التخطي إلى المحتوى الرئيسي

المهدية.. عاصمة الفاطميين الأولى وبانية القاهرة والمعز بقلم الناصر خشيني



تاريخ المدينة
تقع مدينة المهدية على شبه جزيرة ممتدة في شرق الجمهورية التونسية، وهي حاضرة تاريخية استثنائية أسسها الخليفة عبيد الله المهدي عام 303 هـ (916 م) لتكون العاصمة الأولى للدولة الفاطمية الناشئة في بلاد المغرب. اختير موقعها بعناية فائقة ليكون حصناً طبيعياً منيعاً وقاعدة بحرية كبرى انطلقت منها أساطيل الفاطميين لتوحيد الشمال الإفريقي. ومن رحم المهدية وبسواعد قادتها وجيوشها، رُسمت خطة التوجه شرقاً لفتح مصر وبناء مدينة "القاهرة" والجامع الأزهر على يد القائد جوهر الصقلي في عهد الخليفة المعز لدين الله الفاطمي، مما يجعل المهدية الجذع التاريخي الذي تفرعت منه قاهرة المعز.
أهم معالمها
يتربع "باب زويلة" (السقيفة الكحلة) كأعظم معلم تاريخي وحضاري للمدينة، وهو برج دفاعي وضخم يمثل المدخل الوحيد المؤدي إلى المدينة العتيقة عبر أسوارها الحصينة. وتضم المدينة "الجامع الكبير بالمهدية" الذي يتميز بهندسته الفاطمية الفريدة الخالية من المآذن التقليدية عند التأسيس، إلى جانب "البرج الكبير" (البرج العثماني) الشامخ على شواطئها، و"الميناء البونيقي القديم" الذي يحكي تاريخ الأمجاد البحرية العريقة للمدينة.
صمودها ودورها النضالي والتاريخي
شهدت المهدية تاريخاً حافلاً من الصمود الأسطوري في مواجهة الغزوات والحملات الاستعمارية الصليبية والأوروبية عبر العصور؛ وتجلى دورها النضالي في التصدي للحملات البحرية المستمرة من قِبل النورمان، والإسبان، وفرسان القديس يوحنا. ورغم الحصارات العنيفة ومحاولات التدمير والنسف التي تعرضت لها أسوارها التاريخية في بعض الفترات، رفضت المهدية الانكسار وحافظت على مكانتها كرباط بحري متقدم يحمي سواحل تونس وثغور الأمة الإسلامية، مجسدةً روح الثبات والذود عن حياض الوطن.
خاتمة
تظل المهدية عاصمة الفاطميين ومنبع المجد الشامخ عنواناً للأصالة والسيادة التي لا تزول؛ فجدران سقيفتها الكحلة تحكي للأجيال كيف تحولت شبه الجزيرة الصغيرة إلى مركز إمبراطورية كبرى بنت القاهرة ونشرت العلم، لتظل المهدية دائماً فخراً لأمتنا ومنارة للصمود عبر العصور.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قطاع الفوسفات في تونس بعد 2011: من ريادة الإنتاج إلى متاهات الأزمة الهيكلية ​بقلم: الناصر خشيني

  ​يعتبر قطاع الفوسفات في تونس أكثر من مجرد نشاط منجمي؛ إنه الشريان الحيوي للاقتصاد الوطني والعمود الفقري للتنمية في مناطق الحوض المنجمي. إلا أن هذا القطاع دخل منذ عام 2011 في نفق مظلم من الأزمات المتراكمة التي مست مفاصل الإنتاج والتسويق والإدارة، مما حوله من قاطرة للنمو إلى عبء تقني ومالي يتطلب وقفة تحليلية جادة لفهم مكامن الخلل وسبل الاستشراف المستقبلي. ​أولاً: أزمة الإنتاج.. بين المطلب الاجتماعي والتعطل التقني ​لقد تراجع حجم الإنتاج الوطني من الفوسفات الخام بشكل حاد، حيث انحدر من سقف 8 مليون طن في سنة 2010 إلى مستويات لا تتجاوز 4 مليون طن في أفضل الحالات خلال العقد الأخير. هذا التقهقر يعود بالأساس إلى: ​الاحتقان الاجتماعي: تحول الحوض المنجمي إلى ساحة للاحتجاجات المستمرة والاعتصامات المطالبة بالتنمية والتشغيل، وهو ما أدى إلى توقف متكرر لمحركات الإنتاج في المغاسل والمناجم. ​معضلة اللوجستيك والنقل: تعاني منظومة نقل الفوسفات عبر السكك الحديدية من تهالك شديد، مما دفع نحو الاعتماد على الشاحنات الخاصة، وهو حل مكلف أدى إلى تضخم تكاليف الإنتاج وضرب نجاعة العملية اللوجستية. ​تقادم المعدات...

سقوط الأقنعة وخراب الهيكل: قراءة قومية تقدمية في شهادة ثروت الخرباوي على مطبخ الإخوان بقلم: الناصر خشيني

    مقدمة في التوقيت الإقليمي والدولي الراهن، ومواجهةً لمشاريع تفتيت الجغرافيا العربية وسلب إرادتها الوطنية، تبرز الحاجة المعرفية الملحة لتفكيك البنى السرية لجماعات الإسلام السياسي التي شكلت دائماً كابحاً أمام النهوض التاريخي للأمة. من هنا، يأتي هذا المقال المرسل بالتزامن الى "الحوار المتمدن" بمنبريته التقدمية التنويرية، و"رأي اليوم" بمنبرها القومي التحرري ولمواقع اخرى ليقدم قراءة سياسية وفكرية في عمق "المطبخ الداخلي" لحركة الإخوان المسلمين، مستنداً إلى شهادة القيادي السابق ثروت الخرباوي ، كأداة تعرية لأقنعة الزيف وبوابة لإعادة الاعتبار لمشروع الدولة الوطنية التقدمية. لم تكن معركة الفكر القومي التقدمي يوماً مجرد خصومة سياسية عابرة مع جماعات الإسلام السياسي، بل هي معركة وجودية بين مشروعين لا يلتقيان: مشروع الدولة الوطنية الساعي نحو التحرر، والسيادة، والتقدم، ومشروع أممي ظلامي يستهدف تفتيت الجغرافيا وتمزيق الهوية العربية لصالح ولاءات مشبوهة عابرة للحدود. وفي هذا السياق، تكتسب الشهادات القادمة من داخل "المطبخ الداخلي" لهذه الجماعات قيمة استثنائية، ل...

​طبيعة الصراع العربي الصهيوني والطريق إلى تحرير فلسطين ​بقلم: الناصر خشيني

مداخلة أُلقيت في مخيم الشباب القومي العربي – نابل، تونس ​مقدمة ​يعود الأصل النظرى لهذا البحث إلى ثمانينيات القرن الماضي، وتحديداً خلال صيف عام 1982 المحموم، إبان الاجتياح الصهيوني للبنان بقيادة السفاح "أرييل شارون". وقد قُدِّم البحث حينها على مسرح الهواء الطلق بمدينة طبرقة التونسية. ومنذ ذلك الوقت، ورغم تسارع الأحداث الإقليمية وتطورها بشكل دراماتيكي، لم يتغير شيء من طبيعة الصراع العربي الصهيوني الجوهرية. وبناءً على مقتضيات التطورات الراهنة التي تعيشها المنطقة، أُعيدت صياغة هذه الرؤية وتعديلها لتواكب الواقع المعاصر. ​لا يزال الصراع في فلسطين بين الأمة العربية والصهاينة على أشده وبلا هوادة، وتسيل الدماء يومياً غزيرة من أبناء شعبنا في فلسطين الكسيرة، ولكن دون تفريط في الحق السليب بشكل نهائي. ورغم الاعتراف المتبادل بين بعض النظم العربية والصهاينة، ورغماً عن اتفاقيات السلام الموقعة، فإن ملايين المشردين الذين أُخرجوا من ديارهم بقوة السلاح لا يزالون يحلمون بالعودة إلى أرض الوطن، يراودهم الأمل يوماً ما طال الزمان أو قصر [1]. ​إن الصهاينة الذين اعتمدوا في احتلالهم للأرض على القوة الغا...