في إطار قراءتنا القومية التقدمية للصراع المحتدم حول الأمة العربية، ندرك أن جبهات الاستهداف لا تأتي فقط من العدو الصهيوني المباشر، بل تتقاطع مع أدوار إقليمية لجوار جغرافي طالما وظّف شعارات مخادعة لإخفاء نزعاته التوسعية وإرثه الاستعماري. وتبرز تركيا اليوم كأحد أبرز هذه الأطراف الإقليمية التي مارست، وما تزال، أدواراً عدوانية ألحقت أبلغ الأضرار بالأمن القومي العربي، متمثلة في انتهاك السيادة، ورعاية الإرهاب التفتيتي، والتعطيش الممنهج لبلاد الرافدين والشام، فضلاً عن ارتماء نظامها في أحضان علاقات استراتيجية متطورة مع الكيان الصهيوني على حساب دماء شعبنا العربي في فلسطين.
أولاً: لواء الإسكندرونة والتوغلات في العراق.. عقيدة قضم الأرض وانتهاك السيادة
إن السلوك التركي تجاه الجغرافيا العربية يستند إلى عقلية توسعية تاريخية لم تتخلَّ يوماً عن أطماعها. ويتجلى ذلك تاريخياً في استمرار احتلال لواء الإسكندرونة السوري منذ عقود، في صفقة استعمارية جرت بتواطؤ مع القوى الغربية لسلخ جزء أصيل من الجسد العربي [1].
ولم تقف هذه النزعة عند حدود التاريخ؛ بل تتجسد دورياً في الانتهاكات الصارخة والتوغلات العسكرية المتكررة شمال العراق. فتحت ذريعة ملاحقة الانفصاليين الأكراد (حزب العمال الكردستاني)، تستبيح القوات التركية السيادة العراقية، مخلّفة دماراً هائلاً في القرى والبنى التحتية، وقاتلة للمواطنين العراقيين الأبرياء، في تجسيد لسياسة فرض الأمر الواقع العسكري والاستخفاف بالدول الوطنية العربية [2].
ثانياً: تدمير سوريا ورعاية الإرهاب.. طعن ركائز المقاومة لصالح التفتيت
لقد مثلت الحرب على سوريا خلال العقدين الماضيين الذروة في السلوك التركي المعادي للأمن القومي. فتحت إدارة نظام العدالة والتنمية، تحولت تركيا إلى الممر الرئيسي والخزان اللوجستي لضخ عشرات الآلاف من الإرهابيين والتكفيريين نحو الأراضي السورية [3]. وشمل هذا الدور تقديم الدعم العسكري، والتدريب، والتسليح، والغطاء الاستخباراتي، وصولاً إلى التدخل العسكري المباشر واحتلال أجزاء واسعة من الشمال السوري.
إن الهدف الاستراتيجي من هذا التدخل لم يكن سوى تدمير الدولة الوطنية السورية وإسقاط نظامها، الذي لطالما شكّل ركيزة أساسية من ركائز محور المقاومة وجدار الصد العربي في وجه الأطماع الإمبريالية والصهيونية. وبفعل هذا العدوان، جرى تدمير القدرات العسكرية والصناعية والعلمية لسوريا وتحت نظر القوات التركية المحتلة، مما أدى في المحصلة الجيوسياسية الراهنة إلى استنزاف سوريا وتقديم جنوبها وفضائها لقمة سائغة للاعتداءات الصهيونية المتواصلة [4].
ثالثاً: سلاح "الإرهاب المائي".. مشروع "GAP" وتجفيف نهري دجلة والفرات
لا يقتصر العدوان التركي على السلاح والبارود، بل يمتد إلى توظيف الطبيعة كأداة للحروب الوجودية وخنق الشعوب العربية. لقد عمدت أنقرة عبر عقود إلى تنفيذ مشروع جنوب شرق الأناضول (GAP)، وقامت بإنشاء أكثر من عشرين سداً (وفي مقدمتها سد أتاتورك وسد إيليصو) على مجريي نهري دجلة والفرات [5].
هذا الحجز الممنهج للمياه وحرمان دول المصب التاريخية (سوريا والعراق) من حصصها العادلة والمكتسبة، يمثل جريمة تعطيش ممنهجة تسببت في جفاف مساحات زراعية شاسعة، وتدمير البيئة الحيوية، وتصحر الرافدين. إن تحويل المياه إلى ورقة ابتزاز سياسي يعكس رغبة تركية في إخضاع الإرادة السياسية العربية عبر التهديد بالتعطيش والجوع.
رابعاً: العلاقات مع الكيان الصهيوني وخيانة قضية غزة
رغم الخطابات الرنانة والشعارات العاطفية التي يدغدغ بها النظام التركي مشاعر الشارع الإسلامي والعربي، إلا أن التفكيك التقدمي للمواقف يكشف زيف هذه الادعاءات. ترتبط تركيا بعلاقات بنيوية ومتطورة مع الكيان الصهيوني، تشمل اتفاقيات تجارية وعسكرية واستخباراتية ضخمة لم تنقطع خلف الكواليس حتى في أوج الأزمات [6].
ويتضح هذا التناقض الصارخ في العجز الميداني والسياسي التركي عن إنقاذ أهلنا في قطاع غزة من حرب الإبادة والبطش الصهيوني؛ حيث اكتفت أنقرة ببيانات الإدانة وظلت عاجزة ــ أو غير راغبة ــ في اتخاذ مواقف استراتيجية حاسمة تقطع شريان العلاقات مع العدو أو تفرض ضغطاً حقيقياً يوقف المجازر، مما يؤكد أن المصالح والتحالفات الإقليمية لتركيا تتقدم دائماً على نصرة القضايا العادلة للأمة العربية.
خلاصة وموقف قومي:
إن استقراء الحالة التركية يضعنا أمام حقيقة لا لبس فيها: إن أي مشروع إقليمي يقوم على قضم الأرض العربية، أو تدمير دولها الوطنية، أو حبس مياهها، هو مشروع معادٍ للأمن القومي بالضرورة. إن الفكر القومي التقدمي يملي علينا كشف هذه السياسات وتعرية خطاباتها المخادعة، والتأكيد على ضرورة بناء كتلة عربية متماسكة وقوية قادرة على حماية سيادتها ومواردها، والدفاع عن فضاءاتها الجغرافية والتاريخية ضد أطماع الجوار ومخططات التفتيت الإمبريالية والصهيونية.
المراجع والمصادر:
[1] لواء الإسكندرونة: دراسات في اقتطاع الأراضي السورية والتوازنات الدولية الاستعمارية، مركز دراسات الوحدة العربية.
[2] تقارير وزارة الخارجية العراقية حول انتهاكات السيادة والعمليات العسكرية التركية في شمال العراق (دهوك وأربيل).
[3] تقارير مراكز الدراسات الاستراتيجية الدولية حول "طرق تدفق المقاتلين الأجانب عبر الحدود التركية إلى سوريا".
[4] المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات: تحولات المشهد السوري وتأثير التدخلات الإقليمية على القدرات الدفاعية والصناعية للدولة.
[5] مشروع جنوب شرق الأناضول (GAP) وأثره على الأمن المائي والبيئي في سوريا والعراق، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم.
[6] العلاقات التركية الإسرائيلية: دراسة في الجيوسياسية والتجارة البينية والتحالفات الأمنية، معهد الدراسات الإقليمية.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق