرم، أو تحريم عصيدة الزقوقو في المولد النبوي، أو تعدد الزوجات في مجتمع تُنهكه البطالة والتهميش، في حين غابت عن هؤلاء القضايا الجوهرية للشعب.

وفي هذا يمكن القول إن الثورة التونسية جرى توظيفها لإفراغ مطالبها الحقيقية من مضمونها، وذلك بإشغال المجتمع بنقاشات فقهية هامشية بدلاً من التركيز على بناء دولة المواطنة وتحقيق العدالة الاجتماعية.(6)

رابعاً: الفتوى السلطانية في التاريخ الإسلامي

ليس توظيف الدين لخدمة السلطة أمرًا مستحدثًا، فقد ضرب بجذوره في أعماق التاريخ الإسلامي منذ الفتنة الكبرى، حين انحاز بعض الصحابة – كعمرو بن العاص وأبي هريرة – إلى معاوية بن أبي سفيان في مواجهة علي بن أبي طالب، فتحوّل الخلاف السياسي إلى خلاف ديني مُقوْلَب، بل وصل الأمر إلى تبادل التهم بين من كانوا في صف واحد، كما جرى بين علي وعبد الله بن عباس والي البصرة.(7)

ثم جاءت الفرق الكلامية والسياسية التي ادّعت كل منها امتلاك الحقيقة الدينية الكاملة، ووظّفت الدين لإقصاء خصومها وتكفير منافسيها، وكانت المحصّلة سنواتٍ من الاقتتال والانقسام أضرّت بالأمة أيّما ضرر.

في المقابل، وقف الأئمة الأربعة الكبار – أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد – موقفًا مشرّفًا من سلطة الحكام، فرفضوا أن يكونوا مُفتين للسلطان، وتعرّضوا لذلك للسجن والتعذيب والمضايقة، مما أكسبهم ثقةَ الأمة ومنح تراثهم الفقهي استمرارًا وحضورًا عبر القرون.(8)

خامساً: الإيجابي والسلبي في موروثنا الحضاري

ثمة ضرورة منهجية للتمييز بين مستويين في تراثنا: مستوى الوحي الإلهي الثابت المتمثل في القرآن الكريم، ومستوى الاجتهاد البشري الذي أفرز علوم التفسير والحديث والفقه وأصوله والكلام والتصوف والفنون المعمارية وآداب اللغة. فالثاني – مهما بلغ من الإتقان – يبقى صنيع عقول بشرية تأثّرت بظروف زمانها ومكانها، وليس في رُقيِّه ومكانته ما يُبيح تقديسه أو الدفاع عنه بمنطق القداسة.

وقد فعلت الحضارات الكبرى ما لم نفعله نحن؛ فالغرب انطلق من الإرث اليوناني والروماني، انتقى منه، وبنى عليه، وتجاوزه في آنٍ واحد، دون أن يُقدّسه أو يتوقف عند حدوده. أما نحن فقد آثرنا في أغلب الأحيان أن نعيش على أطلال الماضي رافضين أي تجديد، متذرّعين بمقولة "ليس في الإمكان أبدع مما كان".(9)

ومن أبرز الإشكاليات التي ينبغي معالجتها في هذا السياق:

في العقيدة: اشتاع لدى الناس التوجّه بالدعاء وطلب البركة من الأولياء وتقديم النذور لهم وإقامة المهرجانات في أضرحتهم، وهو سلوك يُفضي حتمًا إلى الشرك بالله، بعد أن أكد القرآن الكريم في آيات عديدة أنه لا واسطة بين العبد وربّه. ولا يختلف عن هذا ما ذهب إليه الشيعة من جعل الإمامة جزءًا من العقيدة، وهو ما يُصادر حق الأمة في اختيار حكامها ومحاسبتهم.

في العبادات: كثيرًا ما يُقدَّم المسنون والمندوبون على الواجبات، كمن يُنفق أموالاً طائلة على احتفالات الختان ثم يتخلّى عن أداء فريضة الحج، أو من تحفل موائده في رمضان بصنوف الطعام في حين يغيب الجوهر وهو إحياء روح العبادة.

في العادات والتقاليد: أضحت مناسبات الزواج والوفاة ساحةً لإهدار الأموال في احتفالات مُترفة لا صلة لها بالدين، بل تُثقل كاهل المجتمع وتحصر الزواج في أصحاب اليسار، مما يُفضي إلى تفشّي الفساد الاجتماعي.(10)

سادساً: الكلفة البشرية للفتاوى السياسية

إن الأثر التدميري للفتاوى السياسية لا يقتصر على المجال الفكري والثقافي، بل يمتد إلى الدماء المُراقة والأرواح المُزهَقة؛ فقد أودت فتاوى سياسية بأرواح ما يزيد على مئة وخمسين ألف مسلم في ليبيا، ومليون ونصف المليون في العراق، وتجاوز عدد ضحايا الفتاوى الحارضة على الاقتتال في سوريا نصف مليون روح، فضلاً عن آلاف آخرين في أفغانستان.(11)

وعلى المقابل الآخر، لم تصدر فتوى واحدة معتبرة تُلزم الأمة بالجهاد لتحرير فلسطين من الاحتلال الصهيوني، ولم يُصدر مُفتو السلطان أي موقف مما تتعرّض له القدس من تهويد ممنهج. وهذا الصمت المدوّي أمام القضية المركزية للأمة يفضح التناقض الصارخ في أولويات هؤلاء الفقهاء الذين يتقاضون ثروات طائلة ثمنًا لفتاواهم.

وفي هذا يُذكّرنا القرآن الكريم بالتجارة الحقيقية فيقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} (الصف: 10-11).(12)

خاتمة: نحو فقه تحرّري يُعلي قيمة الأمة

إن المشهد العام الذي رصده هذا المقال من فتاوى سلطانية ومتاجرة بالدين وتقديس للتراث البشري، لا يعني أن الساحة خلت من العلماء الربانيين الذين يجهرون بالحق ولا يخشون في الله لومة لائم. فلا يزال بين ظهرانينا مشايخ كرام يرفعون راية الحق ويعرّون المزوّرين والانتهازيين، وهذا في حد ذاته بشارة بالخير.

غير أن هذا لا يُعفينا من المضي قُدُمًا في مشروع النقد العلمي والمراجعة الحضارية الشاملة، إذ الواجب يقتضي منا:

أولاً: التمييز الصارم بين الوحي الإلهي الثابت في القرآن الكريم، وبين الاجتهادات البشرية القابلة للنقد والمراجعة في ضوء العلم ومقاصد الشريعة.

ثانياً: تجفيف منابع الفتوى السياسية بفصل المؤسسات الدينية عن السلطة السياسية وعن الثروة النفطية الخليجية.

ثالثاً: استعادة الأمة حقها في المحاسبة والمراقبة وإدارة شؤونها بعيدًا عن ذريعة التفويض الإلهي للحكام.

رابعاً: تربية الشباب العربي على منهج التفكير النقدي والتمحيص قبل الاتباع، وتحصينهم من أن يكونوا وقودًا لحروب تخدم مصالح الممولين لا مصالح الأمة.(13)

وإننا لنستحضر ههنا مسيرة علماء الأمة الصادقين عبر التاريخ ممن آثروا السجن والتعذيب على ذل الخضوع للحاكم، لعلّ في ذكراهم استلهامًا للهمة وتجديدًا للعزيمة في مواجهة هذه المحنة التي تعصف بأمتنا.

المصادر والمراجع

(1) ابن خلدون، عبد الرحمن، المقدمة، دار الفكر، بيروت، ط3، 2000، ص 444 وما بعدها.

(2) القرآن الكريم، سورة الحشر، الآية 7؛ وسورة النساء، الآية 59.

(3) الجزيرة نت، ملف يوسف القرضاوي والتحولات السياسية في منطقة الربيع العربي، www.aljazeera.net، تاريخ الاطلاع: 2018.

(4) حمادي الموسوي، الوهابية من الدعوة إلى الهيمنة، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ط1، 2010، ص 88-120.

(5) القرآن الكريم، سورة التوبة، الآية 24.

(6) برهان غليون، اغتيال العقل: محنة الثقافة العربية بين السلفية والتبعية، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط4، 2004، ص 201-230.

(7) الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الرسل والملوك، دار التراث، بيروت، ج5، ص 63-78.

(8) ابن حزم الأندلسي، علي، الإحكام في أصول الأحكام، دار الحديث، القاهرة، ج5، ص 89 وما بعدها.

(9) الجابري، محمد عابد، نقد العقل العربي: تكوين العقل العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ط8، 2009، ص 15-47.

(10) الغزالي، محمد، السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث، دار الشروق، القاهرة، ط6، 1999، ص 33-55.

(11) منظمة هيومن رايتس ووتش، تقارير حالة حقوق الإنسان في العراق وليبيا وسوريا، 2013-2017، www.hrw.org.

(12) القرآن الكريم، سورة الصف، الآيتان 10-11.

(13) غليون، برهان، المسألة الطائفية ومشكلة الأقليات، دار الطليعة، بيروت، ط2، 1992، ص 44-67.

الثلاثاء، 9 يونيو 2026

جدل الإنسان: منهج لثورة الوعي وتغيير الواقع بقلم: الناصر خشيني


   ان البحث في حركة التاريخ وقوانين تطور المجتمعات يضعنا دائماً أمام مواجهة فكرية مع النظريات الجبرية التي حاولت سلب الإنسان إرادته وفاعليته. ومن هنا، يبرز مشروع المفكر العروبي الراحل الدكتور عصمت سيف الدولة كواحد من أهم المشاريع الفكرية التي أعادت صياغة مفهوم "الجدل" ليكون إنسانياً خالصاً، وهو ما نلتقي معه في رؤيتنا المنهجية التي تسعى لتحويل الأفكار والقيم إلى طاقة عمل ملموسة قادرة على النهوض بالواقع وتحرير الذات العربية.
أولاً: تهافت الجبريات ومركزية الإنسان
لقد تأسست المناهج الفلسفية التقليدية على قطبين عاجزين عن تفسير التحرر الإنساني الكامل:
  1. الجدلية المثالية (الهيجلية): التي أعادت التطور الاجتماعي إلى الفكر المجرد المطلق، وجعلت الإنسان مجرد أداة لتجسيد هذا الفكر.
  2. الجدلية المادية (الماركسية): التي جعلت المادة هي الأصل والمحرك الأساسي للتاريخ، فسقطت في فخ الحتمية الاقتصادية والجبرية المادية التي تلغي دور الإرادة الحرة.
في مقابل ذلك، جاء منهج "جدل الإنسان" ليعلن أن الإنسان ليس نتاجاً سلبياً للمادة ولا مجرد صدى لفكر مجرد، بل هو الصانع الحقيقي للتاريخ والمحور الأساسي والغاية الأسمى لكل تطور اجتماعي.
ثانياً: التأصيل القرآني لجدل الإنسان
إن ما طرحه عصمت سيف الدولة كقاعدة لنظرية الثورة العربية، يجد امتداده الطبيعي والتأصيلي في القراءة الواعية للقرآن الكريم. فالقرآن قد كرم الإنسان وجعله الكائن الجدلي الوحيد المكلف بالخلافة وإعمار الأرض، كما جاء في محكم التنزيل: {وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا} (الكهف: 54).
هذا الجدل القرآني ليس مجرد ترف فكري أو حذلقة لغوية، بل هو حقيقة تكوينية تقوم على:
  • الجدل الفردي: وهو الصراع الداخلي الدائم في ذات الإنسان بين قيم الخير والشر، والسمو والانحطاط، والوعي والجهل، وهو أساس تشكّل الإرادة الحرة وتزكية النفس.
  • الجدل الاجتماعي: وهو حركة التفاعل والتضاد بين الإرادات الفردية داخل المجتمع، والتي يتولد عنها قانون تطور المجتمعات وسعيها الدائم نحو الحرية والعدالة والاشتراكية بمفهومها الإنساني.
ثالثاً: الحرية أولاً والجدل كمنهج عملي
لقد برهن عصمت سيف الدولة في كتابه العمدة "أسس الاشتراكية العربية" على أن تقدم الإنسان لا يسير على وتيرة واحدة؛ فبفضل الوعي والحرية أصبح الإنسان يحل في شهور معدودة ما كان يعجز عن حله في قرون طويلة. ولذلك، فإن "جدل الإنسان" ليس مجرد مقولة فلسفية تُدرس في قاعات الجامعات، بل هو منهج عملي لتغيير الواقع.
إن القيمة الحقيقية لهذا المنهج تكمن في قدرته على تحويل القيم الأخلاقية والنظرية إلى "طاقة عملية ملموسة" تفكك قيود الاستبداد والتبعية. فلا يمكن بناء مجتمع حر بأفراد مسلوبي الإرادة، ومن هنا كانت "الحرية أولاً" هي المبتدأ والمنتهى.
خاتمة
إن دمج الرؤية الفلسفية لـ "جدل الإنسان" بوعينا الرسالي والقرآني يمنح الأمة دليلاً نظرياً حاسماً لخوض معركة التحرر. إننا لا نواجه الواقع بالاستسلام للحتميات، بل بالمراهنة على وعي الإنسان وقدرته على الفعل والتغيير، مستندين إلى حقيقة أن الإنسان كائن جدلي، حر، ومسؤول عن صياغة مصيره وصناعة تاريخه.

 

الاثنين، 8 يونيو 2026

درس في الكرامة وفك الحصار من تاريخنا (قراءة متجددة في زمن الطوفان بقلم الناصر خشيني


 حين كتبتُ قبل سنوات مقالي "درس في الكرامة وفك الحصار من تاريخنا"، كنتُ أنطلق من إيمانٍ راسخ بأن الحصار المفروض على أهلنا في غزة ليس مجرد تدبير تقني أو جدار إسمنتي وأسلاك شائكة تُضرب حول بقعة جغرافية، بل هو في جوهره معركة إرادات واختبار وجودي لمفهوم الكرامة الإنسانية والسياسية لأمتنا العربية والإسلامية. واليوم، ونحن نعيش فصول ملحمة تاريخية غير مسبوقة، أجد نفسي مدفوعاً لإعادة قراءة ذلك النص واستحضار أبعاده، فالدم النازف والفعل المقاوم الأسطوري يعيدان اليوم صياغة هذا الدرس التاريخي، لينتقلا بالأمة من حيز "الدفاع عن النفس" إلى مرحلة "فرض المعادلات وصناعة السيادة".

إن الواقع الراهن قد تجاوز كل الخطوط الحمراء والشرائع الدولية؛ فلم يعد الحصار مجرد منع للإعمار والوقود والمواد الأساسية كما كان في العقود الماضية، بل إننا نعيش اليوم فصلاً مرعباً من "حرب الإبادة الجماعية"، حيث تحول التجويع الممنهج، ومنع حبة القمح وقطرة الماء الروية، ودك المستشفيات إلى سلاح عسكري مباشر ومقصود. هذا التحول البنيوي في عقلية الاحتلال الغاشم لم يعد يستهدف الضغط على الإرادة السياسية للمقاومة فحسب، بل يهدف بوضوح واعتراف علني إلى تهجير الإنسان واقتلاعه من أرضه، وتصفية القضية الفلسطينية برمتها وسط تواطؤ دولي مخزٍ وعجز إقليمي فاضح.
وفي مقارنتي التاريخية التي تمسكتُ بها، ستبقى "غزوة بدر الكبرى" الشاهد والمبرهن الأزلي على أن قلة العدد وشُح العتاد لم يكونا يوماً عائقاً أمام انتزاع النصر وفك طوق الاستضعاف، شريطة توفر القرار الشجاع والإرادة المستقلة والتوكل الصادق. واليوم، يتجسد هذا الإسقاط التاريخي في أبهى وأعقد صوره؛ فغزة التي عُزلت عن العالم وخُنقت برّاً وبحراً وجوّاً لأكثر من عقدين، لم تقف نادبة حظها على أعتاب المساعدات العسكرية الإقليمية التي لم تأتِ. بدلاً من ذلك، حفرت المقاومة في الصخر، وعجنت الركام، وأعادت تدوير مخلفات القذائف لتصنع ترسانتها المعقدة محلياً تحت الأرض. إن "معجزة التصنيع الذاتي" داخل الأنفاق هي الامتداد المعاصر لروح معركة بدر، حيث تحولت القلة المستضعفة إلى قوة اشتباك تفرض شروطها وتجابه أحدث الترسانات التكنولوجية في العالم.
وهنا، لا بد لي أن أجدد نقدي اللاذع والعميق للأنظمة الرسمية العربية، فالأمر اليوم تجاوز مجرد "التقصير" في إرسال قوافل إغاثية، بل تحول إلى عجز بنيوي مخزٍ، تقف فيه عواصم كبرى عاجزة عن فرض إدخال شاحنة طحين أو تأمين ممر إنساني لإنقاذ الأطفال من الموت جوعاً أمام شاشات البث المباشر. هذا الصمت الرسمي يعكس فجوة سحيقة بين وجدان جماهير الأمة وعواصم قرارها، ويؤكد أن الحصار المفروض على غزة هو في الوقت ذاته حصار مضروب على الإرادة السياسية العربية الرسمية المكبلة بتبعيّتها.
ومع ذلك، فإن هذا الحصار والخذلان قابله التفاف وتلاحم شعبي عارم أعاد الروح إلى الجسد العربي المنهك. وهنا نستحضر بفخر الدور التاريخي والمبدئي للشعوب المغاربية وفي مقدمتها شعبنا العربي في تونس؛ هذا الشعب الذي لم يتأخر يوماً عن نصرة الحق الفلسطيني، فانتفضت شوارعه وساحاته، وتوحدت قواه النقابية والطلابية والمدنية في هبة مستمرة ترفض التطبيع وتجعل من قضية فلسطين قضية وطنية تونسية بامتياز. إن هذا الموقف الشعبي المتأصل يعكس عمق الرابطة القومية والإسلامية، ويثبت أن نبض الجماهير في تونس والمغرب العربي يرفض الامتثال لسياسات الأمر الواقع، ويصر على أن يكون شريكاً في معركة فك الحصار وإسقاط الإبادة.
ومثلما تحرك الشارع المغاربي، حدث تحول جوهري على الصعيد الشعبي العالمي. فإذا كنتُ قد أشدتُ سابقاً بقوافل كسر الحصار التضامنية القديمة، فإننا اليوم نشهد طوفاناً شعبيّاً عالميّاً تجاوز المساعدات الرمزية إلى حراك بنيوي: انتفاضة عارمة في كبرى الجامعات الأمريكية والأوروبية (مثل كولومبيا، والهارفارد، والسوربون)، ومقاطعة اقتصادية شاملة ألحقت خسائر فادحة بالشركات الداعمة للاحتلال، وملاحقة قانونية تاريخية على منصات محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية، مما أسقط ورقة التوت الأخلاقية عن المنظومة الاستعمارية وحلفائها.
لذا، فإنني أتوجه من هنا بصرخة واستنهاض مباشر إلى النخب الفكرية والسياسية والوعي الثقافي في أمتنا العربية: إن دوركم اليوم لا يمكن أن يقف عند حدود التوصيف أو البكاء على الأطلال الإنسانية، أو الانكفاء على التنظير البارد خلف الشاشات. إن النخب مطالبة اليوم بقيادة معركة الوعي، وتفكيك السرديات الانهزامية، وبناء جبهة ثقافية وسياسية صلبة ترفض التبعية وتدعم خيار المقاومة والاعتماد على الذات كممر إجباري وحيد للتحرر. إن سقوط المفاهيم والقيم الغربية تحت أقدام أطفال غزة يفرض عليكم صياغة مشروع نهضوي عربي جديد يستمد قوته من كرامة شعبه وعمق تاريخه، لا من فتات الموائد الدولية.
ختاماً، إن الدرس الأكبر والأعمق الذي أردتُ تأكيده وأعيده اليوم بقوة، هو أن كسر الحصار ليس مطلباً إنسانيّاً يُستجدى على أعتاب المنظمات الدولية أو بالاعتماد على "حسن نوايا" المجتمع الدولي. إن كسر الحصار هو معركة سياسية وعسكرية لانتزاع الحرية والسيادة كاملة. لقد أثبتت هذه الملحمة المستمرة أن الكرامة لا تُوهب بل تُنتزع، وأن الرهان على الضمير الرسمي العالمي هو رهان خاسر وصفري. النصر والتحرير يصنعهما الصمود الأسطوري الحاضن للمقاومة على الأرض، والتلاحم الشعبي العابر للقارات، والإيمان اليقيني بأن إرادة الشعوب الحرة، متى ما تسلحت بالاعتماد على ذاتها، هي أعتى وأبقى من كل ترسانات الإبادة والخراب.

الأحد، 7 يونيو 2026

قطاع الفوسفات في تونس بعد 2011: من ريادة الإنتاج إلى متاهات الأزمة الهيكلية ​بقلم: الناصر خشيني

 



​يعتبر قطاع الفوسفات في تونس أكثر من مجرد نشاط منجمي؛ إنه الشريان الحيوي للاقتصاد الوطني والعمود الفقري للتنمية في مناطق الحوض المنجمي. إلا أن هذا القطاع دخل منذ عام 2011 في نفق مظلم من الأزمات المتراكمة التي مست مفاصل الإنتاج والتسويق والإدارة، مما حوله من قاطرة للنمو إلى عبء تقني ومالي يتطلب وقفة تحليلية جادة لفهم مكامن الخلل وسبل الاستشراف المستقبلي.
​أولاً: أزمة الإنتاج.. بين المطلب الاجتماعي والتعطل التقني
​لقد تراجع حجم الإنتاج الوطني من الفوسفات الخام بشكل حاد، حيث انحدر من سقف 8 مليون طن في سنة 2010 إلى مستويات لا تتجاوز 4 مليون طن في أفضل الحالات خلال العقد الأخير. هذا التقهقر يعود بالأساس إلى:
​الاحتقان الاجتماعي: تحول الحوض المنجمي إلى ساحة للاحتجاجات المستمرة والاعتصامات المطالبة بالتنمية والتشغيل، وهو ما أدى إلى توقف متكرر لمحركات الإنتاج في المغاسل والمناجم.
​معضلة اللوجستيك والنقل: تعاني منظومة نقل الفوسفات عبر السكك الحديدية من تهالك شديد، مما دفع نحو الاعتماد على الشاحنات الخاصة، وهو حل مكلف أدى إلى تضخم تكاليف الإنتاج وضرب نجاعة العملية اللوجستية.
​تقادم المعدات: غياب الرؤية الاستثمارية لتحديث الآليات ووسائل الاستخراج جعل المردودية الفنية لشركة فسفاط قفصة في تراجع مستمر أمام المنافسين الدوليين.
​ثانياً: التسويق وفقدان السمعة الدولية
​تسببت حالة عدم الاستقرار في الإمدادات في ضرب "صورة" تونس كشريك تجاري موثوق. فبعد أن كانت تونس من بين الخمسة الكبار عالمياً، وجدت نفسها تخسر أسواقاً استراتيجية (مثل الهند والبرازيل) لصالح منافسين إقليميين ودوليين استثمروا في الفراغ التونسي. والأدهى من ذلك، هو اضطرار المجمع الكيميائي في بعض الفترات لاستيراد الفوسفات من الخارج لضمان استمرارية إنتاج الأسمدة، وهو ما يمثل مفارقة اقتصادية مؤلمة تستنزف احتياطي العملة الصعبة.
​ثالثاً: الإدارة والحوكمة.. ضغوط التوازنات المالية
​من الناحية الإدارية، واجه القطاع منذ 2011 ضغوطاً سياسية واجتماعية هائلة أدت إلى:
​تضخم الكلفة الأجرية: إدماج آلاف العمال في شركات البيئة والبستنة دون وجود دورة إنتاجية فعلية واضحة، مما أثقل موازنة شركة فسفاط قفصة والمجمع الكيميائي.
​البيروقراطية وغياب الاستقرار: تعاقب الإدارات حال دون تنفيذ استراتيجية إصلاح شاملة بعيدة المدى، حيث طغت الحلول "الترقيعية" لمواجهة الأزمات اللحظية على حساب التخطيط الاستراتيجي.
​رابعاً: التحدي البيئي والمائي
​لا يمكن فصل أزمة الفوسفات عن محيطها البيئي؛ فاستنزاف الموارد المائية في عمليات الغسل بجهة قفصة، وتفاقم مشكلة التلوث بالـ "فوسفوجيبس" في خليج قابس، يضع الدولة أمام تحدي الموازنة بين ضرورة الإقلاع الاقتصادي وبين الحق الدستوري في بيئة سليمة ومستدامة.
​خاتمة واستشراف
​إن إنقاذ قطاع الفوسفات يتطلب إرادة سياسية تتجاوز المعالجة الأمنية والاجتماعية نحو رؤية اقتصادية شاملة، تبدأ بتطوير البنية التحتية للسكك الحديدية، وتحديث وسائل الإنتاج، وصولاً إلى صلح حقيقي مع أهالي المناطق المنجمية يضمن توزيعاً عادلاً للثروة والتنمية. إن استعادة تونس لمكانتها العالمية ليست مستحيلة، لكنها تمر حتماً عبر بوابة الحوكمة الرشيدة والشفافية.
​المراجع:
​تقارير وزارة الصناعة والمناجم والطاقة التونسية (2011-2024).
​التقارير السنوية لشركة فسفاط قفصة والمجمع الكيميائي التونسي.
​دراسات المعهد التونسي للدراسات الاستراتيجية حول قطاع الطاقة والمناجم.
​تقارير المنظمات الدولية (البنك الدولي والاتحاد الأوروبي) حول الاقتصاد التونسي.
​متابعات صحفية وتقارير ميدانية من الحوض المنجمي وقابس

هدنةٌ بلا ضمير: لبنان يُقتَل والسلطة تُفاوض الناصر خشيني — باحث وكاتب سياسي، نابل، تونس



مدخل

في التاريخ الحديث، لم تكن الهدنات دائماً عقوداً للسلام، بل كانت في أحيان كثيرة أقنعةً لمواصلة الحرب بأدوات أخرى. ما يجري في لبنان اليوم يُجسّد هذه المعادلة بصورتها الأكثر فجاجةً وسخرية: هدنةٌ تُعلنها واشنطن، وإسرائيل تُمارس إجرامها تحت مظلّتها، والعالمان العربي والإسلامي ينامان في سُبات عميق، فيما السلطة اللبنانية الرسمية تُفاوض القاتل وتنبري لمعاداة المقاوم. إنّها مشهديّة العصر الذي فقدت فيه الكلمات معناها، وحين أصبح الصمت فضيلةً سياسية والتفاوض مع العدو شجاعةً دبلوماسية.

أولاً: هدنةٌ بالاسم، حرب في الجوهر

في السادس عشر من أبريل 2026، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن هدنة مؤقتة بين إسرائيل ولبنان لمدة عشرة أيام، تلتها محادثات مباشرة رعتها واشنطن. وفي السادس عشر من مايو، جرى تمديد وقف إطلاق النار خمسة وأربعين يوماً إضافية، في خطوة أُعلن معها فتح مسار أمني وسياسي برعاية أمريكية صريحة.[1] غير أنّ هذه الهدنة لم تُوقف النزيف اللبناني؛ فمنذ دخولها حيز التنفيذ في السابع عشر من أبريل، استمرت الغارات الإسرائيلية على الجنوب وبيروت وأحياء مدنية، وتجاوز عدد القتلى في صفوف اللبنانيين منذ اندلاع هذه الجولة من المواجهة حاجز الألفين وتسعمائة شخص، من بينهم أكثر من أربعمائة سقطوا بعد إعلان الهدنة ذاتها.[2]

هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات؛ إنّها فضح موثّق لطبيعة الهدنة الإسرائيلية التي صُمّمت من البداية لخدمة مصالح القاتل لا لحماية الضحية. ففي حين تحتفظ قوات الاحتلال بمواقعها في جنوب لبنان[3]، ويُصرّح نتنياهو بأنّ الحرب ضد حزب الله لم تنته[4]، تواصل الطائرات الحربية اختراق الأجواء اللبنانية وتدمير البنية التحتية. الهدنة في هذا السياق ليست سوى غطاء دبلوماسي يُتيح لإسرائيل إعادة ترتيب أوراقها، واستثمار وقت المفاوضات لتعميق التوغل والإحكام على المناطق المحتلة.

ثانياً: صمتٌ عربي وإسلامي لا يختلف عن التواطؤ

منذ بدء الحرب على لبنان، غابت الجامعة العربية عن المشهد غياباً يكاد يكون مُطبقاً، ولم تصدر عن القمم الإسلامية سوى بيانات رمادية تفتقر إلى الموقف والإرادة. لم تقطع دولةٌ عربية واحدة علاقاتها الدبلوماسية أو الاقتصادية مع الكيان الصهيوني احتجاجاً على مجازر لبنان، ولم يُفعَّل أي قرار جماعي لرفع الحصار السياسي والعسكري عن المقاومة.

الصمت العربي والإسلامي في هذه المرحلة لا يمثّل غياباً بريئاً؛ بل هو موقفٌ سياسي بامتياز، يُمكّن إسرائيل من مواصلة عدوانها دون ثمن إقليمي يُذكر. ويذهب المحللون إلى أنّ ثمة معادلة ضمنية قائمة بين بعض الأنظمة العربية والمشروع الصهيوني تقوم على مبدأ: "المقاومة عدوّنا المشترك"[5]، وهو ما يُفسّر عدم الاكتراث بسقوط الأبرياء في لبنان طالما أنّ المقاوم هو الطرف المُستهدف الحقيقي وراء كل هذا الدمار.

ثالثاً: سلطة تُفاوض القاتل وتُعادي المقاوم

الأكثر إيلاماً في المشهد اللبناني الراهن ليس الغارات الإسرائيلية وحدها، بل المفارقة الصارخة التي يكشف عنها الموقف الرسمي اللبناني: سلطةٌ تجلس على طاولة المفاوضات مع العدو الذي يقتل مواطنيها، وتُطالب في الوقت ذاته بنزع سلاح المقاومة التي تقف في وجه هذا العدو. إنّها معادلة ظالمة تُكافئ الجلاد وتُعاقب من يرفض الركوع.

جاء في إعلان وزارة الخارجية الأمريكية في أبريل 2026 أنّ الاتفاقية تنصّ صراحةً على "الحفاظ على حق إسرائيل الأصيل في الدفاع عن النفس"[6]، أي أنّ السلطة اللبنانية وقّعت ضمنياً على شرعنة العدوان الإسرائيلي في الوقت الذي تطالب فيه بنزع سلاح المقاومة اللبنانية الوحيدة القادرة على ردّ هذا العدوان. وهذا التناقض الصارخ ليس زلّةً دبلوماسية، بل هو تعبيرٌ عن وعي سياسي طبقي يُفضّل الاستسلام المُقنَّع على المقاومة الصريحة، وهو الوعي ذاته الذي جعل بعض الأنظمة العربية ترى في حزب الله تهديداً يفوق في خطورته الاحتلال الإسرائيلي.

تاريخياً، حين وجد لبنان نفسه وحيداً في مواجهة الاجتياحات الإسرائيلية — كما في 1978 و1982 و2006 — كانت المقاومة هي الرادع الوحيد الذي أجبر العدو على الانسحاب. اليوم، بدلاً من الاعتراف بهذه الحقيقة، تسعى السلطة اللبنانية إلى تسليم هذا الرادع لواشنطن وتل أبيب في مقابل هدنات ورقية تُخترق يومياً.

رابعاً: إجرام بلا عقوبة في ظل منظومة دولية مُنهارة

استمرار الضربات الإسرائيلية على لبنان رغم الهدنة المُعلنة يكشف عن حقيقة أعمق: أن المنظومة الدولية القائمة على ميثاق الأمم المتحدة وقرارات مجلس الأمن قد أفلست تماماً في ما يخص الكيان الصهيوني. فمنذ عقود، يتجاهل هذا الكيان عشرات القرارات الدولية — من القرار 425 إلى القرار 1701 — دون أي عقوبة تُذكر، بفضل الحماية الأمريكية المطلقة التي تجعل مجلس الأمن أداةً لتبرير العدوان لا لوقفه.

ليس مفاجئاً إذن أن تواصل إسرائيل قصف الجنوب وتدمير الجسور والبنية التحتية في وسط هدنة "مُعلنة"، ذلك أنّ الثمن الدولي المدفوع لا يزيد على بعض البيانات الخشبية التي لا تُوقف طائرةً ولا تُنقذ روحاً. المجتمع الدولي الذي يتحدث عن "القانون الدولي الإنساني" لم يتحرك أمام مجازر لبنان أكثر مما تحرّك أمام مجازر غزة، وذلك لأنّ معيار التحرك لا يقوم على الإنسانية بل على موازين القوى والمصالح الجيوسياسية.

خاتمة

لبنان يُقتل اليوم تحت مسمّى الهدنة، في مشهد يختزل الأزمة البنيوية للنظامين العربي والدولي معاً. هدنةٌ تمنح العدو وقتاً لإعادة التموضع، وصمتٌ عربي وإسلامي يُقرأ في العواصم الغربية تخلياً ضمنياً عن لبنان، وسلطةٌ لبنانية تُفاوض من يقتل ابناءها وتُعادي من يقاتل دفاعاً عنهم.

لكنّ التاريخ لا يرحم المستسلمين. فكلّ هدنة تُقرأ بعين الاستراتيجي لا تعدو كونها فصلاً في حرب أطول، وكلّ مقاومة — مهما حوصرت وعوديت — تبقى أكثر شرفاً من كل تفاوض تُبنى فيه الشروط على أشلاء الضحايا. والسؤال الذي يبقى معلّقاً في وجه السلطة اللبنانية والضمير العربي المخدَّر: إلى متى يبقى دم اللبنانيين ثمناً لهدنات تُعيد تدويرها الجريمة ذاتها؟

المصادر والهوامش

[1] وزارة الخارجية الأمريكية، إعلان وقف الأعمال العدائية لمدة عشرة أيام، 16 أبريل 2026؛ وكالة الأنباء العُمانية، "تمديد الهدنة في لبنان 45 يوماً"، 16 مايو 2026.

[2] السلطات اللبنانية، إحصاءات الضحايا المُعلنة، مايو 2026؛ وكالة فرانس برس، تقارير ميدانية من جنوب لبنان، مايو 2026.

[3] تصريح وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، 16 أبريل 2026، نقلاً عن وكالات الأنباء الدولية.

[4] تصريح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، 16 أبريل 2026، وكالة رويترز.

[5] ناصر قنديل، "التطبيع وأوهام الأمن المشترك"، مجلة الدراسات الفلسطينية، 2024.

[6] وزارة الخارجية الأمريكية، نص إعلان وقف الأعمال العدائية، 16 أبريل 2026؛ الأجندة القانونية اللبنانية، تحليل الإعلان في ضوء القانون الدولي، 20 أبريل 2026.

الأفروسنتريك .. سرقة للحضارة وخطورة على الأمن القومي تقرير – كريمة الروبي







أثار فيلم "أسد" بطولة محمد رمضان موجة من الجدل حول علاقته بحركة "الأفروسنتريك" حيث يتهم البعض الفيلم بدعمه رواية الأفروسنتريك وهو ما نفاه مخرج الفيلم "محمد دياب" مؤكداً بأن الفيلم لا يدعم هذه الرواية بل على العكس يؤكد أن العبيد في الفيلم تم جلبهم من أفريقيا وهو ما ينسف هذا الإدعاء.

وسبق أن ثار جدل مماثل قبل نحو ثلاث سنوات، عند عرض المسلسل الوثائقي "كليوباترا" على "نتفليكس"، والذي يتبنى زعم مارتن برنال "أثينا السوداء" أن للحضارة الإغريقية أصلاً مصرياً زنجياً. ومن ثم ظهرت الملكة كليوباترا (أدت دورها الممثلة السمراء أديل جيمس) في المسلسل الوثائقي ذاك، سوداء البشرة وشعر مجعد، مع أنها من أصل مقدوني.

وقد اتهم مستخدمو وسائل التواصل الاجتماعي في مصر، المنصة العالمية بتشويه وتزوير المعطيات التاريخية الثابتة، واعتبر البعض أنها تحاول طمس الهوية الفرعونية المصرية.. فما هي حركة الأفروسنتريك؟

ما هي حركة الأفروسنتريك؟

تأسست الأفروسنتريك أو "الحركة المركزية الإفريقية " على يد الناشط الأميركي الإفريقي الأصل موليفي أسانتي في فترة الثمانينيات، من أجل تنمية الوعي حول الثقافة الإفريقية عبر التاريخ، وتسليط الضوء حول تلك الهوية وأهميتها لاسيما في الولايات المتحدة وأوروبا.

كما تحاول نشر الوعي حول كيفية هيمنة الأوروبيين على حضارة الأفارقة، عبر الاستعمار والعبودية. وتحث كل إفريقي أو متحدر من أصول إفريقية على تقدير أصوله وتنمية وعيه ومعرفته بالحضارات الإفريقية التقليدية.

وقد نشأت الحركة بين الأمريكيين من أصل أفريقي كرد فعل لمعاناة العبودية والتهميش، وسرعان ما تحولت إلى أيديولوجية تدعي أن الحضارة الفرعونية حضارة "زنجية"، وتنفي انتماء الشعب المصري إليها، وتطالب بحقوق سياسية وقانونية زائفة ضد الدولة المصرية.

وقد كشفت دراسة علمية حديثة صادرة عن معهد التخطيط القومي بمصر عام 2024، تحت عنوان "حركة الأفروسنتريك وتأثيراتها المستقبلية على مصر.. والسيناريوهات المتوقعة والسياسات الممكنة لدعم صانع القرار"، عن تحرك منظم ومنسق يهدف إلى سرقة الحضارة المصرية القديمة وتزييف هويتها، وسط دعم دولي متزايد.

أدوات التزييف والتأثير

وفقاً لهذه الدراسة فإن الحركة لا تقتصر على الدعوات الفكرية، بل أنشأت شبكة دولية عابرة للحدود تضم جامعات وكراسي أكاديمية مثل جامعة تمبل (تأسست أول برنامج دكتوراه في الدراسات الأمريكية الأفريقية) وجامعة هوارد.

كذلك استغلال المتاحف لعرض وجهة نظر مغلوطة مثل المتحف الوطني بهولندا الذي عرض قناع توت عنخ آمون بملامح زنجية.

كما قامت بإنتاج أفلام ومسلسلات وثائقية، أبرزها فيلم "كليوباترا" على نتفلكس، الذي أثار غضبًا مصريًا رسميًا وشعبيًا. كذلك الاستعانة بموسيقى الراب والهيب هوب كأداة لنشر السردية بين الشباب.

ولم تكتف بكل هذه الأدوات الفنية والإعلامية بل قامت بإنشاء شركات اقتصادية كبرى مثل مجموعة AfroCentric التي تعمل في 14 دولة أفريقية بمجال الصحة والتأمين.

تفنيد علمي للادعاءات

اعتمدت الدراسة على تحليلات جينية وتاريخية وأنثروبولوجية، وأثبتت أن كلمة "كمت" في اللغة المصرية القديمة تعني "الأرض السوداء" نسبة لخصوبة التربة، وليس لون البشر.

كما أن الدراسات الجينية قد أظهرت تجانسًا بنسبة 97.66% بين المصريين، وأن مصر كانت ولا تزال بوتقة انصهار الجينات وليست "زنجية" بالمفهوم الأفريقي لسكان جنوب الصحراء.

وقد ترك الملك سنوسرت الثالث نصوصًا تؤكد محاربته لـ"السود" كقبائل جنوبية، مما ينفي أن يكون المصريون القدماء من نفس الأصل. أما الملكة كليوباترا فقد كانت مقدونية الملامح، وليس لها علاقة بالملامح الزنجية.

مخاطر مستقبلية

وفقاً للدراسة فإن خطورة الحركة لا تقتصر على التشويه التاريخي، بل تمتد إلى مخاطر أمنية وسياسية مثل توظيف مفاهيم "الشعوب الأصلية" و"حق العودة" و"تعويضات مالية" ضد مصر. وتأجيج ملف النوبة ومحاولة فصلها أو جعلها رافعة لمطالب سياسية.

كما أنها تتزامن مع مخططات إقليمية (إسرائيل – إثيوبيا) تستخدم يهود الفلاشا وروايات زائفة عن أصول الحضارة المصرية.

سيناريوهات متوقعة

وقد توقعت الدراسة أربعة سيناريوهات:

1- بقاء الوضع: استمرار الحركة دون مواجهة فعالة.

2- سيناريو تشاؤمي: تبني الولايات المتحدة رسميًا مطالب الحركة كورقة ضغط على مصر.

3- سيناريو كارثي: تحرك إثيوبيا وإسرائيل لدعم الانفصال النوبي وتقليص حصة مصر من المياه.

4- السيناريو المرغوب: مواجهة استباقية عبر سياسات وطنية متكاملة.

ودعت الدراسة إلى إنشاء استراتيجية قومية لمجابهة الحركة. وتوظيف أدواتها نفسها (الدراما، الموسيقى، المتاحف، وسائل التواصل) لنشر السردية المصرية الصحيحة. وتشكيل مرصد دائم بمجلس الوزراء لمتابعة أنشطة الحركة عالميًا. كذلك دعت إلى التحرك دبلوماسيًا داخل الاتحاد الأفريقي لمراجعة تعريف "المواطن الأفريقي" القائم على الأصل العرقي فقط.

هذا وقد أكدت الدراسة أن حركة الأفروسنتريك ليست مجرد أطروحات أكاديمية، بل مشروع سياسي واقتصادي وثقافي منظم، يتطلب يقظة واستعدادًا على جميع المستويات.

النفط العربي: نعمة تحوّلت نقمة كيف سرقت الثروة الشعبَ بقلم: الناصر خشيني


 في خمسينيات القرن الماضي، حين انبثق النفط من باطن الصحراء العربية، حلم الناس بغدٍ مختلف. حلموا بمدارس وأرغفة ومستشفيات، بأوطان تعيش أخيرًا على ثرواتها لا على قمحٍ مستورد ومديونية متراكمة. وجزئيًا، تحقّق بعض الحلم: قامت ناطحات السحاب في الصحراء، وشُقّت الطرق في الرمال، ونبعت المياه في أرض القيظ. لكن ما خفي كان أعظم وأمرّ: فالثروة النفطية، بدلًا من أن تكون نعمةً للشعوب، صارت أداةً في يد أنظمة استبدادية، وقودًا للحروب الداخلية، وتمويلًا للعدو الخارجي. فكيف جرى ذلك؟ وما الأرقام التي تثبته؟

أوّلًا: الثروة الهائلة — الأرقام التي تُدهش
لا يمكن فهم الجريمة إن لم نعرف أوّلًا حجم الثروة المُهدَرة. تُنتج دول مجلس التعاون الخليجي يوميًا قرابة 16 مليون برميل من النفط، وهي الأولى عالميًا في احتياطيات النفط الخام والغاز الطبيعي، فيما بلغت القيمة الإجمالية لأسواق الأسهم الخليجية نحو 4 تريليونات دولار بنهاية عام 2023 [7]. وهي ثروة لو وُزّعت على شعوب المنطقة توزيعًا عادلًا لما بقي عربيٌّ واحد تحت خطّ الفقر.
وتضمّ دول الخليج وحدها ثلث الاحتياطي العالمي من الطاقة، وتلبّي خُمس الطلب العالمي على النفط، وتنتج 444 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي المسوق سنويًا [6]. غير أن هذه الأرقام الفلكية تُخفي خلفها حقيقة مؤلمة: من أين ذهبت هذه الثروات؟
ثانيًا: المال النفطي وتمويل آلة الحرب الإسرائيلية
العلاقة بين الدولار النفطي والدعم الأمريكي لإسرائيل علاقة تاريخية عضوية. فمنذ السبعينيات، جرى الترتيب "البترودولاري" الشهير: يُعاد تدوير عائدات النفط الخليجي عبر الخزينة الأمريكية، وتنال إسرائيل حصّتها الكبرى.
تُعدّ إسرائيل أكبر متلقٍّ للمساعدات الأمريكية على الإطلاق، إذ بلغت ما قدمته الولايات المتحدة لها 297 مليار دولار من أموال دافعي الضرائب الأمريكيين بين عامَي 1946 و2023، في إطار مساعدات اقتصادية وعسكرية [2]. والأكثر دلالةً على هذه العلاقة هو التصاعد المطّرد في الدعم عقب كل أزمة نفطية.
بلغ مجموع المساعدات الأمريكية العسكرية لإسرائيل ما قيمته 186 مليار دولار منذ العام 1948، ويقدّر بعض الخبراء إجمالي قيمتها بعد تعديلها لمراعاة التضخم بـ310 مليارات دولار [1]. وهذا الرقم يمثّل أكثر من 55% من جميع المساعدات الأمريكية للعالم [5]. ومع كل اشتعال في غزة، تُسرَّع الدفعات؛ ففي أبريل 2024 أقرّ الكونغرس قانونًا بتقديم مساعدات عسكرية ضخمة لإسرائيل بلغت 26.4 مليار دولار، تشمل دعم أنظمة الدفاع الصاروخية والقبة الحديدية وطائرات قتالية أمريكية [3].
لا تعني هذه الأرقام أن دول الخليج تُحوّل مبلغًا بعينه لأمريكا بصكّ مباشر، لكن آليات الاقتصاد السياسي واضحة: إيداع الفوائض النفطية في السندات الأمريكية، وشراء أسلحة أمريكية مكلفة، وتدوير عائداتها نحو إسرائيل. وقد قدّر اقتصاديون أمريكيون أن الدعم الأمريكي الإجمالي للكيان الإسرائيلي كلّف دافعي الضرائب الأمريكيين قرابة 3 تريليونات دولار، وأن أكبر وعاء لامتصاص هذه التكاليف كانت أزمات احتياطي النفط المصاحبة للحروب العربية الإسرائيلية وبناء مخزون البترول الأمريكي [4].
ثالثًا: التطبيع — الطعنة التي أكملت المشهد
لم يكتفِ حكّام الخليج بالصمت عن الجرائم الإسرائيلية، بل ذهبوا إلى ما هو أبعد: التطبيع الرسمي مع الاحتلال في الوقت الذي تُدكّ فيه غزة. ففي 15 سبتمبر 2020، وُقّعت اتفاقيات التطبيع المعروفة بـ"اتفاقيات إبراهيم" في البيت الأبيض بين إسرائيل والإمارات والبحرين بوساطة أمريكية، وهي أوّل تطبيع عربي إسرائيلي علني في القرن الحادي والعشرين، ثم انضمت إليها المغرب والسودان [8].
وقد ألغت الإمارات على الفور قانون المقاطعة رقم 15 لسنة 1972 عبر مرسوم فيدرالي صدر في 16 أغسطس 2020، في اليوم ذاته الذي أُعلن فيه اتفاق التطبيع [10]. ونُظر إسرائيليًا إلى هذه الاتفاقيات باعتبارها "تحالفًا إقليميًا" عربيًا أمريكيًا إسرائيليًا، كما أنها أسقطت الفيتو الفلسطيني على أية عملية تطبيع قبل حل القضية الفلسطينية [9].
وكان ردّ الفلسطينيين الغاضبين حاسمًا في تقييم المشهد: ففي 22 سبتمبر 2020، قررت دولة فلسطين التخلّي عن رئاسة مجلس جامعة الدول العربية ردًا على موقف الأمانة العامة الداعم للإمارات والبحرين بعد تطبيعهما مع إسرائيل [13].
رابعًا: تفكيك الأمّة — النيران المشعلة في اليمن وليبيا والسودان
إن كان النفط يموّل العدوّ الخارجي، فإنه يموّل أيضًا الحروب الداخلية التي تُنهك الجسد العربي من الداخل.
في اليمن، أطلق التحالف السعودي الإماراتي حربًا مدمّرة أدّت إلى واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في التاريخ الحديث. وكشفت تحقيقات صحفية بارزة أن الإمارات دأبت على تمويل اغتيالات بدوافع سياسية في اليمن، ما ساهم في تفاقم النزاع بين الفصائل المتناحرة [12].
في ليبيا، ومنذ أكثر من عقد، تدعم أبو ظبي القوات الانفصالية أولًا في ليبيا، ثم في اليمن، ثم في السودان، ما يزيد من تفكّك العالم العربي وفق ما رصده الباحثون في العلوم السياسية [11]. وقد اتّخذت الإمارات من بنغازي مختبرًا للتعاون العسكري مع روسيا.
في السودان، شهدت العلاقات السعودية الإماراتية سنوات من التنسيق على أرضية تلاقي المصالح الاستراتيجية، تمكّن خلالها البلدان من استقدام قوات برية سودانية ضخمة لخدمة الحرب في اليمن، في حين تمدّ الإمارات قوات الدعم السريع بالدعم والتسليح [11].
هذا التدخّل في الشؤون العربية الداخلية يُفسَّر أيديولوجيًا بمحاربة الإسلام السياسي، لكنه استراتيجيًا يصبّ في خانة تفتيت الكتلة العربية وتحييدها عن القضية الفلسطينية.
خامسًا: جامعة الدول العربية — هيكل يُحاصَر بالمال الخليجي
ليست جامعة الدول العربية مستقلّة في قراراتها، وكثيرًا ما تعكس قراراتها موازين القوى المالية لا الإرادة العربية الجماعية. لقد أثبتت أحداث 2023-2024 أن المنظمة عاجزة عن اتخاذ موقف حازم من إبادة غزة، في حين سارعت بعض حكوماتها إلى تقديم ضمانات للتطبيع أو الصمت عن الجرائم.
والأدهى أن الولايات المتحدة منحت 1.338 تريليون دولار كمساعدات عسكرية واقتصادية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى عام 2024، كانت إسرائيل تستحوذ على 23% منها [5]. هذا الرقم يختزل الصورة كاملة: واشنطن الحليفة والممسوكة بضغوط اللوبي الإسرائيلي، والخليج الممسوك بالتبعية الأمنية لواشنطن، وجامعة عربية تُدار بالتمويل لا بالميثاق.
خاتمة: النفط لا يُلعن — السياسة تُلعن
النفط في ذاته لا وزر له. إنه مادة في باطن الأرض، لا هي تختار أصحابها ولا هي تقرر مصيرها. الوزر على من يملك القرار فوقها.
لو كانت دول الخليج ديمقراطيات حقيقية مسؤولة أمام شعوبها، لما ذهب الدولار النفطي إلى تمويل مجازر غزة، ولما أُشعلت النيران في اليمن وليبيا والسودان، ولما تحوّلت جامعة الدول العربية إلى هيكل يُحرّك بالمال الخليجي الموجَّه.
المسألة في جوهرها مسألة حوكمة ومساءلة وسيادة شعبية. وما لم تُكسر هذه الحلقة الجهنمية — حيث النفط يُموّل الاستبداد، والاستبداد يُموّل العدوّ — فإن الثروة ستبقى نقمةً مقنّعة بواجهات زجاجية لناطحات السحاب.
قائمة المراجع
[1] الجزيرة نت: "حصيلة عام من الدعم العسكري والاستخباراتي الأمريكي لإسرائيل"، أكتوبر 2024.
https://www.aljazeera.net/politics/2024/10/6
[2] وكالة الأناضول: "بيانات رسمية تكشف فجوة بين مساعدات واشنطن لفلسطين ولإسرائيل"، مايو 2024.
https://www.aa.com.tr/ar
[3] مركز الدراسات الاستراتيجية وتنمية القيم: "الدعم الأمريكي لإسرائيل: رسائل ودلالات وتداعيات"، مايو 2024.
https://nvdeg.org
[4] وثيقة CIA (مكتبة أبوتباد): "التكلفة الحقيقية للدعم الأمريكي لإسرائيل"، تقرير توماس ستوفار 2003.
https://www.cia.gov/library/abbottabad-compound
[5] موقع الصفر: "أكثر الدول المتلقية للمساعدات الأمريكية منذ الحرب العالمية الثانية"، 2024.
https://alsifr.org/top10-us-aid
[6] الجزيرة نت: "حقول الطاقة في الخليج العربي — منبع وقود العالم"، موسوعة، مارس 2026.
https://www.aljazeera.net/encyclopedia/2026/3/4
[7] الشرق الأوسط: "4.4 تريليون دولار حجم صناديق الثروة السيادية لدول الخليج"، ديسمبر 2024.
https://aawsat.com
[8] الجزيرة نت: "اتفاقيات أبراهام — موجة التطبيع العربي مع إسرائيل"، موسوعة، 2024.
https://www.aljazeera.net/encyclopedia/2024/6/9
[9] مؤسسة الدراسات الفلسطينية: "تحالف في مهبّ الضربة: أبراهام بين الطموح الإسرائيلي والتحفظ الخليجي".
https://www.palestine-studies.org/ar/node/1657742
[10] مؤسسة الدراسات الفلسطينية: "اتفاقيات أبراهام والنموذج الجديد للتطبيع".
https://www.palestine-studies.org/ar/node/1656260
[11] ميدل إيست ترانسبارنت: "الاستراتيجية الانفصالية لدولة الإمارات"، مايو 2025.
https://middleeasttransparent.com/ar
[12] موقع العيام: "ما دور السعودية والإمارات في اليمن؟"، ديسمبر 2025.
https://m.alayam24.com
[13] ويكيبيديا العربية: "اتفاق تطبيع العلاقات بين إسرائيل والإمارات العربية المتحدة".
https

جمال عبد الناصر: جدلية الوعي والممارسة في مسيرة قائد الأمة وباني نهضتها الحديثة بقلم: الناصر خشيني

نقف اليوم على أعتاب الذكرى الرابعة والسبعين لثورة الثالث والعشرين من يوليو (جويلية) 1952، وهي محطة لم تكن مجرد انقلاب عسكري تقليدي، بل كانت ...